(والأذان) لغةً: الإعلام. وشرعًا: إعلامٌ بدخولِ وقتِ صلاةٍ،
"الإقناع" (^٢): وهو أظهر. والله أعلم.
(ولا يكفرُ بتركِ غيرها .. إلخ) أي: ولا يكفرُ بتركِ شيءٍ من العباداتِ تهاونًا غير الصلاةِ، فلا يكفرُ بتركِ زكاةٍ بُخْلًا، ولا بتركِ صومٍ، وحجٍّ يحرُمُ تأخيرُه تهاونًا؛ لقول عبد الله بن شقيق (^٣): لم يكنْ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يرونَ شيئًا من الأعمالِ تركُهُ كفرٌ غيرَ الصلاةِ (^٤).
ويُقتَلُ فيهنَّ حدًّا، لما يأتي في أبوابها، ولا يُقتَلُ بتركِ صلاةٍ فائتةٍ، ولا بتركِ كفَّارَةٍ ونذرٍ؛ للاختلافِ في وجوبِها فورًا. "إقناع" و"شرحه" للمصنِّف (^٥).
(والأذانُ لغةً: الإعلامُ) لقولِه تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]. أي: إعلامٌ، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] أي: أَعْلِمْهُم بالحجِّ، ويقال: أذَّنَ بالشيءِ يؤذِّنُ أذانًا وتأذينًا وأذينًا، على وزن رغيف، إذا أعلمَ به. وهو اسمٌ وضِعَ موضعَ
_________________
(١) في (م): (قال). وكلام الشيخ في "الاختيارات الفقهية" ص ٥٠.
(٢) ١/ ١١٦.
(٣) هو: عبد الله بن شَقيق العُقَيليُّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد البصري، روى عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم. توفي بعد المئة. "تهذيب التهذيب".
(٤) أخرجه الترمذي (٢٦٢٢)، وصحح النووي إسناده في "الخلاصة" ١/ ٢٤٥.
(٥) "الإقناع" ١/ ١١٦، و"كشاف القناع" ١/ ٢٢٩.
[ ٢ / ٢٥ ]
والإقامةُ فرضا كفايةٍ
أو قربهِ لفجرٍ (^١) بذِكْرٍ مخصوص.
(والإقامة) لغةً: مصدرُ أقام. وشرعًا: إعلامٌ بالقيامِ إلى الصلاة بذكرٍ مخصوص (^٢).
وهما (فرضا كفايةٍ) لحديث (^٣): "إذا حَضَرَتِ الصلاةُ، فلْيؤذِّنْ لكمْ أحدُكم، ولْيؤمَّكم أكبرُكم" متَفقٌ عليه (^٤). والأمرُ يقتضي الوجوبَ. وعن أبي الدرداء مرفوعًا:
المصدر، وأصلُه من الأُذُنِ، وهو الاستماع، كأنَّه يُلقِي في آذانِ الناس بصوتِه ما إذا سمعُوه، أُعلِموا أنَّهم نُدبوا لذلك. دنوشري.
قال الشارح (^٥): اختلف في السَّنَةِ التي شرع فيها الأذان، رجَّحَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ كونَهُ في السنةِ الأُولى من الهجرة (^٦).
(أو قربِه) أي: قربِ الوقتِ. (لفجرٍ) فقط.
(لغةً: مصدرُ أقام) فكأنَّ المؤذِّن إذا أتى بألفاظِ الإقامة، أقامَ القاعدينَ، وأزالَهُم عن قعودِهم. وحقيقتُها إقامةُ القاعدِ.
(وهما فرضَا كفايةٍ) على المذهب، وفرضُ الكفايةِ واجبٌ على الجميعِ، ويَسقطُ بفعلِ من يكفي، ويجبُ عينًا على من ظنَّ أن غيرَهُ لا يقومُ به، وإنْ فعلَهُ الجميعُ كان فرضًا في حقِّهم. ولا يُشرَعُ الأذانُ والإقامةُ لكلِّ واحدٍ ممَّن في المسجد، بل حصلتْ لهمُ الفضيلةُ بفعلِ الواحدِ، كقراءةِ الإمامِ للمأموم.
_________________
(١) بعدها في (م): "فقط".
(٢) "المطلع" ص ٤٧ - ٤٨.
(٣) في (م)، والأصل: "لخبر".
(٤) "صحيح" البخاري (٦٢٨)، و"صحيح" مسلم (٦٧٤)، وهو عند أحمد (٢٠٥٢٩) عن مالك بن الحويرث ﵁.
(٥) هو صاحب "هداية الراغب" الشيخ عثمان النجدي، وكلامه في "حاشيته على المنتهى" ١/ ١٣٩.
(٦) "فتح الباري" ٢/ ٧٨.
[ ٢ / ٢٦ ]
للخَمْسِ على رجال مقيمينَ، فيُقاتَل أهلُ بلدٍ تَرَكُوهما.
"ما مِنْ ثلاثةٍ لا يؤذَّنُ ولا تقامُ فيهمُ الصلاةُ، إلا اسْتَحْوَذَ عليهمُ الشيطانُ" رواه أحمدُ والطبرانيُّ (^١).
ولا يُشْرعان لكلِّ مَنْ في المسجد، بل تكفيهمُ المتابعةُ، وتحصلُ لهم الفضيلةُ (لـ) ــــلصلوات (الخمس) المؤدَّاةِ، والجمعةُ منها (على رجالٍ) أحرار (مقيمين) بقرًى وأمصار، لا على رجلٍ واحد، ولا على نساءٍ، وعبيدٍ، ومسافرينَ، بل يُكرهان لنساءٍ وخَنَاثى، ولو بلا رفعِ صوت. لكن يُسنَّان لمنفرد ذَكَرٍ، وسفرًا، ولمقضيَّة.
(فيقاتَل) بالبناء للمفعول، ونائبُ الفاعل قولُه: (أهلُ بلدٍ تركوهما) أي: الأذانَ والإقامةَ. أي: يقاتلهم الإمامُ، أو نائبُه إذا اتفقوا على تركهما؛ لأنَّهما من شعائر الإسلام الظاهرة. وإذا قام بهما من يحصلُ به الإعلام، أجزأَ عن الكلِّ، وإن واحدًا، وإلا، زِيد بقْدرِ الحاجةِ، كلُّ واحد في جانبٍ، أو دفعةً واحدة بمكان واحد، ويقيم أحدُهم، وإن تشاحُّوا (^٢)، أُقرع. وتصحُّ صلاةٌ بدونهما، لكن يُكْرَه.
(للصلوات الخمس) أي: دونَ المندوبةِ، وفرضِ الكفايةِ. وقوله: (المؤدَّاة) أي: دونَ المقضيَّاتِ، والمنذورةِ.
(والجمعةُ منها) أي: لا يُحتَاجُ لذكرِها؛ لدخولِها في الخمسِ، اللهمَّ إلَّا أنْ يُقالَ: الجمعةُ لها أحكامٌ مستقلَّةٌ، فنصَّ عليها استقلالًا، تبعًا "للفروع" (^٣)، وإنَّما لم يُشْرَعَا في غير ما ذُكِر؛ لأنَّ المقصودَ منها الإعلامُ بوقتِ الصلاةِ المفروضةِ، والقيامُ إليها، وهذا لا يوجدُ في غيرِها، وإنَّما كانَ كلٌّ منهما فرضَ كفايةٍ؛ لأنَّهما من شعائر الإسلام الظاهرة.
_________________
(١) "مسند" أحمد (٢١٧١٠)، وهو عند أبي داود (٥٤٧)، والنسائي في "المجتبى" ٢/ ١٠٦ - ١٠٧ عن أبي الدرداء ﵁ بنحوه. وصحَّح إسناده النووي في "الخلاصة" ١/ ٢٧٧. وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (١٣٢٩) عن ابن عمر ﵄، وفي بعض رجال الإسناد كلام.
(٢) الشحُّ: البخل مع الحرص، وتشاحَّ الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما. "الصحاح" (شحح).
(٣) ٢/ ٥، حيث قال: وهما -أي: الأذان والإقامة- فرض كفايةٍ للصلوات الخمس والجمعة.
[ ٢ / ٢٧ ]
وتَحرمُ أجرتُهما لا رزْقٌ من بيت المالِ؛ لعدمِ متطوِّع، ويُسَنُّ كون مؤذِّن صَيِّتًا، أمينًا، عالمًا بوقت.
فإن تشاحَّ فيه اثنانِ، قُدِّمَ أفضلُهما
(وتحرُم أجرتهما) أي: يحرُم أخذُ أجرةٍ على أذانٍ وإقامة؛ لأنَّهما قُربتان لفاعلهما (لا رزْقٌ من بيتِ المال) فيجوز أخذُه، وبذلُه (لعدم متطوِّع) أي: فاعلٍ لهما تطوعًا بلا شيء، كأرزاقِ قضاةٍ، وغزاةٍ.
(ويُسنُّ كونُ مؤذِّنٍ صَيِّتًا) أي: رفيعَ الصوت؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلام (أمينًا) أي: زائدَ العدالة؛ ليُؤْمن على الأوقات ونساءِ الجيران (عالمًا بوقت) الصلاةِ؛ ليؤذِّن في أوَّله.
(فإن تشاحَّ) أي: تنازعَ (فيه اثنان) فأكثر (قُدِّم أفضلُهما) أو أفضلُهم
(عالمًا بـ) ـــالـ (ـــوقت) أي: ويسنُّ كونُه عالمًا بالوقت -ولو رقيقًا، ويستأذن سيِّدَه- أي: عالمًا بمعرفةِ الأوقاتِ؛ ليتحرَّاها، فيؤذِّن في أوَّلِها؛ لأنَّه إذا لم يكنْ عالمًا بها لا يؤمنُ منه الخطأُ، واشترطَه أبو المعالي، كالذكوريَّةِ، والعقلِ، والإسلام، ويستحبُّ أنْ يكونَ بصيرًا. قاله في "المغني" (^١)؛ لأنَّ الأعمى لا يعرِفُ الوقتَ، فربَّمَا غلطَ. وكره ابن مسعود وابن الزبير أذانَه (^٢)، قاله ابنُ تميم. فإنَ كان لهُ من يعرِّفُهُ الوقتَ، لم يكرَه. نصَّ عليه؛ لفعلِ ابنِ أمِّ مكتومٍ (^٣).
(فإن تشاحَّ) من الشُّحِّ، وهو البخلُ مع حرصٍ (^٤). مصنِّف.
_________________
(١) ٢/ ٦٩.
(٢) أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١٨١٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٢١٦ عن ابن مسعود أنه قال: ما أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم. وأخرج ابن أبي شيبة ١/ ٢١٧، والبيهقي ١/ ٤٢٧ أن ابن الزبير كان يكره أن يكون المؤذن أعمى. قال البيهقي: وهذا والذي روي عن ابن مسعود في ذلك محمولٌ على أعمى منفرد، لا يكون معه بصيرٌ يعلمه بالوقت.
(٣) سيأتي قريبًا.
(٤) في الأصل: "وحرص"، والتصويب من "كشاف القناع" ١/ ٢٣٥.
[ ٢ / ٢٨ ]
في ذلك، ثم في دِيْنٍ وعَقْلٍ، ثم من يَختارُه أكثرُ الجيران،
(في ذلك) المذكور من الخِصال. (ثمَّ) إن استويا فيها، قُدِّم أفضلُهما (في دِين وعَقْل) لحديث: "ليؤذِّنْ لَكُمْ خِيارُكم" رواه أبو داود (^١) (ثمَّ) إن استويا في ذلك أيضًا، قُدِّم (مَنْ يختارُه أكثرُ الجيران) أي: المصلِّين؛ لأنَّ الأذان لإعلامهم
(في ذلك المذكورِ من الخصال) وهي الصوتُ، والأمانةُ، والعلمُ بالوقت؛ لأنَّه ﵊ قدَّم بلالًا على عبد الله بن زيد؛ لكونِه أندى صوتًا منه، وقدَّم أبا محذورةٍ لصوته (^٢). وقِسْنَا بقيَّةَ الخصالِ عليه. دنوشري.
