وهو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هذا فصلٌ، أو: مبتدأٌ حُذفَ خبرهُ، أي: مما أذْكُرُه فصلٌ.
وهو في الأصل: الحجزُ بين شيئينِ، ومنه فصلُ الرّبيعِ؛ لحجزِه بينَ الشِّتاءِ
(عقبَه فقال … إلخ) قد يُقال: مقتضى ظاهر هذه العلَّة، تقديمُ بابِ الآنيةِ على باب المياه، ويمكنُ أن يجاب بأن المقصودَ بالذات الماء، وآنيته مقصودة بالعَرَض، وما بالذات يقدم على ما بالعرض. محمد الخلوتي.
(فصلٌ في الآنية) قوله: (أي هذا فصل) يُذكَر فيه مسائلُ من أحكام الآنية. والآنيةُ: الأوعية، وهي جمع إِناء، كسِقاء، والأصل أأنية بهمزتين، أبدِلت الهمزةُ الثانية ألفًا، ويُجمعُ على أوانٍ، فأوانٍ جمعُ الجمعِ، وأصلُه أأني أُبِدلت الهمزة الثانية واوًا؛ كراهةَ اجتماعِ همزتين، وطلبًا للتخفيف. دنوشري.
(وهو في الأصل) أي: في اللغة، وكذا كلُّ عبارةِ معنونة بقوله: في الأصل: [الحاجز] (^٢) بين أجناس المسائل وأنواعها، فالفصلُ حاجزٌ بين الكتاب والباب؛ لأنَّ الكتابَ كالجنسِ الحقيقيِّ، تحتَه أنواع؛ لاشتمالِه على ذلك، مثل الحيوان تحته الإنسان، والباب نوعٌ تحته أفرادُ المسائل.
_________________
(١) في (ح): "أعقبه".
(٢) ما ببن حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ١٥٧ ]
ويباحُ كل إناءٍ ولو ثمينًا
والصَّيفِ، وهو في كُتُبِ العلمِ كذلكَ؛ لحجزِه بينَ أجناسِ المسائلِ [وأنواعِها.
وهو -كالكتاب والبابِ- عُرفًا: اسمٌ لطائفةٍ مختصةٍ من العلمِ] (^١).
(ويُباحُ كلُّ إناءٍ) طاهرٍ، أي: يباحُ اتخاذُه واستعمالُه (ولو) كانَ الإناءُ الطَّاهرُ (ثمينًا) أي: غاليَ الثَّمنِ، كجوهرٍ وبلَّورٍ، وياقوتٍ، وزُمُرُّدٍ. وغيرُ الثَّمينِ كخشبٍ، وزجاجٍ، وجلودٍ،
(وهو في كتب العلم … إلخ) أي: ما تقدَّم من معنى الفصل في اللغة، ومعناه في كتب العلم كذلك، فمعناه في المحسوس والمعنويِّ واحدٌ، وأمَّا إذا أردنا بمسمَّى الفصلِ النقوشَ، اتَّضحَ الفصلُ، ولعلَّه هو المراد.
(عرفًا) أي: في العُرف، فهو منصوبٌ بنزع الخافض، وهو مصدرُ فصَل يفصِل فَصلًا، بمعنى اسم الفاعل، أي: فاصل، بمعنى قاطع مجازًا: القطعة بين أجناس المسائل … إلخ.
(ويباحُ كل إناءٍ طاهرٍ) غير منهيٍّ عنه.
(ولو كان … ثمينًا) كجوهرٍ ونحوه، ولا يَحرُم منها إلا ما ورد الشرعُ بتحريمه. (أي: غالي الثمن) أخَذَه من صيغةِ فعيل؛ لأنَّها من صيغ المبالغة. محمد الخلوتي.
كجوهرٍ … إلخ) ولُؤلُؤ، ومَرجانٍ، وزَبَرجَد، وبِلَّور، وعَقيق؛ وذلك لفقد العلَّة التي لأجلِها حرَّمت آنيةُ الذهب والفضة؛ لأنَّ كثيرًا من الفقراء لا يعرفُ الجوهرَ، وإنَّما يعرفُه خواصُّ الناسِ، فلا تنكسُر قلوبُ الفقراء؛ لأنَّهم لا يعرفونه، ولأنَّه ليسَ من النقدَين، فلا يحصل باتِّخاذها تضييقٌ، ولقلَّتها لا تتَّخذُ آنيةٌ منها إلا نادرًا، ولو اتخِذَت من غير النقدين، لم تستعمل غالبًا، فجاز استعمالُ ذلك وجعلُه آنيةٌ. ويجوز لرجال فصٌّ من ذهب إذا كان يسيرًا عرفًا. ولا يجوزُ اتخاذُ خاتمٍ من ذهب مطلقًا. دنوشري وإيضاح.
_________________
(١) ليست فى (س).
[ ١ / ١٥٨ ]
غير
وصُفْرٍ، وحديدٍ؛ لما روَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ قالَ: "أتانا رسولُ الله ﷺ فأخرَجْنا له ماءً في تَورٍ من صُفْرٍ فتَوَضَّأ" رواه البخاري (^١).
والتَّور -بالمثنَّاة الفوقيَّة كما في "المصباحِ"-: إناءٌ صغيرٌ يُشرب به، فارسيٌّ معرَّب (^٢). وقد وردَ أنَّه ﷺ توضأ من جَفنة (^٣) وقِربة (^٤)، فثبتَ الحكمُ فيها؛ لفعلهِ، وما في معناها مقيسٌ عليها؛ ولأن العلَّة المحرِّمة للنقدينِ مفقودةٌ في الثمينِ.
ويُستثنى من إباحةِ الإناء الطَّاهرِ ما أشار إليه بقوله:
(غيرَ) عظمِ آدميٍّ وجلدِه، ومغصوبٍ،
(وصُفرٍ) وهو النحاس. منه (من جَفنةٍ) وهي قصعةٌ صغيرةٌ. منه (وما في معناها) أي: الجَفْنة أو القِربة، أو أنَّ المعطوفَ والمعطوفَ عليه كالشيءِ الواحد، فلم يُثنِّهما لذلك، والذي في معناهما في جواز الاستعمال الجوهرُ، واللؤلؤُ، والمرجانُ، وغيرُ ذلك ممَّا ذكرَه الشارح.
(ولأنَّ العلَّةَ المُحرِّمةَ … إلخ) عطفٌ على قوله: "لما روى عبدُ الله … إلخ) وهي تضييق النقدَين، والخُيلاء، وكسرُ قلوب الفقراء. دنوشري وزيادة.
(غيرَ عظمِ آدميٍّ … إلخ) مستثنًى من قوله: "ويباح كلُّ طاهرٍ … إلخ" يعني أنَّ ما ورد
_________________
(١) في "صحيحه" (١٩٧).
(٢) "المصباح": (تور) وعبارته فيه: إناء معروف تُذكِّره العرب، والجمع أتوار.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠)، وأحمد (٣١٢٠) عن ابن عباس ﵄ قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول الله، إني كنت جنبًا، فقال: "إن الماء لا يُجنبْ". والجفنة: القصعة، والجمع جفان وجفنات. "القاموس": (جفن).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس ﵄ قال: بتُّ عند ميمونة، فقام النبي ﷺ فأتى حاجته فغسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام فأتى القِربة فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءًا بين ضوءين … الحديث.
