(الأولى بالإمامةِ (^٢): الأقرأُ) أي: الأجودُ قراءةً الأفقهُ، ثُمَّ الأجودُ قراءةً الفقيهُ (^٣)؛ لحديث: "يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ الله" (^٤)، ثم الأقرأ (العالِمُ فِقْهَ صلاتِه) وإنْ لم يكن فَقِيهًا. ثم مع الاستواءِ في الجودةِ يقدَّم الأكثرُ قرآنًا الأفقهُ، ثمَّ الأكثرُ قرآنًا الفقيهُ، ثم قارئٌ أفقهُ، ثم قارئٌ فقية، ثم قارئٌ لا يعلمه (^٥). (ثم) إن استوَوا في عَدَمِ القراءةِ، قُدم (الأفقهُ) الأعلمُ بأحكامِ الصلاةِ؛ لمزية الفقه (ثم) إن استوَوا في القراءةِ والفقه، فالأولى (الأسَن) أي: الأكبرُ؛ لحديثِ مالكِ بنِ الحوَيرث مرفوعًا: "إذا حَضَرَتِ الصلاةُ فليؤذنْ لكم أحدُكم، وليؤمكم أكبرُكم" متَّفقٌ عليه (^٦). ولأنَّه أقربُ إلى الخشوعِ وإجابةِ الدعاء. (ثم) مع الاستواءِ في السن أيضًا، يقدم (الأشرفُ) وهو القرشي؛ إلحاقًا للإمامةِ الصغرى بالكُبرى، ولقولِه ﵊: "الأئمةُ مِن قريشٍ" (^٧).
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "أي: سكناها منفردة. انتهى تقرير المؤلف".
(٢) في (م) و(ح) و(ز): "لإمامة".
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: طقوله: ثم الأجود قراءة الفقيه، أي: الذي يعلّم فقه الصلاة وغيرها؛ إذ لهُ مزية عما بعده. انتهى تقرير".
(٤) أخرجه مسلم (٦٧٣)، وهو عند أحمد (١٧٠٦٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٥) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: لا يعلمه، أي: فقه صلاته. انتهى تقرير المؤلف".
(٦) البخاري (٦٨٥)، ومسلم (٦٧٤)، وهو عند أحمد (٢٠٥٢٩).
(٧) جزء من حديث أخرجه النسائي في "الكبرى" (٥٩٠٩)، وهو عند أحمد (١٢٣٠٧) من حديث أنس بن مالك ﵁. وأخرجه أحمد (١٩٧٧٧) من حديث أبي برزة ﵁. ويشهد له ما أخرجه البخاري (٣٥٠١)، ومسلم (١٨٢٠)، وهو عند أحمد (٤٨٣٢) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان".
[ ٢ / ١٥٢ ]
ثم الأتقى، ثم مَنْ قَرَعَ.
وصاحبُ البيت، وإمامُ المسجدِ أحق، وحرٌّ،
فتُقَدمُ بنو هاشِم، ثم باقي قريشٍ، ثم الأقدمُ هجرةً بنفسه (^١)، ثم الأسبقُ إسلامًا.
(ثم الأتقى) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. (ثم) إن (^٢) استوَوا فيما تقدَّم، قُدِّم عند التشاح (مَنْ قرَع) بفتح القافِ والرَّاء، أي: غَلَبَ في القُرعةِ، بأن خَرَجَت له، فيُقَدمُ (^٣)؛ قياسًا على الأذَان.
(وصاحبُ البيتِ) الصالحُ للإمامة (^٤) -ولو عبدًا- أحق بالإمامة ممنْ حَضَرَهُ في بيته؛ لقولِه ﷺ: "لا يُؤمَّنَّ الرجلُ في بيتِه" (^٥) (وإمامُ المسجد) الراتبُ، الصالحُ للإمامة، ولو عبدا (أحق) بالإمامة فيه، ولو حَضَرَ أفقهُ، أو أقْرأ منه، كصاحبِ البيت؛ ولأنَّ ابنَ عمرَ ﵄ أتى أرضًا له، وعندها مسجدٌ يصلي فيه مولًى له، فصلى ابنُ عمرَ معهم، فسألوه أنْ يؤمَّهم، فأبى، وقال: صاحبُ المسجدِ أحق. رواه البيهقي بسندٍ جيدٍ (^٦)، ولأنَّ التَّقدمَ عليه يُسِيءُ الظنَّ به، وينفِّرُ عنه. قال في "الفروع": ويتَّجه: يُستحب تقديمُهما (^٧) الأفضلَ منهما (^٨). ومحل كونِ صاحبِ البيتِ وإمامِ المسجد أحق، حيث لم يحضر ذو سلطانٍ، فيقدَّم؛ لقوله ﷺ: "ولا في سلطانه" (^٩). وكذا سيدُ عبدٍ ببيتِ العبد؛ لولايته على صاحبِ البيت.
