ينقضُه خارجٌ من سبيلٍ.
باب نواقض الوضوء
أي: مفسداته، جمعُ ناقضة أو ناقض؛ فإنَّ فاعلًا يُجْمَعُ على فواعل إذا كان وصفًا لما لا يَعْقِلُ، كما هنا. والنقضُ حقيقةٌ في البناءِ، مجازٌ في المعاني، كنقضِ الوضوء، وعلاقتُه الإبطال.
وهي: ثمانيةٌ بالاستقراء، أشار إلى أحدِها بقوله:
(ينقضُه) أي: الوضوء (خارجٌ من سبيلٍ) قُبُلٍ أو دُبُرٍ، إلى ما يلحقُه حكمُ التطهير؛
بابُ نواقضِ الوضوء
لمَّا فرغَ من الكلامِ على الوضوءِ ومسحِ الحوائلِ وكان له مبطِلاتٌ، ناسَبَ ذِكْرُها بعدَها، فقال: "باب" إلخ.
(أي: مفسداتُه) إنَّما فسَّر الشارحُ -رحمه اللهُ تعالى- النواقضَ بالمفسِدات؛ لأنَّ النقضَ حقيقةٌ في البناء ونحوِه، واستعمالُه في المعاني، كالعهد ونقضِ الوضوءِ ونحوِهما، مجازٌ، علاقتُه الابطالُ. (إذا كان وصفًا لما لا يَعْقِل) كما اختاره جماعةٌ منهم ابنُ مالك.
(وهي ثمانية) أي: نواقضُ الوضوء، بمعنى: مفسدات. وقولُه: (بالاستقراء) أي:
تتبع (^١) … (خارجٌ من سبيل) إلى ما هو في حكم الظاهرِ؛ ويلحقه حكمُ التطهيرِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية. والغائطُ: المكانُ المطمئنُّ من الأرض تُفضَى فيه الحاجةُ. سمِّي باسم الخارجِ؛ للمجاوَرة، من باب إطلاقِ اسمِ المحلِّ على الحالِّ فيه. وواحدُهما: سبيل، وهو الطريقُ، وهما مَخرجُ البولِ والغائطِ، كثيرًا كان ذلك الخارجُ أو قليلًا. (إلى ما يلحقه حكمُ التطهير) أي: ما يجب غَسلُه من نجاسةٍ وجَنابةٍ، وهو متعلِّقٌ
_________________
(١) بعدها في الأصل طمس بمقدار سطر.
[ ١ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة:]، وقولِه ﵊: "ولكنْ مِنْ غائطٍ وبولِ" (^١) الحديث. وقولِه في المذي: "يَغْسِلُ ذكرَه ويتوضَّأ" (^٢) وقولِه: "لا ينصرف حنى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا" (^٣) قليلًا كان الخارجُ أو كثيرًا، نادرًا كدمٍ ودُودٍ،
بالخارج. ومفهومُه أنَّه إذا خرجَ إلى ما لا يلحقه حكمُ التطهير من الخبث، لا يلحق بسببه حكمُ التطهيرِ من الحدث. ولا يُشترط انفصالُ الخارجِ عن المحلِّ، فينقُضُ ولو لم ينفصلْ. وإلى ذلك أشار صاحبُ "المنتهى" (^٤) بقوله: ولو بظهورِ مَقعَدةٍ عُلم بَلَلُها. قال أبو الحارث: سألت الإمامَ أحمدَ عن رجل به عِلَّةٌ ربَّما ظهرت مقعدتُه، قال: إنْ عَلِمَ أنَّه يظهرُ معها نَدًى، توضَّأ، وإن لم يعلمْ، فلا شيءَ عليه. وكذا طرفُ مُصْرانٍ أو رأسُ دودةٍ وجزم الزركشيُّ أنَّه لا ينتقضُ إذا خرجت مقعدتُه ومعها بِلَّةٌ لم تنفصلْ عنها، ثمَّ عادت. وكلامُ الزركشيِّ مخالفٌ لنصِّ الإمامِ. دنوشري.
(الحديثَ) بالنصب مفعولٌ لفعل محذوفٍ. أي: اقرأ الحديثَ.
(لا ينصرف حتى يسمعَ صوتًا) أي: لا ينصرف من الصلاةِ.
(قليلًا كان الخارجُ إلخ) هذا تعميمٌ للخارج من السبيلين. (نادرًا) خبر كان المحذوفة مع اسمِها. أي: أو كان الخارجُ نادرًا من السبيلين كريح من القُبُل لذَكَرٍ أو أُنثى. قال أبو
_________________
(١) في (م): "أو بول"، والحديث سلف ص ٣٣٥ عن صفوان ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣)، وهو عند أحمد (٦٠٦) عن علي ﵁.
(٣) روي عن عدد من الصحابة منهم: أ- عبد الله بن زيد ﵁: أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١)، وهو في "مسند أحمد" (١٦٤٥٠). ب- أبو هريرة ﵁: أخرجه مسلم (٣٦٢)، وهو عند أحمد (٨٣٦٩). جـ- أبو سعيد الخدري ﵁: أخرجه أحمد (١١٩١٣).
(٤) ١/ ١٩.
[ ١ / ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو معتادًا كبولٍ وغائِطٍ، طاهرًا كولدٍ بلا دَمٍ، أو نجسًا كمذيٍّ، ولو ريحًا من قُبُلِ أنثى أو ذَكَرٍ، أو قَطر في إحليله نحوَ دُهْنٍ، ثمَّ خرج، فلو احتمل في قُبُلٍ، أو دبر قطنًا، أو مِيلًا،
الحسن: قياس المذهب النقض بالريح من قُبل المرأةِ دون قُبل الرجلِ، وعلَّله ابنُ عقيل بأن قُبُلَ المرأة ينفُذُ إلى الجوفِ، بخلافِ الرجل. وريح الدُّبُرِ إنما يَنقضُ لاستصحابه جزءًا لطيفًا من النجاسةِ، بدليل نَتَنِها. أو الدود والحصى من الدبر؛ لعموم قوله ﵊: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح". رواه الترمذي (^١) … فالذي عليه جماهير الأصحاب أنَّ ذلك ينقضُ الوضوءَ؛ لأنَّه خارجٌ من سبيل، أَشبهَ المعتادَ. وقال مالكٌ: لا ينقض النادرُ. وقال أبو حنيفة: لا ينقضُ الريحُ من القُبل. حفيد مع زيادة.
(أو معتادًا) عطفٌ على "نادرًا". (طاهرًا) خبرُ "كان" المحذوفة مع اسمِها. أي: أو كان الخارجُ طاهرًا، كالولد العاري عن الدَّمِ، فإنَّه ينقضُ الأصحِّ (ولو ريحًا) غايةٌ لقوله: "نجسًا". (أو قطَّر) بفتح الطاءِ وتشديدِها، يصحُّ أن يكونَ خبرًا لـ "كان" المحذوفة مع اسمها. أي: أو كان الخارجُ مقطَّرًا، كدُهنٍ يقطَّر في الإِحليل، بكسر الهمزةِ: مَجرى البولِ، ثم يخرج، فإنَّه ينقضُ الوضوءَ على الصَّحيح من المذهبِ. جزم به في "المغني" (^٢)، وابنُ رزين، وصحَّحه في "مَجمع البحرين"، وقالوا: لأنه لا يخلو عن بِلَّة نَجِسةٍ تصحبه. وقال القاضي في "المجرَّد": لا ينقضُ. والمذهبُ الأوَّل. وفُهم من هذا لو قطره في غير السبيلِ ولم يصِلْ الى محل محكومٍ بنجاسته ثم خرجَ، لم ينقضْ. قال في "الفروع" (^٣): ولو صبَّ دُهنًا في أُذُنه، فوصل دماغَه ثمَّ خرج منها، لم ينقضْ، وكذا لو خرجَ من فمه، في ظاهرِ كلامِهم، كنُخامة الحَلْقِ، مع أنَّها جرت على مَخرجِ القيءِ، وِفاقًا لأبي حنيفةَ. دنوشري. (فلو احتملَ في قُبُل إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "أو قطر" يعني: لو احتشَى قُطنًا وابتلَّ، أو نحوَه في ذَكَره، ثم أخرجه وعليه بلل، انتقضَ
_________________
(١) بعدها في الأصل طمس بمقدار سطر.
(٢) ١/ ٢٣١.
(٣) ١/ ٢٢١.
[ ١ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثمَّ خرج ولو بلا بللٍ، نقض. كما في "الإقناع" (^١). وقيل: لا ينقضُ إِنْ خرج بلا بللٍ. قال صاحبُ "المنتهى" في "شرحه" (^٢): وهو المذهب، وعلَّله بأنَّه ليسَ بين المثانةِ والجَوْفِ مَنْفَذ، ومقتضى هذا التعليل أنَّ المُحْتَشَى (^٣) في الدُّبُرِ ينقضُ مطلقًا، كما ذكره المصنِّف.
ولو ظهر طرفُ مُصْران، أو رأسُ دودةٍ، نقض. ولو ظهرت مقعدتُه، فإن عَلِمَ بللَها، بطل وضوءُه، لا إن جَهِلَ.
وضوءُه. ومفهومُه أنَّه لو خرجَ ناشفًا، لم ينقضْ. وهو المذهبُ، ولأنه ليس بين المثانةِ والجوفِ منفذٌ ولم تصحبه نجاسةٌ، فلم ينقضْ، ومال في "الإقناع" (^٤) أنَّه ينقضُ ابتلَّ، أَوْ لا. والأصحُّ الأوَّل. دنوشري (^٥) … ابتلَّ، أَوْ لا.
(ولو ظهر طرفُ مُصْرانٍ أو رأسُ دودةٍ، نقض) مطلقًا عند "الإقناعِ"، ومع البِلَّةِ، على ما قدَّمه في "الفروع" (^٦). والله أعلم. (ولو ظهرتْ مَقعدَتُه) غايةٌ لقول المصنِّف: "خارجٌ من سبيل" لأنَّه تقدَّم أنَّ الخارجَ من السَّبيلين لا يُشترط انفصالُه ولو بظهورِ مقعدةٍ علم بللها. (لا إن جهل) فلا شيء عليه، ومتى استدَّ المخرج المعتاد وانفتح مخرجُ غيرِه، ولو كان المنفتحُ أسفلَ المَعِدَة -على وزن كَلِمَة- وهي موضعُ الطعامِ قبل انحدارِه إلى الأمعاءِ، وهي لنا بمنزلة الكَرِشِ لذات الأَظلافِ والأَخفاف، لم يثبت للمَخرج المنفتِحِ حكمُ المخرجِ المعتادِ بالكليَّة.
["فلا نقضَ بريحٍ منه"] (^٧) أي: من المنفتح. ولا ينتقضُ الوضوءُ بلمسه بغير شهوةٍ إذا
_________________
(١) ١/ ٥٧.
(٢) "معونة أولي النهى شرح المنتهى" لابن النجار ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧، والكلام أيضًا في "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي ١/ ١٣٦.
(٣) في (م): "المحشي".
(٤) ١/ ٥٧.
(٥) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
(٦) ١/ ٢١٩.
(٧) هذه العبارة غير موجودة في "هداية الراغب"، ولعلَّ صاحب الحاشية نقلها عن حاشية الدنوشري على "المنتهى"، لأنها من عبارة "المنتهى"، وهي فيه ١/ ١٩.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وكذا مِنْ باقي البدنِ، إنْ كان بولًا، أو غائِطًا، أو كثيرًا نجسًا غيرُهما، كقيءٍ ودمٍ.
الثاني من النواقض: ما أشار إليهِ بقولِه:
(وكذا) ينقضُ الوضوءَ خارجٌ (من باقي البدن) أي: ما سِوى السَّبيلين (إن كان) الخارجُ من بقيَّة البدن (بولًا، أو غائطًا) مطلقًا (أو) كان (كثيرًا نجسًا غيرُهما) أي: غيرُ البول والغائط (كقَيْءٍ) ولو بحاله (ودمٍ)
كان من بدنِ امرأةٍ. ولا نقضَ بخروج نجِسٍ يسيرِ منه غيرِ بولٍ وغائطٍ، وتكفي فيه الأحجارُ. ولا يجب مهرٌ بإيلاجِ الذَّكَرِ فيه. والمسدودُ صار كعُضو زائدٍ من الخُنثى، وصار المنفتِحُ سبيلًا بالنسبة للحدثِ الذي هو البولُ أو الغائطُ. دنوشري مع زيادة.
