كُرِه لصائمٍ جمعُ ريقِه فيبلعَه، وذوقُ طعامٍ،
والنَّزعُ جِمَاعٌ. والإنزالُ بالمساحَقَة من مجبوبٍ أو امرأتينِ كالجماع، كما في "المنتهى" (^١).
(وهي) أي: كفَّارةُ الوطءِ في نهارِ رمضان (عتقُ رقبةٍ) مُؤمنةٍ، سليمةٍ من العيوبِ الضَّارَّة بالعمل (فإنْ لم يجد) رقبةً (فصيامُ شهرين مُتتابعَين، فإن لمْ يستطِع) الصومَ (فإطعامُ ستِّينَ مسكينًا) لكلِّ مسكينٍ مُدُّبُرٍّ، أو نصفُ صاع تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ، أو أقطٍ.
(فإن عَجَز) عمَّا يُطْعِمه للمساكين (سَقَطت) الكفَّارةُ؛ لأنَّ الأعرابيَّ لمَّا دفعَ إليه النبي ﷺ التمرَ ليُطعمَهُ للمساكين، فأخبرَه بحاجته، قال: "أطعمْهُ أهْلَكَ" (^٢). ولم يأمرْهُ بكفَّارةٍ أُخرى، ولم يَذكُرْ له بقاءَها في ذمَّتِه، بخلافِ كفَّارة حجٍّ وظِهارٍ ويمينٍ ونحوها. ويسقطُ الجميعُ بتكفيرِ غيرهِ عنه بإذنه.
فصل
فيما يُكره ويُستحَبَّ في الصَّوم، وحُكْم القضاء
(كُرِهَ لصائمٍ جَمْع ريقه فيبلعَه) بالنصبِ بأنْ مضمرةً، عطفًا على المصدر المتقدِّم، للخروجِ من خلافِ من قال بِفِطْرِه.
(و) كُرِهَ له (ذَوقُ طعامٍ) ولو لحاجةٍ.
_________________
(١) ١/ ١٦٠.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)، وأحمد (٧٢٩٠).
[ ٢ / ٣١٨ ]
وعِلْكٌ قويٌّ، فإنْ وَجدَ طعمَهُما بحلقِه، أفطر، وحَرُم مضغُ عِلْكٍ يتحلَّلُ مطلقًا، وبلعُ نخامةٍ، ويفطِرُ بها.
وتكرُه قُبْلةٌ، ودواعي وطءٍ لمن تحرِّك شهوتَه.
(و) مَضْغُ (عِلْك قويٍّ) وهو الذي كلَّما مضغتَه صَلُبَ وقوِيَ؛ لأنَّه [يجلبُ الفم] (^١)، ويَجمعُ الرِّيقَ، ويورثُ العطشَ. (فإن وَجَد طعمَهُما) أي: الطَّعام والعِلْك (بحَلْقِه، أَفطر) لأنَّه أوصلَه إلى جَوْفه (وحَرُم) على صائمٍ (مَضْغُ عِلْكٍ يتحلَّل مُطْلقًا) أي: سواء بَلَع ريقَه أوْلا.
(و) حَرُم (بَلعُ نُخامةٍ) سواء كانت من جَوفِه أو صَدْرِه أو دِماغه (ويفطِر بها) أي: بالنُّخامة إنْ وصَلَت إلى فمه؛ لأنَّها من غير الفم. وكذا إذا تنجَّس فمهُ بدمٍ أو قَيْءٍ ونحوه، فبلَعَه، وإن قلَّ؛ لإمكان التحرُّز عنه (^٢).
(وتُكرَه قُبْلةٌ، ودواعي وطءٍ) كلمسٍ، وتكرارِ نظرٍ (لمن) أي: لصائمٍ (تحرّكُ) القُبلةُ والدَّواعي (شهْوتَه) لأنَّه ﷺ نَهى عنها شابًّا، ورخَّص لشَيخٍ. رواه أبو داود من حديث أبي هريرة (^٣). وتَحرُم إن ظنَّ إنزالًا.
_________________
(١) في (م): "يجلب البلغم". وجاء لفظ العبارة في "المغني" ٤/ ٣٥٨، و"الشرح الكبير" ٧/ ٤٨١، و"الفروع" ٥/ ٢٤، و"الإنصاف" ٧/ ٤٨٠، و"شرح منتهى الإرادات" ٢/ ٣٧٣: ويحلب الفم. قال النووي ﵀ في "المجموع" ٦/ ٤٠٦: ولفظ الشافعي في "مختصر المزني": وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم. قال صاحب "الحاوي": رويت هذه اللفظة بالجيم وبالحاء، فمن قال بالجيم، فمعناه: يجمع الريق فربما ابتلعه، وذلك يبطل الصوم في أحد الوجهين، ومكروه في الآخر، قال: وقد قيل: معناه: يُطيِّب الفمَ ويزيل الخلوف. قال: ومن قاله بالحاء، فمعناه: يمتصُّ الريق، ويجهد الصائم، فيورث العطش. اهـ. ولفظ العبارة كما في مطبوع "الروض المربع" ١/ ٤٣١: يجلب الفم، وفي "كشاف القناع" ٢/ ٣٢٩: يجلو الفم. اهـ. وكلاهما تصحيف.