(وحُر) أَولى بالإمامةِ من عبد ومبعض؛ لأنَّه أكملُ وأشرفُ. ولا تُكرهُ إمامةُ عبد
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: هجرة. أي: إلى بلاد الإسلام. انتهى، وخرج: بنفسه. منْ يهاجر أبوه -مثلًا- سابقًا. اننهى تقرير المؤلف".
(٢) في (م)، والأصل: "إذا".
(٣) في الأصل و(س): "القرعة".
(٤) في (م): "للإقامة".
(٥) سلف ص ١٤٤.
(٦) في "سننه" ٣/ ١٢٦، وهو عند الشافعي (١/ ١٠٨ - ١٠٩) "ترتيب مسنده"، وعبد الرزاق (٣٨٥٠).
(٧) جاء في هامش (س) ما نصه: "أي: صاحب البيت وإمام المسجد".
(٨) "الفروع" ٣/ ٨، وفيه: "لأفضل"، بدل "الأفضل".
(٩) أخرجه مسلم (٦٧٣)، وهو عند أحمد (١٧٠٦٣)، وسلفت الإشارة إليه ص ١٤٤.
[ ٢ / ١٥٣ ]
ومقيم، وبصيرٌ أولى من ضدِّهم.
ولا تصحُّ خَلْف فاسقٍ،
في غيرِ جمعةٍ وعيدٍ.
(ومقيم) أولى مِن مسافرٍ سَفَرَ قَصرٍ؛ لأنه ربما قصرَ، ففات المأمومين بعضُ الصلاة جماعة. ولا تكره إمامةُ مسافرٍ بمقيمٍ إنْ قَصَرَ، فإن أتم، كُرِهت.
(وبصيرٌ) أولى مِنْ أعمى؛ لأنه أقدرُ على توقي النجاسة، واستقبال القبلة، وذلك معنى قولِه: (أَولى من ضدهم) المتقدم بيانُه.
(ولا تصح) الصلاةُ (خَلْفَ) إمام (فاسقٍ) باعتقادٍ، أو قولٍ، أو فعل محرم، سواءٌ أعلن فِسقَه أو أخفاه؛ لقوله تعالىَ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوونَ (١٨)﴾ [السجدة: ١٨]. وحديثِ ابنِ ماجه (^١) عن جابر مرفوعًا: "لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ولا أعرابيٌّ مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنا، إلا أنْ يقهرَه بسلطانٍ يخاف سوْطَه وسيفَه". وتصح خَلفَ نائبِه العَدلِ. ولا يَؤم فاسق فاسقًا، ويعيدُ مَن صلَّى خلفَ فاسقٍ مطلقًا (^٢)، إلا في جمعةٍ وعيدٍ تَعَذَّرَا خلْفَ غيرِه، وإن خاف أذًى، صلى خلفَه وأعاد.
[قال في "المنتهى" (^٣) وغيرِه: وتصح خَلفَ مَنْ خالف في فرع لم يَفسُق به.
ومفهومُه: لا تصحُّ إذا فسقَ به مع كونِ مذهبِ الإمام مخالفًا لمذهب المأموم، وربما يدخلُ في عمومِ قولهم: لا تصح إمامةُ فاسقٍ مطلقًا. اهـ. فلا بد من التقليد عند فِسقِ الإمام، وأما الرجوعُ إلى عقيدةِ الإمامِ، ففي أركانِ الصَّلاةِ وشروطِها، لا في شروطِ الإمامةِ، على ما يدل عليه مواضعُ من كلامِهم] (^٤).