[ ١ / ١٥٩ ]
إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ
و(إناء ذهبٍ أو فضَّةٍ) - أو مضبَّب (^١) بهما أو بأحدِهما، فيحرمُ اتخاذُها واستعمالُها على الذكر والأنثى والخنثى، مكَلَّفًا كان أو غيره، بمعنى أنَّ وليَّه يأثم بفعلِ ذلك له، وبتمكينهِ منه.
والأصلُ في تحريمِ استعمالِ الذهبِ والفضَّةِ، ما روَى حُذيفةُ ﵁ قال: سمعت
الشرعُ بتحريمِه يحرم اتخاذه، ولو لم يستعملْهُ؛ لأنَّ ما حَرُمَ مطلقًا، حرم أخذه على هيئة الاستعمال، ويحرم أيضًا استعمالُه إذا كانت الآنيةُ من ذهبٍ أو فضَّةٍ، وعليه جماهيرُ الأصحاب، وقطع به أكثرُهم؛ لما في ذلك من تضييق النقدَين … إلخ، ولما رَوى حذيفةُ.
(وجلده) قال في "الفروع": يحرم استعمال جلد آدميٍّ مطلقًا. مصنِّف. عبارة "الفروع" (^٢): ويحرم استعمالُ جلدِ آدميٍّ إجماعًا، قال في "التعليق" وغيره: ولا يطهر بدبغه وأطلقَ بعضُهم -يعني ابنَ حمدان- وجهين. قال محمد الخلوتي: وأمَّا ما نسبَهُ شيخنا إلى (الفروع) من قوله: "مطلقًا" فلعلَّه من جهة أنه أطلقَ في الاستعمال لا أنَّه صرَّح به.
(وإناء ذهبٍ أو فضةٍ) ذكر الثعلبي في تفسير سورة براءة عن نِقطويه قال: سُمِّي الذهبُ ذهبًا؛ لأنَّه يَذهبُ ولا يبقى، وسُمِّيت الفضة فضَّةٍ؛ لأنَّها تَنْفَضُّ ولا تبقى. حفيد.
(على الذكر والأنثى) لعمومِ الأخبارِ الواردة في ذلك، وعدمِ المخصِّصِ، فيستوي في ذلك الرجال والنساء. والمعنى فيهما أن كلا الجنسين مكلَّفٌ، ولم يكن دليل مخصِّصٌ، وإنَّما أُبيح للنساء من الذهب والفضة لحاجتها للتزيُّن والتجمُّل بها ولو زاد على ألف مثقال، كما سيأتي التنبيه على ذلك في بابه؛ لأن ما يتحلى به ليس من قبيل الآنية، فأُبيحَ لهنَّ، واختصَّت الإباحةُ بهنَّ؛ للتزيُّنِ بذلك لأزواجهنَّ وما ملكهنَّ. دنوشري.
(بمعنى أنَّ وليَّه يأثم … إلخ) تفسير لقوله: (أو غيره).
_________________
(١) الضَّبة: من حديد أو نحاس أو نحو. يُشعب بها الإناء. "المصباح": (شعب).
(٢) ١/ ١١٤.
[ ١ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَشرَبوا في آنيةِ الذَّهب والفضَّةِ، ولا تأكُلوا في صِحَافِها، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخِرةِ" ورَوَت أمُّ سلمةَ ﵂، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "الذي يَشرب في آنيةِ الذهبِ والفضَّةِ إنما يُجَرجِرُ في بطنهِ نارَ جهنَّمَ" متفق عليهما (^١). والجَرْجَرَةُ: صوتُ وقوعِ الماءِ بانحدارِه في الجوف (^٢).
(ولا تأكلوا في صحافها) جمع صَحيفة: وهي القصعَةُ، وقيل: القصعة التي تُشبعُ العشرةَ، والصحفة التي تُشبعُ الخمسةَ. شيشيني. (فإنَّها لهم في الدنيا) أي: للكفَّار في الدنيا، ولا يدلُّ هذا على إباحتِها للكفَّار، فإنهم مخاطبونَ بفروعِ الشريعة على الصحيح، كما تقرَّر في الأصول، بل معناهُ أنَّهم لا يُمنَعون منها، فهي عندهم بمنزلةِ المباحة. شيشيني. بل لهم في الدنيا؛ استدراجًا وإملاءً، وللمسلمينَ في الآخرة؛ تنعُّمًا وإكرامًا. (إنَّما يُجرجِر … إلخ) قال الشيشيني: بضمِّ الياء، وكسر الجيم الثانية، ورُوي: "نارَ جهنم" بالنصب، وهو المشهور، فيكونُ الفاعلُ مضمَرًا، وهو ضميرُ الشارب، ومعناه: أن الشاربَ يُلْقي النارَ في جوفه بِجُرَعٍ متتابعةٍ يُسْمَعُ له صوتْ مردَّدٌ في حَلقِه. وأجازَ هذا الخطابيُّ والزَّجَّاجُ والمحقِّقون. وروي: "نارُ" بالرفع على الفاعليَّة، ومعناه: تصوِّت في جوفِه النارُ، وسُمِّي المشروبُ نارًا؛ باعتبار ما يؤول إليه؛ لأنه جزاؤه ومبيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أي: سيدخلونها، وكما سُمِّيت الخمرُ إثمًا؛ لأن شُرْبها يُوجِبُ الإثم، أو يكون على حذف مضافٍ تقديرُه: ما يوجِبُ له النار، لا شربه النار، والحاصل أن مجموعَ الحديثين التوعُّدُ على ذلك بالنار، فدلَّ على تحريمه. (والجرجرة) هي (صوتُ وقوع الماء بانحداره في الجوف).
ولا أجرة لصناعةِ أواني الذهبِ والفضةِ وجميعِ آلاتِ اللهو؛ لكونها صناعة محرَّمة، ولا أرشَ لكسرها. دنوشري.
_________________
(١) حديث حذيفة عند البخارى (٥٦٣٣)، ومسلم (٢٠٦٧)، وحديث أم سلمة عند البخارى (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥).
(٢) "النهاية في غريب الحديث" ١/ ٢٥٥.
[ ١ / ١٦١ ]
ونحوِ مطليٍّ بهما،
وغيرُ الأكلِ والشربِ (^١) في معناهما؛ لأنَّ ذكرَهما خُرِّجَ مخرجَ الغالبِ، فلا يتقيَّدُ الحكمُ به.
(و) غيرَ (نحوِ مَطلِيٍّ) على وزنِ مَرميٍّ بتشديدِ الياء، اسم مفعولٍ (بهما) أي: بالذهبِ والفضَّةِ أو بأحدِهما.
والطِّلاءُ: أن يُجعلَ الذهبُ أو الفضَّةُ كالوَرَقِ ويُطلى به الإناءُ.
ونحوُ المطليِّ المُمَوَّهُ؛ بأن يُذابَ الذهبُ أو الفضَّةُ ويُلقَى فيه الإناءُ من نحاسٍ ونحوِه، فيكتسبَ من لونهِ، والمطعَّمُ والمكفتُ، فيحرمُ ذلك كله؛ لما روَى ابنُ عمرَ
(فلا يتقيَّدُ الحكم به) أي: بالمذكورِ من الأكل والشرب، فيَحرمُ استعمالُ الذهبِ والفضَّةِ في غير ما ذُكِر؛ قياسًا على الأكل والشرب.