(ثم إن استويا) أو استووا في الخصالِ المذكورةِ، قُدِّمَ الأفضلُ في دين .. إلخ.
(لحديث: "ليؤذِّنْ لكم" إلخ) ولأنَّه إذا قُدِّمَ بالأفضليَّةِ في الصوتِ، ففي الأفضليَّة في ذلك بطريقِ الأَوْلَى، ولأنَّ مراعاتَهُما أَولَى من مراعاةِ الصوتِ، ولأنَّ الضررَ بفقدِهما أشدُّ. دنوشري.
"ثمَّ إن استووا" في جميعِ ما تقدَّم.
(الجيران … المصلين) قيَّدَ به غيره؛ (لأنَّ الأذانَ لإعلامِهم)، فكان لرضَاهُم أثرٌ في التقديمِ، ولأنَّهم أعلمُ بمنْ يَبلُغُهُمْ صوتُه، ومن هو أعفُّ عن النظرِ إلى عوراتِهم، وحكمُ أكثرِهم كالكُلِّ، وذكر في "الكافي" (^٣) أنَّها رواية. دنوشري.
_________________
(١) في "سننه" (٥٩٠)، وهو -أيضًا- عند ابن ماجه (٧٢٦) عن عبد الله بن عباس ﵄. قال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٣٠٧: وفي إسناده: الحسين بن عيسى الحنفي الكوفي، وقد تكلم فيه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وذكر الدارقطني أن الحسين بن عيسى تفرَّد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان. اهـ.
(٢) خبر تقديم بلال ﵁ أخرجه أحمد (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩) مطولًا من حديث عبد الله بن زيد ﵁، وأخرجه الترمذي (١٨٩) من حديثه مختصرًا. وأما خبر تقديم أي محذورة فأخرجه الإمام أحمد (١٥٣٧٦)، والنسائي في "المجتبى" ٢/ ٧.
(٣) ١/ ٢٢٣.
[ ٢ / ٢٩ ]
ثم قرعةٌ.
وهو خمسَ عشرةَ جملةً،
(ثمَّ) إن استوَوْا في الكلِّ، فالمميِّز (قرعةٌ) فأيُّهم خرجتْ له، قدِّم.
(وهو) أي: الأذانُ المختارُ؛ لكونه أذانَ بلالٍ ﵁: (خمسَ عشرةَ) ببنائهما على الفتح (جملةً) تمييزٌ،
(ثمَّ إن استووا في الكلِّ) أي: في جميعِ الجهاتِ، أو في الاختيارِ، أو عدمه. (فالمميّزُ قرعةٌ) بينهم، فمن خرجتْ له القرعةُ، قُدِّمَ؛ لأنَّها تزيلُ الإبهام (^١)، وتجعلُ مَنْ خرجَتْ له كالمُسْتَحِقِّ المتيقَّنِ.
وإنَّما شُرِعتِ القرعةُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأوَّلِ، [ثمَّ] لم يجدوا إلَّا أنْ يستهِموا عليه، لاستهموا". متَّفقٌ عليه (^٢)، وقد تشاحَّ الناسُ في الأذانِ يومَ القادسيَّة، فأقرعَ بينهم سعدٌ (^٣). والقادسيَّةُ: قريةٌ من قرى الكوفة، وكذا الحِيْرة.
(وهو خمسَ عشرةَ) بإسكانِ الشين، وفتحِها، وكسرِها (^٤). وكونُ الأذانِ خمسَ عشرةَ كلمةً من غير ترجيع. أي: (جملةً)؛ لأنَّ ذلك معنى الكلمة لغةً. [هذا] (^٥) هو المشهور؛ لحديث عبد الله بن زيد (^٦)، وكان بلالٌ يؤذِّنُ كذلك، ويقيمُ حضرًا وسفرًا مع النبيِّ ﷺ إلى
_________________
(١) في "المبدع" ١/ ٣١٦: الإبهام.
(٢) "صحيح" البخاري (٦١٥)، و"صحيح" مسلم (٤٣٧). من حديث أبي هريرة ﵁. وما بين حاصرتين منهما.
(٣) علقه البخاري في كتاب الأذان قبل الحديث (٦١٥) بلفظ: ويذكر أن أقوامًا اختلفوا في الأذان، فأقرع بينهم سعد. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٢/ ٩٦: أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي [١/ ٤٢٨ - ٤٢٩] من طريق أبي عبيد، كلاهما عن هشيم عن عبد الله بن شبرمة … وهذا منقطع. وقد وصله سيف بن عمر في "الفتوح" والطبري من طريقه. وذكر الحديث أيضًا الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" ٢/ ٢٦٦ وقال: وهذا منقطعٌ، ولذلك مرَّضه.
(٤) ينظر "الصحاح" (عشر)، و"المطلع" ص ٤٣.
(٥) زيادة يقتضيها السياق، وينظر "المبدع" ١/ ٣١٦.
(٦) سلف تخريجه ص ٢٩.
[ ٢ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن ماتَ، وعليه عملُ أهلِ المدينة، وهو لا يداوِمُ إلَّا على الأفضلِ والأكملِ، ولم يثبتْ أنَّه كانَ يُرَجِّعُ. وقال الإمام أحمد: هو آخرُ الأمرين.
بأنْ يقولَ المؤذِّنُ: اللهُ أكبرُ الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، اللهُ أكبرُ الله أكبر، لا إله إلا الله.
فإن رجَّعَ في الأذانِ وثنَّى الإقامةَ، لم يُكْرَه.
فقوله: اللهُ أكبر. أي: من كلِّ شيءٍ، أو أكبرُ من أن يُنسَبَ إليه ما لا يليقُ بجلالِه، أو هو بمعنى كبير. وقولُه: أشهدُ. أي: أعلمُ. وقولُه: حيَّ على الصلاة. أي: أقبلُوا إليها، وقيل: أسرِعوا. والفلاحُ: الفوزُ والبقاءُ؛ لأنَّ المصلِّيَ يَدْخُلُ الجنَّة إنْ شاءَ الله فيبقى فيها، ويُخلَّدُ. وقيل: هو الرشدُ والخيرُ، وطالبُهما مفلحٌ؛ لأنَّه يصيرُ إلى الفلاح، ومعناه: هَلمُّوا إلى سببِ ذلك. وخَتَم بـ: لا إله إلَّا الله؛ ليختِم بالتوحيد، وباسم الله تعالى، كما بدأ به، وشُرِعَتْ: لا إله إلَّا اللهُ، مرَّةً واحدةً؛ إشارةً إلى واحدنيةِ الإله المعبودِ ﷾.
والترجيعُ: هو أن يأتيَ بالشهادتينِ أولًا، خافضًا بهما صوتَه، ثمَّ يأتي بهما رافعًا صوتَه، فَيَرْجِعُ من السِّرِّ إلى العلانية؛ لأنَّه رَجَعَ إلى رفعِ الصوتِ بعدَ أن ذكرَهُ، أو إلى الشهادتين بعد ذكرِهما.
والحكمةُ فيه أن يأتيَ بهما بتدبُّرٍ وإخلاصٍ؛ لكونِهما المنجيتينِ من الكفر، المدخلتَيْنِ في الإسلام.
واحتجَّ الإمامُ أحمدُ ﵁ بحديث عبدِ الله بن زيد؛ لأنَّ بلالًا كانَ يؤذِّنُ به مع رسول الله ﷺ سفرًا وحضرًا، وأقرَّه النبي ﷺ بعدَ أذانِ أبي محذورة.
[ ٢ / ٣١ ]
يرتِّله
وهي: المركَّب الإسنادي، مثلًا: اللهُ أكبرُ. جملةٌ، وهكذا إلخ، من غير ترجيع للشهادتين، فإن رجَّعهما، فلا بأس.
(يُرَتِّلُه) أي: الأذانَ، أي: يُستحبُّ أن يتمهَّلَ في ألفاظه، ويقفَ على كلِّ جملة.
قال الأثرم: سمعتُ أبا عبدِ الله سُئِل: إلى أيّ الأذان تذهب؟ قال: إلى أذانِ بلال. قيل له: أليسَ حديثُ أبي محذورة (^١) بعدَ حديثِ عبد اللهِ بن زيد بن عبد ربِّه -وهو راوي حديث الأذان-؛ لأنَّ حديثَ أبي محذورة بعدَ فتحِ مكَّة؟ فقال: أليس قد رجعَ النبي ﷺ إلى المدينةِ وأقرَّ بلالًا على أذانِ عبدِ الله بن زيد. دنوشري مع زيادة.
(وهي المركَّبُ الإسنادي) وهو كلُّ كلمتينِ أسندتْ إحداهُما إلى الأخرى، كبرق نحره، وشابَ قرناها، وحكمُه الحكايةُ على ما كانَ عليه قبلَ التسمية منه إذا جُعِلَ علمًا، فإذا قيل: جاءَ شابَ قرنَاها، فشاب قرناها فاعلٌ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِه ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخرهِ، منعَ من ظهورها اشتغالُ المحلِّ بحركةِ الحكايةِ، وكذا يُقَالُ في حالة النصبِ والجرِّ.
(من غير ترجيع للشهادتين) أي: وعدمُ الترجيعِ هو الأفضلُ؛ لأنَّه ﵊ كان بلالٌ يداومُ معه في السفرِ والحضرِ عليه، وهو لا يداومُ إلَّا على الأفضلِ والأكمل، ولم يثبتْ أنَّه كان يُرَجِّعُ فيه. ح ف.
(ويقفُ على كلِّ جملةٍ) أي: ويسنُّ الوقفُ بالسكونِ على كلِّ جملةِ من جُمَل الأذانِ والإقامةِ؛ لما رُويَ عن إبراهيمَ النخعيِّ أنَّه قال: شيئانِ مجزومانِ كانوا لا يعربوهُما، الأذانُ والإقامةُ.
قلت: والمراد بالجزمِ الوقفُ بالسكون، وعدمُ الإعرابِ بالحركاتِ الظاهرةِ.
وقال أيضًا: الأذانُ جزمٌ (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥٣٧٩)، وأبو داود (٥٠٠)، والترمذي (١٩٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١/ ٢٢٩.
[ ٢ / ٣٢ ]
على عُلْوٍ،
وأن يكونَ قائمًا (على عُلْوٍ) أي: مكان مرتفع، كالمنارة؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلام، حالَ
قال المجد في "شرحه": معناهُ استحبابُ تقطيعِ الكلماتِ على كلِّ جملةٍ.
(وأنْ يكونَ قائمًا … إلخ) أي: ويُسنُّ أنْ يكونَ المؤذِّنُ قائمًا في الأذانِ والإقامةِ، أمَّا في الأذانِ؛ فلما رَوى أبو قتادةَ أن النبيَّ ﷺ قال لبلال: "قُمْ فأذِّنْ" (^١). وكان مؤذِّنو رسولِ الله ﷺ يؤذِّنونَ قيامًا. وأمَّا في الإقامةِ؛ فلأنَّ المؤذِّنَ يدعو الناسَ إلى القيامِ إلى الصلاة، والداعي إلى الشيءِ أَوْلَى في المبادرة إلى ما يدعو إليه غيرَه، قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقال بعضُ العلماء:
وإنَّكَ إذ ما تأتِ ما أنت آمرٌ … به تُلْفِ من إيَّاهُ تأمرُ آتيا (^٢)
ولأنَّها أحدُ الأذانين، فَشُرِع لها القيامُ كالآخر، فيكرهان -الأذانُ والإقامةُ- قاعدًا، لغير مسافرٍ ومعذورٍ، فلا يكرهُ أذانُ كلِّ منهما قاعدًا؛ لتعذُّرِ القيام منهما مع السفرِ والعذر، وكذا يُكْرَهُ الأذانُ والإقامةُ راكبًا وماشيًا، لغير مسافرٍ.