_________________
(١) في "سننه" (١٠٨١) من طريق أبي جناب (خباب)، عن عبد الله بن محمد العدوي، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر قال في "مصباح الزجاجة" ١/ ٢٠٥: هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، وعبد الله بن محمد العدوي. وقال في "التلخيص الحبير" ٢/ ٣٢: والعدوي اتهمه وكيعٌ بوضع الحديث، وشيخه ضعيف، ورواه عبد الملك بن حبيب في "الواضحة" من وجه آخر؛ حدثنا وعد الملك متهم بسرقة الأحاديث وتخليط الأسانيد. قاله ابن الفرضي.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: (أي: سواء أعلم بفسقه في الصلاة أو بعدها. انتهى تقرير المولف".
(٣) ١/ ٨٠.
(٤) ليست في الأصل و(س).
[ ٢ / ١٥٤ ]
ولا امرأةٍ، وخنثى لرجلٍ، ولا صبيٍّ لبالغٍ، ولا أخرَس، ولا عاجزٍ عن رُكن أو شَرْط، إلا بمثله، سوى إمامِ الحي المرجو زوالُ مرضه، ويصلُّون وراءَه جلوسًا ندبًا.
(ولا) تصح إمامةُ (امرأةٍ) لرجلٍ؛ لما روى ابنُ ماجه عن جابرٍ مرفوعًا: "لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا" (^١). [وكذا لا تصح إمامةُ امرأةٍ لخُنثى؛ لاحتمالِ كونِه رجلًا] (^٢).
(و) لا تصح إمامةُ (خنثى لرجلٍ) أو خنثى؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الإمامُ امرأةً، والمأمومُ رجلًا، يقينًا أو احتمالًا.
(و) لا تصحُّ إمامةُ (صبي) وهو مَنْ لم يبلغْ (لبالغٍ) في فَرضٍ؛ لقول ابنِ مسعود: لا يؤُم الغلامُ حتى تجبَ عليه الحدودُ (^٣).
(ولا) تصحُّ صلاة خلفَ (أخرسَ) [ولو بأخرسَ] (^٤)؛ لأنَّه لم يأتِ بفرضِ القراءة، ولا بَدَلِه.
(ولا) تصحُّ خلفَ (عاجزٍ عن ركنٍ) كركوعٍ، أو سجودٍ أو غيرِهما (أو) عاجزٍ عن (شَرْطٍ) كاستقبالِ القِبلة (إلا بمثلِه) في العَجزِ عن ذلكَ الركنِ أو الشَّرط. وكذا عاجز عن قيامٍ لا تصحُّ إمامتُه في الفرض، إلا بمثلِه (سِوَى إمامِ الحي) أي: الإمامِ الراتبِ بمسجدٍ إذا عَجَزَ عن القيامِ لمرضٍ، بشرطٍ أشار إليه بقوله (المرجو) بصيغةِ اسم المفعول: أي: الذي يُرجَى (زوالُ مرضِه) فتصح خلفه (ويصلُّون وراءَه جلوسًا نَدْبا) ولو مع قدرتهم على القيام؛ لحديث عائشةَ ﵂: صلى النبى ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا، وصلَّى وراءَه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلمَّا انصرف قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" إلى أن قال: "فإذا صلى جالسًا، فصلوا
_________________
(١) سلف تخريجه آنفًا.
(٢) ليست في الأصل و(س).
(٣) أخرجه الأثرم كما في "منتقى الأخبار" لابن تيمية ١/ ٦٣١، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي ٢/ ١١٢٠.
(٤) في الأصل و(ح) و(س): "ولو من أخرس".
[ ٢ / ١٥٥ ]
وإن ابتدأ بهم قائمًا، وعجز فجلس، ائتموا خلفَه قيامًا.
ولا خلفَ محدثٍ أو نَجِسٍ يَعلَمُ ذلك، فإنْ جَهِلَ مع مأمومٍ حتَّى انقضت، صحَّتْ لمأموم.
جلوسًا أجمعين" متَّفقٌ عليه (^١). قال ابنُ عبد البر (^٢): هذا من طرقٍ متواترةٍ. وتصحُّ خلفَه قيامًا؛ لأنه الأصلُ.
