(يجبُ كفَنُه) أي: الميتِ (في ماله) لقوله ﷺ في المُحْرِم: "كفِّنوه في ثوبيه" (^٢) (مقدَّمًا على دَيْن) على الميت، ولو برهنٍ (وغيرِه) من وصيَّةٍ وميراثٍ؛ لأنَّ المفلسَ يقدَّم بالكسوة على الدَّين، فكذا الميتُ، فيجب لحقِّ الله تعالى وحقِّ الميِّتِ ثوبٌ (^٣) لا يصفُ البشرةَ، يسترُ جميعَه، من ملبوسِ مثلِه ما لم يوصِ بدونه، والجديدُ أفضلُ (فإنْ لم يكنْ) للميت مالٌ (فَـ) كفنُه ومؤنةُ تجهيزِه (على من تلزمُه نفقتُه) لأنَّ ذلك يلزمُه حالَ الحياةِ، فكذا بعدَ الموت (غير زوجٍ) فلا يلزمُه كفنُ زوجته ولو غنيًا؛ لأنَّ الكسوةَ وجبتْ عليه بالزوجيَّة والتمكُّن من الاستمتاع، وقد انقطع ذلك بالموت (ثمَّ) إنْ عُدم مالُ الميتِ ومَنْ تلزمهُ نفقتُه، فكفنُه (من بيتِ المال) إنْ كان مسلمًا
_________________
(١) في (م): "والتقطيع"، وجاء في هامش (س) ما نصه: (قوله: والتبضيع -بالضاد المعجمة- أي: التقطيع. انتهى تقرير".
(٢) سلف تخريجه ص ٢٢٨ في الذي وقصته ناقته.
(٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: [بدل من كفن، أو خبر لمحذوف، تقديره: والجواب: ثوب."إقناع"].
[ ٢ / ٢٣٧ ]
ثم على غنيٍّ عَلِمَ به.
وسُنَّ تكفينُ رجل في ثلاث لفائفَ بيضٍ من قطن، تُجمَّر، ويُبْسَطُ بعضُها على بعض و[الحنوط فيما بينها] (^١)،
(ثمَّ) إن تعذر بيتُ المال، فكفنُه (على غنيٍّ) مسلمٍ (عَلِمَ به) أي: الميتِ. قال الشيخُ تقيُّ الدِّين: مَنْ ظنَّ أن غيرَه لا يقومُ به، تعيَّن عليه.
(وسُنَّ تكفينُ رجلٍ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ من قُطْنٍ) لقولِ عائشةَ: كُفِّن رسولُ الله ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّة، جُدُدِ يمانيَة -بالتخفيف (^٢) - ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ، أُدْرجَ فيها إِدْرَاجًا (^٣). متَّفَق عليه (^٤). والسَّحوليَّةُ: نسبةٌ إلى سَحُول -كرسول- بلدةٌ باليمنِ، تُجلبُ منها الثيابُ، وتُنسبُ إليها على لفظِها. كما في "المصباح" (^٥).
ويقدَّم بتكفينٍ مَنْ يقدَّم بغَسلٍ، ونائبُه كهو، والأولى تولِّيه بنفسِه.
(تُجمَّر) بضمِّ التاء المثناةِ فوق، وفتحِ الميمِ المشدَّدةِ: أي: تُبخَّر (^٦) اللفائفُ بعد رشِّها بماءِ وَرْدٍ أو غيرِه؛ ليعلَقَ بها البخورُ (ويُبسطُ بعضُها) أي: اللفائفِ (على بعضٍ) ويكونُ أوسعُها وأحسنُها أعلاها، وهو ما يلي الأرضَ حالَ بَسْطِها؛ لأنَّ عادَة الحيِّ جحلُ الظاهرِ أفخَرَ ثيابه.
(و) يُجعل (الحَنُوط) وهو: أخلاطٌ من طيبٍ يُعدَّ للميت خاصَّةً (^٧) (فيما بينها) أي: اللفائفِ، لا فوق العليا؛ لكراهةِ عمرَ (^٨)، وابنِه (^٩)، وأبي هريرة (^١٠) ﵁.
_________________
(١) ليست في المطبوع، واستدركت من "هداية الراغب".
(٢) ليست في (ح) و(ز) و(س)، وجاءت بهامش الأصل.