(مطلقًا) أي: سواءٌ كان البولُ أو الغائطُ كثيرًا أو قليلًا، وسواءٌ كان من السَّبيلين أو غيرِهما، وسواءٌ كانا مسدودَين أو مفتوحَين. ولا يختلف المذهبُ في نقض الوضوءِ بخروج البولِ أو الغائطِ مطلقًا، سواءٌ كان من مَخرجه أو من غيرِه، ويستوي في ذلك قليلُها وكثيرُها. دنوشري. (أي: غيرُ البولِ والغائطِ) من باقي البدنِ (كقَئءٍ ولو بحاله) كما لو شربَ ماءَ عرقِ السُّوس (^١)، أو شربَ ماءً، فقذفه في الحالِ بصفته، فنجسٌ. وينقضُ كثيرُه دون قليلِه؛ لِمَا رُويَ عن أبي الدرداءِ أنَّ رسول الله ﷺ قاءَ فتوضَّأ (^٢)، قال (^٣): فلقيتُ ثَوْبانَ في مسجدِ دمشقَ، فسألته، فقال: صدقَ، أنا سكبتُ له وضوءَه. رواه الترمذي، وقال: هذا أصحُّ شيءٍ في البابِ (^٤). قيل للإمامِ أحمدَ: حديثُ ثوبانَ ثبتَ عندك؟ قال: نعم. ولأنَّ نجاستَه بوصوله إلى الجوفِ لا باستحالته. ولا ينقضُ بَلْغَمُ معدةٍ وصدرٍ ورأسٍ؛ لِطهارته. ولا جشاءٌ، نصًّا،
_________________
(١) في الأصل: "الدسوس". والسوس: نبات برئٌّ وبستاني، أجوده عصارته إذا كان طريًا. "المعتمد" للتركماني ص ٢٤٨.
(٢) في بعض نسخ الترمذي: قاء فأفطر فتوضأ. وفي "سنن" أبي داود، و"مسند" أحمد: قاء فأفطر.
(٣) القائل: معدان بن أبي طلحة رواي الحديث.
(٤) "سنن" الترمذي (٨٧). وأخرجه أيضًا أبو داود (٢٣٨١)، وأحمد (٢٧٥٠٢).
[ ١ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيحٍ، ودودِ جُرْحٍ؛ لقوله ﵊ في حديث فاطمةَ: "إنَّه دمُ عِرْق، فتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ" رواه الترمذي (^١).
وعُلم من قوله: "كثيرًا" أنَّه لو كان غيرُ البولِ والغائطِ قليلًا، لم ينقضْ؛ لمفهوم قولِ ابنِ عباس في الدَّم: إذا كان فاحِشًا، فعليه الإعادة (^٢). والكثير: ما فَحش في نفس كلٌ أحدٍ بحسبه. فلو مصَّ علقٌ أو قُرادٌ (^٣) -لا ذُبابٌ وبعوض- دمًا كثيرًا، نقض.
وعن عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن أصابه قيءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلَسٌ، فلينصرفْ فلْيتوضَّأ" رواه ابنُ ماجه والدارقطني (^٤). والقَلَس، بتحريك اللامِ، وقيل: بالسُّكون: ما خرج من الجوف مِلءَ الفمِ أو دونه، وليس بقيء، فإن عاد فهو قيءٌ. دنوشري. (إنه دم عرق) فهي مستحاضةٌ حينئذٍ. (والكثيرُ ما فَحُشَ) يعني: ينتقض الوضوءُ بخروج نجاسةٍ من باقي البدنِ. "فاحشةٍ" (^٥) بالجرِّ صفة لـ "نجاسةِ" أي: نجاسةٍ كثيرةٍ حيث كانت، غير بولٍ وغائطٍ؛ لأنَّه خارجٌ نَجِسٌ فاحشٌ، فنقضَ، كالخارج من السَّبيلين. وفُحشُها ليس له حدٌّ، وإنَّما هو (في نفس كلِّ أحدٍ بحسَبه) أي: بحسب حالِه واعتقادِه، فإن اعتقدَ أنَّها فاحشةٌ، انتقضَ وضوءُه، عملًا باعتقاده، وإلَّا، فلا؛ وذلك لقول ابنِ عباس: الفاحشُ: ما
_________________
(١) في "سننة" (١٢٥)، وهو عند البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣) من حديث عائشة ﵂ بنحوه، وفاطمة: هي بنت أبي حبيش بن المطلب القرشية الأسدية. "الإصابة" ١٣/ ٧٩.
(٢) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" ١/ ١٧٢، والبيهقي ٢/ ٤٠٥.
(٣) القُراد: ما يتعلق بالبعير ونحوه، وهو كالقمل للإنسان. "المصباح المنير" (قرد).
(٤) "سنن" ابن ماجه (١٢٢١) -واللفظ له-، و"سنن" الدارقطني (٥٦٣). قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٢٧٤: أعلَّه غير واحد بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج فرووه عنه، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، وصحَّح هذه الطريق المرسلة محمد بن يحيى الذهلي والدارقطنى في "العلل" وأبو حاتم.
(٥) الكلام من "منتهى الإرادات" ١/ ١٩، ولعلَّ صاحب الحاشية نقله عن الدنوشري، كما أشرنا إليه قريبًا.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وزوالُ عقلٍ، ولو بنومٍ،
الثالثُ من النواقض: أشار إليه بقوله: (وزوالُ عقلٍ) بجنون أو بِرسام (^١)، أو تغطيتُه بإغماءٍ أو سُكرٍ، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا (ولو) كانت تغطيتُه (بنومٍ) لحديث
فَحُشَ في قلبِك (^٢). ولقول النبيِّ ﷺ: "دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك" (^٣) ولأنَّ اعتبارَ حالِ الإنسانِ بما يستقبحه غيرُه حرجٌ، فيكونُ منتفيًا عنه. وعن الإمامِ: تُعتبر نفوسُ أَوساطِ الناسِ. اختاره القاضي وجماعةٌ كثيرةٌ، وجزمَ به في "التلخيص". قال في "الإنصاف" (^٤): والنفسُ تميل إلى ذلك.
إذا تقرَّر هذا، فتنقُضُ النجاسةُ الفاحشةُ إذا خرجتْ من بدن المتوضِّئِ ولو بقطنةٍ ونحوِها، كخِرقةٍ صغيرةٍ ونحوِها، أو بمصٍّ عَلَقٍ أو قُرادٍ؛ لأنَّه لا فرقَ في نقضِ الوضوءِ بين ما يخرجُ بنفسه أو بمعالجةٍ حيث كان كثيرًا، إلَّا أنَّه لا ينقضُ ما خرجَ بمصٍّ بعوضٍ ونحوِه، كبَقٍّ وذبابٍ وبراغيثَ؛ لقلَّتة ومشقَّةِ الاحترازِ عنه. دنوشري مع زيادة.
(وزوالُ عقلٍ) أي: تمييزٍ (بجنون، أو بِرسامٍ، … أو سكر، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا) وهذا بالإجماع على كلِّ الأحوالِ؛ لأنَّ هؤلاء لا يشعرون بحال.
والعقلُ لغةً: المنعُ. وقيل: التثبُّتُ في الأمور. وقيل: سمِّي عقلًا؛ لأنَّه يعقِلُ صاحبَه عن التورُّط في المهالك، أي: يحبِسُه. والجنونُ: زوالُ الشعورِ من القلبِ مع بقاءِ حركة الأعضاء وقوَّتها. والإغماء: زوال الشعور من القلب مع فتورِها. وكلاهما ناقضٌ للوضوء؛ لزوال عقلِهما. حفيد مع زيادة.
_________________
(١) البِرسام: عِلَّة يُهذى فيها. "القاموس المحيط" (برسم).
(٢) كذا في "المبدع" ١/ ١٥٧، و"كشاف القناع" ١/ ١٢٤، والظاهر أنه كلام الإمام أحمد كما في "المغني" ١/ ٢٤٩، و"الشرح الكبير" ٢/ ١٦، و"المعونة" ١/ ٣٤٠.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي ٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨ من حديث الحسن بن علي ﵄. وهو عند أحمد (١٧٢٣). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) ٢/ ١٧.
[ ١ / ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليٍّ: "العينُ وِكاءُ السَّهِ، فمَنْ نام، فليتوضأ" رواه أحمد (^١). والسَّهُ: حلْقة الدبر (^٢)؛ ولأنَّ النومَ مظنَّةُ الحَدَثِ، فأقيم مقامَه.
والنومُ رحمةٌ من الله على عبدِه؛ ليستريحَ بدنُه عند تعبه، وهو غشيةٌ ثقيلةٌ تقعُ على القلب، تمنعُ المعرفةَ بالأشياء؛ فينقض النومُ الوضوءَ، إلا نومَ النبيِّ ﷺ على أيٍّ حالٍ كان؛ لأنَّه تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه (^٣).
(العينُ وِكاء السِّهِ) العين: كنايةٌ عن اليقظةِ. والوِكاءُ -مثل: كِتاب-: حبلٌ يشدُّ به رأسُ القِربةِ. "مصباح" (^٤)، ففيه استعارةٌ لطيفةٌ؛ لأنَّه جعلَ العينَ بمنزلة الحبلِ؛ لأنه يضبِطها، فزوالُ اليقظةِ كزوال الحبلِ؛ لأنَّه يحصل به الانحلالُ. والسَّهُ: اسمٌ للدُّبُر. ووِكاؤه: حفاظُه عن أن يخرجَ منه شيءٌ لا تشعر به العينان. (ولأنَّ النومَ مَظِنَّةُ الحدث .. إلخ) وغيرُ النومِ مما ذكر أَبلغُ منه في الذُّهولِ الذي هو مظنَّةٌ لخروج شيءٍ من الدُّبُر، كما أشعر به الحديثُ.
وفي إيجاب الوضوءِ بالنوم تنبيةٌ على وجوبه لما هو آكَدُ منه، كالسُّكْر والإغماءِ إلَّا نومَ النبيِّ ﷺ؛ لخبر الصَّحيحين: "إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينامُ قلبي". وفي البخاريِّ (^٥) في خبر الإسراءِ عن أنسٍ: "وكذلك الأنبياءُ ﵈ تنام أعينُهم ولا تنام قلوبُهم".
فإنْ قيل: هذا مخالفٌ للحديث الصحيحِ أنَّه ﷺ نام في الوادي عن صلاة الصُّبحِ حتى
_________________
(١) في "مسنده" (٨٨٧)، وأخرجه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧). وفي إسناده بقيَّة، وهو مدلس. والوكاء: الخيط الذى تشدُّ به الصُّرَّة والكيس وغيرهما، فكما أن الوكاء يمنع ما في القربة أن يخرج، كلذلك اليقظة تمنع الاستَ أن تُحدِث إلا باختيار. "النهاية" (وكا).
(٢) "النهاية في غرب الحديث" (سه).
(٣) هو أصل حديث للسيدة عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ عينيِّ تنامان ولا ينام قلبي". أخرجه البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨) (١٢٥)، وهو عند أحمد (٢٤٠٧٣).
(٤) مادة (وكي) وما بعده منه.
(٥) برقم (٣٥٧٠).
[ ١ / ٣٥٦ ]
إلَّا يسيرًا من قاعدٍ، وقائمٍ غيرِ مستنِدٍ، ونحوهِ.
و(إلا) نومًا (يسيرًا) عُرفًا (من قاعدٍ وقائمٍ غيرِ مستندٍ) كلاهما (ونحوِه) أي: نحو المستند، كمتكئ ومُحتَبٍ؛ لقولِ أنسٍ: "كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ ينتظرون العشاءَ الآخرةَ (^١) حتى تخفِقَ رؤوسُهم، ثمَّ يصلُّون ولا يتوضؤون" رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح (^٢). ولقولِ ابنِ عباسٍ في قصَّة تهجُّدِه ﷺ: فجعلْتُ إذا أَغْفَيْتُ يأخُذُ بشَحْمَةِ أُذني. رواه مسلم (^٣).
طلعت الشمسُ (^٤)، ولو كان غيرَ نائمٍ، لَما ترك صلاةَ الصُّبحِ؟
فجوابُه من وجهين: أَحدهما -وهو المشهورُ-: أنَّ القلبَ يقظانُ يُحِسُّ بالحَدَث وغيرِه فيما يتعلَّق بالبدن ويشعرُ به القلبُ، وليس طلوعُ الفجرِ والشمسِ من ذلك؛ لأنَّه إنَّما يُدرَك بالعين، وهي نائمةٌ.
والثاني: أنَّه كان له ﷺ نومان: أَحدُهما: تنام عينُه وقلبُه. والثاني: عينُه دون قلبهِ. وكان نومُ الوادي من النوم الأَوَّلِ. مصنِّف في حاشية "الإقناع" في كتابِ النِّكاح (^٥).
(وإلَّا نومًا يسيرًا عُرفًا) يعني: أنَّ مرجعَ الكثرةِ والقلَّةِ العرفُ؛ لأنَّه لا حدَّ له في الشَّرع. وقيل: ما لم يتغيَّر عن هيئته، كسقوطه. ومَن لم يُغلبْ على عقلِه، فلا وضوءَ عليه. وإنْ خطر بباله شيءٌ لا يدري أرؤيا أو حديثُ نفسٍ، فلا وضوءَ عليه. وإنْ شكَّ في النوم الكثيرِ، لم يلتفتْ إليه. وإنَّما استثنى المؤلِّفُ -رحمه الله تعالى- النومَ اليسيرَ إذا كان من جالسٍ وقائمٍ،
_________________
(١) في الأصل و(ز) و(س): "الأخيرة"، والمثبت من (ح)، وهو الموافق لما في "سنن" أبي داود.
(٢) برقم (٢٠٠)، وأخرجه بنحوه مسلم (٣٧٦) (١٢٥).
(٣) برقم (٧٦٣) (١٨٥).
(٤) أخرجه البخارى (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢) من حديث عمران بن حصين ﵁. وهو عند أحمد (١٩٨٩٨). وأخرجه البخارى (٥٩٥)، ومسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة ﵁، وهو عند أحمد (٢٢٥٤٦). وأخرجه مسلم (٦٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو عند أحمد (٩٥٣٤).