قال في "الرعاية": يُباحان للمُسافرِ حال مشيه وركوبِه في رواية. وظاهرُه أنَّه إذا أذَّنَ قاعدًا لغير عذر، أنَّه يصحُّ أذانُه مع الكراهة.
قال في "المبدع" (^٣): ولم يذكروا الاضطجاع، ويتوجَّهُ الجوازُ، لكنْ يُكرَه؛ لمخالفةِ السنَّة. دنوشري.
(على علوٍ) أي: على موضعٍ عالٍ، أي: مرتفعٍ، كالمنارةِ ونحوها؛ لأنَّه رُويَ عن امرأةٍ من بني النجار، قالت: كان بيتي من أطولِ بيتٍ حولَ المسجد، وكان بلالٌ يؤذِّن عليه [الفجرَ، فيأتي] بسَحَرٍ، فيجلس (^٤) على البيت فينظر إلى الفجرِ، فإذا رآه تمطَّى، ثمَّ قال:
_________________
(١) أخرجه البخارى في "صحيحه" (٥٩٥) مطولًا.
(٢) أورده ابن عقيل في "شرحه على ألفية ابن مالك" ١/ ٣٦٧، ولم ينسبه.
(٣) ١/ ٣٢٠.
(٤) وقعت العبارة في الأصل كالتالي: "يؤذن عليه بسحرٍ، فيأتي، فيجلس … "، والتصويب وما بين حاصرتين من "سنن" أبي داود.
[ ٢ / ٣٣ ]
متطهِّرًا،
كونه (متطهِّرًا) من الحدثين. ويُكره أذانُ جُنُبٍ، وإقامةُ محدِث.
اللهمَّ إني أستعينك وأستعديك (^١) على قريشٍ، أنْ يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذِّن. رواه أبو داود (^٢).
ولأنَّ الأذانَ على مكانٍ عالٍ أبلغُ في الإعلام.
(متطهرًا) أي: ويُسنُّ كونُ المؤذِّنِ والمقيمِ متطهِّرًا من الحدثين الأصغرِ والأكبرِ.
قال في "المبدع": لقول رسول الله ﷺ: "لا يؤذِّنُ إلِّا متوضِّئ" رواهُ الترمذيُّ والبيهقيُّ (^٣). وحكمُ الإقامةِ كذلك، بل آكدُ من الأذانِ؛ لأنَّها أقربُ إلى الصلاة. دنوشري.
(ويكرهُ أذانُ جُنُبٍ) ويصحُّ على الأصحِّ مع الكراهة، ولا يكره أذانُ مُحْدِثٍ. نصَّ عليه؛ لأنَّ الأذانَ لا يزيدُ على قراءةِ القرآن، ولا يُشترَطُ لها الطهارةُ من الحدثِ الأصغرِ.
(وإقامةُ مُحْدِثٍ) أي: ويُكْرَهُ إقامةُ محدثٍ؛ للفصلِ بين الإقامةِ والصلاةِ بالوضوءِ، أمَّا إذا أقامَ متوضِّئًا، لم يحصلْ فصلٌ.
_________________
(١) في الأصل: "وأستعيذك"، وفي "سنن" أبي داود: اللهم إني أحمدك واستعينك على قريش … الخبر.
(٢) في "سننه" (٥١٩). قال النووي في "المجموع" ٣/ ١١٢: رواه أبو داود بإسناد ضعيف. اهـ وحسَّنَه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٢/ ١٠٣.
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٠٠)، من طريق الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن أبي هريرة مرفوعًا. ثم روى الترمذي (٢٠١) من طريق عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال أبو هريرة ﵁: لا ينادي بالصلاة إلا متوضِّئ. قال الترمذي: وهذا أصحُّ من الأول، وحديث أبي هريرة لم يرفعه ابن وهب، وهو أصحُّ من حديث الوليد بن مسلم. والزهريُّ لم يسمع من أبي هريرة. اهـ وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٣٩٧ من طريق الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن يحيى بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. قال البيهقي: هكذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف، والصحيح رواية يونس بن يزيد الأيلي، وغيره، عن الزهري قال: قال أبو هريرة: لا ينادي بالصلاة إلا متوضِّئ.
[ ٢ / ٣٤ ]
مستقبلَ القبلة، جاعلًا سبابتَيْه في أُذنيه، يلتفت يمينًا لـ: حيَّ على الصلاة، وشمالًا لـ: حيَّ على الفلاح،
(مستقبلَ القبلة) لأنَّها أشرفُ الجهات (جاعلًا سبَّابتيه في أُذنيه) لأنَّه أرفعُ للصَّوت (يلتفتُ) ندبًا برأسه، وعُنقِه، وصدرِه (يمينًا لـ) ـــقوله: (حَيَّ على الصلاة، وشِمالًا لـ: حَيَّ على الفلاح) [ومعنى حَيَّ: أقبلِوا وتعالَوْا. والفلاح: الفوزُ والرضا] (^١). ويرفعُ وجهَه إلى السماء فيه كلِّه؛ لأنَّه حقيقةُ التوحيد.
(مستقبلَ القبلة) أي: ويسنُّ أيضًا كونُه مستقبلَ القبلةِ. قال في "المبدع" (^٢): لأنَّها أشرفُ الجهات. ولأنَّ مؤذِّني رسولِ الله ﷺ كانوا يؤذِّنونَ مستقبلي القبلةِ، فإذا أخلَّ باستقبالِ القبلةِ، كُرِهَ وصحَّ.
(جاعلًا سبابتيه … إلخ) ويسنُّ كونُه جاعلًا إصبعي سبابتيه في أذنيه. قال في "المبدع" (^٢): لأنَّ رسول الله ﷺ أمرَ بلالًا أنْ يجعلَ إصبعيهِ في أذنيه، وقال: "إنَّه أرفعُ لصوتك" رواهُ ابن ماجه (^٣).
و(يلتفت ندبًا … إلخ) أي: ويُسنُّ أن يلتفتَ المؤذِّنُ في الأذانِ دون الإقامة، فيقول: حيَّ على الصلاة. مرَّتين، و: حيَّ على الفلاح. مرَّتين.
(ويرفعُ وجهَهُ إلى السماء … إلخ) أي: ويسنُّ للمؤذِّنِ أنْ يرفعَ وجهَهُ إلى جهةِ السماءِ في حالِ أذانِه؛ لأنَّها قبلةُ الدعاءِ.
قال في "الإنصاف" (^٤): يرفعُ وجهَه إلى السماءِ في الأذانِ كلِّه، على الصحيحِ من المذهب. انتهى.
_________________
(١) زيادة من (ز)، وهي في "المطلع" ص ٥٠.
(٢) ١/ ٣٢١ - ٣٢٢.
(٣) برقم (٧١٠) من طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله: حدثني أبى، عن أبيه، عن جده. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٥٣: هذا إسنادٌ ضعيفٌ لضعف أولاد سعد القَرظَ: عمار، وسعد، وعبد الرحمن.
(٤) ٣/ ٨١.
[ ٢ / ٣٥ ]
ولا يُزيل قدمَيْه.
ويقول بعدَهما في أذانِ الصُّبحِ: الصلاةُ خيرٌ من النوم. مرَّتَيْن،
(ولا يزيلُ قدمَيْه) أي: لا يستدير في منارةٍ وغيرِها.
(ويقول) المؤذِّن ندبًا (بعدهما) أي: الحْيعَلتين (في أذان الصُّبْحِ: الصلاةُ خيرٌ من النوم. مرَّتين) لحديثٍ فيه، رواه أحمد (^١). ولأنَّه وقتٌ ينامُ النَّاسُ فيه غالبًا. ويُكْرَه في غير أذانِ فجرٍ، وبين أذانٍ وإقامةٍ.
وقيل: عندَ الشهادتين، وقيل: عند كلمةِ الإخلاصِ فقط، وهي الشهادتان.
(ولا يزيلُ قدميه) أي: ويُسنُّ أنْ لا يزيلَ قدميه، ولا يستند، سواءٌ أذَّنَ على منارةٍ، أو غيرها، أو على الأرضِ.
قال في "الإنصاف" (^٢): وهو المذهب، وعليه الأصحاب. وجَزم به أكثرهم؛ لما رَوى
أبو جحفة: أن بلالًا يؤذِّنُ فجعلتُ أَتتبَّعُ (^٣) فاه هاهنا وهاهنا، يقولُ يمينًا: حيَّ على الصلاة. وشمالًا: حيَّ على الفلاح. متفقٌ عليه (^٤). دنوشري.
(ويقول المؤذِّنُ ندبًا بعدهما … إلخ) أي: ويسنُّ قولُ المؤذِّن: الصلاةُ خيرٌ من النومِ. مرَّتين، بعدَ حيعلةِ أذانِ الفجرِ، سواءٌ أذَّنَ بغَلَسٍ، أو مُسْفِرًا، ويُكْرَهُ في غيره، وبينَ الأذانِ
_________________
(١) في "مسنده" (١٥٣٧٦)، وأخرجه -أيضًا- أبو داود (٥٠٤)، والنسائي في "المجتبى" ٢/ ١٣ عن أبي محذورة ﵁، وستأتي ترجمته قريبًا. بلفظ: "وإذا أذَّنْتَ من الفجر، فقل: الصلاةُ خير من النوم، الصلاةُ خير من النوم".
(٢) ٣/ ٧٩.
(٣) في الأصل: "أسمع".
(٤) حديث أبي جحفة أخرجه البخاري (٦٣٤) مختصرًا، بلفظ: أنه رأى بلالًا يؤذن، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا بالأذان. وأخرجه مسلم (٥٠٣): (٢٤٩) مطولًا، وفيه: فجعلتُ أتتبع فاه هاهنا وهاهنا، يقول يمينًا وشمالًا، يقول: حي على الصلاة، حيَّ على الفلاح. وليس فيهما التفصيل الذي ذكره صاحب الحاشية: يقول يمينًا: حي على الصلاة، وشمالًا: حيَّ على الفلاح.
[ ٢ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإقامةِ، وكذا النداءُ بالصَّلاةِ بعدَ الأذانِ في الأسواقِ وغيرها، مثلَ أن يقول: الصلاة، أو: الإقامة، أو: الصلاةَ يرحمُكُم الله.
قال الشيخ تقيُّ الدين في "شرح العمدة" (^١): هذا إذا كانوا سمِعوا النداءَ. وفي "الفصول": إن تأخَّر الإمامُ، أو أماثلُ الجيرانِ، فلا بأسَ بإعلامِه.
ويُكرَه قولُه قبلَ الأذانِ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية [١١١ من سورة الإسراء]، وكذا إنْ وصلَه بذِكْر بعدَه. ذكرَه في "شرح العمدة" (^٢).
وما سِوى التأذينِ قبلَ الفجرِ، من التسبيح، والإنشادِ، والدعاء، ممَّا يفعلُه المؤذنونَ، رافعًا بها صوتَه، ليسّ بمسنونٍ عندَ أحدٍ من العلماءِ، بل من البدعِ المكروهةِ، فليسَ لأحدٍ أنْ يأمرَ به، ولا أنْ يُنْكِر على مَنْ تركَهُ، ولا أنْ يُعلِّقَ (^٣) استحقاقًا عليه، ولا يلزمُ فعلُه، ولو شرطَه واقفٌ.