(والطِّلاء … إلخ) أي: صفةُ الطِّلاء، أي: كيفيتُه، فيكتسبُ من لونه، فيصيرُ في رأي العين كأنَّه ذهبٌ محضٌ. دنوشري.
(والمطعَّمُ) أي: الإناءُ المطعَّمُ بذهبٍ أو فضَّةٍ، وصفتُه أن يحفرَ في الإناءِ من الخشبِ أو غيرِه مواضع، ويوضعَ فيها القطعُ من الذهبِ أو الفضةِ بمقدارِ تلك الحفر.
(والمكفَّتُ) أي: الإناءُ المكفَّتُ بذهب أو فضة، وصفةُ التكفيت أن يُبرَدَ الرِّكابُ (^٢) الحديدُ فيصير فيه مجارٍ دقيقةٌ، ويوضعَ فيها الذهبُ أو الفضةُ، ويُدَق ويُصقَلَ إلى أن يتساوى المجاري، فكلُّ إناءٍ مُمَوَّهٍ، أو مطليٍّ، أو مطعَّمٍ، أو مكفَّتٍ، حكمُه حكمُ مُصمتٍ، أي: خالصٍ من الذهبِ أو الفضَّةِ في الحرمة؛ لأن العلَّة التي لأجلها حرم الاناءُ المصمت، وهي
_________________
(١) فى (ز): "الثوب".
(٢) الركاب: من السَّرْج، وهو موضع الرِّجل فيه. "متن اللغة" (ركب).
[ ١ / ١٦٢ ]
إلا مضبَّبًا بيسير من فضَّة لحاجةٍ،
﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ شَرِبَ من إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ أو من إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك فإنما يُجَرْجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّمَ" رواه الدارقطني (^١).
(إلا) إناءً (مُضَبَّبًا بيسيرٍ) عرفًا (من فضَّةٍ؛ لحاجةِ) الإناءِ، وهي: أن يتعلَّقَ بها غرضٌ غيرُ الزينةِ ولو وُجِدَ غيرُها، كما لو انكسرَ الإناءُ فيباحُ اتخاذُ الضَّبَّةِ المذكورةِ إذن واستعمالُها؛ لحديثِ أنسٍ ﵁: أنَّ قدحَ النَّبيِّ ﷺ انكسرَ فاتخذَ مكانَ (^٢)
الخيلاءُ … إلخ، موجودةٌ في ذلك. دنوشري.
(إلَّا إناءً مضَببًّا بيسيرٍ … إلخ) مستثنًى من استعمالِ الذهب والفضة، والضَّبَّةُ في هذا المحلِّ: ما يُصلَح به الإناءُ من ذهبٍ أو فضةٍ، وهو حرامٌ إلا إذا ضُبِّبَ بضبَّةِ يسيرةٍ عرفًا من فضَّةٍ، لحاجةٍ ككسرِ القدحِ، ولا بأسَ بها حينئذٍ؛ لما قامَ على ذلك من الدليل، ونفيِ العلَّة المُحَرِّمة لذلك من معنى السرفِ والخيلاء. وفهم من قوله: (من فضَّةٍ) أن الضبَّة إذا كانت من ذهب، فهي حرامٌ مطلقًا، ولو كانت يسيرةً، حيث كانت لغيرِ حاجةٍ، والحاجةُ هي التي يتعلَّق بها غرضٌ غير زينةٍ، فمتى جُعِلت الضبَّةُ للزينةِ وغيرها، حُرِّمت؛ تغليبًا للزينة، ومراده بالحاجة أن يتعلَّقَ بها غرضٌ، بأنْ تدعوَ الحاجةُ إلى فعلها. وليس معناهُ أنْ لا تندفعَ بغيره.
قال الشيخ تقيُّ الدين: مرادهم أن يحتاجَ إلى تلك الصورةِ، لا إلى كونها من ذهب أو فضةٍ، وليس معناهُ أن الحاجةَ لا تندفعُ إلا بالضَّبَّةِ من الفضَّة (^٣).
وممَّن رخَّصَ في الضبَّة اليسيرةِ إذا كانت من فضةٍ سعيدُ بن جبير، وطاوس،
_________________
(١) في "سننه" (٩٦) وقال عقبه: إسناده حسن. ا. هـ وهو عند البخاري ومسلم كما مرَّ آنفًا دون قوله: "أو من إناء فيه شيء من ذلك"، وينظر "بيان الوهم والإيهام" لابن القطان (٢١٥٢).
(٢) من هنا الى قوله الآتي: "وكذا لبنها أي لبن الميتة نجس لأنه" ساقط من (ح).
(٣) "مجموع فتاوى ابن تيمية" ٢١/ ٨١.
[ ١ / ١٦٣ ]
وتصحُّ طهارةٌ مِن إناءٍ محرَّم.
الشَّعبِ (^١) سِلسلةً من فضَّةٍ. رواه البخاري (^٢)، وهذا مخصِّصٌ لعمومِ الأحاديثِ المتقدمةِ.
وعُلم من كلامهِ أنَّ ضَبَّة الذهبِ حرامٌ مطلقًا، وكذا الكبيرةُ عُرفًا من الفضَّةِ ولو لحاجةٍ، وأنَّ التي لغير حاجةٍ حرامٌ ولو يسيرةً من فضَّةٍ.
(وتَصحُّ طهارةٌ) وضوءًا كانت أو غسلًا أو غيرَهما (من إناء مُحَرَّمٍ) لغضبٍ
والشافعيُّ، وأبو ثور، وابنُ المنذر، وأصحابُ الرأيِّ، فحينئذٍ له دفعُ الحاجةِ بها ولو وجدَ غيرها، ولكن تُكرَه مباشرتُها حالةَ استعمالها، ولو أبيح فعلها؛ لأنَّه حينئذٍ يكون مستعملًا للفضَّةِ التي جاءَ الوعيدُ باستعمالها بلا حاجةٍ. كإن احتاجَ إلى مباشرةِ الفضَّة بأنْ كان بفمِه جرحٌ لا يستطيعُ معه مباشرةَ غير الضبَّةِ، أو كان الماءُ يندفعُ إذا شربَ من غير جهتها، أو نحو ذلك كتيسُّر تناولِ الطعام من جهتها. دنوشري مع زيادة.
(وتصحُّ طهارةٌ .. من إناءٍ محرَّمٍ … إلخ) أي: تصحَّ طهارةٌ من إناءٍ حرم اتخاذُه واستعمالُه؛ لأنَّ الإناء ليس بشرطٍ ولا ركنٍ للعبادة، فلم تؤثر في الطهارةِ، لأنَّ الحرمةَ إنَّما تعلَّقت بالظرف دون المظروف، فصحَّت الطهارةُ منه، أو من إناءٍ مغصوبٍ، أو من إناءٍ ثمنهُ المعيَّن حرامٌ، كما إذا كان الثمنُ مغصوبًا، أو كلبًا، أو خنزيرًا، أو خمرًا.
وقيل: لا تصح الطهارةُ من أواني الذهبِ والفضَّةِ والأواني المحرَّمةِ الاستعمال. واختارَهُ أبو بكر والقاضي وابنه أبو الحسين؛ وذلك لإتيانه بالعبادةِ على وجه محرَّمٍ، أشبهَ الصَّلاةَ في الأرضِ المغصوبةِ.