(٥) "كشاف القناع" ٥/ ٣٦.
[ ١ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: "حتى تخفِقَ رؤوسُهم"، قال في "المصباح" (^١): خفقَ برأسه خفقةً: أخذته سِنَةٌ من النُّعاس، فمال رأسُه دون سائرِ جسده، وبابُه ضرب. وقوله: "أَغْفَيتُ" أي: نمتُ نومةً خفيفة. قال ابن السِّكِّيت (^٢) وغيرُه: ولا يقال: غفوت. وقلَّله الأزهريُّ كما في "المصباح" (^٣).
وعُلِم منه أنَّ الكثيرَ من قاعدٍ وقائمٍ ينقض
فالقائمُ كالقاعد؛ لاشتراكهما في انضمامِ محلِّ الحدثِ، فلا ينقض يسيرُه، وحديثُ أنس محمول على الكثير؛ لأنه اليقين، ولأن النوم اليسير يكثُرُ وقوعُه من منتظري الصَّلاةِ، فعُفي عنه؛ لمشقَّة التحرُّز. وأمَّا عدمُ انتقاضِ الوضوءِ بالنوم اليسيرِ من القائم، فما رُوي عن ابن عباسٍ في قصَّة تهجُّدِه إلخ، ولأنَّ الجالسَ والقائمَ يشتبهان في الانخفاضِ واجتماعِ المَخرجِ، وربَّما كان القائمُ أبعدَ من الحدثِ؛ لكونه لو استثقلَ في النوم، لَسقط.
(وعُلِمَ منه أنَّ: الكثير … إلخ.) يعني: وفُهم من قولِه: "اليسير" أنَّ النومَ إذا كان كثيرًا ينقضُ، وهو كذلك على المذهبِ؛ لأنَّه مع الكثرةِ لا يُحِسُّ بما يخرجُ منه، بخلاف النومِ اليسيرِ. وقيل: مِقدارُ الكثيرِ ركعتان. ونصَّ الإمامُ أحمدُ: إذا رأى فيه حُلُمًا، وقيل: هو الذي يزولُ معه الاستشعارُ، بخلاف النُّعاسِ.
وفُهم من قوله: ["إلَّا اليسيرَ عرفًا من جالسٍ وقائمٍ"] (^٤) أنَّ النومَ اليسيرَ من راكعٍ وساجدٍ ينقضُ، وهو المذهبُ. وعنه: أنَّ نومَ الرَّاكعِ والسَّاجدِ لا ينقضُ يسيرُه؛ لأنَّهما من أحوالِ
_________________
(١) مادة (خفق).
(٢) هو شيخ العربية، أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق بن السِّكِّيت، البغدادي، مؤلِّف كتاب "إصلاح المنطق". (ت ٢٤٤ هـ). "السير ١٢/ ١٦ - ١٩.
(٣) مادة (غفا).
(٤) لم ترد هذه العبارة بهذه الصيغة في "الهداية" وهي بتمامها من "منتهى الإرادات" ١/ ١٩، ولعل المحشي نقلها عن الدنوشرى، كما أسلفنا سابقًا.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ومسُّ فَرْجٍ
وأنَّ نحوَ مستندٍ كمضطجع بجامعِ الاعتماد، فينقض مطلقًا. وإن رأى رؤيا، فكثير.
الرابع من النواقض: [أشار إليه] (^١) بقوله:
(ومَسُّ فَرْجٍ) متَّصلٍ أصليٍّ من آدميٍّ ولو ميْتًا،
الصلاةِ، أشبهَ الجالسَ. والأوَّلُ المذهبُ. وقياسُها على الجالسِ غيرُ مستقيمٍ؛ لأنَّ محلَّ الحدثِ فيهما منفتِحٌ، بخلاف الجالسِ. وقدَّم في "المحرَّر" و"البلغة" استثناءَ اليسيرِ في الحالاتِ الأربعِ. وشرطُ عدمِ النقضِ بالنوم اليسيرِ من جالسٍ وقائمٍ ألا يكونَ مع احتباءٍ، واتِّكاءٍ، واستنادٍ، أو اضطجاعٍ. يعني: أنَّ النومَ من المحتبي والمتَّكئِ والمستنِدِ والمضطجعِ ينقضُ الوضوءَ مطلقًا، سواءٌ كان كثيرًا أو قليلًا، كما ذكره في "الفروع" (^٢). دنوشري.
(وانْ رأى رؤيا، فكثيرٌ) وإنْ سمع كلامَ غيرِه ولم يفهمْه، فيسيرٌ. قاله الزركشيُّ. منه. (ومسُّ فَرْجٍ متَّصلٍ) بالجرِّ صفة لـ "فرجٍ". فلا نقضَ بمسِّ الذَّكَرِ المنفصلِ؛ لذهاب حُرمتِه بالقطع، فانقطع حكمُه. وقولُه: (أصليٍّ) بالجرِّ صفة للفَرْج أيضًا. فلو كان زائدًا، لم ينقضْ في الأصحِّ. فلا نقضَ بمسِّ أحدِ قُبُلَي الخنثى المشكِل، فلا ينتقضُ الوضوءُ بمسِّه مع قيام الاحتمالِ؛ لاحتمال أنْ يكونَ الملموسُ غيرَ أصليٍّ، والطهارةُ ثابتةٌ بيقين، فلا تزولُ إلَّا بيقين. وقولُه: (من آدميٍّ) متعلِّق بـ "مس فرجٍ" فإنَّه ينقضُ مطلقًا، سواءٌ كان لشهوةٍ أو لغير شهوةٍ، وسواءٌ كان لرَجُل أو امرأةٍ، لا فرج بهيمةٍ، ولو كانت مأكولةً؛ إذ لا حُرمةَ لها في ذلك، وليس بمنصوصٍ عليه، ولا في معناه. وفيه احتمالُ، وهو قولُ الليثِ. زاد في "الرعاية": لشهوة. ولا بمسِّ مخرجِ المعتادِ إذا انسدَّ وانفتح غيرُه، من نفسِه أو غيرِه، من رأسِه إلى أصولِ الأُنثَيَيْن. وفَرْجُ المرأةِ: هو الذي بين شُفْرَيْها. وقولُه: (ولو مَيْتًا) أي: ولو كان الذَّكَرُ الأصليُّ الممسوسُ من مَيْتَةٍ؛ لأنَّ حرمتَه باقيةٌ من كبيرٍ أو صغيرٍ.
_________________
(١) في (م): "ما أشار إليه".
(٢) ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
[ ١ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُبُلًا كان أو دُبُرًا، من الماسِّ أو من غيره، ذَكرًا كان الماسُّ، أو أنثى،
وقولُه: (قُبُلًا كان، أو دُبُرًا) أي: وكذا لو كان الممسوسُ دُبُرًا أو حلقةَ دُبُرٍ، منه أو من غيرِه، لذَكَر أو أنثى. وينقضُ مسُّ امرأةٍ فرجَها الذي بين شُفْريها، وهو مَخرجُ بولٍ ومَنيٍّ وحيضٍ، لا شُفْريها، وهما أسْكَتاها. وينقض مسُّ فرجِ امرأةٍ أخرى، ومسُّ رجلٍ فرجَها، ومسُّها ذكرَه، ولو من غير شهوةٍ في الجميع. أمَّا كونُ مسِّ ذَكَرِ الرَّجلِ ينقضُ الوضوءَ؛ فلحديث بُسْرةَ المذكورِ، [و] عن أبي هريرةَ أن النبي ﷺ قال: "إذا أفضى أحدُكم بيده إلى ذكره، فقد وجبَ عليه الوضوءُ". رواه الشافعيُّ والامام أحمدُ. وفي رواية له: "وليس دونَه سِترٌ" (^١) وقد رُوي ذلك عن بضعةَ عشَرَ (^٢) صحابيًّا، وهذا لا يُدرَك بالقياس، فعُلم أنَّهم قالوه عن توقيفٍ. وعنه: لا ينقضُ؛ لِمَا روى قيسُ بن طَلْقٍ، عن أبيه: أن النبي ﷺ سُئل عن الرَّجُل يَمَسُّ ذَكرَه وهو في الصلاةِ هل عليه وضوءٌ؟ قال: "لا، إنَّما هو بَضعةٌ منك". رواه الخمسةُ، ولفظُه للإمام أحمدَ، وصحَّحه الطَّحَاويُّ وغيرُه (^٣). ولأنَّه جزءٌ من جسده، أشبهَ رِجْلَه، فعليها يُستحبُّ الوضوءُ من مسِّه. واختارها الشيخُ تقيُّ الدين في "فتاويه" (^٤)، والأُولى أصحُّ؛ لأنَّ حديثَ قيسٍ ضعّفه الشافعي والإمامُ أحمد. قال أبو زُرعةَ وأبو حاتم: قيسٌ لا تقومُ بروايته حُجَّةٌ. ولو سلَّمنا بصحَّته، فهو منسوخٌ؛ لأنَّ طَلْقَ بن عليٍّ قَدِمَ على النبي ﷺ وهو يؤسِّس في المسجد. رواه الدارقطني (^٥). ولا شكَّ أنَّ التأسيسَ كان في السنة الأولى من
_________________
(١) هذه الزيادة عند الشافعي وأحمد وغيرهما. ينظر تخريج الحديث في "الهداية".
(٢) في الأصل: "بضعة عشرون"، والمثبت من "المغني" ١/ ٢٤٢، و"المبدع" ١/ ١٦١، و"كشاف القناع" ١/ ١٢٦.
(٣) "سنن أبي داود" (١٨٢)، و"سنن الترمذي" (٨٥)، و"سنن النسائي" ١/ ١٠١، و"سنن ابن ماجه" (٤٨٣)، و"مسند أحمد" (١٦٢٨٦)، و"شرح معاني الآثار" ١/ ٧٦، وحديث بسرة سيأتي قريبًا.
(٤) ٢١/ ٢٢٢.
(٥) في "سننه" (٥٤٠)، وهو عند أحمد كما في "إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي" ٢/ ٦٢٥. وأخرجه أيضًا ابن حبان (١١٢٢). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": ٢/ ٩ رجاله موثقون.
[ ١ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو خنثى، لشهوةٍ، أوْلا، وكان الذَّكر أشلَّ أو قلفة؛ لحديث بُسرة بنتِ صفوان (^١): أنَّ النبي ﷺ قال: "مَنْ مسَّ ذَكرَه، فليتوضأ" رواه مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرهم (^٢).
الهجرة، وإسلامَ أبي هريرةَ كان في السنة السابعة، وبسرةَ كان في السنة الثامنةِ تمامَ الفتح. هذا وإن لم يكنْ نصًّا في النسخ، فهو ظاهرٌ فيه، وحديثُهم مبقيٌّ على الأصل، وأحاديثنا ناقلةٌ عنه، وهي أَولى. وقياسُهم الذَّكَرَ على بقيَّة البدنِ لا يستقيم؛ لأنَّه يتعلَّق به أحكامٌ ينفردُ بها، مِن إيجاب الغُسلِ بإيلاجِه، والحدِّ، والمهرِ، وغيرِ ذلك. ومنهم مَن حمل الحديثَ على المسِّ من وراءِ حائلٍ؛ لأنَّه كان في الصَّلاة، والمصلِّي في الغالب إنَّما يمسُّه من فوقِ ثيابِه. ولا فرقَ بين كونِ الممسوسِ فرجًا للماسِّ أو لغيره؛ لأنَّه إذا انتقضَ وضوءُه بمسِّ فرجِ نفسِه، مع كونه لا يهتِكُ حرمةَ غيرِه، ومع كونِ الحاجةِ تدعو إلى مسِّه -وهو جائز- فَلأن ينتقضَ بمسِّ فرجِ غيرِه، مع كونه معصيةً، أولى. على أنَّ في بعض ألفاظِ حديثِ بُسَرةَ: "مَن مسَّ الذَّكَرَ، فلْيتوضَّأ" (^٣) وهو عامٌّ، فيشمَلُ كلَّ ذَكَرٍ، حتى ذَكَرَ الطفلِ والميَت.
وقوله: (أو خُنثى) أي: أو كان الممسوسُ قُبُلَي خنثى مشكِلٍ، ولو كان هو اللامس مطلقًا، سواءٌ كان لشهوة أو لغير شهوةٍ، وسواءٌ مسَّهما معًا أو مرتَّبًا؛ لأن أحدَهما فَرْجٌ أصليٌّ بيقين؛ لأنَّ الخنثى لا يخلو إمَّا أن يكون ذَكَرًا أو أنثى، فإن كان ذَكرًا، فقد مسَّ ذَكرَ ذَكَرٍ، وإن كان أُنثى، فقد مسَّ فَرْجَ امرأةٍ. وقولُه: (ولو كان الذَّكَرُ أشلَّ) أي: لا نفعَ به؛ لبقاء اسمِه وحُرمتِه. وقيل: لا نقضَ؛ لكونه أشلَّ، أشبهَ الزائدَ. والمذهبُ الأوَّل.