قال ابنُ الجوزيِّ في كتاب "تلبيس إبليس: (^٤): قد رأيتُ من يقومُ بالليل كثيرًا على المنارة، فيعِظُ، ويُذَكِّرُ، ويقرأُ سورةَ من القرآنِ بصوتِ مرتفعٍ، فيمنعُ الناسَ من نومِهم، ويخلطُ (^٥) على المتهجِّدِين قراءتَهم، وكلُّ ذلكَ من المنكرات.
والحيعلة: هي قولُه: حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاحِ، حيَّ على الفلاحِ، فيقولُه بعدَها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لأبي محذورةَ: "إذا كانَ أذانُ الفجرِ، فقُل: الصلاةُ
_________________
(١) ٤/ ١١١.
(٢) ٢/ ١١٢.
(٣) (٣) في الأصل: "يعلو".
(٤) ص ١٣٣.
(٥) في الأصل: "يخبط".
[ ٢ / ٣٧ ]
والإقامة إحدى عشرة يَحْدُرها،
(والإقامة إحدى عشرة) جملةً بلا تثنية، وتُباح تثنيتُها (يَحْدُرُها) أي: يستحبُّ أن
خيرٌ من النومِ". مرَّتين. رواهُ أحمدُ وأَبو داود (^١).
قال في "المبدع" (^٢): وفي روايةٍ: أن بلالًا جاءَ ذاتَ يومٍ، فأرادَ أنْ يدعوَ رسولَ الله ﷺ، فقيل له: إنَّه نائمٌ، فصرَخَ بأعلى صوتِه: الصلاةُ خيرٌ من النومِ. مرَّتين. قال ابنُ المسيِّب: فأُدْخِلت هذهِ الكلمةُ في التأذينِ الى صلاةِ الفجر (^٣). وقيل: يجب. دنوشري.
(بلا تثنيةٍ) لما رُويَ عن عبدِ الله بن عمر أنَّه قال: إنما كانَ الأذانُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ مرَّتين مرَّتين، والإقامةُ مَرَّةَ مَرَّةَ، إلَّا أنَّه يقول: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاة. رواه الإمام أحمد وأَبو داود والنَّسائي (^٤).
(وتباحُ تثنيتُها) أي: الإقامةِ، فذلكَ جائزٌ من غيرِ كراهةٍ. نصَّ عليه في رواية حنبل. فقال: أذانُ أبي محذورةَ أعجبُ إليَّ، وعليه عملُ أهل مكَّة اليوم، وهو مرجَّعٌ، فيعيد الشهادتين بعد ذكرِهما خافضًا صوتَه، ثُمَّ يأتي بهما رافعًا صوتَه.
(يَحْدُرُها) أي: ويسنُّ أنْ يحدُرها، أي: الإقامة، وهو أنْ يُسْرع فيها؛ لما رَوى جابر أن النبيَّ ﷺ قال لبلال: "يا بلال إذا أذَّنْتَ فترسَّل، وإذا أقمتَ فاحدُر". رواهُ التِّرمِذيُّ، وقال: لا نعرفُه إلَّا من حديثِ عبدِ المنعم -صاحب السِّقاء (^٥)، وهو إسنادٌ مجهول (^٦)،
_________________
(١) "مسند" أحمد (١٥٣٧٩)، و"سنن" أبي داود (٥٠٠)، وسلف ص ٣٢.
(٢) ١/ ٣١٨.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٧١٦) من حديث بلال ﵁. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٥٣: هذا إسنادٌ رجاله ثقات إلَّا أن فيه انقطاعًا، سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال.
(٤) أحمد (٥٥٦٩)، وأَبو داود (٥١٠)، والنساني ٢/ ٣.
(٥) في الأصل: "الشفاء"، وكذا في "كشاف القناع" ١/ ٢٣٨، والتصويب من "سنن الترمذي"، وكتب تراجم الرجال.
(٦) "سنن: الترمذي (١٩٥) و(١٩٦).
[ ٢ / ٣٨ ]
ويقيم مؤذِّن
يُسرعَ فيها، ويقفَ على كلِّ جملة، كالأذان.
(ويقيم مؤذِّنٌ) أي: يتولَّى الإقامةَ مَنْ أذَّن ندبًا، فلو سُبِق المؤذِّنُ بالأذان،
[و] (^١) رواهُ الحاكم في "مستدركه" (^٢)، ولأن الأذانَ اعلام الغائبين، فالتَّثَبُّتُ فيه أبلغُ، والإقامةُ إعلامُ الحاضرين، فلا حاجةَ إليه فيها. دنوشري.
(ويقيم مؤذِّنٌ) أي: ويُسنُّ أن يتولَّى الأذانَ والإقامةَ واحدٌ، بأنْ يتولَّى الإقامةَ من يتولَّى الأذانَ. قال في "المبدع": لما في حديثِ زيادِ (^٣) بن الحارث الصُّدائيِّ، حين أذن، قال: فأرادَ بلالْ أن يقيمَ، فقالَ النبي ﷺ: "يقيمُ أخو صُداء، فإنَّ من أَذَّنَ، فهو يقيمُ". رواهُ الإمامُ أحمد وأَبو داود (^٤). ولأنَّهما ذِكْرانِ يتقدَّمَانِ الصلاة، فَسُنَّ أنْ يتولَّاهُما واحدٌ كالخطبتين.
(فلو سُبِقَ المؤذِّنُ) أي: الراتبُ، بأنْ خيفَ فوتُ الوقتِ، فإن حضرَ الراتبُ بعدَ الأذانِ، أعادَ استحبابًا، فهو مفرَّعٌ على قوله: "ويقيمُ مؤذِّنٌ … إلخ". توضيحُ ذلك أنَّ وقتَ الأذانِ إلى المؤذِّنِ، ووقتَ الإقامةِ إلى الإمام، فلا يقيمُ إلَّا بإذنِه. ولا يؤذِّنُ غيرُ الراتبِ إلَّا بإذنِه، إلَّا أنْ يخافَ فوتَ وقتِ التأذينِ، ومتى جاءَ الراتبُ، وقد أذَّنَ غيرُه قبله، أعاد الراتبُ
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. ينظر "كشاف القناع" ١/ ٢٣٨.
(٢) ١/ ٢٠٤، وقال: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائد، والباقون شيوخ البصرة، وهذه سنَّةٌ غريبة، لا أعرف لها إسنادًا غير هذا، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: قال الدارقطني: عمرو بن فائد متروك. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي": ومن الطريف أن له إسنادين ضعيفين، عرف الترمذي أحدهما، ولم يعرف الآخر، وعَرف الحاكم الثاني، ولم يعرف الأول.
(٣) في الأصل: "يزيد". والتصويب من المصادر.
(٤) أحمد (١٧٥٣٧) و(١٧٥٣٨)، وأبو داود (٥١٤)، وهو أيضًا عند الترمذي (١٩٩)، وابن ماجه (٧١٧). قال الترمذي: وحديث زياد إنما نعرفه من حديث الإفريقي، وهر ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه بحيى بن سعيد القطان وغير.، قال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي، قال: ورأيت محمد بن إسماعيل يقوِّي أمره، ويقول: هو مُقَارب الحديث. وضعفه النووي في "الخلاصة" ١/ ٢٩٧.
[ ٢ / ٣٩ ]
في مكانه إن سَهُلَ.
فأراد المؤذِّن أن يقيمَ، فقال أحمد: لو أعاد الأذانَ كما صنع أَبو مَحْذُورة (^١)، فإن أقام بلا إعادة، فلا بأس. قاله في "المبدع" (^٢).
(في مكانه) أي: يُسنُّ أن يُقيمَ في مكانِ أذانه (إن سَهُل) عليه؛ لأنَّه أبلغُ في
الأذانَ استحبابًا، قاله في "الإنصاف" (^٣).
(فأرادَ المؤذِّنُ … إلخ) أي: الراتبُ المسبوقُ بالأذانِ.
(لو أعاد الأذان) جوابُ "لو" قولُه: "فلا بأس"، وجوابُ قولِه: "فإن أقام" محذوفٌ دلَّ عليه المذكورُ، أعني: "فلا بأس"، وتقدَّمَ نظيره في الحيض.
(في مكان) واحد أي: ويسنُّ أيضًا كونُ الأذانِ والإقامةِ بمحلٍّ واحدٍ، بأنْ يُقيمَ الصلاةَ في الموضعِ الذي يؤذِّنُ فيه؛ لقولِ بلالٍ للنبيِّ ﷺ: لا تَسْبِقني بـ "آمين" (^٤). لأنَّه لو كانَ يقيمُ في المسجدِ لما خافَ أنْ يسبقَه بها، كذا استنبطَه الإمامُ أحمد، ولأنَّه أبلغُ في الإعلامِ، كالخطبةِ الثانيةِ.
ومحلُّ ذلك إنْ سَهُل، فإنْ شقَّ ذلكَ على المؤذِّنِ، بحيثُ يؤذِّنُ في المنارةِ، أو في مكانٍ بعيدٍ منَ المسجدِ، فيقيمُ في غيرِ موضعِه، فيؤذِّنُ بالمنارةِ، ويقيمُ أسفل.
قال صاحب "المنتهى": قلت: وهو الصوابُ، وعليه العملُ في جميعِ الأمصارِ والأعصارِ، ونقلَ جعفر (^٥) بن محمَّد: يستحبُّ ذلك؛ ليلحقَ "آمين" مع الإمام. دنوشري.
_________________
(١) ورد في حاشية الأصل: "يعني لكان أحسن". وأَبو محذورة: هو أوس بن مِعْيَر، لم يهاجر، بل أقام بمكة إلى أن مات، روى عن النبي ﷺ أنَّه علَّمه الأَذانَ، وقصتُه في "صحيح" مسلم وغيره. (ت: ٥٩ هـ، وقيل: ٧٩ هـ). "الإصابة" لابن حجر العسقلاني ١٢/ ١٢.
(٢) ١/ ٣٢٣.
(٣) ٣/ ١١٣.
(٤) أخرجه أَبو داود (٩٣٧)، وهر عند أحمد (٢٣٨٨٣).
(٥) في الأصل: "أَبو جعفر" وهو خطأ، والتصويب من "مطالب أولي النهى" ١/ ٥٣٢ - والكلام منه-، و"الإنصاف" ٣/ ٨٤.
[ ٢ / ٤٠ ]
ولا تُجزِئ إلَّا مِن ذَكَرٍ، عَدْلٍ،
الإعلام. فإن شقَّ، كان أذَّن في منارة، أو مكانٍ بعيد عن المسجد، أقام في المسجد؛ لِئلا يفوتَه بعضُ الصلاة، لكن لا يقيمُ إلَّا بإذن الإمام.
(ولا يُجزئ) أي: لا يصحُّ أذانٌ (إلَّا مِن ذَكَرٍ) واحدٍ (عَدْلٍ) ولو ظاهرًا، فلو أذَّن واحدٌ بعضَه، وكَمَّله آخرُ، أو أذَّنتِ امرأةٌ،
(ولا يجزئ إلَّا، من ذكرٍ عدلٍ) شرط في "المنتهى" (^١) في المؤذِّنِ الذي يُعْتَدُّ بأذانِه ثلاثة شروطٍ، وهنا شرطان، إلَّا أن الشرطَ الثاني فيه شرطان باللازم، إذْ يَلْزَمُ من العدالةِ الإسلامُ والعقلُ، إذْ غيرُ المسلمِ لا يوصفُ بالعدالةِ، وغيرُ العاقلِ كذلك.