وفرَّق بينهما في "المغني" (^٣) بأنَّ أفعالَ الصلاةِ التي هي القيامُ والركوعُ والسجودُ
_________________
(١) الشَّعب: الصَّدع الذي يشعبُه الشَّعّاب، وإصلاحه أيضًا الشَّعْب. "اللسان": (شعب).
(٢) فى "صحيحه" (٣١٠٩) و(٥٦٣٨).
(٣) ١/ ١٠٣ بنحوه.
[ ١ / ١٦٤ ]
وتباحُ آنيةُ كفَّار
أو غيرِه، بأن يغترفَ منه بيده، وكذا تصحُّ به، وفيه، وإليه، بخلافِ الصلاةِ؛ لأن الإناءَ والمكانَ ليسا شرطًا للطهارةِ.
(وتُبَاحُ آنيةُ كفَّارٍ) أهلِ كتابٍ أو غيرِهم إن جُهلَ حالُها
حاصلةٌ في المكان المغصوب، فهو استعمالٌ لها، بخلافِ أفعال الوضوءِ من الغَسل والمسحِ، فإنَّها ليست باستعمالِ للإناء المغصوب، وإنَّما يحصلُ ذلك برفعِ الماء من الإناءِ، أشبهَ ما لو اغترفَ بإناءٍ محرَّمٍ، وتصحُّ الطهارة أيضًا فيه، أي: الإناء المُحرَّم، بأن يتخذ إناءً كبيرًا يحرم اتخاذه واستعماله يسع قلتين فأكثر ويملأه ماءًا طهورًا مباحًا، وينغمسَ فيه وهو محدثٌ ناويًا رَفْعَ الحدث، فإنَّه يرتفعُ حدثهُ، وتصحُّ طهارتُه، أشبهَ ما لو صلَّى وفي يده خاتمُ ذهبٍ، فإن ذلك لا يؤثِّرُ في صحَّةِ الصَّلاة.
وتصحُّ الطهارةُ بالماءِ المباح الطهور الذي انفصلَ عن الأعضاء، ووصل "إليه" أي: إلى الإناءِ المحرَّم، بأنْ يجعله مَصَبًّا لماء طهارته المنفصلِ عن أعضائه، كالطستِ؛ لأنَّ الماءَ الذي وصلَ إلى الإناءِ قد رفَع الحدثَ قبل وصوله إلى الإناء، فصحَّت طهارتُه، ولم تبطل به، ونبَّه صاحب "الإقناع" (^١) على مسألةٍ رابعة، وهي قوله: "وبه" بأنْ يتَّخذ من الذهبِ والفضَّةِ أو نحوهما ممَّا يحرمُ إناءً، ويغترفَ به من الماء الطَّهورِ، ويَصبَّ به على أعضاء طهارته. ا هـ دنوشري مع زيادة.
(أو غيره) كمسروقٍ ومقبوضٍ بعقدٍ فاسد. ح ف.
(وتباح آنية كفار … إلخ) أي: وما لم تُعرَف نجاسته من آنيةِ كفَّارٍ، بأنْ جُهِل حالُها، ولو لم تحلَّ ذبيحتُهم، أي: ذبيحةُ الكفَّارِ أصحابِ الآنيةِ كالمجوسِ، وعبدَةِ الأوثان، والمرتدِّين، والزنادقة، والدروز، والتيامنة، والنصيريَّة، فإن أواني هؤلاء كلِّهم طاهرةٌ مباحةُ
_________________
(١) ١/ ١٩ بنحوه.
[ ١ / ١٦٥ ]
وثيابُهم إن جُهل حالُها.
(و) تُباحُ (ثيابُهم) أي: ثيابُ الكفارِ (إن جُهِلَ حالُها) بأن لم تُعلم نجاستُها، حتى ما وَليَ عوراتِهم. يعني: أنَّه يجوزُ للمسلمِ أن يستعيرَ من الكافرِ أوانيَه وثيابَه المجهولة، ونحكم بطهارتها، وأنَّها متى حصلت في أيدينا، لم يجب عينا (^١) تطهيرُ ما لم نعلم نجاستَه منها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه توضَّؤوا
الاستعمال، قال في "الإقناع" (^٢): ويؤكلُ من طعامهم غير اللحم والدسم. والعلَّةُ في ذلك كونُ ذبيحتهم ميتةً. وما لم تُعلَم نجاستُه من ثيابِهم، أي: ثيابِ الكفار. ولو وَليت عوراتِهم كالسراويل: وهو أعجمي معرَّبٌ، ممنوع من الصَّرف، لشبهه بمفاعيل، وكالتُّبَّان (^٣)، والقميص الذي لم تعلم نجاستُه، وكذا من لَابَسَ النجاسةَ كثيرًا، كمدمنِ الخمر، وكساح الشراب.
وبدنُ الكافر، وطعامُ أهلِ الكتاب وماؤُهم، وكذا ما صبغوه أو نسجوه، طاهرٌ مباحُ الاستعمالِ؛ عملًا باليقين، وطرحًا للشكِّ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارة، والأصلُ في إباحة ذلك قوله ﷾: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].
والطعامُ لا يقومُ غالبًا إلا بالآنية، وعملًا بالأصل وهو الطهارة، فلا تزولُ بالشكِّ.
وفي كراهة ثوبِ المرضع والحائضِ والصغيرِ روايتان، ذكر في "الشرح" (^٤) الإباحة، ثمَّ ذكر عن الأصحاب أنَّ التوقِّي لذلكَ أولى؛ لاحتمالِ النجاسة فيه.
ولا يلزمُ السؤالُ عن طهارةِ شيءٍ من ذلك، بل ربَّما يكره. قيل لأحمد: عن صَبغِ اليهودِ بالبول، فقال: المسلمُ والكافرُ في هذا سواء، ولا يُسأل عن هذا، ولا يُبحث عنه فإنْ علمتَ، فلا تُصَل فيه حتى تغسلَه (^٥). وتطهيره بالغسل ولو بَقِيَ اللونُ. وسأله أبو الحارث (^٦)
_________________
(١) في الأصل: "عليها".
(٢) ٤/ ٣١٦.
(٣) التُّبَّان: سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملَّاحين. "اللسان" (تبن).
(٤) "الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف" ١/ ١٦٠.
(٥) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٥٥.
(٦) هو: أحمد بن محمد الصائغ، روى عن أبي عبد الله مسائل كثيرة، بضعة عشر جزءًا، وجوَّد الرواية عنه، وكان الإمام أحمد يأنس به، ويقدِّمه، ويكرمه. "طبقات الحنابلة" ١/ ٧٤.
[ ١ / ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من مَزادةِ مشركةٍ. متفق عليه (^١). ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ، لكن ما لاقى عوراتِهم كالسراويلِ، فرُوِيَ عن الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّه قال: أحَبُّ إليَّ أن يُعيدَ إذا صلَّى فيه.
عن اللَّحم يُشترَى من القصَّاب؟ فقال: يُغسَل. وقال الشيخ تقيُّ الدين: بِدْعة (^٢).
وفي "الفروع" (^٣): ثيابُ الكفار وآنيتهم مباحةٌ إنْ جُهِل حالُها، وفاقًا لأبي حنيفة. وفي "الإقناع" (^٤): تصحُّ الصلاةُ في ثيابِ المرضعةِ والحائضِ وثيابِ الصبيانِ مع الكراهةِ، ما لم تُعلَم نجاستُها. دنوشري مع زيادة.