(وإن ابتدأ) الإمامُ (بهم) أي: بالمأمومين الصلاة حالةَ كونه (قائما، وعجزَ) عن القيام في أثنائِها (فجلس) الإمامُ (ائتمُّوا) أي: المأمومون (خلفه قيامًا) وجوبًا؛ لأنَّه ﷺ صلى في مرضِ موتِه قاعدا، وصلى أبو بكر والناسُ خلفه قيامًا. متفق عليه من حديث عائشة (^٣)، وكان أبو بكرٍ ابتدأ بهم الصلاة قائما -كما أجاب به الإمامُ أحمد (^٤) - فوجبَ أن يُتِموها كذلك. (ولا) تصح الصلاةُ (خلفَ مُحدِثٍ) حَدَثًا أكبرَ أو أصغرَ يعلم ذلك. (أو) أي: ولا تصح خلفَ (نَجسٍ) أي: مَن ببدنِه، أو ثوبه، أو بقعَتِه نجاسةٌ غيرُ معفو عنها (يَعلَم ذلك) أي: حدثَه أو نجسَه؛ لأنَّه أخَلَّ بشرطِ الصلاةِ مع القُدرة، أشبَه المتلاعِب.
(فإن جَهِلَ) إمامٌ حدثَه أو نجسَه (مع) جَهلِ (مأمومٍ) بذلك (حتى انفضت) الصلاة (صحت) الصلاةُ (لمأمومٍ) وحدَه؛ لحديث البراءِ بن عازب: "إذا صلى الجُنُبُ بالقوم، أعاد صلاتَه، وتمت للقوم صلاتُهم" رواه محمد بن الحسين الحرَّاني (^٥).
_________________
(١) البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) وسلف تخريجه ص ١٣٧ مجزءًا.
(٢) في "التمهيد" ٦/ ١٣٨.
(٣) البخاري (٧١٣)، ومسلم (٤١٨).
(٤) في "مسائله برواية أبي داود" ص ٤٣.
(٥) لعله في كتابه "الفوائد" ولا يزال مخطوطا ولم يطبع، وأخرجه أيضًا الدارقطني في "سننه" (١٣٦٨)، والبيهقي ٢/ ٤٠٠ بنحوه. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٢/ ٣٣: وفيه: جويبر، وهو متروك، وفي السند انقطاع أيضًا. اهـ. والحراني هو أبو سليمان محمد بن الحسين الحراني، سكن بغداد وحدث بها، وكان شيخًا ثقة مستورًا حسن المذهب، (ت ٣٥٧ هـ). "تاريخ بغداد" ٢/ ٢٤٢، و"فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية" [المنتخب من مخطوطات الحديث] للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ص ١٦٤.
[ ٢ / ١٥٦ ]
ولا إمامةُ مَنْ لا يُحْسِن الفاتحةَ، أو يُدْغِم مالا يُدْغَم، أو يُبْدِلُ حرفًا بآخرَ، غيرَ ضادِ ﴿الْمَغْضُوبِ﴾ و﴿الضَّالِّينَ﴾ ظاء، أو يَلْحَنُ فيها لحنًا يُحيلُ المعنى، إلَّا بمثله.
وإنَّما تصحُّ صلاةُ المأموم إن كان قد قرأ الفاتحةَ؛ لأنَّ الإمامَ إنّما تحمَّلها عنه مع صحَّة إمامته، كما ذكره ابن قُندُس. اهـ.
وعُلم منه: أنَّه إن عَلِمَ الإمامُ، أو بعضُ المأمومين قَبْلَ الصَّلاة، أو فيها، أعاد الكُلُّ. وظاهره: ولو نسي بعد عِلْمِه، فيعيدون، إلَّا إنْ كانوا بجمعةٍ، أو عيدٍ، وهم بإمامٍ أو بمأمومٍ كذلك أربعون، فيعيدُ الكُلُّ.
(ولا) تصحُّ (إمامةُ) أُمِّيٍّ، إلا بمثلِه، وهو (مَنْ لا يُحْسِنُ) أي: يحفظ (الفاتحةَ، أو (^١) يُدغِم) فيها (ما) أي: حرفًا (لا يُدغَم) كإدغام هاءِ "لله" في راء "ربِّ" وهو الأرتُّ، بالمثنَّاة الفوقيَّة. قال في "المصباح" (^٢): الرُّتَةُ -بالضَّمِّ-: حُبْسة في اللِّسان.