الشرطُ الأوَّل: كونُه مسلمًا؛ لكونِه قُرْبَة يُشتَرطُ لها النِّيَّةُ، وهي لا تصحُّ من الكافرِ.
الثاني: كونه ذكرًا. قال في "الفروع": ولا يُعْتَدُّ بأذانِ امرأةٍ، وفاقًا (^٢)، ولا خنثى، [قال جماعةٌ]: ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه منهيٌّ [عنه، كالحكاية]، وظاهرُ كلامِ جماعةٍ: صحَّتُه؛ لأنَّ الكراهةَ لا تمنعُ الصحَّة، فيتوجَّهُ على هذا: بقاءُ فرض الكفاية، لأنَّه لم يُفعل (^٣)، والمذهبُ الأوَّل.
الثالث: كونُه عاقلًا، فلا يصحُّ من مجنونٍ؛ لأنَّه لا قصدَ له، فعباداتُه كلُّها غيرُ صحيحةٍ. وقولُه: فلا يعتدُّ بأذانِ فاسقٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وَصَفَ المؤذِّنين بالأمانةِ، والفاسقُ غيرُ أمينٍ، فلم يَصِحّ منه أذانُه، وفيه روايةٌ؛ بلى. وهذا الخلافُ فيمن هو ظاهرُ الفِسق، فأمَّا مستورُ الحال، فيَصِحُّ أذانُه، بغيرِ خلافٍ نعلمُه. "منتهى" و"شرحه" (^٤) (أو أَذَّنتِ امرأةٌ) أي:
_________________
(١) ١/ ٤٠.
(٢) جاء في "الفروع" ٢/ ١٩: ولا يعتدُّ بأذان المرأة (هـ). انتهى. فرمز له ابنُ مفلح بـ (هـ) أي: خلافًا لأبي حنيفة، فلعلها تحرفت من (هـ) إلى (و) -أي: وفاقًا- والصواب أن الحنفية خالفوا، فأذان المرأة عندهم صحيح، لكنه مكروه، ويستحب إعادته. ينظر "حاشية ابن عابدين" ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٣) وقع في الأصل تقديمٌ وتأخيرٌ. والتصويب من "الفروع" وما بين حاصرتين منه.
(٤) "معونة أولي النهى" ١/ ٥٣٤، وينظر "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٧٠.
[ ٢ / ٤١ ]
مرتَّبًا، متواليًا،
أو خُنثى، أو ظاهرُ الفِسْق، لم يُعتدَّ به.
ولا يجزئ إلَّا (مرتَّبًا) كأركان الصَّلاة (متواليًا) عُرفًا؛ لأنَّه لا يحصل المقصودُ منه إلَّا بذلك. فإن نكَّسه، لم يُعتدَّ به.
ولا يجزئُ أذانُ امرأةٍ، لأنَّ رفعَ صوتِها منهيًّ عنه، ويحرُمُ التلذُّذ بسماعِه، فيخرُجُ عن كونِه قُربةً، فلم يَصِحّ.
(أو خنثى) أي: ولا يجزئُ أيضًا أذانُ خنثى مشكلٍ؛ لأنَّه لا يُعْلَم هل هو ذكرٌ أو أنثى. أمَّا الخنثى الذي ظهرَتْ فيه علامةُ الرجالِ كبولِه من ذَكَرِه، أو نباتِ لحيتِه، فحكمُه حكمُ الرجالِ.
(أو ظاهرُ الفسق) أي: ولا يجزئُ أيضًا أذانُ ظاهرٍ الفسق. أي: عاصٍ، ولا يُعتَدُّ به؛ لأنَّ الفاسقَ غيرُ أمينٍ، فلا يُقْبَل إخبارُه.
والفسقُ لغةً: العصيانُ، والتَّرْكُ لأمرِ الله، والخروجُ عن طريقِ الحقِّ.
وشرعًا: مَنْ فعلَ كبيرة، أو أكثرَ من الصغائرِ. والكبيرةُ ما فيها حدّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة. نصَّ عليه (^١). دنوشري.
(ولا يجزئُ إلَّا مرتَّبًا) لأنَّه ذِكْرٌ يُتَعَبَّدُ به، فلا يجوزُ الإخلالُ بنَظْمِه، كأركانِ الصلاة، بأنْ يأتيَ بالتكبيرِ قبلَ الشهادتين، ويأتيَ بالشهادتينِ قبلَ: "حيَّ على الصلاة"، وهلمَّ جرًّا، إلى آخرِ كلماتِ الاذان، فإنْ نكَّسَه، بأنْ عكسَ الترتيبَ، لم يَصِحّ.
(متواليًا) أي: ولا يصحُّ الأذان أيضًا إلَّا متواليًا عرفًا؛ لأنَّه لا يحصلُ المقصودُ منه، وهو الإعلامُ بدخولِ الوقتِ بغيرِ موالاةٍ، ولأنَّه شُرعَ في الأصلِ كذلك، بدليلِ أنَّه ﵊ عَلَّمَهُ أبا محذورة مرتَّبًا (^٢).
_________________
(١) جاء بعدها في الأصل ما يلي: "فإنْ كان مستور الحال بغير خلافٍ نعلمه". وهي عبارة ناقصةٌ هنا، وسلفت بتمامها قريبًا.
(٢) سلف ص ٣٢.
[ ٢ / ٤٢ ]
ولو ملحَّنًا
ويَصِحُّ أذانٌ (ولو) كان (ملَحَّنًا) أي: مطرَّبًا به
"مسألة": لا تُعْتَبَرُ موالاةٌ بينَ الإقامةِ والصلاة إذا أقامَ عند إرادةِ الدخولِ في الصلاة، ويجوزُ الكلامُ بينهما، وكذا بعدَ الإقامةِ وقبلَ الدخولِ فيها، رُوي ذلكَ عن عمرَ ﵁.
إذا تقرَّر هذا، فإنْ تكلَّم المؤذِّنُ في أثناء أذانِه بكلامٍ محرَّمٍ ظاهرُه، ولو كان يسيرًا، كَسَبٍّ، وفُحْشٍ، وقَذْفٍ، وغيبةٍ، ونميمةٍ، ولو يسيرًا، بطلَ؛ لأنَّه فَعَلَ مُحَرَّمًا فيه، وهو يُنَافي العبادةَ، ولأنَّه قد خرجَ عن أهليَّةِ الأذانِ، كما لو ارتدَّ في أثنائه -والعياذُ بالله تعالى- أو فرَّق بين كلمات الأذان، بأنْ سكتَ سكوتًا طويلًا، ولو بنومٍ، أو إغماءٍ، أو جنونٍ، بطلَ الأذانُ، ولم يعتدَّ بهِ؛ للإخلالِ بالموالاةِ المشروطةِ فيه، فيَستأنِفُ.
وكُرِه في أثناءِ الأذانِ كلامٌ يسيرٌ غيرُ المحرَّمِ، وكُرِهَ أيضًا في أثناءِ الأذانِ سكوتٌ بلا حاجة. وظاهرٌ أن السكوتَ والكلامَ المباحَ اليسيرَ لا يبطلانِه، بل هو جائزٌ؛ لأنَّ سليمانَ بنَ صُرَد -وله صحبةٌ- كانَ يأمُرُ غلامَه بالحاجة في أذانه (^١). وكُرِه السلامُ، لكن يكرهُ ذلكَ إن كانَ لغيرِ حاجةٍ.
قال أَبو داود: قلت لأحمد: الرجلُ يتكلَّمُ في أذانِه؛ قال: نعم. قلت له: يتكلَّمُ في الإقامةِ؟ قال: لا. ولأنَّه (^٢) يستحبُّ حدُرها. "منتهى" و"شرحه".
(أي: مطرَّبًا به) يقال: لحنَ في قراءته، إذا طَرَّبَ بها، وغرَّدَ.
قال القاضي: كقراءةِ الألحان.
قال الإمام أحمد: كلُّ شيءٍ مُحدَث أكرهه كالتطريب. ويَصِحُّ؛ لأنَّه يحصل به المقصود.
وأمَّا اللَّحن: فهو الفِطنةُ والفهمُ لمَا لا يَفْطنُ له غيره، ومنه الحديث: "لعلَّ بعضَكُم ألحنُ بحجَّتِه من بعض" (^٣)، واللحنُ أيضًا: الخطأُ في الإعراب، والتلحينُ: التَّخْطِئة.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢١٢، والبيهقي ١/ ٣٩٨.
(٢) في الأصل: "قال: ولا يستحب"، والتصويب من "المبدع" ١/ ٣٢٤.
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣)، وهو عند أحمد (٢٥٦٧٠) من حديث أم سلمة ﵂.
[ ٢ / ٤٣ ]
وملحونًا، ويكره، ويُجزِئ من مميِّز،
(وملحونًا) لحنًا لا يُحيل المعنى. (ويُكره) أي: الأذانُ ملحَّنًا، وملحونًا، وبطل إن أحيل المعنى.
(ويجزئ) أذانٌ (من مميِّز) لصحَّة صلاته، كالبالغ. وفي "الاختيارات" (^١): أنَّ الأذانَ الذي يَسقط به فرضُ الكفاية لا بُدَّ أن يكونَ من بالغٍ حتَّى يرجع إلى خبره.
والمراد هنا: التغنِّي، بحيثُ يؤدِّي إلى تغيُّرِ كلماتِ الأذانِ وكيفيَّاتِها بالحركات، والسكنات، ونقصِ بعضِ حروفِها، أو زيادةِ فيها. قاله بعضهم.
(وملحونًا) أي: ويُكْرَهُ الأذانُ ملحونًا، بأن يكون فيه لحنٌ لا يحيلُ المعنى، كرفعِ تاءِ "الصلاة"، أو نصبها، أو حاءِ: "الفلاح". أمَّا لو أحالَ المعنى، فإنَّه لا يَصِحُّ، كما لو مدَّ همزةَ "الله"، أو باء "أكبر"، فإنَّ مدَّ الهمزةِ يُصَيِّرُها استفهاميَّة، ومدَّ باءِ "أكبر" يصيِّرُه جمعَ كَبَر، وهو الطبلُ الكبيرُ.
(ويجزِئُ … من مميِّزٍ) للبالغين، وهو الذي يَفْهَم الخطابَ، وَيردُّ الجوابَ. ولا ينضبطُ بسنِّ، والصوابُ ضبطُه بالسنِّ. وهذه المسألةُ على روايتين:
أولاهما: الصحَّةُ، نَصَرَهُ القاضي وغيرُه، وقدَّمَهُ في "المحرر"، وجَزَمَ به في "الوجيز" معَ الكراهة؛ لما رَوى ابنُ المنذرِ بإسنادِه عن عبدِ اللهِ بن أبي بكرِ بن أَنس، قال: كان عمومتي يأمرونَني أؤذِّنُ لهم، وأنا غلامٌ لم أحتلم، وأنسٌ شاهدٌ ذلك، ولم ينكره (^٢). وهذا ممَّا يظهرُ ولا يخفى، فكانَ كالإجماع، ولأنَّه ذَكَرٌ تصحُّ صلاتُه، فصحَّ أذانُه، كالبالغ.
والثانية: لا يصح، قدَّمَها في "الفروع" (^٣)، واختارَها جماعةٌ، وعلَّلُوه بأنَّه لا يُقْبَلُ خبَرُه، فلم يحصُلِ الإعلامُ بأذانِه، أو بأنَّه فرضُ كفايةٍ، وفعلُه نفلٌ، وهو أَولى.
وظاهرُه أنَّ المراهقَ يصحُّ أذانُه، وهو كذلك، نقلَهُ حنبل. دنوشري.
_________________
(١) ص ٥٧ - ٥٨.
(٢) "الأوسط" ٣/ ٤١ دون إسناد.
(٣) ٢/ ١٨.