قوله: (من مزادةِ مُشرِكةٍ) قال الجوهريُّ: المَزَادةُ: الرَّاويةُ. قال أبو عبيد: لا تكون إلَّا من جلدين، تُفأمُ (^٥) بجلدٍ ثالثٍ بينهما لتتسعَ (^٦)، والجمع: المزادُ والمزائِدُ (^٧). قاله ابن نصر الله في "حواشي المنتقى" راجعه.
(ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ) عطفٌ على قوله: (لأنَّ النبيَّ … إلخ).
وقوله: (لكن) استدراكٌ على مجموعِ المعطوف والمعطوفِ عليه، دَفع به ما يُتَوهَّم ثبوتُه، وهو أنَّه تبُاحُ ثيابُهم حتى في الصَّلاة، هذا مبنيٌّ على الاحتياطِ والورعِ، والصحيحُ خلافُه.
(إذا صلَّى فيه) أي: إذا صلَّى فيما لَقِي عوراتِهم.
_________________
(١) البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢) من حديث عمران بن حصين ﵁، وفيه أن النبي ﷺ أشار على أصحابه بالوضوء من المزادة.
(٢) "الفروع" ١/ ١٠٨، وكلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ٢١/ ٥٢٢.
(٣) ١/ ١٠٨.
(٤) ١/ ٢٠.
(٥) في الأصل: "يفأمُ". وأفأمت الرَّحل والقتب، إذا وسعته وزدت فيه. "الصحاح" (فأم).
(٦) في الأصل: "سعة".
(٧) "الصحاح" (زيد).
[ ١ / ١٦٧ ]
ولا يَطهُر جِلْدُ ميتةٍ بدَبغ،
(ولا يَطْهُرُ جلدُ ميتةٍ) نجُس بموتِها (بدَبْغٍ) له. هذا قولُ عمرَ وابنِه وغيرهما (^١)؛ لما روَى عبدُ الله بن عُكَيمٍ قال: أتانا كتابُ رسولِ الله ﷺ قبل وفاتِه بشهرٍ أو شهرينِ:
(ولا يطهرُ جلدُ ميتةٍ … إلخ) من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة بدبغٍ على الصحيحِ من المذهب وفاقًا لمالك؛ لأنّ الجلد جزءٌ من الميتة فلا يطهر بالدباغ (^٢) فلا يحلُّ بيعُه بعدَ الدبغ كما يحرم قبله (^٣) يحلُّ من الميتة بالدبغ ما كان طاهرًا في الحياة. قال ابنُ حمدان: [وهي أولى، ونقل جماعة] (^٤) إنَّها آخر قولي أحمد ﵁؛ لما روى ابنُ عباس أنَّ النبي ﷺ قال: "أيُّما إِهاب دُبغ، فقد طَهُر" رواه مسلمٌ (^٥) وغيره. وهو يتناولُ المأكولَ وغيرَه، فيخرجُ منهُ ما كانَ نجسًا في الحياة؛ لكون الدَّبغ إنَّما يؤثرُ في رفع نجاسةٍ حادثة بالموتِ فبقيَ ما عداه على مقتضى العموم. والأوَّل المذهب عند الأصحاب. دنوشري.
(ابنُ عُكَيم) عن النبيِّ ﷺ، بالتصغير وعينُه مهملةٌ، جُهينيٌّ كوفيٌّ مخضرمٌ، وكنيته أبو معبد من الثانية (^٦)، وقد سَمع كتابَ النبي ﷺ إلى جُهَينَة، ماتَ في إمارة الحجاج. من
_________________
(١) لم نقف على هذه الآثار مسندة، وأوردها عنهم النووي في "شرح مسلم" ٤/ ٥٤. وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ١٦٥ - ١٦٦: وقال بعض من ذهب مذهب ابن حنبل في هذا الباب: قد روي عن عمر، وابن عمر، وعائشة كراهية لباس الفراء من غير الذكي، قال: وذلك دليل على أن الدباغ لا يطهر الجلد، ولا يذهب بنجاسته، وذكر ما رواه إسحاق بن راهويه قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن الأشعث، عن محمد قال: كان ممن يكره الصلاة في الجلد إذا لم يكن ذكيًا: عمر، وابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وأسير بن جابر، وروى الحكم وغيره عن زيد بن وهب قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان: أن لا تلبسوا إلا ذكيًا. اهـ وقال في ٤/ ١٧٦: وروى مجاهد ونافع، عن ابن عمر أنه كان لا يلبس إلا ذكيًا.
(٢) بعدها في الأصل بياض بمقدار كلمتين.
(٣) بعدها في الأصل بياض بمقدار ثلاث كلمات.
(٤) ما بين حاصرتين من "المبدع" ١/ ٧٢.
(٥) في "صحيحه" (٣٦٦)، وهو عند أحمد (١٨٩٥).
(٦) في الأصل: "أبو سعيد من التاسعة" وهو تحريف. والمثبت من "تقريب التهذيب".
[ ١ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"أن لا تَنْتَفِعوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ" رواه الخمسة (^١)، ولم يذكرِ التوقيتَ غيرُ أبي داودَ وأحمدَ، وقال: ما أصَلح إسناده. وفي رواية الطبرانيِّ والدارقطنيِّ (^٢): "كنتُ رخَّصتُ لكم في جلودِ الميتةِ، فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ" وهو دالٌ على سبْقِ الرُّخصة، وأنَّه متأخِّرٌ فيتعيّنُ الأخذُ به.
"التهذيب" (^٣) في باب العين المهملة. محمَّد الخلوتي.
(بإهابٍ) وهو الجلدُ المدبوغ.
(قال) أي: الإمام.
(ما أصلحَ إسنادَه) بنصب "إسناده"؛ لأنَّ "ما" تعجبيَّةٌ، فهو منصوبٌ على التعجُّب.
(وهو دالٌّ على سَبقِ الرخصة … إلخ) فهو ناسخٌ لما قبلَه؛ أي: حديثُ ابن عكيم ناسخٌ لما قبلَه، يعني أنَّ ما ورد من الأحاديث دال على سبق الرخصة بأن جلدَ الميتة يطهرُ بالدباغ، فحديثُ ابنِ عكيم متأخرٌ عمَّا ذكر، وإنَّما يؤخذُ بالآخِرِ من قوله ﵊، فحينئذ نُسِخَ ما سبق من تطهير جلد الميتة بالدباغ.
(وأنَّه مُتَأخِّرٌ) وإنَّما يُؤخَذ بالآخِرِ من أمره ﵊، لا يقال: هو مرسلٌ؛ لكونه من كتابٍ لا يُعرَف حامِلُه؛ لأنَّ كتبَه ﵊ كلفظِه، ولهذا كان يبعثُ كتبَه إلى النواحي بتبليغِ الأحكام.
فإن قيل: الإهابُ اسمٌ للجلدِ قبل الدبغ، قاله النضرُ بن شميل. فكيفَ قال فلان: تنتفعوا بإهابها، مع أنَّ النفعَ لا يكونُ إلَّا بعد دبغه؟ أُجيب بمنع ذلك. كما قاله طائفةٌ من أهل اللُّغة، يؤيِّده أنَّه لم يُعْلَم أن النَّبيَّ ﷺ رخَّص في الانتفاع به قبل الدبغ، ولا هو من عادة النَّاس. مصنِّف (^٤).