وقولُه: (أو قُلْفةً) أي: أو كان الذَّكرُ الأصليُّ له قُلْفةٌ -بضمِّ القافِ: وهي الجِلدةُ التي تُقطعُ في
_________________
(١) هي: بسرة بنت صفوان بن نوفل القرشية الأسدية زوج المغيرة بن أبي العاص لها سابقة قديمة وهجرة ومن المبايعات، ذكر ابن الكلبي أنها كانت ماشطة تقيِّن -تزيِّن- النساء بمكة. "الإصابة" ١٢/ ١٥٨.
(٢) "موطأ مالك" ١/ ٤٢، و"مسند الشافعي" ١/ ٣٤، و"مسند أحمد" (٢٧٢٩٣)، وهو عند أبي داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والنسائي في "المجتبى" ١/ ١٠٠، وابن ماجه (٤٧٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحح.
(٣) لم نقف على هذا اللفظ في حديث بسرة، وقد أخرجه عبد الرزاق (٤٤١) من كلام أبان بن عثمان. وجاء في حديث بسرة: "يتوضأ من مس الذكر"، وهو عند النسائي ١/ ١٠٠ - ١٠١، ووجادات عبد الله في "مسند" أبيه أحمد (٢٧٢٩٦).
[ ١ / ٣٦١ ]
بيدٍ،
قال البخاريُّ: أصحُّ شيءٍ في هذا الباب حديثُ بُسرة (^١).
(بيدٍ)
الخِتان -ومسَّها المتوضئُ متَّصلة بالذَّكَر، فإنَّه ينقضُ الوضوء بمسِّها؛ لأنَّها داخلةٌ في مسمَّى الذَّكر فتدخل في حرمته أيضًا. قال في "القاموس" (^٢): والقُلْفة -بالضمِّ وتُحرَّك- جِلْدة الذَّكر. دنوشري. (من آدميٍّ) فلا نقضَ بمسِّ فرجِ البهيمةِ والطيرِ؛ لأنَّه لا حرمةَ لذلك. ح ف. (ولو مَيتًا) خبرٌ لـ"كان" المحذوفةِ مع اسمها، أي: ولو كان الممسوسُ فَرْجُه مَيتًا؛ لبقاء حُرمتِه. مصنِّف (^٣). (متَّصلٍ) صفةٌ لـ"فَرْجٍ". فلا نقضَ بمسٍّ منفصلٍ؛ لذهاب حُرمتِه بقطعه. مصنِّف (^٣). (أصليٍّ) صفةٌ أيضًا. فلا ينقضُ مسُّ زائدٍ، ولا أحدِ فرجَي خنثى مشكلٍ؛ لاحتمال زيادتِه. مصنِّف (^٣). (قُبُلًا أو دُبُرًا) أي: سواءٌ كان الممسوسُ قُبُلًا أو حَلْقةَ دُبُرٍ. فهو على حذفِ مضافٍ. (أشلَّ) أي: لا نفعَ فيه؛ لبقاء اسمِه وحرمتِه (^٤). (أو قُلفةً) أي: أو كان الممسوسُ قُلْفةً، بضمِّ القافِ وسكونِ اللام، زاد الأصمعيُّ: فتح القافِ واللامِ. وهي جِلدةُ الذَّكرِ التي تُقطعُ في الخِتان. فينقضُ الوضوءَ مسُّها ما دامت متصلة، كالحَشَفة؛ لأنَّها من الذَّكَر. ولا نقضَ إذا قُطعت بمسِّها؛ لزوال الاسمِ والحُرمةِ، كالذَّكَر وأوْلى. "كشاف القناع" (^٥).
(أصحُّ شيءٍ) أي: حديثٍ (في هذا الباب) وهو نقضُ الوضوءِ بمسِّ الفَرْجِ.
(بيدٍ) جارٌّ ومجرورٌ متعلِّق بقوله: "مسُّ فرجٍ .. آدميٍّ" يعني: إذا مسَّ الإنسانُ فَرْجَ آدميٍّ بيده -والمرادُ باليد من رؤوسِ الأصابعِ إلى الكوعِ، كالسَّرقةِ والتيمُّم، ولا فرقَ بين بطنِ كفِّه أو ظهرِه أو حرفِه- وكان بغير حائلٍ؛ لأنَّ ظهرَ الكفِّ جزءٌ من اليدِ، أشبهَ ظاهرَه، وهو قولُ
_________________
(١) نقله عنه الترمذي في "سننه" ١/ ١٢٩.
(٢) مادة (قلف).
(٣) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ١٤١.
(٤) كذا في الأصل، وقد تقدَّم شرح العبارة قريبًا، وكرِّرت هنا!.
(٥) ١/ ١٢٧.
[ ١ / ٣٦٢ ]
أو الذَّكَرِ بفرجٍ غيره.
ولو زائدةً، سواءٌ كان المسُّ ببطن كفِّه، أو ظَهْرِها، أو حَرفِها، غيرِ ظفر. فلا نقضَ لو مسَّه بغيرها؛ لحديثِ أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا أفضى أحدُكُم بيدِه إلى ذَكَرهِ، فقدْ وَجَبَ عليه الوضوءُ" رواه الشافعي وأحمد (^١).
(أو الذَّكَرِ) بالجرِّ عطفًا على "فَرْجٍ"؛ يعني أنَّه ينقضُ الوضوءَ مسُّ الذَّكَرِ (بفَرْجٍ) بالتنوين (غيرهِ) أي: غيرِ الذّكَر، فينقضُ مسُّ الذَّكَر بقُبُل أنثى، أو دبرٍ مطلقًا بلا حائلٍ؛ لأنَّه أفحشُ من مسِّه باليد.
عطاءٍ والأوزاعيِّ. لا ينقضُ المسُّ بذراعه أو كوعِه؛ لأنَّ الحكمَ المعلَّقَ على مطلَق اليدِ لا يتجاوزُ الكوعَ، ولأنَّ غيرَ اليدِ ليس بآلةٍ للمسِّ.
ولمَّا كانت اليدُ شاملةً لليد الأصليَّةِ الشلَّاءِ، أو الزائدةِ، قال ﵀:
(ولو زائدةً) فالمسُّ باليد الزائدةِ أو الشلَّاءِ، ينقضُ الوضوءَ. وعنه: لا، كمسٍّ زائدٍ في الأصحِّ. دنوشري. (غير ظُفر) من اليد الأصليَّةِ أو الزائدةِ، فإنَّ مسَّ فرج الآدمي به، فإنه لا ينقضُ وضوءُه؛ لأنَّه في حكم المنفصل أشبه الدمع. قال في: "الإنصاف" (^٢): فإنْ مسَّه بالظُّفْر، لم ينقضْ على الصَّحيحِ من المذهبِ. (فلا نقضَ لو مسَّه بغيرها) أي: غيرِ اليد، فهو محترَزُها (أو الذَّكَرِ بفَرْجٍ غيرِه. أي: غيرِ الذَّكَرِ) بجرِّ "الذَّكَر" عطفًا على "فرجِ آدميٍّ" والمرادُ: لا ذَكَره بذَكَرٍ آخَر. يعني أنَّ الوضوءَ ينتقضُ بمسِّ الذَّكَرِ بفَرْجٍ غيرِ الذَّكَر، كمسِّ المرأةِ ذَكَرَ الرَّجلِ بقُبُلها أو دُبُرِها، ومسِّ الرجلِ ذَكَرَ الرجلِ بدُبُره، فإنَّه ينتقضُ وضوءَ الماسِّ بفَرْجه دون الممسوسِ فرجُه، ولو وجد شهوةً، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك في كلامِه قريبًا، لا إنْ مسَّ ذَكَرَه بذَكَرِ غيرِه، فإنَّ وضوءَهما لا ينتقضُ.
_________________
(١) "مسند الشافعي" ١/ ٣٤ - ٣٥، و"مسند أحمد" (٨٤٠٤)، وفي إسناده: يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٢١٦، والبيهقي ١/ ١٣٣ - ١٣٤ عن أبي هريرة موقوفًا، وصوَّبه الدارقطني في "العلل" ٨/ ١٣١. وينظر "خلاصة الأحكام" للنووي ١/ ١٣٤.
(٢) ٢/ ٣٠.
[ ١ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعُلم منه أنَّه لا ينقض مسُّ ذَكَر بذَكَر، وكذا لا ينقض مسُّ بائنٍ أو محلِّه، أو زائدٍ، أو أحد قُبُلي خنثى مشكلٍ، بلا شهوةٍ، أو بها، ما ليس للامسٍ مثله، كمسِّ ذَكَرٍ قُبُلَ الخنثى، أو أنثى ذَكَره لشهوة، فلا نقضَ،
ويشترط في مسِّ الفرجَين أو الذَّكَرِ أنْ يكونَ بلا حائلٍ؛ لما تقدَّم في لفظ الحديثِ من قولِه: "ليس بينهما حائلٌ" (^١) دنوشري.
(وكذا لا ينقض مسُّ بائنٍ أو محلِّه) هذا محترَزُ قولِه: "متصلٍ".
"فرعٌ": إذا انتشر ذَكَرُه بتكرُّر نَظَرٍ، لم ينتقضْ وضوءُه في الأصحِّ، كما لو كان عن فِكرٍ. (مسُّ ذَكَرٍ بذَكَر) ولا مسُّ دُبُرٍ بدُبُر، ولا قُبُل امرأةٍ بقُبُلِ أخرى أو دُبُرِها. مصنِّف (^٢). (كمسِّ ذَكرٍ قُبُلَ الخنثى .. إلخ) بأنْ مسَّ الرَّجلُ من الخنثى ما يُشبه آلةَ المرأةِ، أو لمست المرأةُ منه ما يُشبه آلةَ الرجلِ، لم ينقض وضوءَ ذلك اللامسِ مطلقًا، سواءٌ كان لشهوةٍ أو لغير شهوةٍ؛ لاحتمال زيادتِه. والحاصلُ أنَّ مسَّ غيرِ الخنثى الخنثى منحصرٌ في اثنتي عشرةَ صورةً؛ لأنَّ الماسَّ لفَرْج الخنثى لا يخلو: إمَّا أنْ يكونَ رجلًا، أو امرأةً، وإمَّا أنْ يمسَّ أحدَ فرجَيه، أو يمسَّهما معًا. وفي كلٍّ من هذه الصورِ: إمَّا أنْ يكونَ المسُّ لشهوة، أو لا. فتلخَّص من ذلك سِتُّ صُوَرٍ في الرَّجل، ومثلُها في المرأة. فإنْ كان -أي: الماسُّ- رجلًا ومسَّ أحدَهما لغير شهوةٍ، فلا نقضَ في الصُّورتين؛ لأنَّه يحتمل زيادةَ الفَرْجِ الممسوسِ، ويُعلم ذلك من مفهومِ كلامِ المصنِّف. وإنْ كان المسُّق لأحدهما لشهوة، انتقضَ بمسِّ ذَكَره؛ لأنَّه إنْ كان رجلًا، فقد مسَّ ذَكَرَه، وإنْ كان امرأةً، فقد مسَّها لشهوة، وإن كان قُبُلَ امرأةٍ، فلا نقضَ؛ لاحتمال زيادتِه، كما تقدَّم في المتن، وإن كان مسُّ الرَّجل قُبُلي الخنثى لشهوةٍ، انتقضَ؛ لِمَا ذكرنا بطريق الأولى؛ لأنَّه مسَّ فَرْجًا بيقين، فتبيَّن أنّ وضوءَ الرجلِ ينتقضُ في ثلاثٍ من السِّتِّ ولا ينتقضُ في ثلاثٍ. وهاتان الصُّورتان؛ لعدم توجيهِهما. وإن كان الماسُّ امرأةً والممسوسُ من الخنثى المشكِلِ الذَّكَر، ولو لشهوةٍ، فلا نقضَ؛ لاحتمال زيادته، وإن
_________________
(١) لم نقف على هذا اللفظ، والذي تقدم: "ليس دونه ستر".
(٢) "كشاف القناع" ١/ ١٢٧.
[ ١ / ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعكسهما ينقضُ لشهوةٍ، كمسِّهما ولو بلا شهوةٍ. وكذا لا ينقضُ مسُّ شُفْرَي امرأةٍ، وهما حافَّتا فرجِها دون فَرْجٍ (^١)، وهو مخرج بولٍ، ومَنِيٍّ، وحيضٍ.
كان الممسوس الفَرْجَ، انتقضَ وضوءُها؛ لأنَّه صَدَقَ عليه أنَّ امرأةً مسَّت فرْجَ امرأةٍ. وإنْ مسَّتهما معًا، انتقضَ وضوءُها مطلقًا، لشهوةٍ أو لغير شهوةٍ. وهاتان الصُّورتان أيضًا من صُوَر الشارحِ فيما إذا كان الماسُّ ذَكَرًا، وفيما إذا كان أنثى. وأمَّا مسُّ الخنثى المشكلِ فَرْجَ الخنثى المشكلِ، فله صُوَرٌ، يقع النقضُ بواحدةٍ منها فقط: وهي ما إذا مسَّ أحدُهما قُبُلي الخنثى الآخر، لشهوةٍ أو لغير شهوةٍ؛ لأنَّ أحدَهما أصليٌّ بيقين. و[إذا] مسَّ أحدُهما ذَكَر الآخَرِ ومسَّ الآخرُ فَرْجَه، فلا وضوءَ على أحدٍ منهما، سواءٌ أكان المسُّ لشهوةٍ أو لغير شهوةٍ؛ لاحتمال زيادتِهما، والطهارةُ ثابتةٌ بيقين، فلا تزولُ إلا بيقين. ولا وجهَ لغير هذا التوجيهِ. وإن مسَّ كلُّ واحدٍ منهما فَرْجَ الآخَرِ، فلا نقضَ؛ لاحتمال كونِهما رجلَين. فكذا إنْ مسَّ كلُّ واحدٍ منهما ذَكَر الآخَرِ؛ لاحتمال أن يكونا أنثَيين. انتهى. دنوشري.