(٣) في الأصل و(ح) و(ز) و(س): "درجًا".
(٤) البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١)، وهو عند أحمد (٢٤٨٦٩) واللفظ له.
(٥) مادة: (سحل)، وقوله: وتنسب إليها على لفظها، أى: يقال: أثواب سَحوليّة. "مصباح".
(٦) "المطلع" ص ١١٦.
(٧) "المصباح المنير" (حنط).
(٨) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٣٦٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٧.
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٠.
(١٠) أورده ابن المنذر في "الأوسط" ٥/ ٤٥٧.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
ويوضعُ عليها مستلقيًا، ويُجعلُ قطنٌ محنَّطٌ بين ألْيتيه، ويُشدُّ عليه بخرقةٍ مشقوقةِ الطرفِ تجمعُ ألْيتَيه ومثانَتَه، وعلى منافذِ وجههِ ومواضعِ سجودهِ، ويلَف فيها، ويجعلُ أكثر فاضلِ كفنٍ عندَ رأسِه، وإنْ كُفِّنَ في قميصٍ، ومئزرٍ، ولفافةٍ، جاز،
(ويوضعُ) الميتُ (عليها) أي: اللفائفِ حالَ كونه (مستلقيًا) لأنّه أمكنُ لإدراجه فيها (ويجعلُ قطنٌ محنَّطٌ) أي: فيه حَنوطٌ (بين أَلْيتيه) أي: الميتِ (ويُشَدُّ) أي: يُربط (عليه) أي: القطنِ (بخرقةٍ مشقوقةِ الطَّرَف) كالتُّبَّانِ: وهو سراويلُ بلا أكمام (^١) (تجمعُ) الخرقةُ (أَلْيَتَيه ومثانَتَه) أي: الميتِ؛ لردِّ الخارج، وإخفاءِ ما ظهرَ (^٢) من الروائح.
(و) يُجعلُ الباقي من القُطْنِ المحنَّطِ (على منافِدِ وجْههِ): عينَيه، ومنْخَريه، وأذنَيه، وفمِه؛ لما في ذلك من مَنْعِ دخولِ الهوامِّ (و) على (مواضعِ سجودِه): ركبتَيْه، ويدَيْه، وجبهتِه، وأنفِه، وأطرافِ قدمَيه؛ تشريفًا لها. وكذا مغابنِه، كطيِّ ركبتَيه، وتحت إبطَيه، وسُرَّتِه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ كان يتتبَّعُ مغابنَ الميتِ ومرافقَه بالمسك (^٣). وإنْ طُيِّب كلُّه، فحسَنٌ.
(ويُلَفُّ) الميتُ بعد ذلك (فيها) أي: اللفائفِ، فيردُّ طرف اللِّفافة العليا، وهي التي تلي جَسَدَ الميتِ من الجانبِ الأيسرِ على شِقِّهِ الأيمن، ثمَّ يردُّ طرفَها الأيمنَ على الأيسر، ثُمَّ الثانية، ثمَّ الثالثة كذلك (ويجعلُ أكثرَ فاضلِ كفنٍ) مِنْ لِفافةٍ فأكثر (عند رأسِه) لشرفِه، ويعيدُ الفاضلَ على وجهِه ورجلَيه بعد جَمْعِه؛ ليصيرَ الكفنُ كالكيسِ فلا ينتشر، ثُمَّ يعقدُ (^٤) اللفائفَ، وتُحَلُّ في القبر (وإن كُفِّن) رجلٌ (في قميص، ومئزرٍ، ولفافةٍ، جاز) أي: لم يُكره؛ لأنه ﵊ ألبس عبدَ الله بنَ أُبَيّ
_________________
(١) "المطلع" ص ١١٧.
(٢) في (م): "يظهر".
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٦١٤١).
(٤) في (م): "تعقد".
[ ٢ / ٢٣٩ ]
ويُكرَهُ [في أكثر من ثلاث، و] (^١) تعميمه وزعفران.
وتكفَّنُ امرأةٌ في خمسةِ أثوابٍ؛ إزار، وخمار، وقميص، ولفافتان.