(٢) في (ح) و(ز) و(س): "منه".
(٣) "سنن" أبي داود (٢٣٨٧). وذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٤/ ١٥٠ أن فيه ضعفًا، وقال النووي في "المجموع" ٦/ ٤٠٨: رواه أبو داود بإسنادٍ جيد، ولم يضعفه. اهـ. ويشهد له ما رواه البيهقي في "السنن الكبرى" ٤/ ٢٣٢ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ رخَّص في القبلة للشيخ وهو صائم، ونهى عنها الشاب، وقال: "الشيخ يملك إربه، والشاب يفسد صومه".
[ ٢ / ٣١٩ ]
ويجبُ اجتنابُ كذبٍ، وغيبةٍ، وشتمٍ.
وسُنَّ لمن شُتِم قول: إنِّي صائم. وتأخيرُ سُحورٍ،
(ويجبُ) مطلقًا (^١) (اجتنابُ كذبٍ، وغيبةِ) ونميمةٍ (وشَتمٍ) لقوله ﷺ: "من لم يَدَع قولَ الزُّور، والعملَ به، فليسَ لله حاجةٌ في أنْ يدَع طعامَه وشرابَه" رواه أحمد والبخاري (^٢). ومعنى قوله (^٣): "حاجةٌ": أي: رضاءٌ ومحبَّةٌ.
قال أحمد: ينبغي للصَّائم أن يتعاهد صومَه من لسانه، ولا يماري، ويصونَ صومَه؛ كانوا (^٤) إذا صاموا، قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظُ صومَنا، ولا نغتابُ أحدًا، ولا نعملُ عملًا نجرح (^٥) به صومَنا (^٦).
(وسُنَّ) لصائمٍ كثرةُ قراءةٍ وذِكرٍ وصدقةٍ، وكَفُّ لسانِهِ عمَّا يُكرَهُ.
وسُنَّ (لمن شُتِمَ قولُ: إنِّي صائم) جَهْرًا؛ لقوله ﷺ: "فإنْ شاتَمَه أحدٌ، أو قاتَلَه، فليقُلْ: إنِّي صائم" (^٧).
(و) سُنَّ (تأخيرُ سُحورٍ) إن لم يَخشَ طلوعَ فجرٍ ثانٍ؛ لقول زيد بن ثابت: تَسَحَّرْنا مع النبيِّ ﷺ، ثمَّ قُمنا إلى الصلاة. قلتُ: كم كانَ بينهما؟ قال: قدرُ خمسينَ آية. متَّفَقٌ عليه (^٨).
وتحصلُ فضيلتُه بشُرْبٍ، وكمالُها بأَكلٍ. وكُرِه جمِاعٌ مع شَكٍّ في طلوعِ فجرٍ، لا سحور.
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصُّه: "قوله: مطلقًا. أي: للصائم وغيره. انتهى تقرير مؤلف".
(٢) "مسند" أحمد (٩٨٣٩)، و"صحيح" البخاري (١٩٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ليست (م).
(٤) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: كانوا. أي السلف. انتهى".
(٥) في (ز): "يخرج"، وفي (م) والأصل: "نخرج".
(٦) "المغني" ٤/ ٤٤٧، و"الشرح الكبير" ٧/ ٤٨٦، و"الفروع" ٥/ ٢٦ - ٢٧.
(٧) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١): (١٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو أيضًا عند أحمد (٧٣٤٠).
(٨) البخاري (١٩٢١)، ومسلم (١٠٩٧)، وأحمد (٢١٥٨٥).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وتعجيلُ فِطْرٍ، وكونُه على رُطَبٍ، فإنْ لم يكن فتمرٌ، وإلا فماء، وقولُه عنده: اللهُمَّ لك صُمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ، سبحانَكَ وبحمدِك، اللهمَّ تقبل منِّي إنَّك أنتَ السميعُ العليم.
ومن فاتُه رمضان، قَضَى عددَ أيَّامه، وسُنَّ فورًا متتابِعًا، ويَحرُم تأخيرُه إلى رمضان آخَر بلا عذرٍ،
(و) سُنَّ (تعجيلُ فطرٍ) لقوله ﷺ: "لا يَزَالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْرَ" متَّفقُ عليه (^١). والمراد: إذا تحقَّقُ غروبُ الشَّمس. وله الفطرُ بغلَبَةِ الظَّنِّ.
(و) سُنَّ (كونُه على رُطَبٍ) لحديث أنسٍ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُفْطِر على رُطَبَات قبل أنْ يُصلِّي، فإنْ لم تكنْ، فَعَلَى تَمرَاتٍ، فإنْ لم تكنْ تَمَراتٌ، حَسا حسواتٍ من ماء. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسنٌ غريب (^٢).
(فإنْ لم يكنْ) الرُّطبُ (فتَمْرٌ) إنْ وجَد (وإلَّا) يوجد (فـ) يُفطرُ على (ماء) لما تقدَّم.