"فائدةٌ": الخنثى: هو الذي له ذَكَرُ رجلٍ وقُبُل امرأةٍ. والمشكِل: هو الذي لم تتَّضح ذكوريَّتُه ولا أنوثيَّتُه، فتجري عليه أحكامُ النساء. وتحريرُ القولِ فيه: أنَّه متى وجد في حقِّه ما يحتمل النقضَ وعدمَه، تمسَّكنا بيقين الطهارةِ، ولم نُزِلْها بالشكِّ.
(وعكسهُما ينقض لشهوة) أي: عكسُ مسِّ الذَّكرِ قُبُلَ الخنثى الذي يُشبه فَرْجَها لشهوة، فينقض وضوءَ اللامسِ؛ لتحقُّق النقضِ بكلِّ حالٍ، فإن كان لغير شهوةٍ، فلا نقضَ؛ لاحتمال الزيادةِ. مصنِّف (^٢). "عكسهُما" أي: قُبُل الخنثى وذَكَرُه معًا، فينتقض فيه، فهو تنظيرٌ للعكسِ.
(وكذا لا ينقض مسُّ شُفْرَي امرأة إلخ) أي: لا ينقضُ مسُّ شُفْرَي امرأةٍ لغير شهوةٍ، دون مَخرجٍ، فإنَّه ينقضُ الوضوءَ بمسِّ المخرجِ مطلقًا، سواءٌ كان لشهوةٍ أو لغير شهوةٍ؛ لأنَّ
_________________
(١) "المطلع" ص ٣٦١.
(٢) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ١٤١.
[ ١ / ٣٦٥ ]
ولمسُ ذَكَرٍ أو أنثى الآخَرَ لشهوةٍ،
الخامس من النواقض: أشار إليه بقوله: (ولمسُ ذَكَرٍ، أو أنثى الآخرَ) بالنَّصْبِ مفعول "لمس" وذلك بأن يَلْمِسَ الذَّكَرُ بشَرة الأنثى. أو تمَسَّ بشرتَه بلا حائل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] بشرط أن يكونَ اللمسُ (لشهوة) للجمع بين الآية والأخبار. فلو حصل اللَّمسُ بلا شهوة، وهي: التلذُّذ بذلك، فلا نقضَ؛ لحديث عائشةَ قالتْ: "كنتُ أنامُ بين يدي رسولِ الله ﷺ ورجلايَ في قِبلته، فإذا سجد، غَمَزني، فقبضْتُ رجليَّ" متَّفق عليه (^١)
الفَرْجَ اسمٌ لمخرج الحدثِ لا ما قاربَه. وعُلم ممَّا تقدَّم أنَّه لا نقضَ بمسٍّ غير الفَرْجَين من البدنِ. وهو قولُ الجمهورِ من العُلماءِ. وإنَّما ينقضُ مسُّ الفرجِ أو الثقبِ. دنوشري.
(ولمسُ ذَكَرٍ أو أُنثى الآخَرَ) هذا من بابِ إضافةِ المصدرِ إلى فاعله. بأن يمسَّ الرجلُ المرأةَ لشهوة، أو تمسَّ المرأةُ الرجلَ لشهوة. واللمسُ في الأصل: الجَسُّ باليد. والمرادُ به: التقاءُ بَشَرتي الرجلِ والمرأةِ. أمَّا كونُ اللمسِ لا ينقضُ إلَّا إذا كان لشهوة، فلِلجمع بين الآيةِ والأخبارِ؛ لأنَّه رُوي عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: فقدتُ رسولَ الله ﷺ ليلةً من الفراشِ، فالتمستُه، فوقعت يدي على بطنِ قدمَيه وهو في المسجدِ، وهما منصوبتان. رواه مسلم (^٢) -ونصبُهما دليلٌ على أنَّه كان يصلِّي-[و] رواه النَّسائي (^٣). ولو بطلَ وضوءُه، لَفسدت صلاتُه. فاللمسُ الناقضُ للوضوءِ معتبرٌ مع الشهوة؛ لأن المسَّ ليس بحدثٍ في نفسِه، وإنَّما هو داعٍ إلى الحدثِ، فاعتُبرت الحالةُ التي تدعو لها، وهي حالةُ الشهوةِ. وأمَّا كونُ المرأة ينتقضُ وضوءُها بلمس الرجلِ لشهوةٍ، فإنَّها ملامَسةٌ تنقضُ الوضوءَ، فاستوى فيها الذَّكَرُ والأنثى، كالجِماع. سئل الإمامُ أحمدُ عن المرأة تمسُّ زوجَها؟ قال:
_________________
(١) البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢) (٢٧٢)، وهو عند أحمد (٢٥١٤٨).
(٢) برقم (٤٨٦)، وهو عند أحمد (٢٥٦٥٥).
(٣) في "المجتبى" ١/ ١٠٢ - ١٠٣. وما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والظاهرُ أنَّ غَمْزَه كان من غيرِ حائلٍ. فينقضُ مع الشَّهوة لمسُ أحدهِما الآخرَ، ولو بزائدٍ لزائد، أو أشَلَّ، أو ميتٍ،
[ما] (^١) سمعتُ فيها شيئًا، ولكن هي شقيقةُ الرجل، يُعجبني أنْ يتوضَّأ. قال في "الإنصاف" (^٢): حكمُ مسِّ المرأة بَشَرةَ الرجلِ حكمُ مسِّ الرجلِ بشَرةَ المرأةِ، على الصَّحيح من المذهب، قطعَ به الأكثرُ، وعنه: لا ينقضُ مسُّ المرأةِ للرَّجل وإن قلنا: ينتقضُ لمسُه لها، وهو ظاهرُ "المغني" (^٣)، وأطلقها في "الكافي" (^٤) وابنُ عُبيدان وابنُ تَميم.
وشرطُ النقضِ باللَّمس أنْ يكونَ بلا حائل؛ لأنَّه مع وجود حائلٍ، لم يلمسْ بشَرَتها، والشهوةُ المجرَّدةُ لا توجبُ الوضوءَ، كما لو وجدت من غير لمسِ شيءٍ.
وعمومُ اللمسِ يشمل ما لو كان اللمسُ بزائدٍ لزائدٍ؛ لأنَّ قولَ الأصحابِ: إنْ مسَّ بشرَة الرجلِ بشَرةَ الأنثى، وعكسُه، لشهوة. ويشملها إذا كان بخِلْقة زائدةٍ من اللامسِ أو الملموسِ، كاليد، والرِّجلِ، والإِصبعِ الزائدةِ. وهو صحيحٌ، وعليه الأصحابُ. قال في "المبدِع": ولا فرقَ بين مسِّها بعضو زائدٍ، أو مسِّ عضوٍ زائدٍ منها. وقيل: لا ينقضُ المسُّ بزائد ولا مسُّ الزائد. قال صاحب "النهاية": وهذا ليس بشيءٍ.
(أو أشلَّ) أي: أو كان اللمسُ بعضو أشلَّ. قال في "الفروع" (^٥): لمسُ زائدٍ وبه كأصليٍّ في الأصحّ، وكذا أشلُّ. وقيل: لا ينقضُ. قال ابنُ عقيل: يحتمل أن تكونَ كالشَّعر؛ لأنَّها لا روحَ فيها. والأوَّلُ المذهبُ. وكما ينقضُ الوضوء بلمس حيٍّ، كذلك ينقضُ الوضوء بلمس مريضٍ، أو مَيْت، حيث كان لشهوة؛ لأنَّ عمومَ اللمسِ يشمل الحيَّ والميتَ والمريضَ، فكما أنَّه يجبُ
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة من "مسائل عبد الله" ١/ ٦٩، و"المغني" ١/ ٢٦١، و"كشاف القناع" ١/ ١٢٩.
(٢) ٢/ ٤٢.
(٣) ١/ ٢٦١.
(٤) ١/ ٩٩.
(٥) ١/ ٢٣٢.
[ ١ / ٣٦٧ ]
لا مَنْ دونَ سَبْعٍ، ولا مسُّ شَعَرٍ، أو ظُفرٍ،
أو هَرِم أو مَحْرَمٍ.
(لا مَن دونَ سَبْعٍ) أي: لا ينقض لمسُ رجلٍ أنثى دون سبعٍ، ولا لمس أنثى ذكرًا دون سَبْعٍ.
(ولا) ينقضُ (مَسُّ شَعَرٍ، أو ظفر) أو سِنٍّ، أو عضوٍ مقطوعٍ، ولا المسُّ بذلك.
الغُسلُ بوطء الميتِ، كذلك ينتقضُ الوضوءُ بلمسه. قال في "الإنصاف" (^١): أمَّا الميتةُ فهي كالحيَّةِ، على الصحيحِ من المذهبِ، كما جزمَ به في "المستوعِب" و"التَّلخيص".
ولمَّا كان عمومُ النصِّ يتناول لَمسَ الهَرِمةِ وذواتِ المَحْرَمِ، قال ﵀:
(أو هرمٍ أو مَحْرمٍ) يعني: أنَّ الملموسَ إذا كان هَرِمًا أو مَحْرَمًا، فإنَّه ينتقضُ الوضوءُ بلمسها لشهوةٍ. قال في "الإنصاف" (^٢): وأمَّا العجوزُ فهي كالشَّابَّة، على الصحيحِ من المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ من الأصحاب. وكذلك ينتقضُ الوضوءُ بلمس الصغيرةِ التي فوق سبعٍ إذا كانت تُشتهى. وأمَّا المَحرمُ، فهي كالأجنبيَّة على الصَّحيح من المذهبِ. وقيل: لا ينقضُ مسُّ المَحْرَمِ. وقدمه في "الرِّعاية الصُّغرى" دنوشري.
(لا مَن دونَ سبعٍ) أي: لا نقضَ أيضًا بلمس مَن لها أوْله دون سبعٍ. يعني: أنَّه لا ينقضُ مسُّ مَن دونَ سبعِ سنينَ مِن ذَكَرٍ أو أنثى. فلا نقضَ بمسِّ الرَّجلِ الطِّفلةَ، ولا مسِّ المرأةِ الطفلَ؛ لأنَّ مَن له دون سبعِ سنين لا يُشتهَى، فلا ينتقضُ الوضوءُ بلمسه. وإنَّما ينتقضُ الوضوءُ بلمس الذي -أو التي- تُشتهَى. وصرّح المجدُ أنَّه لا ينقضُ لمسُ الطفلةِ. وفُهم من قولِه: "مَن دون سبعٍ" أنَّ الصغيرةَ إذا تمَّ لها سبعُ سنين، فإنَّها تكونُ كالكبيرة، فينقضُ الوضوء بلمسها لشهوةٍ، على الصحيح من المذهبِ.
(ولا ينقضُ مسُّ شعر إلخ) ولا ينقض لمسُ مطلقِ الشَّعرِ وظُفرٍ وسِنٍّ وعضوٍ مقطوعٍ، لشهوةٍ أو لغير شهوةٍ. نصَّ عليه؛ لانتفاءِ المعنى في المذكوراتِ؛ لأنَّها ليست محلًّا للشهوة،
_________________
(١) ٢/ ٤٣.
(٢) ٢/ ٤٥.
[ ١ / ٣٦٨ ]
أو أمردَ، ولا مع حائلٍ، ولا ممسوسٌ فرجُه أو بدنُه، ولو وَجَدَ شهوةً.
(أو أَمْرَدَ) يعني لا ينقض وضوءَ رجلٍ مسُّ أمردَ ولو بشهوة؛ لعدم تناولِ الآية له، ولأنَّه ليس بمحلٍّ للشهوة شرعًا. قال في "القاموس" (^١): والأمردُ: الشابُّ طَرَّ شاربُه (^٢)، ولم تَنْبُت لحيتُه.
(ولا) ينقضُ الوضوءَ مسٌّ لفرجٍ، أو لمسٌّ لبدنٍ (مع حائلٍ) أشبهَ ما لو لمسَ الحائلَ وحدَه.
(ولا) ينتقض وضوءُ (ممسوسٍ فرجُه) بالرَّفع؛ على أنَّه نائب فاعل: "ممسوس" (أو) ملموسٍ (بدنُه) بالرفع؛ عطفًا على ما قبله (ولو وَجَدَ) ممسوسٌ أو ملموسٌ (شهوةً) لأنَّه لا نصَّ فيه. ولا يصحُّ قياسُه على اللَّامس؛ لفرطِ شهوته. ومتى لم ينقض مسُّ أنثى، استُحبَّ الوضوءُ.
ولا يُلتذُّ بلمسه، وإن التُذَّ بالنَّظر إليه؛ لأنَّ ذلك ينفصلُ عنها في حال السَّلامةِ، أشبهَ الدمعَ. ولا يقعُ الطلاقُ، ولا الظِّهارُ، ولا العِتقُ بالإضافةِ إليه، في الأصحِّ، خلافًا لمالكٍ. وقال بعضُهم: وكذا اللمسُ به. وهو متوجِّه. دنوشري.