قميصَه لما مات. رواه البخاريُّ (^٢). وعن عمرو بنِ العاص: أن الميتَ يؤزَّرُ ويقمَّصُ ويُلَفُّ بالثالثةِ (^٣). والسُّنَّة إذن: أن يُجعلَ المئْزَرُ ممَّا يلي جسدَه، ثمَّ يُلبَسَ القميص، ثُمَّ يلفَّ كما يفعل الحيُّ، وأنْ يكونَ القميصُ بكُمَّين ودخاريص (^٤)، كقميصِ الحيِّ. ولا يُحلُّ الإزارُ في القبر.
ولا يُكرَه تكفينُ رجلٍ في ثوبَيْن؛ لما تقدَّم في المُحرِم من قولِه ﷺ: "وكفِّنوه في ثوبَيْه" (^٥).
(ويُكرَه) تكفينه (في أكثرَ من ثلاثِ) لفائفَ (وتعميمُه) أي: الميت؛ لما تقدَّم في حديثِ عائشةَ من قولها: "ولا عمامة" (^٦).
(و) يُكره تطييبُه بوَرْسٍ (^٧) و(زعفران) لأنَّ العادةَ غيرُ جاريةٍ بالتطُّيب به، وإنَّما يستعملُ لغذاءٍ أو زينةٍ.
(وتُكفنُ امرأةٌ) وخنثى نَدْبًا (في خمسةِ أثوابٍ) بيضٍ من قُطْنٍ، وهي (إزارٌ، وخمارٌ، وقميصٌ، ولفافتان) قال ابنُ المنذر: أكثرُ من نحفظُ (^٨) عنه من أهل العلم يرى أنْ تُكفَّنَ المرأةُ في خمسةِ أثوابٍ. انتهى. فتؤزرُ بالمئزر، ثُمَّ تُلْبَسُ القميصَ، ثُمَّ
_________________
(١) ليست في المطبوع، واستدركت من "هداية الراغب".
(٢) في "صحيحه" (١٢٧٠)، وهو عند مسلم (٢٧٧٣)، وأحمد (١٥٠٧٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٣) أخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٢٤، وعبد الرزاق (٦١٨٩)، والبيهقي ٣/ ٤٠٢ عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، وليس عن عمرو. قال البيهقي: وهذا موقوف، وروينا عن نافع أن ابنًا لعبد الله بن عمر مات، فكفنه ابن عمر في خمسة أثوابٍ، عمامةٍ، وقميصٍ، وثلات لفائف.
(٤) هو ما يوصلُ به بدن الثوبِ أو الدرع؛ ليتَّسع. "الوسيط" (دخرص).
(٥) سلف تخريجه ص ٢٢٨، في الذي وقصته ناقته.
(٦) السالف ص ٢٣٨.
(٧) الورس: نبت أصفرُ يزرع باليمن، ويصبغ به. "المصباح المنير" (ورس).
(٨) في (م) و(ح) و(ز): "يحفظ".
[ ٢ / ٢٤٠ ]
والواجبُ ثوبٌ يسترُ جميعَه، ويحرمُ بحريرٍ، ولا يُجْبَى كفنٌ لعَدَم إنْ أمكنَ سترُه بحشيشٍ ونحوهِ.
فصل
ويقفُ إمامٌ عند صَدْرِ رجلٍ ووسَط امرأةٍ ندبًا، ويكبِّرُ أربعًا،
تخمَّرُ بالمِقنعة (^١)، ثم تلفُّ باللِّفافتين كما في "المبدع" (^٢).
ويكفَّنُ صبيٌّ في ثوبٍ، ويباحُ في ثلاثةٍ ما لم يرثه غيرُ مكلَّف. وصغيرةٌ في قميصٍ ولفافتين.
(والواجبُ) للميِّت مطلقًا (ثوبٌ يسترُ جميعَه) لأنَّ العورةَ المغلَّظةَ يجزئُ في سترِها ثوبٌ واحدٌ؛ فكفَنُ الميت أولى.
(ويحرمُ) تكفينُ الميت (بحريرٍ) ولو لامرأةٍ (ولا يُجبَى) بالبناء للمفعول: أي: لا يُجْمعُ من النَّاس (كفنٌ لعَدَم) ما يكفَّنُ به ميتٌ (إنْ أمكنَ سترُه) أي: الميتِ (بحشيشٍ ونحوِه) كورقِ شَجَرٍ ونحوِه، لحصولِ المقصودِ بلا إهانةٍ.