(وقولُه عندَه)، أي: الفِطر ما وردَ، ومنه: (اللهُمَّ لك صُمْتُ وعلى رزقِك أَفطرتُ، سبحانَكَ وبحمدِكَ، اللهمَّ تقبَّل منِّي إنَّك أنتَ السميعُ العليم) (^٣).
(ومن فاتَهُ رمضان، قَضَى عددَ أيَّامه) تامًّا كان أو ناقصًا. (وسُنَّ) قضاءُ رمضان (فورًا متتابعًا) لأن القضاء يحكي الأداء، سواءٌ أفْطَرَ بسببِ محرَّمٍ، أَوْ لا. وإنْ لم يَقْضِ على الفَورَ، وَجَبَ العزمُ عليه.
(ويحرم تأخيرُه) أي: القضاء (إلى رمضان آخر بلا عذرٍ) لقول عائشة: كان يكونُ عليَّ الصومُ من رمضان، فما أستطيع أنْ أقضيَه إلَّا في شعبان؛ لمكانِ رسول الله ﷺ.
_________________
(١) البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨)، وأحمد (٢٢٨٠٤) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٢) أبو داود (٢٣٥٦)، والترمذي (٦٩٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (١٢٦٧٦). والحُسْوة: الجرعة من الشَّراب بقدر ما يُحْسَى مرَّة واحدة. والحَسْوة، بالفتح: المرَّة. "النهاية" (حسا).
(٣) أخرج الدارقطني في "سننه" (٢٢٨٠) عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: "اللهمَّ لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منَّا إنَّك أنت السميع العليم" وضعَّفه الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٢/ ٢٠٢.
[ ٢ / ٣٢١ ]
فإنْ فَعَلَ، أطعمَ لكلِّ يوم مسكينًا مع القضاء.
وإنْ ماتَ، أُطعِم عنه، ومن ماتَ وعليه نذرُ صلاةٍ، أو صومٍ، أو حجٍّ ونحوه، فُعِل من تَرِكَته، فإنْ لم تكن، سُنَّ لوليِّه.
متفقٌ عليه (^١)، فلا يجوز التطوُّعُ قبلَه، ولا يصحُّ.
(فإن فعل) أي: أخَّرهُ بلا عُذْرٍ، حَرُم عليه، و(أَطعمَ لكلِّ يومٍ مسكينًا) ما يُجزيه في كفَّارةٍ، رواه سعيد بإسنادٍ جيِّدٍ عن ابن عباس (^٢)، والدارقطنيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة (^٣)، وذلك واجبٌ (مع القضاء) وإنْ كان لعذرٍ، فلا إطعامَ عليه.
(وإنْ ماتَ) بعد أنْ أخَّره لعُذرٍ، فلا شيء عليه (^٤)، ولغيرِ عذرٍ (أُطْعِمَ) بالبناءِ للمفعول (عنه) لكلِّ يومٍ مسكينٌ، كما تقدَّم.
(ومن ماتَ وعليه نذرُ صلاةٍ، أو) نذرُ (صومٍ، أو) نذرُ (حجٍّ ونحوه) كنذرِ اعتكافٍ (فُعِل) ذلك وجوبًا (مِن تَرِكَته) فيفعلُه الوليُّ، أو يَدْفعُ إلى من يَفعلُ عنه، ويدفَع في صومٍ عن كلِّ يومٍ طعام مسكينٍ.
(فإنْ لم تكنْ) له تركةٌ (سُنَّ لوليِّه) فِعلُ ذلك؛ لما في الصحيحين: أن امرأةً جاءت إلى النبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ (^٥) أمِّي ماتتْ، وعليها صومُ نذرٍ، أفأَصومُ عنها؟ قال: "نعم" (^٦). ولأنَّ النيابةَ تدخلُ في العبادةِ بحسب خِفَّتِها، وهي أخفُّ حُكمًا من الواجب
_________________
(١) "صحيح" البخاري (١٩٥٠)، و"صحيح" مسلم (١١٤٦): (١٥١)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢٤٩٢٨) بنحوه.
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من "سنن" سعيد بن منصور، وأخرج الدارقطني (٢٣٤٧)، والبيهقي ٤/ ٢٥٣ عن ابن عباس في رجلٍ أدركه رمضان، وعليه رمضان آخر، قال: يصوم هذا، ويطعم عن ذاك كلَّ يومٍ مسكينًا، ويقضيه. وعلَّقه البخاري في الصوم، باب ٤٠، قبل حديث (١٩٥٠) بصيغة التمريض.
(٣) "سنن" الدارقطني (٢٣٤٣) و(٢٣٤٤) و(٢٣٤٥) و(٢٣٤٦) و(٢٣٤٨).
(٤) ليست في الأصل و(س) و(ز).
(٥) ليست في النسخ الخطية.
(٦) "صحيح" البخاري (١٩٥٣)، و"صحيح" مسلم (١١٤٨): (١٥٦) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٣٢٢ ]