(يعني: لا ينقضُ وضوء رجلٍ مسَّ أَمردَ إلخ) كما ذكره في "الإنصاف" (^٣) نصَّ عليه، وقطع به أكثرُ المتقدِّمين، وهو المذهبُ. وخرَّج أبو الخطَّابِ روايةً بالنقض إذا كان لشهوةٍ، وحكاها ابنُ تميمٍ وجهًا، وجزم به في "الوجيز"، قال ابنُ عبيدان: وهذا قولٌ متوجِّه. قال صاحبُ "المنتهى" (^٤) رحمه اللهُ تعالى: وليس ببعيدٍ. دنوشري.
(ولا ينتقضُ وضوءُ ممسوسٍ فَرْجُه إلخ) ولو انتقضَ وضوءُ اللامسِ بها. وهو المذهبُ. وأمَّا الممسوسُ فَرْجُه -أو الملموس- فإنَّه لا ينتقض وضوءه ولو وجد شهوةً؛ لأنَّه لا فعْلَ منه، فلا ينتقض وضوءه بها، ولا يلزم من نقض وضوء اللامس نقضُ وضوءِ الملموس.
_________________
(١) مادة (مرد).
(٢) طرَّ شاربه: أي: طلع. "القاموس" (طرر).
(٣) ٢/ ٤٩.
(٤) في "معونة أولي النهى" ١/ ٣٥٦.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وينقضُ غَسْلُ ميتٍ.
السادس من النواقض: أشار إليه بقوله: (وينقض) الوضوءَ (غَسْلُ) -بفتح الغَين المعجمة- أي: تغسيل (ميتٍ) أو بعضِه، ولو في قميصٍ؛ لما روى عطاء: أنَّ ابنَ عمر وابنَ عباس كانا يأمران غاسلَ الميتِ بالوضوء (^١). وعن أبي هريرةَ: أقلُّ ما فيه الوضوءُ (^٢). ولم يُعرف لهمْ مخالفٌ. والغاسلُ من يقلِّبه ويباشرُه ولو مرَّةً، لا مَن يصبُّ
ولا ينتقضُ الوضوءُ أيضًا بانتشارٍ عن فِكرٍ وتكرُّرِ نَظَرٍ، ولامسِّ خنثى مشكلٍ، ولا بمسِّه رجلًا أو امرأةً، ولامسِّ الرجلِ الرجلَ، ولا المرأةِ المرأةَ، ولا لشهوة فيهنَّ.
(غَسلُ ميتٍ) كبيرٍ أو صغيرٍ، ذَكَرٍ أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا، وإن كان غَسلُ المسلمِ الكافرَ حرامًا. فينتقضُ وضوءُ غاسلِه ولو غسَّلَه في قميصه، على الصَّحيح من المذهب، وهو المنصوصُ عن الإمامِ أحمدَ وعامَّةِ أصحابِه، [وعليه جماهيرُ] (^٣)، وجزمَ به في "الكافي" (^٤) و"الوجيز"، وقدَّمه في "المحرَّر" و"الفروع" (^٥). وهو من مفرَدات المذهبِ. قال في "المبدِع": ولأنَّ الغاسلَ لا يسلمُ من مسِّ عورةِ الميتِ غالبًا، فأُقيم مُقامَه، كالنوم مع الحدثِ. (أو بعضِه) أو بعضِ الميت. وظاهرُه: سواءٌ كان بعضُ الميتِ متَّصلًا أو منفصلًا. فلو غسل يدًا، انتقضَ وضوءُه. قال في "الإنصاف" (^٦): غَسلُ بعضِ الميتِ كغَسل جميعهِ، على الصَّحيح من المذهبِ. وتعليلُ صاحبِ "المبدع" بأنَّ الغاسلَ لا يسلمُ من مسِّ عورةِ الميتِ غالبًا ليس بسديدٍ؛ لعدم تحقُّقِ مسِّ الفَرْج، فلهذا علَّله في "المنتهَى" (^٧) بكونه تعبُّدًا،
_________________
(١) أثر ابن عمر ﵄ أخرجه عبد الرزاق (٦١٠٧)، والبيهقي ١/ ٣٠٦ لكن من طريق نافع، عن ابن عمر. وأثر ابن عباس ﵄ أخرجه -أيضًا- عبد الرزاق (٦١٠١)، والبيهقي ١/ ٣٠٥.
(٢) أورده هكذا ابن قدامة في "المغني" ١/ ٢٥٦.
(٣) كذا في الأصل، وينظر "الإنصاف" ٢/ ٥٢.
(٤) ١/ ١٠١.
(٥) ١/ ٢٣٦.
(٦) ٢/ ٥٣.
(٧) ذكره في "معونة أولي النهى" ١/ ٣٥٨.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وأكلُ لحمِ إبلٍ خاصَّةً.
الماءَ ونحوه، ولا مَنْ يَمَّمه (^١). ولا فرق في الميتِ بَينَ المسلمِ والكافرِ، والرجلِ والمرأةِ، والكبيرِ والصغير؛ للعُموم.
السابع من النواقض: أشار إليه بقولِه: (وأكلُ لحمِ إبلٍ خاصَّةً) لقوله ﷺ: "توضؤوا من لُحُومِ الإبلِ، ولا تتوضَّؤوا من لُحُومِ الغَنَم" رواه أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ من حديث البراء بن عازب (^٢)، وروى مسلم معناه من حديث جابر بن سَمُرة (^٣). فعلى هذا لا فرقَ بين قليلِه وكثيرِه، وكونهِ نِيْئًا أو غيره، [عَلِمَه أو جَهِلَه، وسواءٌ عَلِمَ الحديثَ، أو لا] (^٤).
لا عن حَدَث. والأمرُ التعبُّديُّ لا يعلَّل ولا يُعقل معناه، وإنما هو أمرٌ توقيفيٌّ، وقفَ عليه الصحابيُّ عن النبيِّ ﷺ، فيجبُ اتِّباعُه والعملُ به ولو كان مخالفًا للقياسِ. دنوشري.
(ولا مَن يمَّمه) أي: لا ينتقضُ وضوءُ مَن يمَّم الميتَ لتعذُّر الغسلِ.
(وأكلُ لحمِ إِبلٍ خاصَّةً) بكسرتين، وتسكين الباء. قال في "القاموس" (^٥): واحدٌ يقع على الجمعِ، وليس بجمعٍ ولا اسم جمعٍ، جَمْعُه: آبالٌ. وينتقضُ الوضوءُ بأكله، سواءٌ عَلِمَه أو جهله، وسواءٌ كان نِيْئًا أو مطبوخًا، وسواءٌ كان عالمًا بالحديث الواردِ في ذلك، أو لا. وبالنقضِ قال جابر بن سمرة (^٦)، ومحمدُ بن إسحاقَ، ويحيى بنُ يحيى، وابنُ المنذر (^٧).
_________________
(١) في (م): "ييمِّمه".
(٢) "مسند أحمد" (١٨٥٣٨)، و"سنن" أبي داود (١٨٤)، و"سنن الترمذي" (٨١)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٤٩٤).
(٣) برقم (٣٦٠)، وهو عند أحمد (٢٠٨١١).
(٤) زيادة من (ح).
(٥) مادة (أبل).
(٦) في الأصل: "حماد بن سلمة"، والمثبت من "الشرح الكبير" ٢/ ٥٤.
(٧) في "الأوسط" ١/ ١٣٨ - ١٤٠، ونقله عن جابر بن سمرة، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي، ويحيى ابن يحيى النيسابوري.
[ ١ / ٣٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الخطَّابي (^١): ذهب إلى هذا عامَّة أصحابِ الحديثِ. والدليل على ذلك قول رسول الله ﷺ: "توضَّؤوا من لحومِ الإِبل .. " إلخ. قال ابنُ خزيمة (^٢): لم نَرَ خلافًا بين علماءِ الحديثِ أنَّ هذا الخبرَ صحيحٌ. ومقتضى الأمرِ الوجوبُ، والوضوءُ المقترِن به لا يُحمل إلَّا على موضوعه الشَّرعيِّ، ودعوى النسخِ بحديث جابرٍ: كان آخرُ الأمرَين من رسول اللهِ ﷺ تَرْكَ الوضوءِ ممَّا مسَّته النار، كما رواه أبو داود (^٣)؛ مردودةٌ بأمورٍ. منها: أنَّ الأمرَ بالوضوء من لحوم الإبلِ متأخِّرٌ عن نسخ الوضوءِ مما مسَّته النار، أو هو مقارِنٌ له، بدليل أنَّه قرنَ الأمرَ بالوضوءِ من لحوم الإبلِ بالنهي عن الوضوءِ من لحوم الغنمِ، وهي ممَّا مسَّت النار، فلا يكونُ ناسخًا، إذ من شرط النسَّخِ تأخُّرُ الناسخ، وكذلك [إن كان] (^٤) بما قبله؛ لأنَّ الشيءَ لا يُنسَخ بما قبله.
الثاني: أنَّ النقضَ بلحوم الابلِ يتناول ما مسَّت النارُ وغيرَه، ونسخُ أحدِ الجهتين لا يثبتُ به نسخُ الأخرى، كما لو حرِّمت المرأةُ بالرِّضاع، وبكونها ربيبةً، فنَسْخُ تحريمِ الرَّضاعِ لم يكن ناسخًا لتحريم الربيبة.
الثالث: أنَّ خبرَهم عامٌّ، وخبرنا خاصٌّ، فالجمعُ بينهما ممكنٌ بحمل خبرِهم على ما سِوَى صورةِ التخصيصِ. ومِن شرط النسخِ تعذُّرُ الجمعِ بين النَّصَّين (^٥).
الرابع: أنَّ خبرَنا أصحُّ من خبرِهم، والناسخُ لا بدَّ أنْ يكونَ مساويًا للمنسوخ، أو راجحًا عليه، فتعيَّن حملُ الأمرِ على الوجوب.
ومن العجبِ أنَّ المخالفَ في هذه المسألةِ أوجبَ الوضوءَ بأحاديثَ ضعيفةٍ تخالف
_________________
(١) "معالم السنن" ١/ ٦٧.
(٢) في "صحيحه" ١/ ٢١.
(٣) في "سننه" (١٩٢)، وأخرجه النسائي ١/ ١٠٨.
(٤) ما بين حاصرتين لم ترد في الأصل الخطي، واستدركت من "الشرح الكبير" ٢/ ٥٦.
(٥) في الأصل: "النصفين". والمثبت من "الشرح الكبير" ٢/ ٥٦.
[ ١ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعُلم من كلامه أنَّه لا نَقْضَ بشرب لبنٍ، ومَرَقِ لَحْمٍ، وأكلِ كَبِد، وطِحال وسَنامٍ، وجلدٍ، وكَرِش، ونحوه.
الأصولَ، فأبو حنيفةَ أَوجبه بالقهقهةِ في الصَّلاة دون خارجِها، بحديثٍ مرسَلٍ من مراسيلِ أبي العاليةِ (^١).
ولا نقضَ بأكل ما سِوَى لحمِ الإبلِ من اللحوم، سواءٌ كانت مباحةً أو محرَّمةً، كلحوم السِّباعِ إذا أُكلت للضَّرورة؛ لكون النقضِ بلحم الإبلِ تعبُّدًا (^٢) .. فلا يعلَّل ولا يعقل معناه، ولا يتعدى إلى غيره. وقيل: هو معلل بتشيطنه؛ لأنَّها من الشياطين، كما ورد في الحديث: "على ذِروة كلِّ بعيرٍ شيطانٌ" (^٣) إذْ كلُّ عاتٍ متمرِّدٍ شيطانٌ، فالكلب الأسودُ شيطانُ الكلابِ، والإبلُ شياطينُ بهيمةِ الأنعامِ، فالأكلُ منها يُورِث قوَّةً شيطانيةً، والشيطانُ يُطفئه باردُ الماءِ. دنوشري.
(وعُلم من كلامه) أي: فُهم منه أنَّه لا نقضَ ببقيَّة أجزائه، ككَبِدها، وطِحالها، وكَرِشها، وجلدِها، ومُصْرانها، وسَنامها، ودُهنها، وقلبِها؛ لأنَّ النصَّ لم يتناولْه. ولا بطعام نجسٍ أو محرَّم. ولا نقضَ بشُرب لبنِها، وشربِ مَرَقِ لحمِها؛ لأنَّ الأخبارَ الصحيحةَ إنَّما وردت في اللحمِ، والحكمُ فيه غيرُ معقولِ المعنى، فيُقتصرُ على مَورد النصِّ فيه.
_________________
(١) أخرج الدارقطني في "سننه" (٦٠٣) ومن طرق متعددة أخرى -وقد ضعَّفها- عن أبي العالية وأنس بن مالك: أن أعمى تردَّى في بئرٍ، فضحك ناسٌ خلف رسول الله ﷺ، فأَمَر رسول الله ﷺ من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة. وهو عند عبد الرزاق (٣٧٦٠) و(٣٦٧١) و(٣٦٧٢) و(٣٦٧٣)، وأبي داود في "المراسيل" (٨)، وابن عدي في "الكامل" ٣/ ١٠٢٩ براويات متعددة وبألفاظ متقاربة. وقد روي مسندًا أيضًا عن أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وابن عمر، وأنس، وجابر، وعمران بن حصين، وأبي المليح، وكلها فيها مقال، ينظر "نصب الراية" ١/ ٤٧ - ٥٣.