(أو يُبدلُ حرفًا) منها (بـ) حرفٍ (آخرَ) لا يُبدَل به، وهو الألثْغ؛ لحديث: "ليؤمَّكم أقرؤكم" رواه البخاريُّ وأبو داود (^٣) (غير ضادِ ﴿الْمَغْضُوبِ﴾ و) ضادِ (﴿الضَّالِّينَ﴾) إذا أَبدلها بـ (ظاءٍ) عَجْزًا، فلا يصيرُ به أُمِّيًّا، فتصحُّ إمامته ولو بغير مثله، سواء عَلِمَ الفرقَ بينهما لفظًا ومعنًى، أَوْلا (^٤).
(أو يلحنُ) عطف على: "لا يُحْسِنُ" أي: ولا تصحُّ إمامةُ من يَلحَن (فيها) أي: في الفاتحة (لحنًا يُحيل) أي: يغيِّر (المعنى) كفتحِ همزةِ ﴿اهْدِنَا﴾، وكسرِ كاف ﴿إِيَّاكَ﴾، وضمٍّ تاءِ ﴿أَنْعَمْتَ﴾؛ لأنَّه عاجزٌ عن فَرْضِ القراءة؛ فلا تصحُّ إمامته (إلَّا بمثلِه) في ذلك العَجز، فلا يصحُّ اقتداء عاجزٍ عن نصفِ الفاتحة الأوَّلِ بعاجزٍ عن
_________________
(١) في (م): "و".
(٢) مادة: (رتت).
(٣) البخاري (٤٣٠٢) بنحوه، وأبو داود (٥٨٥) واللفظ له، وهو عند أحمد (١٥٩٠٢) بنحوه أيضًا من حديث عمرو بن سلمة ﵁.
(٤) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: سواء علم إلخ، أي: بشرط أن لا يقدر على عدم التغيير. انتهى. تقرير المؤلف".
[ ٢ / ١٥٧ ]
وإنْ قَدَرَ على إصلاحه، لم تصحَّ صلاتُه.
وتُكره إمامةُ لحَّان، وفَأْفاءٍ، ونحوِه، ومن لا يُفْصِح ببعض الحروف، وأقطعِ يدين، أو رجلين، أو إحداهما، أو أنفٍ.
وأن يَؤُمَّ أجنبيَّةً فأكثر لا رجلَ معهنَّ،
نصفها الأخير، ولا عكسُه.
(وإنْ) تعمَّد غيرُ الأُمِّيِّ إدغامَ مالا يُدغَم، إو إبدالَ مالا يبدل، أو اللَّحنَ المحيلَ للمعنى، أو (قَدَرَ) الأُمِّيُّ (على إصلاحِه) فَتَرَكه (لم تصحَّ صلاتُه) لأنَّه أخرجه بذلك عن كونه قرآنًا؛ فهو كسائرِ الكلام. قال في "الفروع" (^١): ويَكفرُ إن اعتقدَ إباحتَه.
(وتُكرَهُ إمامةُ لحَّان) بتشديدِ الحاءِ المهملةِ: أي: كثيرِ لَحْنٍ، لم يُحِلْ معنًى (^٢)، كجرِّ دالِ ﴿الْحَمْدُ﴾، وضمّ هاءِ ﴿لِلَّهِ﴾ سواءٌ كان المؤتمُّ مثلَه، أوْ لا؛ لأنَّ مدلولَ اللَّفظ باقٍ، فإنْ لم يكن كثيرَ اللَّحْنِ، لم يُكرَهْ.
(و) تُكرَه إمامةُ (فَأْفاءٍ) بالمدِّ: الذي يكرِّر الفاءَ (ونحوِه) كتَمتام: يكرِّرُ التَّاء.
(و) تُكرَه إمامةُ (مَنْ لا يُفصحُ ببعض الحروف) كالقاف والضَّاد.
(و) تُكرَهُ إمامةُ (أقطعِ يدَيْن، أو) أقطعِ (رجلَيْن، أو) أقطعِ (إحداهما) أي: أقطع يدٍ أو رجلٍ إذا أمكنه القيام، وإلا، فبمثله (أو) أقطع (أنفٍ) للاختلافِ في صحَّة إمامةِ مَنْ ذُكر.