_________________
(١) أبو داود (٤١٢٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي في "الكبرى" (٤٢٤٦)، وابن ماجه (٣٦١٣)، وأحمد (١٨٧٨٣)، وينظر "مختصر السنن" للمنذري ٦/ ٦٨.
(٢) الطبراني في "الأوسط" (١٠٤)، ولم نقف عليه عند الدارقطني.
(٣) يريد "تقريب التهذيب" كما مرَّ آنفًا.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٥٤.
[ ١ / ١٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمرادُ بالمَيتَة في عُرفِ الشرعِ، كما في "المصباح": ما مات حَتفَ أنفهِ، أو قُتل على هيئةٍ غيرِ مشروعة، إمَّا في الفاعل أو في المفعولِ، فما ذُبح للصَّنمِ أو في الإحرامِ، أو لم يُقطع منه الحُلقوم ميتةٌ، وكذا ذَبحُ ما لا يُؤكل لا يُفيد الحلَّ ولا الطهارة (^١). انتهى.
والموتُ: عدمُ الحياةِ عمّا مِن شأنهِ الحياةُ، كما في "المطوَّل" أو عدمُ الحياة عمَّن اتَّصفَ بها، كما قاله السعد، وهو أظهر. وقد يُطلق الموتُ على ما لا حياةَ فيه أصلًا، كما قال تعالى في حقِّ الأصنامِ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١].
(والمراد بالميتة … إلخ) هذه عبارةُ المصنف في "شرحه للإقناع"، والموتُ حتفَ الأنفِ: الموتُ من غيرِ فعل فاعلٍ. (على هيئةٍ غيرِ مشروعة … في الفاعل) بأن كان مجوسيًّا أو وثنيًّا ونحو ذلك، ممَّا لا تجوزُ ذبيحتُه، (أو … المفعولُ) أي: وقُتِل على هيئة- معطوفٌ على قوله: "فما ذُبح … إلخ"- غيرِ مشروعة في المفعول، كمتروك التّسمية.
(فما ذُبح للصنم … إلخ) مُفَرَّعٌ على قوله: "أو قيل: على هَيئَة … إلخ". هو مبتدأ، خبرُه: "ميتةٌ".
وقوله: (أو في الإحرام) لأنَّ المُحرِم لا يجوزُ له الذبح. (وكدا ذبح ما لا يؤكل لا يفيد الحلَّ). (وقد يطلق … إلخ) هذا من كلام الشارح، فالصفة لا توصف بالميتة على هذا أخذًا من قوله: "أصلًا".
قال في "الإقناع" ممزوجًا مع "شرحه": ولا يطهرُ جلد ما كان نجِسًا في حياته، كالكلب بذكاةِ، كما لا يطهرُ لحمُه بها؛ لأنَّه ليس محلًا للذكاة، فهو ميتةٌ، فلا يجوزُ ذبحُه لجلده أو لحمه؛ لأنَّه عبثٌ وإضاعة (^٢) لما قد يُنتَفع به، ولا يجوزُ ذبحه أيضًا لغير ذلك، كإراحته، ولو كانَ في النزع، وكذا الآدميُّ، بل أولَى، ولو وصلَ إلى حالة لا يعيشُ فيها
_________________
(١) "المصباح المنير": (موت).
(٢) بعدها في الأصل: "مال" ولم ترد في "كشاف القناع" ١/ ٥٥ - ٥٦، والكلام منه.
[ ١ / ١٧٠ ]
ويباح استعماله بعده
(ويُباح استعمالُه) أي: جِلد الميتة (بعدَه) أي: بعد الدَّبغ بطاهر مُنشِّفٍ للرطوبةِ، منَقٍّ للخبث، بحيث لو نُقع الجلدُ بعده في الماء، لم يفسُد. وجَغلُ مُصْرانٍ (^١) وكَرِشٍ (^٢) وَتَرًا، دباغٌ.
عادة، أو كان بقاؤه أشدّ تأليمًا له، وقد عمَّت بذلك البلوى. قال الدنوشرى: خلافًا لأبي حنيفة في أنَّ التذكيةَ تُطَهِّر جلدَ الحيوانِ الطَّاهر في الحياة دون لحمِه، على المفتي به عندهم. فلا يجوز عندنا ذبحُه لذلك، ولا لغيره، ولو في النزع، كما أنَّه لا يحلُّ لحمُ المأكول بتذكيته وهو في النزع؛ لأنَّه ليسَ فيه حياةٌ مستقرَّةٌ، فلا عبرةَ بتذكيته. انتهى (^٣) … فيقال لها: ميتة على الأوَّل، دونَ الثَّاني؛ لعدم اتصافها بالحياة منه.
(ويباحُ استعماله … بعدَه) مفهومه: أَنَّه يباحُ دبغُ جلدٍ من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة، أو غيرِ مأكولٍ نَجُسَ بموت، كما صرَّح به في "المنتهى" (^٤)، سواءٌ كان مأكولًا في الحياة، أو غيرَ مأكولٍ، كالهرِّ ونحوه، واحترز بقوله: نَجُسَ بموتٍ، عمَّا إذا كان نجسًا حالَ الحياة، كالبغل، والحمار الأهليِّ، وسباعِ البهائم، وجوارحِ الطَّيرِ، والمتولِّد بينَ ذلك وغيره، فإنَّه لا يباحُ استعمالُ الجلدِ الذي نَجُسَ بالموت.
(بعدَه أي: بعدَ الدبغ) ويحصلُ الدبغ بكلِّ طاهر مجفِّفٍ قاطع للرُّطوبةِ، فلا يحصلُ الدبغُ بنجسٍ -ولا بطهورٍ غيرِ مُنْقٍ للخبث، بحيثُ لو نُقِعَ الجلدُ بعدَه في الماءِ لفسُد، ولا بتشميسٍ، وتتريبٍ (^٥)، وريحٍ- أشبه الاستجمار.
ولا يفتقر الدبغُ إلى فعلِ آدميٍّ، فلو وقعَ الجلدُ في مدبغَةٍ (^٦)، ومكثَ يسيرًا فقد حَصَل
_________________
(١) المصِير: المعى، والجمع مُصْران. "المصباح": (مصر).
(٢) الكرِش: لذي الخُفِّ والظّلف كالمعدة للإنسان. "المصباح": (كرش).
(٣) بعدها في الأصل بياضٌ بمقدار سطر ونصف.
(٤) ١/ ١٠.
(٥) في الأصل: "وترتيب" وهو خطأ، والتصويب من "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي ١/ ٥٦.
(٦) المدبغة: موضع الدبغ، وضمُّ الباء لغة. "المصباح" (دبغ).
[ ١ / ١٧١ ]
في يابسٍ إن كان مِن طاهرٍ في حياةٍ.
(في يابس) كدراهمَ، ودنانيرَ، ودقيق (إن كان) الجلدُ المدبوغ (من) حيوان (طاهرٍ في حياةٍ) كإبلٍ، وبقرٍ، وغنمٍ، وظِباءٍ، ونحوِها، ولو جلدَ غيرِ مأكولٍ، كالهر وما دونه في الخِلقَة؛ لأنَّه ﵊ وجَد شاةً ميتةً أعطِيَتها مولاة لميمُونةَ مِن الصدقةِ فقال ﵊: "ألَا أخَذوا إهابَها، فَدَبغوه، فانتفعُوا بهِ" رواه مسلم (^١). وفُهم من كلامِه أنَّه لا يُباح انتفاعٌ به قبل دَبغه مطلقًا، ولا بَعده في مائعٍ، ولا إن كان جلدَ حيوانٍ نجس في حياةٍ كحمارٍ أهليٍّ.