(٢) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٢٦٥)، وأحمد (١٦٠٣٩)، وابن حبان (١٧٠٣) من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، وأخرجه أحمد (١٧٩٣٨)، وابن خزيمة (٢٣٧٧) من حديث أبي لاس الخزاعي ﵁. وله شواهد.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وكلُّ ما أوجبَ غُسْلًا سوى موتٍ،
الثامن من النواقض: أشار إليه بقوله: (وكلُّ ما أوجب غُسْلًا سوى موت)
(وكلُّ ما أَوجبَ غسلًا إلخ) كرِدَّة عن الإِسلامِ، والعياذُ بالله تعالى، كما درجَ عليه صاحبُ "المنتهى" (^١) وذلك لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] ولا شكَّ أنَّ الطهارةَ عملٌ، وحكمُها باقٍ، فوجب أن يحبَطَ بالرِّدَّة، وقولِه ﷺ: "الطهور شطر (^٢) الإيمان" والردَّةُ تبطلُ الإيمانَ، فوجب أن يبطلَ ما هو شطره (^٣)، ولأنَّها طهارةٌ عن حدثٍ، فأبطلتها الردةُ، كالتيمُّم، لكنَّ الآيةَ دالَّة على أنَّ الردَّة تُحبط العملَ بمجرَّدها، والأكثرُ عن أصحابنا أنَّها لا تُحبطه إلَّا بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧] وبنَوا على ذلك صِحَّةَ الحِجَجِ في الإِسلام الأوَّلِ قبل رِدَّتِه، وقضاء ما تَرَك من العبادات في ردَّته، ويلزمُه قضاءُ ما تركَ قبلها، ولا تبطلُ عبادتُه التي فَعَلها في إسلامه، من صلاةٍ وحجٍّ وغيرِهما إذا عاد إلى الإِسلام. ويؤخذُ بحدّ زنًى في ردَّته، نصًا كقبلها، فمتى زنَى، رُجم. والصحيحُ الذي عليه الأكثرون أنَّ المرادَ بالطهور ها هنا التطهيرُ بالماءِ من الأحداثِ. وقال القاضي: لا معنى لجعلها من النواقضِ مع وجوبِ الطَّهارةِ الكبرى إذا عادَ إلى الإِسلام. وقال الشَّيخ تقيُّ الدين (^٤): له فائدةٌ تظهر بما إذا عادَ إلى الإِسلامِ، فإنَّا نوجبُ عليه الوضوءَ والغُسلَ، فإن نواهما بالغُسل، أجزأه، وإن قلنا: لم ينتقضْ وضوءُه، لم يجبْ عليه إلا الغُسل. قال الزركشيُّ: ومثلُ هذا لا يَخفى على القاضي، وإنَّما أراد القاضي أنَّ وجوبَ الغُسلِ ملازمٌ لوجوب الطهارةِ الصُّغرى. قلت: وهذا مِن باب دَلالةِ الالتزامِ.
ولا ينتقضُ الوضوءُ بما عدا الردَّةِ من الكلامِ المحرم، والغيبةِ، والنميمةِ، والرَّفثَ، والقذف، وقولِ الزُّور، والقهقهةِ ولو داخلَ الصلاةِ، ولا يُستحبُّ الوضوءُ منها. دنوشري.
_________________
(١) ١/ ٢٠.
(٢) في الأصل: "شرطه"، والمثبت من "صحيح" مسلم (٢٢٣)، و"مسند" أحمد (٢٢٩٠٢).
(٣) في الأصل: "شرطه".
(٤) "شرح العمدة" ١/ ٣٢٠.
[ ١ / ٣٧٤ ]
أوجبَ وضوءًا.
ومَنْ تيقَّن طهارةً، وشكَّ في حَدَثٍ، أو عكسُه، بنى على يقينِه.
كجماعٍ، وانتقالِ منيٍّ، وإسلامٍ.
(أوجب وضوءًا) وأما الموتُ، فإنَّه يوجبُ الغُسلَ دونَ الوضوء، كما سيجيء.
فهذه هي النواقضُ المشتركةُ بين كلِّ متطهِّر. وأما المختصَّةُ بالماسِحِ، كفراغِ المدَّة، فتقدمتْ. والمختصَّةُ بالمتيمِّمِ (^١)، ستأتي.
(ومن تيقَّن طهارةً، وشكَّ في حَدَثٍ، أو عكسه) بأن تيقَّن حدثًا، وشكَّ في طهارةٍ (بَنَى على يقينِه) الذي كان قبل طُرُوِّ الشكِّ عليه، وهو الطهارةُ في الصُّورة الأولى، والحدثُ في الصُّورة الثانية؛ وذلك لحديث عبدِ الله بن زيد قال: شُكِي إلى النبيِّ ﷺ
(كجِماعٍ وانتقالِ مَنيٍّ وإسلام) كافرٍ. مثالٌ لـ: "ما" (^٢) وكالتقاءِ الختانَين، وحيضٍ، ونفاسٍ. يعني: أنَّ موجِباتِ الغُسلِ كلَّها توجبُ الوضوءَ، إلَّا الموتَ.
وظاهرُ ما تقدَّم أنَّ الوضوءَ لا ينتقضُ بغير ما ذكرَ هنا. وقد تقدَّم في باب المسحِ على الحائلِ قولُ المصنف رحمه اللهُ تعالى: ومتى ظهرَ بعضُ رأسٍ وفَحُشَ، أو بعضُ قدمٍ إلى ساقِ خُفٍّ، أو انتقضَ بعضُ العِمامة، أو انقضت المدَّةُ ولو في صلاةٍ، استأنف الطهارةَ، وزوالُ جبيرةٍ كخُفٍّ. لكن ما ذكره المصنِّفُ هنا عامٌّ، وذاك خاصٌّ. دنوشري.
(ومن تيقَّن طهارةً وشكَّ في حدث) يعني أنَّ مَن شكَّ في وجود طهارةٍ بعد تيقُّن حدثٍ، أو شكَّ في وجود حدثٍ بعد تيقُّن طهارةٍ، ولو كان شكُّه في وجود الحدثِ في غير صلاةٍ (بنى على يقينه) أي: على ما تيقَّن منهما، أي: من الطَّهارة، أو الحدثِ، فما تيقَّنه منهما، فهو الأصلُ، ولا عِبرةَ بما يطرأ عليه من الشكِّ، والمرادُ بالشكِّ هنا مطلقُ التردُّد، فيشملُ الوهمَ والظنَّ؛ لأنَّه إذا شكَّ، تعارضَ عنده الأمران، فيجب سقوطُهما كالبيِّنتين، فإذا
_________________
(١) في (م): "التيمم".
(٢) في قول البهوتي: وكل ما أوجب غسلًا
[ ١ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرجلُ يخيَّل إليه أنَّه يجدُ الشيءَ في الصَّلاة؟ فقال: "لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا" متَّفق عليه (^١). ولأنَّه إذا شكَّ، تعارض عندَه أمران؛ فوجب سقوطُهما والرجوعُ إلى الأصْلِ، فيُعمل به ولو عارضه ظنٌّ. والمرادُ بالشكِّ هنا خلافُ اليقين، كما هو معناه لغةً على ما في "القاموس" (^٢). فإن تيقَّن الطهارةَ والحدثَ، وجَهِلَ أسبقَهُما، فإن جهل حاله قَبْلَهما،
تعارضتا، تساقطتا، ويرجعُ إلى اليقين، سواءٌ كان في الصَّلاة أو خارجَها، وسواءٌ تساوَى عنده الأمران أو غلبَ على ظنه أحدُهما؛ لأنَّ غلبةَ [الظَّنِّ] إذا لم يكنْ لها ضابطٌ في الشَّرع، لم يُلتفت إليها، كظنِّ صدقِ أحدِ المتداعيَين، بخلاف القِبلةِ والوقتِ، فإنَّه يُعمل فيهما بغلبةِ الظنِّ. هذا في اصطلاحِ الفقهاءِ.
وعند الأصوليِّين: ما استوى طرفاه فشكٌّ، وما اختلفا فالراجحُ ظنٌّ، والمرجوحُ وَهْمٌ.
واليقينُ: ما أذعنت النفسُ للتَّصديق به وقطعت به، وقطعت بأنَّ قطعَها صحيحٌ. وقال البيضاويُّ: واليقين: إتقانُ العلمِ بنفي الشكِّ والشبهةِ عنه (^٣) بالاستدلال؛ ولذلك لا يوصف به علمُ الباري، ولا العلومُ الضروريةُ. وقال الفخر الرازيُّ (^٤): هو العلمُ بالشيءِ بعد أن كان صاحبُه شاكًّا فيه؛ ولهذا لا يوصفُ به اللهُ تعالى. دنوشري.
(الرَّجُلُ يخيَّل إليه) أي: أمرُ الرجل. منه (يجد الشيءَ) أي: الحركةَ التي يظنُّها حَدَثًا. مصنِّف. (فإن تيقَّن الطهارةَ والحدثَ) بأن تيقَّن وجودَ حدثِ، وتيقن وجودَ طهارةٍ سابقَين على حالته التي هو عليها (وجهلَ أسبقَهما) أي: جهل السابقَ منهما ولم يعلم الآخِر -بكسر الخاءِ- بأن لم يدرِ الحدثَ قبل الطهارةِ، أو بالعكس (فإنْ جهلَ حاله قبلهما) مفرَّعٌ على
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٣٧)، و"صحيح مسلم" (٣٦١)، وسلف ص ٣٥٠.
(٢) مادة (شكك).
(٣) في الأصل: "وعنه"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" ١/ ٦٢.
(٤) "التفسير الكبير" ٢/ ٣٢.
[ ١ / ٣٧٦ ]
ويحرُمُ بحدثٍ صلاةٌ،
تطهَّر، وإلا، فعلى ضدِّها.
(ويَحْرُمُ بحَدَثٍ) أصغرَ، أو أكبرَ، أي: بسببه، أو مَعَهُ (صلاةٌ) بالرَّفْع فاعل: "يحرم"، فرضًا كانتِ الصلاةُ، أو نفلًا. ولو صلاةَ جنازةٍ، وسجودَ تلاوة؛ لما روى ابنُ عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يقبلُ الله صلاةَ بغير طهور" رواه مسلم (^١)، وهو يعمُّ ما
محذوفٍ. أي: عند جهلِه أسبقَهما يَنظرُ في حاله قبلَهما، أي: قبل وجود الطهارة وقبل وجود الحدث، فإن جهل أيضًا حاله قبلهما، فهو محدِثٌ، وتطهَّر للصلاة ونحوِها وجوبًا؛ وذلك لوجود يقينِ الحدثِ في إحدى المرَّتين، والأصلُ بقاؤه، ووجودُ يقينِ الطَّهارة في المرَّة الأُخرى مشكوكٌ فيه، هل كان قبلَ الحدثِ أو بعدَه، فلا يرتفعُ يقينُ الحدثِ بالشكِّ في رفعه، ولأنَّه لا بدَّ من طهارةٍ متيقنةٍ، وليست موجودةً هنا، فوجبَ الوضوءُ.
(وإلَّا، فعلى ضدِّها) أي: وإن لم يجهل حالَه قبلَهما، أي: تيقَّن وجودَ الطهارةِ قبلَهما، بل كان عالمًا بها، فهو على ضدِّها، أي: على ضدِّ تلك الحالةِ المعلومةِ له التي كان عليها قبلَهما. فإنْ كان في تلك الحالةِ محدِثًا، فهو الآنَ متطهِّر؛ لأنَّه تيقَّن ارتفاعَ ذلك الحدثِ بطهارةٍ، ولم يتيقَّن زوالَ تلك الطهارةِ بحدث آخَرَ؛ لاحتمال أن يكونَ الحدثُ الذي تيقَّنه هو الذي كان قبلَ الطهارةِ، فلم يَزُل يقينُ الطهارةِ بالشكِّ. وإنْ كان متطهِّرًا، فهو الآنَ محدِثٌ؛ لأنَّه تيقَّن انتقاضَ تلك الطهارةِ بوجود الحدثِ، ولاحتمال أنَّ الطهارةَ التي تيقَّنها هي التي كانت قبل الحدثِ، فلم ترتفعْ بيقين الحدثِ، ولأنَّه تيقَّن الانتقالَ عن تلك الحالةِ التي كان عليها. دنوشري.
(ويَحرُمُ بحدَثٍ صلاةٌ) إجماعًا، بشرط القدرةِ على الطهارة. وهو يعمُّ ما ذكرنا من الفرضِ، والنفلِ، والسجودِ المجرَّد، كسجود التِّلاوةِ والشُّكر، وصلاةِ الجنازة، سواءٌ كان عالمًا أو جاهلًا. وحكى ابنُ حزمٍ والنوويُّ (^٢) عن بعض العلماءِ جوازَ الصلاةِ على الجنازةِ بغير وضوءٍ ولا تيمُّم.
_________________
(١) برقم (٢٢٤)، وهو عند أحمد (٤٧٠٠).