[ ٢ / ٤٤ ]
ويبطلهما فَصْلٌ كثير (^١)، وكلام محرَّم.
ولا يُجزئُ قبل وقتٍ إلَّا لفجرٍ بعد نصفِ ليلٍ،
(ويُبطلهما) أي: الأذانَ والإقامةَ (فصلٌ كثيرٌ) بسكوت، أو كلامٍ، ولو مباحًا. (و) يُبطلهما (كلامٌ محرَّم) كقذفٍ ولو يسيرًا، وكُره يسيرٌ غيرُه.
(ولا يجزئ) أذانٌ (قبلَ وقت) صلاةٍ؛ لأنَّه شُرع للإعلام بدخوله. ويسنُّ في أَوَّله (إلَّا لفجرٍ) فيَصِحُّ (بعدَ نصفِ ليلٍ) لحديث: "إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكُلُوا واشربُوا حتَّى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتوم" متَّفقٌ عليه (^٢). ويُستحب لمن أذَّن قبلَ فجرٍ أن يكون معه من يؤذِّن في الوقت، وأن يتَّخِذَ (^٣) ذلك عادة؛ لئِلَّا يَغُرَّ الناسَ.
ورفعُ الصوتِ بأذانٍ ركنٌ، ما لم يؤذِّن لحاضر، فبقدْر ما يسمعه.
(ولا يجزئُ أذانٌ قبلَ وقت) لأنَّ الأذانَ شُرعَ للإعلامِ بدخولِ الوقت، وهو حثٌّ على الصلاة المؤدَّاةِ في وقتها، فلم يَصِحَّ في وقتٍ لا تصح (^٤) [فيه]، كالإقامة، إلَّا الأذانَ لقربِ وقتِ الفجر، فإنَّه يجوزُ قبلَ الوقتِ، كما نبَّه عليه المصنِّفُ -رحمه الله تعالى- بقوله: (إلَّا لفجرٍ بعد نصف ليل) نصَّ عليه. وفاقًا لمالكٍ والشَّافعيِّ، وإنَّما جازَ الأذانُ للفجرِ قبلَ دخولِ وقتِه؛ لأنَّه يدخلُ على الناس، وفيهمُ الجُنُبُ والنائمُ، فاسْتُحِبَّ تقديمُ أذانِه حتَّى يتهيَّؤُوا لها، فيدركوا فضيلةَ أَوَّلِ الوقتِ. وجواز الأذان للفجر قبلَ دخولِ وقته بغير كراهةٍ خاصٌّ بغيرِ فجرِ رمضان، حيثُ لم يؤذِّن له بعدَه. نبَّه عليهِ صاحبُ "المنتهى" (^٥).
(ورفعُ صوتٍ بأذانٍ ركنٌ) ليحصلَ السماعُ (ما لم يوذِّن لحاضرٍ) أمَّا إذا أذَّنَ لحاضرٍ،
_________________
(١) في (م): "كبير"، والمثبت موافق لما في "الهداية".
(٢) "صحيح" البخاري (٦١٧)، وصحيح" مسلم (١٠٩٢) (٣٨)، وهو عند أحمد (٤٥٥١) عن ابن عمر ﵄.
(٣) في (م): "ويتخذ".
(٤) في الأصل: "لا يصح"، والتصويب وما بين حاصرتين من "المبدع" ١/ ٣٢٤، و"كشاف القناع" ١/ ٢٤٢.
(٥) ١/ ٤١. وينظر "معونة أولي النهى" ١/ ٥٣٥.
[ ٢ / ٤٥ ]
ومن جمَع أو قضى فوائتَ، أَذَّنَ للأُولى، ثم أقام للكُلِّ.
(ومن جَمع) بين صلاتين لعذر، أذَّن للأولى، وأقام لكلِّ منهما، سواءٌ كان جمعَ تقديمٍ، أو تأخير. (أو قَضَى) فرائضَ (فوائتَ أذَّن للأُولى، ثمَّ أقام للكُلِّ) أي: لكلِّ فريضة من الأولى وما بعدها. وإنْ كانتْ واحدةً، أذَّن لها وأقام. ثُمَّ إِنْ خاف تلبيسًا (^١) مِنْ رَفْعِ صوتِه به، أسرَّ، وإلَّا جَهَر، فلو ترك الأذانَ لها، فلا بأس.
فلا يكونُ رفعُ الصوتِ به كثيرًا ركنًا، وإنَّما يكون بقدرِ ما يسمَعُ الحاضرُ.
قال ابن تميم (^٢): إنْ أذَّنَ لنفسِه أو لجماعةٍ حاضرين، فإنْ شاءَ رفعَ صوتَه، وهو أفضل. وإن شاء خافتَ بالكلِّ أو بالبعض.
وقال في "الرعاية الكبرى": ويرفعُ صوتَه إنْ أذَّن في الوقت للغائبين، أو في الصحراءِ. فزادَ: في الصحراء. وهي زيادةٌ حسنةٌ.
وقال أَبو المعالي: رفعُ الصوتِ بحيثُ يَسمعُ من يقوم به لجماعةٍ (^٣)، ركنٌ. دنوشري.
أو (أذَّن للأولى) من المجموعتين، أو الفوائت. (وأقام لكلٍّ) أي: لكلِّ صلاةٍ صلَّاها من المجموعتين أو الفوائتِ؛ لأنَّ ما بعدَ الأُولَى من المجموعتين أو الفوائتِ، صلاةٌ أذِّنَ لمُمَاثلتها، فلم يُشْرعَ لها أذانٌ. قال في "الشرح" (^٤): هذا في الجماعة، فإنْ كان وحدَه، كان استحبابُ ذلك في حقِّه أدنى (^٥)؛ لأنَّ الأذانَ والإقامةَ للإعلام، ولا حاجةَ للإعلامِ ها هنا.
قال ابنُ حمدان: فإنْ فرَّقَ بينهما في وقتِ الثانية بزمن طويلٍ، أذَّنَ للثانية أيضًا. ح ف.
(ثمَّ إنْ خافَ تلبيسًا) بأنْ يُلَبِّسَ على الناسِ الذين يسمعونَ أذانَه برفعِ صوتِه، فيخفضه.
_________________
(١) في (ح): "تلبُّسًا".
(٢) في الأصل: "ابن القيم"، والتصويب من "الإنصاف" ٣/ ٨٦، و"معونة أولي النهى" ١/ ٥٣٦.
(٣) في الأصل، و"معونة أولي النهى" ١/ ٥٣٦: الجماعة. والمثبت من "الإنصاف" ٣/ ٨٦.
(٤) "الشرح الكبير" ٣/ ٩٨.
(٥) في الأصل: "أولى"، وهو خطأ، والتصويب من "الشرح الكبير".
[ ٢ / ٤٦ ]
وتُسَنُّ متابعتُهما سرًّا بمثلِه
(وتُسنُّ متابعتهما) أي: المؤذِّنِ والمقِيم لسامعٍ ولو نفسه، أَو ثانيًا وثالثًا حيث سُنَّ، أو إنِ (^١) السامعُ امرأةً، لكن لو سَمِع، وأجاب، وصلَّى في جماعة، لم يُجب الثاني؛ لأنَّه غيرُ مدعوٍّ بهذا الأذان. قاله في "المبدع". (سِرًّا بمثله) أي: يقول السامع سرًّا مثلَ ما يقول المؤذِّن والمقيمُ، ولو في طوافٍ أو قراءةٍ.
(ولو نفسه) قال في "الإنصاف": يجيبُ نفسَه خُفْيَةً، وعليه الجمهور. فإن [في] قوله (^٢): " [و] يستحبُّ لمن سمعَ المؤذِّن" مِنْ ألفاظِ العموم (^٣).
قال في "شرح الهداية": وذلك ليُجْمَع له أجرُ المؤذِّنِ على الدعاءِ، والإعلانِ، وأجرُ المستمعِ الموافقِ على الإسرارِ، والإخلاص، ولهذا أحببنا للإمامِ قول: آمين، وهو القارئُ، كما أحْبَبْنا للمستمعين، فكذلك هذا.
والحاصل أنَّه يسنُّ للمؤذِّنِ أنَّ يجيبَ نفسَه؛ ليَجْمَعَ بين ثوابَي الإجابةِ والأذان.
(أو ثانيًا وثالثًا) أي: أو سمعَ مؤذِّنًا ثانيًا، ومؤذِّنًا ثالثًا، فـ "ثانيًا" صفة لموصوفٍ محذوفٍ، حيثُ استُحِبَّ الأذانُ ثانيًا وثالثًا؛ لسَعَةِ البلد، أو نحوها، ولم يكن صلَّى في جماعة؛ لعمومِ الخبر، فإنْ صلَّى في جماعةٍ، لم يُجِبِ الثانيَ؛ لأنَّه ليس مدعوًّا بهذا الأذان. مصنِّف بإيضاح (^٤).
(سرًّا) لا جهرًا، حالٌ من "تسنُّ".
(بِمثله) أي: بمثلِ ما يقول، وتكونُ متابعةُ الإجابةِ عَقِبَ كلِّ جملةٍ، أي: لا تقارنُ ولا تتأخَّرُ.
(ولو في طواف) أي: ولو كانَ السامعُ فيه.
_________________
(١) في (م): "كان".
(٢) أي: قول صاحب "المقنع" ٣/ ١٠٥.
(٣) "الإنصاف" ٣/ ١٠٧، وما بين حاصرتين منه.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٢٤٥.
[ ٢ / ٤٧ ]
إلَّا في الحَيْعَلة، فيقول: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله.
ويقضيه مصلٍّ ومُتَخَلٍّ.
(إلَّا في الحَيْعَلة) أي: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح (فيقولُ) سامعٌ: (لا حوْلَ) أي: تحوُّلَ (^١) من حال إلى حال (ولا قُوَّةَ) أي: قدرةَ (^٢) على ذلك (إلا بالله) لأنَّه الخالقُ سبحانَه لكلِّ شيءٍ.
(ويقضيه مُصَلٍّ) لئلَّا يشتغلَ عن الصلاة بما ليس منها، فإنْ أجابَه، بطَلَت بالحيعلة؛ لأنَّهُ خطابٌ لآدميٍّ، فإنْ لم يُحيعِل، لم تبطُل؛ لأنَّه ذِكْرٌ ودعاءٌ مشروعٌ فيها مثلُه، وظاهرُهُ: لا تَبْطُلُ بغيرِ الحَيعَلَةِ، وصَدَقتَ وبَرِزتَ، مطلقًا.
قال ابن المُنَجَّى: هذا إذا نَوى به الذِّكْرَ، وإنْ نَوى به الأذانَ، وإقامةَ الشعارِ، والإعلامَ بدخولِ الوقتِ، بَطَلَت. ح ف وزيادة.
(ومتخلٍّ) ويُكرَه ذلك؛ لأنَّه إذا كُرِهَ ردُّ السلامِ الواجبُ في هذه الحالة، فهذا أَولى، فيقضي المُصَلِّي والمتخلِّي ما فاتَهُما من إجابةِ المؤذِّنِ، إذا فرغَ المصلِّي من صلاتِه، وإذا خَرجَ المتخلِّي من خلائِه.
(إلَّا في الحَيْعَلة) وهي حيَّ على الصلاةِ إلخ، فلا يُسَنُّ للسامعِ المتابعةُ، ولا للمؤذِّن أنْ يقولَ مثلَ ما يقول، وإنَّما يجيبانِه بذِكْرٍ آخرَ، فيقولان: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ. زادَ بعضُ الأصحابِ (^٣): "العليِّ العظيم" وتبعَه في "المبدع" متمسِّكًا بما في "المسند" من حديثِ أبي رافعٍ أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا سمعَ المؤذِّنَ قال مثلَ ما يقول، حتَّى إذا بلغَ: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قال: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ [العليِّ العظيم] (^٤). ورواه الطبرانيُّ في "معجمِه" (^٥).