دبغُه؛ لأنَّه كإزالةِ النجاسةِ، فهو كالمطرِ إذا مر على الأرض المتنجسة. دنوشري مع زيادة.
(في يابس) متعلق بـ "يباحُ استعماله" أي: يباحُ استعمالُ جلدِ حيوان طاهر في الحياة نَجُسَ بموتٍ، بعدَ دبغِه، في يابسٍ لا مائعٍ، فإنَّه يحرمُ حينئذٍ؛ لأنَّ في استعمالِ ذلك في المائعات تضمُّخًا بالنجاسة من غير ضرورة، وهو غيرُ جائز، والدليلُ على جواز استعمال الجلد المدبوغ في اليابسات دون المائعات، ما رَوى ابنُ عباس قال: تُصُدقَ على مولاة لميمونةَ بشاة فماتت، فألقتها، فمر بها رسولُ الله ﷺ فقال: "هلا انتفعتُم بإهابها فدبغتموه، فانتفعتم به" رواه مسلم (^٢).
ولأن الصحابةَ ﵃ لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجِهم وأسلحتِهم، وذبائِحُهم ميتة نجسة. ونجاستُها لا تمنعُ الانتفاعَ بها، كالاصطيادِ بالكلب، وركوبِ البغل والحمارِ، وإذا جاز استعمالُه، جازَ دبغُه. دنوشري. وما ذكره الشارح من الدليل مروي بالمعنى.
(قبل دبغه مطلقًا) أي: لا في يابس ولا في مائع.
(ولا أَنْ كان جلدَ حيوان … إلخ) هذا محترزُ قولِه: "من طاهرٍ في حياة" وذلك مثلُ:
_________________
(١) في "صحيحه" (٣٦٣) (١٠٢) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) في "صحيحه" (٣٦٣)، وأخرجه أيضًا البخاري (١٤٩٢) بنحوه، ولفظه عند مسلم: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه " الحديث.
[ ١ / ١٧٢ ]
وكل أجزاءِ الميتةِ ولبنُها نَجِسٌ غيرَ نحوِ شَعَرٍ وصُوفٍ
(وكل أجزاء الميتةِ) مِن لحمٍ، وشحمٍ، ومُخٍّ، وعظمٍ، وعصَبٍ، وقَرنٍ، وظُفُرٍ، وحافرٍ، وأصولِ شعرٍ، ونحوِه نُتِفَ، نجسٌ.
(و) كذا (لبنُها) أي: لبنُ الميتةِ (نجسٌ) لأنَّه (^١) مائع لاقَى وعاء نجسًا، فتنجَّس.
(غَيرَ نحوِ شَعرٍ) لغنمٍ (^٢) (وصوفٍ) لضأنٍ كوَبَرِ إبلٍ، وريشِ طائر، ولو غيرَ
سباع البهائم، والحمُر الأهليةِ، والبغال، ونحوها، وكجوارحِ الطير، فإن شعرَ ذلك وريشه نجسٌ؛ لأنَّه نجسٌ في الحياة، ففي الموت أولى.
والوبَرُ، بالتحريك: صوفً الإبل والأرانب ونحوها. حفيد.
(وكلُّ أجزاءِ الميتةِ … ولبنها … نجسٌ) فـ "كل" مبتدأ، و"نجسٌ" خبر مطلقًا، مأكولٌ، أو غيره كالفيل، أما نجاسةُ لبنِ الميتَةِ والإنْفحة، لما رَوى سعيدُ بن منصور: حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، أنَّ ابنَ عباس سئِل عن الجبن يصنع فيه أنافح الميتة؟ فقال: لا تأكلوه (^٣).
وقال: لا تأكلوا من الجبن إلَّا ما صنعَ المسلمون وأهلُ الكتاب. رواه البيهقي (^٤). وذلك لأنَّه مائعٌ في وعاءٍ نجس، أشبه ما [لو] (^٥) حُلِب في إناءٍ نجسٍ، وأمَّا جلدةُ الإنفحة، وما ذُكر من أجزاء الميتة، فمن جُملةِ الميتة المحرمة؛ لأنَّ الحياةَ تَحُله، فيَنْجُسُ بالموت، كالجلد، ودليلُه: قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، وقولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، والعظمُ، والقرنُ،
_________________
(١) إلى هنا نهاية السقط في (ح).
(٢) في (س): "غنم".
(٣) وأخرجه الحربي في "غريب الحديث" ١/ ٢٩٤ من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: سئل ابن عباس … الخبر.
(٤) وأخرجه الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٣٥، ولم نقف عليه عند البيهقي.
(٥) الزيادة من "المبدع" ١/ ٧٥.
[ ١ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مأكولةٍ، فذلك طاهرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] والآية سِيقَت للامتنانِ، فالظاهر شمولُها لحالتَي الحياةِ والموتِ، والريشُ مَقيس على الثلاثة (^١). وحَرم في "المستوعب" نتْفَ ذلك من حيٍّ؛ لإيلامِه،
وما ذُكِر من جملةِ الميتَةِ، فيكون محرمًا، وبدليل الإحساسِ والألم، وهو في العظام أشد منه في اللحم، والفرسُ يتألم، ويحس ببرودة الماء وحرارته، وحُكمُ ما ذكرنا أن ذلك إذا أخِذ من مُذكى، فهو طاهرٌ، وإن أُخِذ من حيّ، فهو نجس. دنوشري.
(فذلك طاهرٌ) لأنَّ ذلك كله لا تَحُلُّه الحياةُ، فلا يَحُله الموتُ، فلا يُعطَى حكمَه من النجاسة دليل طهارة المستثنى. (والآية سيقت للامتنان) بذلك على عبادِ الله تعالى، وما يُساقُ على وجهِ الامتنان يكون على أتم الأوصاف وأحمد الأحوال.
(فالظاهرُ شمولُها لحالتي الحياة والموت) نقل الميموني (^٢): صوفُ الميتة لا أعلمُ أحدًا كرهَه (^٣). وأمَّا أصولُ شعر الميتَة ريشُها إذا نُتِفَ وهو رطب أو يابس، فنجس؛ لأنَّه بالنتفِ لا يُؤمَن انفصال جزء من الميتة معه، والمنفصلُ جزءٌ من المتَّصل، فأصولُه نجسةٌ برطوبةِ الميتةِ، وما عداهُ طاهر.
وفُهِم من قوله: "طاهر في حياة" أن الحيوان إذا كان نجسًا في الحياة، فشعرُه ولعابُه وعرقُه نجس أيضًا في الحياة والممات، وهذا هو المشهورُ عن الإمام أحمد، نفعنا الله به. دنوشري.
(والريشُ مقيسٌ … إلخ) جوابٌ عن ما يقال: أخَّره عن الشعر والصوف والوبر ولم يقدمه عليها، وحاصل الجواب: أنَّه مقيسٌ، والمقيسُ مؤخر عن المقيس عليه.
_________________
(١) في (ح) و(ز) و(س): "الثلاث".