(٢) "شرح صحيح مسلم" ٣/ ١٠٣.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وطوافٌ، ومسُّ مصحفٍ وبعضِه
ذكرنا. فلو صلَّى مُحْدِثًا، ولو عالمًا، لم يكفر، خلافًا لأبي حنيفة (^١).
(و) يَحْرُمُ بحَدَثٍ (طوافٌ) ولو نفلًا؛ لحديث: "الطوافُ حولَ البيتِ مثلُ الصلاةِ، إلا أنَّكم تتكلَّمون فيه، فمَنْ تكلَّم، فلا يتكلَّم إلَّا بخيرٍ" رواه الترمذيُّ (^٢).
(و) يَحْرُمُ بحَدَثٍ (مسُّ مصحفٍ وبعضِه) بيدٍ وغيرِها، حتى جلده المتَّصل به
(فلو صلَّى محدِثًا، ولو عالمًا، لم يكفرْ) قال البُهُوتي: لعلَّ المرادَ من غير استحلالٍ.
(ويحرُمُ بحدَثٍ طوافٌ) فرضًا كان أو نفلًا؛ لقوله ﷺ: "الطوافُ بالبيت صلاةٌ، إلَّا أنَّ اللهَ أباحَ فيه الكلامَ". رواه الشافعيُّ في "مسنَده" (^٣). وإذا ثبتَ أنَّه مثلُ الصلاةِ، فلا يصحُّ مع الحدث. قال في "الإنصاف" (^٤): وأمَّا الطوافُ، فتُشترط له الطهارةُ، على الصَّحيح من المذهبِ، فيحرمُ فِعْلُه بلا طهارةٍ، ولا يُجزئه.
(ويحرمُ بحدثٍ مسُّ مصحفٍ وبعضِه) ولو بغير يدِه، ولو كان الماسُّ صغيرًا، كما ذكره في "الإقناع" (^٥)، إِذ مقتضى الحديثِ المذكورِ في "الشَّرح" أنَّه لا يباحُ مسُّه بشيءٍ من جسدِه وهو محدِثٌ حتى يتطهَّرَ، أو يتيمَّم إن احتاجَ، وهو شاملٌ لما يسمَّى مصحفًا، من الكتابة والجلدِ والحواشي والورقِ الأبيض المتصلِ به؛ فلهذا قال الشَّارح: "حتى جلده المتَّصل به" لأنَّه كالجزء منه، فيحرمُ مسُّه بلا طهارةٍ. (بيدٍ وغيرِها) لأنَّ عمومَ المسِّ يشملُ ما كان باليدِ وغيرِها. فكلُّ [شيءٍ] (^٦) لاقَى شيئًا، فقد مسَّه. فيحرُمُ مسُّه بصدره. ولا يجوز مسُّه بعضوٍ طهَّره حتى يكملَها؛ لأنَّ أعضاءَ الوضوءِ كالعضو الواحدِ.
_________________
(١) "شرح فتح القدير" للكمال ابن الهمام ١/ ١٨٨.
(٢) في "سننه" (٩٦٠) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٣٩٣١) عن ابن عباس موقوفًا. قال الحافظ في "التلخيص الحبير" ١/ ١٢٩: واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والنووي، وصحَّح المرفوع الحاكم. ومال إليه ابن حجر.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من "مسنده". وينظر تخريجه في "الهداية".
(٤) ٢/ ٧١.
(٥) ١/ ٦١.
(٦) ما بين حاصرتين من "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي ١/ ١٥٠.
[ ١ / ٣٧٨ ]
بلاحائلٍ،
وحواشيه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، أي: لا يمسُّ القرآن، وهو خبرٌ بمعنى النَّهْي.
ورُد: بأنَّ المرادَ اللوحُ المحفوظُ. والمطهَّرون: الملائكةُ؛ لأنَ المطهَّر [من طهَّره غيرُه] (^١). ولو أريدَ بنو آدمَ، لقيل: المتطهِّرون.
والجواب: أنَّ بني آدم على قياسهم، بدليلِ حديثِ ابنِ عمر: أنَ النبَّي ﷺ كتبَ إلى أهلِ اليمن كتابًا، وكان فيه: "لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهر" (^٢). قال الأثرمُ: احتجَّ به أحمدُ، ورواه مالك مرسلًا (^٣).
لكن إنَما يحرم المسُ إذا كان (بلا حائلٍ) لأن النَّهْيَ إنَّما ورد عن مسِّه، ومع الحائل إنما يكون المسُّ له دون المصحف
و(إنَّما يحرُمُ المسُّ إذا كان بلا حائلٍ) لأنَّ النهيَ إنَّما تناول مسه ومباشَرَته، ومع وجودِ الحائلِ لا يكون ماسًّا له، وإنَّما يكون ماسًّا للحائل.
_________________
(١) في (ز): "من طهَّره الله".
(٢) كتاب النبي ﷺ إلى أهل اليمن ليس من حديث ابن عمر وإنما هو من حديث عمرو بن حزم عن النبي ﷺ، وأخرجه الدارقطي (٤٣٩)، والحاكم ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦، والبيهقي ١/ ٨٧ - ٨٨ متصلًا. وأخرجه أيضًا الدارقطني (٤٣٨)، والبيهقي ١/ ٨٧ عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حرم مرسلًا. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الدارقطني في "سننه " (٤٣٧)، والطبراني في "الكبير، (١٣٢١٧)، والبيهقي ١/ ٨٨ من طريق سليمان بن موسى الأشدق، عن سالم، عن ابن عمر. قال العلامة أبو الطيب في "تذييله على الدارقطني": وفيه سليمان بن موسى الأشدق مختلف فيه، فوثقه بعضهم، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١٣١: إسناده لا بأس به. اهـ. وينظر "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي ١/ ٤٠٩ - ٤١٧.
(٣) في "الموطأ" ١/ ١٩٩. قال ابن عبد البر في "التمهيد" ١٧/ ٣٩٦: كتاب عمرو بن حرم إلى أهل اليمن كتاب مشهور عند أهل العلم معروف، يستغنى بشهرته عن الإسناد.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وله حمله بلا مسٍّ،
(وله) أي: للمُحدِثِ (حملُه) أي: المصحفِ (بلا مسٍّ)
"فائدة": في كراهة نَقطِ المصحفِ، وشَكلِه، وكتابة الأخماسِ، والأَعشارِ، وأسماءِ السُّورِ، وعددِ الآياتِ؛ روايتان. وتتخرَّج الروايتان في كتابة الأجزاءِ، والأحزابِ، والأرباعِ، والأثمان، ومكِّيةٍ ومدنيَّةٍ؛ أحدُهما: يكره. وهو اختيارُ مَن يقولُ بها، لأنَّ ذلك مُحدَثٌ، لأنَّه إذا جُرِّدت، لا يكونُ فيه إلَّا كلامُ اللهِ تعالى الذي أنزلَ على رسوله. وبه قال الشعبيُّ والنَّخَعي (^١). والروايةُ الأخرى: يُستحبُّ ذلك؛ لأنَّه صيانةٌ له عن اللَّحن والتصحيفِ.
وأجيب عن القولِ بالكراهة: أنَّ ذلك كان خوفًا من التَّغيير، وقد أُمن اليومَ، ولا منعَ كونه محدَثًا؛ فإنَّه من المحدَثات الحسنةِ، كتصنيف العلمِ. وعنه: يستحبُّ نَقْطُه. قال ابنُ حمدان: ومثلُه شَكلُه. ويكره التفسيرُ فيه. وعنه: لا بأسَ به. ويحرُمُ مخالفتُه خط عثمانَ في واوٍ، وياءٍ، وألفٍ، وغيرِ ذلك. نصَّ عليه.
"تنبيه": يجوز تقبيلُ المصحفِ. قدَّمه في "الرعاية" وغيرِها. وعنه: يُستحب؛ ولأنَّ عِكرمةَ ابنَ أبي جهلٍ -رضي اللهُ تعالى عنه- كان يضعُ المصحفَ على وجهه ويقول: كتابُ ربِّي، كتابُ ربِّي. رواه الدارميُّ (^٢) بإسناد صحيح. وعنه: التوقفُ. ولا يكرهُ تطييبُ المصحفِ ولا جعله على كرسي أو كيس حرير فصل عليه، بل يباحُ ذلك، وتركله على الأرض، وتكره تحليتُه بذهبٍ أو فضَّةٍ. قدَّمه ابنُ تميمٍ وابنُ حمدان. وعنه: لا يكره. وقيل: يحرُمُ كبقيَّة الكتبِ. وقيل: تباحُ عِلاقته للنساء من ذهبٍ أو فضةٍ أو حريرٍ. قال الشيخ تقيُّ الدين (^٣): إذا
_________________
(١) ينظر "مصنف" عبد الرزاق ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٥، و"المصاحف" لأبي داود ٢/ ٥٢٠ وما بعدها، و"المحكم في نقط المصاحف" للداني ص ١٠ وما بعدها.
(٢) برقم (٣٣٥٠).
(٣) "الاختيارات الفقهية" ص ٢٩.
[ ١ / ٣٨٠ ]
وتصفحُه بكُمِّه وبعودٍ.
كحمله بعِلاقة، وفي كيس، وكُمِّ.
(و) لمحدثٍ (تصفُّحُه) أي: تقليبُ أوراقه (بكُمِّه وبـ) نحو (عودٍ) ولا فرقَ في ذلك بين الصَّغيرِ والكبيرِ، لكن لصغيرٍ مسُّ لوحٍ فيه قرآن.
ولا يجوزُ لوليِّه تمكينُه من مسِّ المحلِّ المكتوبِ فيه. ويجوزُ لمحدثِ مسُّ تفسيرٍ ولو قلَّ، ورسائلَ فيها قرآنٌ، ومنسوخٍ تلاوتُه. فمن رفع الحدث عن بعض أعضاءِ الوضوء، لم يجزْ مسُّ المصحف به قبلَ كمال الطَّهارة،
اعتادَ الناسُ قيامَ بعضِهم لبعض، فقيامُهم لكتاب اللهِ أحقُّ. الحجَّاوي صاحبُ "الإقناع" في "شرحِه على الداليَّة".
(كحمله بعِلاقة) بكسر العينِ في الأَجرام، وفتحِها في المعاني. ولا يحرُم أيضًا حملُه في غلافه. دنوشري.
(وفي كيسٍ وكُمٍّ) من غير مسٍّ، كما لو حمَلَه في رَحْله وأمتعته. وظاهرُ الشارحِ أنه لا يحرُمُ حملُه ولو بعِلاقته مستقلًا من غير مسٍّ؛ لأن النهيَ إنَّما تناول المسَّ، والحملُ بأنواعِه ليس بمسِّ، فكان جائزًا للمحدِث. (وبعُودٍ) قال في "الإنصاف" (^١): لا يحرم حَملُه بعِلاقته، ولا في غِلافه، أو كمِّه، أو تصفحه بكمِّه، أو بعودٍ، أو مسُّه من وراءِ حائلٍ، على الصَّحيح من المذهبِ، وعليه الجمهورُ. قال الدنوشري: قلت: لأن ذلك كله ليس بمسٍّ. وله الكتابةُ منه من غير مسٍّ. جزمَ به كثيرٌ من الأصحابِ، وجعلوه كالتَّقليب بالعود. وهذا إذا لم يحملْه بيده على مقتضَى ما هو في "التلخيص" وغيرِه.
(ورسائلَ فيها) آيات من القرآنِ، ولا يحرمُ أيضًا حملُ رُقى وتعاويذَ فيها قرآنٌ. دنوشري. (ومنسوخ تلاوتُه) أي: لا يحرُمُ على المحدِث أيضًا مسُّ منسوخٍ تلاوتُه، والمأثورِ عن الله تعالى (^٢)، والتَّوراةِ، والإنجيلِ، على الصَّحيح من المذهبِ؛ لزوال حُكمِ التعبُّدِ بتلاوته.
(فإن رفعَ الحدثَ عن بعض أعضاءِ الوضوءِ، لم يَجُز مسُّ المصحف به) أي: بعضوٍ
_________________
(١) ٢/ ٧٣ - ٧٤.
(٢) لعله يقصد الأحاديث القدسية. وينظر "كشاف القناع" ١/ ١٣٥.
[ ١ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو قلنا: يرتفعُ الحدثُ عنه، وفيه وجهان. قال في "الإنصاف": الذي يظهرُ، أنَّ ذلك مراعى، فإن أكملَه، ارتفع، وإلا، فلا (^١).
طهَّره حتى يُكملَها؛ لأن أعضاءَ الوضوءِ كالعضو الواحدِ، كما تقدَّم (^٢) … ظهَّره (^٣) في "الإنصاف"، واقتصرَ عليه الشارحُ.
(ولو قلنا: يرتفعُ الحدثُ عنه) أي: عن بعض أعضاءِ الوضوءِ؛ لأنَّ الحدثَ الأصغرَ (^٤) … كما يقوله الشافعيةُ؛ لأن الجوازَ مشروطٌ بتمام طهارتها.
_________________
(١) "الإنصاف ومعه المقنع والشرح الكبير" ٢/ ٧٦.
(٢) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
(٣) كذا في الأصل. والذي في "الإنصاف" ٢/ ٧٦: على الصحيح من المذهب.
(٤) بعدها في الأصل طمس بمقدار ثلاث كلمات.
[ ١ / ٣٨٢ ]