_________________
(١) في (ح) و(ز) و(س): "لا تحول".
(٢) في (ح) و(ز): "لا قدرة".
(٣) يشير الى ابن قُدامة المقدسي في كتابه "المقنع" ٣/ ١٠٥.
(٤) ما بين حاصرتين من "المبدع" ١/ ٣٣٠.
(٥) "مسند" أحمد (٢٣٨٦٧)، و"المعجم الكبير" للطبراني (٩٢٤). وليس فيهما زيادة: "العلي العظيم". وذكره كذلك الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٣٣١ وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير"، وفيه: عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف إلَّا أن مالكًا روى عنه.
[ ٢ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيها خمسةُ أوجهٍ:
أحدها: لا حولَ ولا قوَّةَ، بفتحهما بلا تنوين. الثانن: رفعُهما منوَّنَين. الثالث: فتحُ الأوَّل، ونصبُ الثاني منوَّنًا. الرابع: فتحُ الأوَّلِ، ورفعُ الثاني منوَّنًا. الخامس: عكسه.
ووجهُ المناسبةِ لقولِ ذلكَ هنا أن قوله: "حيَّ على الصلاةِ" و"حيَّ على الفلاح" طلبٌ للطاعةِ، والبعدِ عن المعصيةِ، فإذا قالَ ذلكَ، فقد أظهرَ العجزَ عن الإتيانِ بالطاعة، والبعدِ عن المعصية، وأيضًا إنَّ "حيَّ على الصلاة" خطابٌ، فإعادتهُ عبثٌ، بل سبيله [الطاعةُ] (^١)، وسؤالُ الحولِ والقوَّة، وتكونُ الإجابةُ عقِبَ كلِّ كلمةٍ.
قال في "شرح المبدع": معنى "لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله" إظهارُ العجزِ والافتقار، وطلبُ المعونةِ من الله ﷾ في كلِّ الأمورِ، وهو حقيقةُ العبوديَّة. وقال [أبو] الهيثم (^٢): أصلُ لا حولَ، مِنْ حَالَ الشيءُ، إذا تحرَّكَ، يقول: لا حركةَ ولا استطاعةَ إلَّا بالله.
وقال ابنُ مسعود: معناهُ: لا حولَ عن معصيةِ الله إلَّا بعصمةِ الله، ولا قوَّةَ على طاعِته إلَّا بمعونته (^٣). قال الخطَّابي (^٤): هذا أحسنُ ما جاءَ فيه. وعَبَّرَ عنها الأزهريُّ بالحوقلة، وتبعَه في "الوجيز"، على أخذِ الحاءِ من حول، والقافِ من قوَّة، واللامِ من اسم الله تعالى.
_________________
(١) ما بين حاصرتين من "معونة أولي النهى" ١/ ٥٤٠، و"كشاف القناع" ١/ ٢٤٦.
(٢) في الأصل ومطبوع "معونة أولي النهى" ١/ ٥٤٠: "الهيثم"، بدون لفظة: "أبو"، والتصويب من "المبدع" ١/ ٣٣٠، وينظر كلام أبو الهيثم في "تهذيب اللغة" ٥/ ٢٤٣. وأَبو الهيثم، هو الرازي، اشتهر بكنيته، كان نحويًّا إمامًا علَّامة فيه، من مصنفاته: كتاب "الشامل في اللغة"، وكتاب "الفاخر في اللغة" وغيرها. (ت ٢٧٦ هـ). "إنباه الرواة" ٤/ ١٨٢، ومقدمة "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٦.
(٣) أخرجه عنه مرفوعًا البزار في "مسنده" (٢٠٠٤) و(٢٠٠٥). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٩٩: رواه البزار بإسنادين، أحدهما منقطعٌ، وفيه: عبد الله بن خراش، والغالب عليه الضعف. والآخر متصلٌ حسن.
(٤) في "شأن الدعاء" ص ١٦٢.
[ ٢ / ٤٩ ]
وفي لفظ الإقامة: أقامها اللهُ وأدامها، وفي التثويب: صَدَقْتَ وبَرِرْتَ. ويُصلِّي على النبيِّ ﷺ بعد فراغه ويقول:
(و) إلَّا (في لفظِ الإقامة) أي: قولِ المقيم: قد قامتِ الصلاةُ، فيقول سامع: (أقامها اللهُ وأدامها، و) إلَّا (في التَّثْويب) وهو قولُ المؤذِّن: الصلاةُ خيرٌ من النوم، فيقول سامعٌ": (صَدَقْتَ، وبَرِرْتَ) بكسر الرَّاء الأولى، أي: صرتَ ذا بِرٍّ، أي: خير.
(ويُصلِّي على النبيِّ ﷺ بعد فراغه) من الأذان والإجابة (ويقول) كلٌّ منهما:
(أقامَها الله وأدامَها) والأصلُ في استحبابِ إجابةِ المقيم، ما رَوى أَبو داود (^١) بإسنادهِ عن بعضِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ، أن بلالًا أَخذَ في الإقامة، فلمَّا أن قال: قد قامتِ الصلاةُ. قال النبي ﷺ: "أقامَها الله وأدامَها" وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان (^٢). مصنِّف (^٣).
(بكسرِ الراء الأُولى) وحكيَ فتحُها. (أي: صرتَ ذا برٍّ، أى: خيرٍ) كثيرٍ. دنوشري. (بعد فراغه من الأذان) متعلِّقٌ بـ "يصلي" أي: ثُمَّ بعدَ الفراغِ من الأذانِ والإقامة (^٤)، يصلِّي
_________________
(١) في "سننه" (٥٢٨) عن محمد بن ثابت العبدي، عن رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ. قال المنذري في "مختصر سنن أبي داود": في إسناده رجلٌ مجهول، وشهر بن حوشب تكلَّم فيه غير واحد، ووثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين. وقال النووي في "المجموع" ١/ ١٢٩: هو حديث ضعيف؛ لأن الرجل مجهول، ومحمد بن ثابت العبدي ضعيف بالاتفاق، وشهر مختلف في عدالته.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣٨٥) عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ "إذا قال المؤذِّن: الله أكبر، الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله. قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله. ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال: حيَّ على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، ثم قال: حي على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر. قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلَّا الله. قال: لا إله إلَّا الله. من قلبه، دخل الجنَّةَ".
(٣) "فرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٧٤.
(٤) جاء في حاشية الأصل ما نصه: "قوله: والإقامة. لعله: والإجابة، والإلكان مخالفًا لما في "شرح منصور" على "الإقناع" [١/ ٢٤٧] حيث قال عند قول الماتن: بعد فراغه، من الأذان وإجابته. ومخالفًا للشارح أيضًا، فإنه قال: (من الأذان والإجابة).
[ ٢ / ٥٠ ]
اللهمَّ ربَّ هذه الدعوةِ
(اللهُمَّ ربَّ هذه الدعوةِ) بفَتْحِ الدَّال المهملة (^١)، أي: دعوة الأذان
المؤذِّنُ وسامعُه على النبيِّ ﷺ، وفي "الرعاية": يرفعُ بصرَه إلى السماء، ويدعو بما وردَ.
(اللهُمَّ ربَّ هذه الدعوةِ … إلخ) قال في "المبدع": لما روى عبدِ الله [بن عمرو] مرفوعًا: "إذا سمعتُم المؤذِّنَ، فقولُوا مثلَ ما يقول، ثُمَّ صلُّوا عليَّ، فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً، صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثُمَّ سلُوا اللهَ ليَ الوسيلةَ، فإنَّها منزلةٌ في الجنَّةَ لا تنبغي أنْ تكونَ إلَّا لعبدٍ من عبادِ الله، وأرجو أنْ أكونَ أنا هو، فمن سألَ اللهَ ليَ الوسيلةَ، حلَّت له (^٢) الشفاعة" رواه مسلم (^٣).
أصلُ اللهُمَّ: يا الله، والميمُ بدل من "يا"، قاله الخليلُ وسيبويه (^٤)، ولا يجوزُ الجمع بينهما إلَّا في الضرورة؛ لأنَّهم لا يَجْمعونَ بين العِوَض والمعوَّض. وقال الفرَّاء (^٥): أصلُه يا الله أُمَّنَا بخيرٍ. فحذف حرفَ النداء.
والحكمةُ في سؤالِ ذلك -معَ كونِه واجبَ الوقوع بوعد الله تعالى- إظهارُ كرامتِه، وعظمُ منزلتِه ﷺ.
(أي: دعوةُ الأذانِ) سميتْ تامَّةً؛ لكمالِها، وعظمِ موقعِها، وسلامتِها من نقصِ يتطرَّقُ إليها. وقال الخطَّابيُّ: وصِفَتْ بالتَّمامِ؛ لأنَّها ذِكْرُ اللهِ، يُدعَى بها إلى طاعتِه، وهذه الأمور الأخرويَّةُ هي التي تستحقُّ صفةَ التمامِ والكمال، وما سواها من أمورِ الدنيا، فإنَّه معرَّضٌ للنقصِ والفساد. وكانُ الإمامُ أحمد يستدلُّ بهذا على: أنَّ القرآنَ غيرُ مخلوق. قال: لأنَّه ما من مخلوقٍ إلَّا وفيه نقصٌ. دنوشري.
_________________
(١) زيادة من (ح) و(ز).
(٢) في الأصل: "عليه" والمثبت من المصادر.
(٣) في "صحيحه" (٣٨٤)، وما بين حاصرتين منه، ومن "المبدع" ١/ ٣٣١.
(٤) "كتاب" سيبويه ٢/ ١٩٦.
(٥) في "معاني القرآن" ١/ ٢٠٣.
[ ٢ / ٥١ ]
التَّامَّةِ والصلاةِ القائمةِ آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ،
(التَّامَّةِ) الكاملةِ، السالمة من نقصٍ يتطرَّق إليها (والصَّلاةِ القائمةِ) التي ستقوم، وتُفعل بصفاتِها (آتٍ) -بمدِّ الهمزة وكسرِ التاء- فعلُ دعاءٍ، مبنيٌّ على حذف الياء، ومعناه: أعطِ (محمدًا) ﷺ (الوسيلةَ) أعلى منزلةٍ في الجنَّة، وهي منزلةُ رسولِ الله ﷺ ودارُه، وهي أقربُ أمكنةِ الجنَّة إلى العرش (والفضيلةَ) هي الرُّتبةُ الزائدةُ على سائرِ الخلائق،
قال شارح "الدلائل" (^١): الدَّعوة، بفتحِ الدال، والمرادُ به دعوةُ التوحيد، وهي: لا إله إلَّا الله، وهي دعوةُ الحقِّ في قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤].
(التامَّة) وهذه روايةُ البخاريِّ (^٢).
قال شارح "دلائل الخيرات": قولُه: "النافعة"، الذي في البخاري: "التامة"، ولم أرَ لفظَ: "النافعةِ"، إلَّا فيما نسبَه ابنُ الجوزي لأحمد، والطبرانيِّ، ففيه: "الدعوة [التامة، والصلاة] (^٣) النافعة" (^٤). ونفعُ هذه الدعوةِ في الدنيا والآخرة ظاهرٌ جليٌّ. ومعنى التامَّة: التي لم يدخلْها تبديلٌ ولا تغييرٌ، بل هيَ باقيةٌ إلى يومِ النشور.