(٢) هو عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران، الفقيه، كان عالم الرقة ومفتيها في زمانه، صحب الإمام أحمد. له عنه مسائل جياد. (ت: ٢٧٤ هـ). "المقصد الأرشد" ٢/ ١٤٢.
(٣) "الفروع" ١/ ١١٩.
[ ١ / ١٧٤ ]
وما أُبينَ مِن حيٍّ كميتةٍ.
وكرهه (^١) في "النهاية".
(وما أُبينَ) بالبناء للمفعول، أي: فُصِلَ (مِن) حيوانٍ (حيٍّ) من قَرنٍ وألْيةٍ ونحوِهما، فهو (كميتةٍ) طهارةً ونجاسةً؛ لقوله ﵊: "ما يُقطَعُ مِنَ
(وما أُبينَ … إلخ) أي: انفصلَ من حيوانٍ حيٍّ، فكميتته. أي: فحكمُه حكمُ ميتَته في الطهارة والنجاسة.
فإن كانت ميتتُه طاهرة، كالسمكِ، والجرادِ، والآدميِّ، وما لا نفسَ له سائلةٌ، كالجراد، والذباب، والنمل، والنحل، والقَمل، والبُرغوث، وما أشبهَ ذلك، فالذي أبينَ منه طاهرٌ؛ تبعًا لميتته.
وإن كانت ميتتُه نجسةً، فهو نجسٌ، كبهيمة الأنعام، فما قُطِع منها في حياتها من لحم، وقَرْنٍ، وظُفرٍ، وعَصَبٍ، وحافرٍ، فهو نجسٌ؛ لقوله ﷺ: "ما يقطع … " إلخ.
والأصلُ في طهارة الميتتة من الذبابِ ونحوه ممّا لا نفسَ له سائلة، قولُه ﷺ: "إذا وقع الذبابُ في شرابِ أحدكُم فليغمسه كله، ثُمَّ ينزِعهُ، فإن في أحدِ جناحيه داءً، وفي الآخرِ شفاء" رواه البُخاريّ ومسلم (^٢). والأمر بغمسِه يقتضي طهارتَه.
ويُستثنى من هذه القاعدة -أعني "وما أبين … إلخ"- الطريدةُ بين قومٍ لا يقدرون على ذكاتِها، فيَقطعُ ذا منها بسيفه قطعة، ويقطع الآخرُ قطعة، وهو حيُّ حتَّى يؤتى عليه بقصد تذكيته، وكذا البعيرُ الناد إذا شردَ، أو تردى في بئر، وقَصد تذكيتَه، ولا يقدِر على ذبحه. وكذلك المشيمةُ في هذا الحكم، فالحيوانُ الذي بعد الموت طاهرٌ، تكونُ مشيمتُه طاهرةً، كالآدمي، وما يكون نجسًا فنجسةٌ، والمشيمةُ: هي طَرَفً الولدِ.
وأمَّا حكمُ الجزءِ المنفصل من الصيد، فإن قَطع الصيدَ قطعتَين متساويتَين أو متقاربتَين،
_________________
(١) في (ح): "وكره".
(٢) "صحيح" البخاري (٣٣٢٠)، ولم نقف عليه عند مسلم. وأخرجه أيضًا أحمد (٩١٦٨).
[ ١ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَهيمةِ وهي حيَّة، فهو مَيتَة" رواه التِّرمذيُّ (^١). وقال: حسن غريب. ودخل في كلامهِ ما يتساقطُ من قُرون الوُعولِ (^٢). ويُستثنى من ذلك طريدةٌ (^٣) وولدٌ، وبيضةٌ صَلُب قشرها، [وصوفٌ، ونحوه] (^٤) مما تقدم، ومِسك وفأرتُه (^٥).
أو قَطع رأسَه، حل، وإن أبانَ منه عُضْوًا غيرَ الرأس، ولم تَبقَ فيه حياةٌ مستقرة، وكانت البينونةُ والموتُ معًا، أو بعدَه بقليل، أكِلَ وما أبينَ منه، وإنْ كانت مستِقرة، فالمبانُ حرامٌ، سواءٌ بقيَ الحيوانُ حيًا، أو أدركَه فذكَّاه، أو رماهُ بسهم آخرَ فقتلَه، وإنْ بقيَ معلقًا بجلدِه، حل بِحله (^٦)، لأنَّه لم يَبِن. كما ذكره في "الإقناع". دنوشري.
(ودخلَ في كلامه) وهو القاعدة المذكورة بقوله: "وما أبين … إلخ". (من قرون الوعول) أي: فإنه نجسٌ. محمَّد الخلوتي.
(وبيضة صَلُب قشرها) أي: لا ينجسُ بالموت باطنُ بيضةِ حيوان مأكولٍ صَلُبَ قشرُها في بطنِ الميتةِ؛ لأنَّ صلابةَ قشرِها تمنعُ النجاسةَ عن باطنِها، أشبهتِ الولدَ إذا خرجَ حيا من ميتة، وأمَّا ظاهرُها فهو نجس يطهرُ بغسله. مصنِّف (^٧).
وفُهِم من قوله: "صَلُب قشرُها" أنَّها إذا لم يتصلب قشرُها، فهي نجسة بموتِ الطاهر الذي هي في جوفه؛ لعدم الحائل الحصين. دنوشري مع زيادة.
(ومِسك وفأرته) قال في "الإقناع" مزودًا بشرحه (^٧): والمسكُ وجلدتُه طاهران -لأنَّه
_________________
(١) في "سننه" (١٤٨٠) من حديث أبي واقد الليثي ﵁.
(٢) في (ز): "الدعول"، والوعِلُ: ذكر الأروى، وهو الشَّاة الجبليَّة. "المصباح": (وعل).
(٣) الطريدة: ما طردت من صيد أو غيره. "القاموس": (طرد).
(٤) في (ح): "وصوفها ونحوها".
(٥) الفأرة: نافجة المسك، والنافجة: وعاء المسك. "القاموس": (فأر) و(نفج).
(٦) في الأصل: "كله"، وما أثبتناه موافق لما في "الإقناع" ٤/ ٣٢٩، والكلام منه.
(٧) "كشاف القناع" ١/ ٥٧.
[ ١ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منفصلٌ بطبعه، أشبهَ الولدَ -ودودُ القَزِّ وبزرُه، ودودُ الطَّعامِ الطاهر، ولعابُ الأطفال [طاهر]؛ لحديث أبي هريرة: "رأيتُ النَّبيُّ ﷺ حاملَ الحسين على عاتقه ولعابه يسيل عليه" (^١). قلت: ظاهره ولو تعقَّب قيئًا، ولم تُغسل أفواههم؛ لمشقةِ التحرُّزِ. كالهر إذا أكل نجاسة، ثمّ شربَ ماء. وما سالَ من فمٍ عندَ نومٍ طاهرٌ، كالعَرَق والرِّيق (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٦٥٨)، وأحمد (٩٧٧٩). قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٤٣: إسناده صحيح، رجاله رجال الصَّحيح. اهـ ووقع في مطبوع ابن ماجه كما هنا: "الحسين" والصَّواب: "الحسن"، كما هو عند أحمد، وفي "تحفة الأشراف" ١٠/ ٣٢٢، ومخطوط "مصباح الزجاجة" ورقة ٤٥.
(٢) "كشاف القناع" ١/ ٥٧، وما بين حاصرتين زيادة منه.
[ ١ / ١٧٧ ]