(و) كُرِهَ (أنْ يؤمَّ) رجلٌ امرأةً (أجنبيةً) منه (فأكثرَ) من امرأة (لا رجلَ معهنَّ) لأنَّه عليه الصلاة السَّلام نهى عن خلوةِ الرجل بالأجنبيَّة، ولما فيه من مخالطةِ الوسواس، لكنْ إنْ كانت إمامتُه للأجنبيَّة مع خلوةٍ، حَرُمَ. وإن أمَّ محارمَه، أو أجنبيَّات معهنَّ رجلُ أو محرَمُه، فلا كراهةَ.
_________________
(١) ٢/ ٢٨٩.
(٢) في (م): "المعنى".
[ ٢ / ١٥٨ ]
أو قومًا أكثرُهم يكرهُه بحقٍّ.
ويصحُّ ائتمامُ من يقضي صلاةً بمؤديها، وعكسُه، لا مفترِضٍ بمتنفِّلٍ، ولا ظُهْرٍ خَلْفَ نحوِ عَصْرٍ.
(أو) (^١) أي: وكُرِهَ أنْ يؤمَّ (قومًا أكثرُهم يكرهُه بحقٍّ) كما لو كَرِهُوه لخللٍ في دِيْنه أو فضلِه؛ لحديث أبي أمامةَ مرفوعًا: ثلاثةٌ لا تجاوزُ صلاتُهم آذانهم، العبدُ الآبقُ حتَّى يرجعَ، وامرأةٌ باتَتْ وزوجُها عليها ساخِطٌ، وإمامُ قومٍ وهُمْ له كارهون" رواه الترمذيُّ (^٢). فإنْ كَرِهُوه بغيرِ حقٍّ، لم يُكْرَه أنْ يؤمَّهم.
(ويصحُّ ائتمامُ مَنْ يقضي صلاةً بمؤدِّيها) كأنْ يصلِّي شخصٌ الظُّهْرَ مثلًا قضاءً خَلْفَ إمامِ يصلِّيها أداءً (و) يصحُّ (عكسُه) وهو ائتمامُ مُؤَدِّي صلاةٍ بقاضيها؛ كأنْ يصلِّي الظُّهرَ أداءً خَلْفَ إمامٍ يصلِّيها قضاءً؛ لأنَّ الصَّلاة واحدةٌ، وإنَّما اختلفَ الوقتُ.
و(لا) يصحُّ ائتمامُ (مفترضٍ بمنتفلٍ) كما لو صلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ تطوَّع بأربعِ ركعاتٍ؛ لقوله ﵁: "فلا تَخْتَلِفُوا عليه" (^٣)، وكونُ صلاةِ المأمومِ غيرَ صلاةِ الإمامِ اختلافٌ عليه؛ لأنَّ صلاةَ المأمومِ لا تتأدَّى بنيَّةِ صلاةِ الإمام، لكنْ تصحُّ العيدُ خلفَ مَن يقولُ إنَّها سُنَّة، وإن اعتقد المامومُ أنَّها فرضُ كفايةٍ؛ لعدمِ الاختلاف عليه فيما يظهرُ. قاله المصنِّفُ (^٤)، إلَّا إذا صلَّى بهم في خوفٍ صلاتَيْن، ويصحُّ عكسُها. و(لا) يصحُّ ائتمامُ مصلِّ نحوِ (ظُهْرٍ خَلْف) إمامٍ يصلِّي (نحوَ عصرٍ) لاختلافِ الصَّلاتَيْن.
_________________
(١) في (م) و(ح): "و".
(٢) في "سننه" (٣٦٠)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال النووي في "خلاصة الأحكام" ٢/ ٧٠٤: ضعَّفه البيهقي [٣/ ١٢٨]، والأرجح هنا قول الترمذي. اهـ وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄، أخرجه ابن ماجه (٩٧١). قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٩١: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
(٣) جزء من حديث: "إنَّما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، وسلف تخريج الفقرة الأولى منه ص ١٣٧.
(٤) في "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٥٧٢، وما بعده منه أيضًا.
[ ٢ / ١٥٩ ]
فصل
يقفُ اثنان فأكثرُ خلف إمامٍ ندبًا، ويصحُّ عن يمينه، وبجنبيه لا يسارهِ فقط