وقال ابن التين (^٥): وصفت بالتَّامَّةِ؛ لأنَّ فيها أتمَّ القولِ، وهو: لا إله إلَّا الله. [والصلاة القائمة] أي: (التي ستقومُ وتُفْعَلُ) ويتَعبُّدُ بفعلِها، واقتصرَ الشارحُ على: "وتفعل" إذ (^٦) فعلُها لا يكونُ إلَّا على وجهِ العبادة.
_________________
(١) لعله الشيخ محمد المهدي بن أحمد بن علي بن يوسف الفاسي القصوي، المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ، واسم كتابه "مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات"، قال حاجي خليفة في "كشف الظنون" ١/ ٧٦٠: ولها -أي: لـ "دلائل الخيرات"- شروح أخرى، لكن المعتمد شرح الفاسي المذكور.
(٢) برقم (٦١٤) من حديث جابر ﵁.
(٣) ما بين حاصرتين من "مسند" أحمد.
(٤) "مسند" أحمد (١٤٦١٩)، و"المعجم الأوسط" للطبراني (١٩٤)، وليس في مطبوع الطبراني لفظ: "الصلاة النافعة". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه أحمد والطبراني في "الأوسط"، وفيه ابن لهيمة، وفيه ضعف.
(٥) هو الصفاقسي، أَبو محمد، عبد الواحد بن التين، الشَّيخ العلَّامة، له شرح على البخاري مشهور سماه: "المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح"، له اعتناء زائد في الفقه، ممزوجًا بكثير من كلام "المدونة" وشرَّاحها، مع رشاقة العبارة ولطف الإشارة، اعتمده الحافظ ابن حجر في شرح البخاري. (توفي سنة ٦١١ هـ) بصفاقس، "شجرة النور الزكية" ١/ ١٦٨، و"كشف الظنون" ١/ ٥٤٦.
(٦) في الأصل: "إذا"، وما ورد بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ٢ / ٥٢ ]
وابْعَثْهُ مَقَامًا محمودًا
أو منزلةٌ أخرى، أو تفسيرٌ للوسيلة، كما نقله في "المواهب" عن الحافظ ابن كَثير (^١) (وابعَثْهُ مقامًا محمودًا
(أو تفسير للوسيلة) يعني أنَّ عطفَ الفضيلة على الوسيلة عطفُ تفسير.
كما نقلَه في ("المواهب") وأمَّا "الدرجةُ العاليةُ الرفيعةُ" المدرجُ فيما يقال بعدَ الأذان، فلم أرَهُ في شيءٍ من الروايات. كذا قاله السخاويُّ في "المقاصد" (^٢)، والله أعلم. منه.
(وابعثه مقامًا محمودًا) قال ابن القيِّم: الذي وقعَ في "صحيح" البخاري وأكثرِ الكتبِ بالتنكير، وهو الصحيحُ؛ لأمورٍ:
أحدها: اتفاقُ [أكثر] الرواة عليه.
الثاني: موافقةُ القرآن.
الثالثُ: أنَّ لفظَ التنكير قد يُقصَدُ [به] التعظيم (^٣).
الرابع: أنَّ وجودَ اللامِ تُعَيِّنُه، وتخصُّه بمقامٍ معيَّنٍ، وحذفُها يقتضي إطلاقًا وتعددًا، ومقاماتُه المحمودةُ في الموقفِ متعدِّدَةٌ، فكانَ في التنكيرِ [من الإطلاق والإشاعة] ما ليسَ في التعريف.
الخامس: أنه ﵊ كانَ يحافظُ على ألفاظِ القرآن تعريفًا وتنكيرًا وتقديمًا وتأخيرًا، كما يحافظ على معانيه. ح ف.
وقال شارح "دلائل الخيرات": مقامًا: اسمُ مصدرِ القيام، أو اسم مكانه، وعلى الأوَّل يكونُ منصوبًا على المفعول المطلق، وعلى الثاني، فقيل: إنه منصوبٌ على الظرفيَّةِ، بتقدير: ابعثُه يومَ القيامة. ويصحُّ أنْ يكون مفعولًا به، على تضمين معنى: أعطه، ويجوزُ أنْ يكون حالًا، أي: ابعثهُ ذا مقامٍ. والحاصلُ أن فيهَ أعاريبَ أربعةً.
_________________
(١) المواهب اللدنية" لشهاب الدين أحمد بن محمد القسطلَّاني ٥/ ٣٤٦، وابن كثير هو: عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر، البُصروي ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي، من مصنفاته: "البداية والنهاية،"، و"التفسير". (ت ٧٧٤ هـ). "ذيل تذكرة الحفاظ" للحافظ الحسيني ص ٥٧ - ٥٩، و"شذرات الذهب" ٨/ ٣٩٧ - ٣٩٩.
(٢) ص ٣٤٣.
(٣) في الأصل: "يقصد بالتعظيم". والتصويب وما بين حاصرتين من "بدائع الفوائد" ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١.
[ ٢ / ٥٣ ]
الذي وَعَدْتَه. ويَحْرُم بعده إن أُذِّنَ -وهو في المسجد- خروجٌ منه بلا عذر.
الذي وعدْتَه) أي: الشفاعةَ العُظمى في موقف القيامة؛ لأنَّه يحمَدُه فيه الأَوَّلون والآخِرون، ثُمَّ يدعو هنا وعند إقامة.
(ويَحرُم بعدَه) أي: الأذان (ان أُذِّن وهو) أي: مَنْ وجبتْ عليه الصلاةُ مع صحَّتها منه إذَنْ (في المسجد، خروجٌ) فاعل: "يَحرُم" (منه) أي: من المسجد قَبْلَ الصلاة مع الجماعة، يعني أنَّه يَحْرُمُ على مَنْ تلزمُه الجماعةُ أنْ يخرجَ من المسجد بعدَ الأذان الواقع في وقتِ الصلاة (بلا عذرٍ) يُبيح تركَ الجماعة، كما سيأتي. أو نيَّةِ رجوعٍ إلى
ومحمودًا: نعتٌ للمقام، وهو من الإسنادِ المجازيِّ، أي: محمودًا صاحبُه، أو القائم به، وهو النبيُّ ﷺ.
(الذي وعدتَه) هو عطفُ بيانٍ على "مقامًا"، ويجوزُ كونُه بدلًا، أو منصوبًا بفعل محذوفٍ، تقديرُه: أعني الذي وعدتَه، أو مرفوعًا على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره: هو الذي وعدته.
(ثمَّ يدعو هنا وعندَ إقامة) أي: بعدها، وعندَ صعودِ الخطيب المنبر، وبينَ الخطبتين، وعندَ نزولِ الغيث، وبعدَ العصرِ يومَ الجمعةِ، فجملتها ستَّة. محمد الخلوتي.
(خروجٌ منه) أي: يحرمُ خروجٌ من مسجدٍ على من وجبتْ عليه الصلاة التي أذنَ لها، بعدَ الأذانِ وقبلَ الصلاةِ؛ لقوله ﵊: "من أدركه الأذانُ في المسجدِ، ثمَّ خرجَ، لم يخرجْ لحاجةٍ، وهو [لا] يريدُ الرَّجعةَ، فهو منافق". رواه أَبو داود (^١).
ولكن التحريمُ إنما هو إذا كان الأذانُ في الوقت، أمَّا لو أذنَ للفجرِ قبلَ وقتِه، فإنَّه يجوزُ الخروج. نصَّ عليه. ح ف. (أو نيَّة رجوع) أي: يحرمُ على من سَمِعَ المؤذِّنَ وهو في
_________________
(١) في "مراسيله" (٢٥) بنحوه عن سعيد بن المسيب، عن النبيِّ ﷺ، ولفظه: "لا يخرج من المسجد أحدٌ بعد النداء إلَّا منافق، إلَّا أحدٌ أخرجته حاجةٌ، وهو يريد الرجوع". قال ابن حجر في "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" ١/ ٢٠٤: ورجاله ثقات. وأخرجه بلفظ المحشي ابن ماجه في "سننه" (٧٣٤) من حديث عثمان بن عفان ﵁، وما بين حاصرتين منه. وضعَّفه البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٥٦.
[ ٢ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المسجد. فلو كان الأذانُ لفجرٍ قَبْلَ وقته، أو خَرَجَ لعُذْرٍ، أو بنيَّة رجوعٍ قبل فوتِ الجماعة، لم يحرُم، والظاهرُ أنَّ وقوعَ الأذان وهو بالمسجد ليس بشرطٍ، خلافًا لما يوهِمُه كلامُه. فلو دخل المسجدَ وقتَ الصلاةِ بعد الأذان، حَرُمَ عليه الخروجُ، كما هو مقتضى كلام "الإقناع" (^١)، و"المنتهى" (^٢)، وغيرهما.
"تتمَّة": لا يَصِحُّ الأذانُ بغير العربية مطلقًا. ويُكرَه القيامُ عند الأخذِ في الأذان، بل يصبرُ قليلًا؛ لئلَّا يتشبَّه بالشيطان.
المسجدِ الخروجُ بلا عُذرٍ أو بلا نيَّةِ رجوعٍ للمسجد، على الصحيح من المذهب، وكرهه أَبو الوفاء وأَبو المعالي، ونقلَ صالح: لا يخرج. ونقلَ أَبو طالب [: لا ينبغي] (^٣). قال الشيخ تقي الدين: إلَّا أنْ يكونَ التأذينُ للفجر قبلَ الوقتِ (^٤). كما تقدَّم.
قال صاحبُ "المنتهى": قلت: الظاهرُ أن هذا مرادُ من أطلقَ (^٥).
(ويكره القيامُ عند الأخدِ في الأذان). قال في "الإقناع" و"شرحه" (^٦): ويستحب ألا يقوم الإنسانُ إذا شرعَ المؤذِّنُ في الأذانِ، (بل يصبرُ قليلًا) الى أنْ يفرُغُ، أو يقاربَ الفراغ؛ لأنَّ [في] التحرُّكِ عند سماعِ النداءِ تشبُّهًا بالشيطان، حيثُ يفرُّ عندَ سماعِه، كما في الخبر (^٧).
_________________
(١) ١/ ١٢٣.
(٢) ١/ ١٤٧.
(٣) ما بين حاصرتين من "الإنصاف" ١/ ١١٢.
(٤) "الاختيارات" ص ٥٩.
(٥) "معونة أولي النهى" ١/ ٥٤٤.
(٦) "الإقناع" ١/ ١٢٣، و"كشاف القناع" ١/ ٢٤٤.
(٧) أخرج البخاري (٦٠٨)، ومسلم (٣٨٩) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان وله ضراط حتَّى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، " الحديث.
[ ٢ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في "الاختيارات" (^١): إذا أقيمتِ الصلاةُ وهو قائمٌ؛ يستحبُّ له أنْ يجلسَ، وإنْ لم يكْن صلَّى تحيَّةَ المسجدِ.
قال ابنُ منصور (^٢): رأيتُ أبا عبدِ الله أحمدَ يخرجُ عندَ المغربِ، فحينَ انتهى إلى موضعِ الصفِّ أخذَ المؤذِّنُ في الإقامةِ، فجلس. [انتهى]. لما روى الخلَّالُ عن عبدِ الرحمن ابنِ أبي ليلى أن النبيَّ ﷺ جاءَ وبلالٌ في الإقامةِ، فقعَدَ (^٣).
_________________
(١) ص ٥٨.
(٢) هو إسحاق بن منصور بن بهرام، أَبو يعقوب الكوسج المروزي، روى عنه البخارى ومسلم في "الصحيحين"، وهو الذي دوَّن عن الإمام أحمد "المسائل" في الفقه. (ت: ٢٥١ هـ). "طبقات الحنابلة" ١/ ١١٣ - ١١٥، و"سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٢٥٨ - ٢٦٠.
(٣) ذكره ابن قدامة في "المغني" ٢/ ٦٧.
[ ٢ / ٥٦ ]