ويسقطانِ بكافرٍ وغيرهِ، كتكفينهِ؛ لعدم اعتبارِ النِّيَّة فيه.
(سُنَّ تربيعٌ في حَمْلِه) لقولِ ابن مسعودٍ: إذا اتَّبعَ (^٤) أحدُكم جنازةً، فليأخذ بقوائمِ السَّريرِ الأربعِ، ثُمَّ ليتطوَّع بعدُ، أو ليَذَر. رواه سعيد (^٥). فيُسَنُّ أنْ يحملَها أربعةٌ.
_________________
(١) في الأصل و(ح) و(ز) و(س): "سهل"، والمثبت من (م) ومصدر التخريج. قال ابن حجر في "الإصابة" ٤/ ٢٦٩، ٢٨٣: سهيل بن بيضاء، وبيضاء أمه، واسمها دَعْد، واسم أبيه: وهب بن ربيعة القرشي، ذكر ابن إسحاق: أنه شهد بدرًا، وتوفي سنة تسع.
(٢) في "صحيحه" (٩٧٣)، وهو عند أحمد (٢٤٤٩٨) من حديث عائشة ﵂.
(٣) في (م): "سعد" ولم نقف عليه في المطبوع من "سنن سعيد" وأثر أبي بكر ﵁ أخرجه عبد الرزاق (٦٥٧٦)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٦٤، والبيهقي ٤/ ٥٢ عن هشام بن عروة، عن أبيه. وأثر عمر ﵁ أخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٣٠، وعبد الرزاق (٦٥٧٧)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٦٤ عن ابن عمر ﵄. قال ابن حزم في "المحلى" ٥/ ١٦٣: وهذه الأسانيد في غاية الصحَّة.
(٤) في (م) و(ح): "تبع".
(٥) لم نقف عليه في المطبوع من "سنن" سعيد، وأخرجه بنحوه ابن ماجه (١٤٧٨) من طريق عبيد بن نسطاس، عن أبي عبيدة، به. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥: هذا إسناد موقوف، رجاله ثقات، وحكمه الرفع إلا أنه منقطع؛ فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا. قاله أبو حاتم وأبو زرعة وعمرو بن مرَّة وغيرهم.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
ويباحُ بين العمودَيْن.
وسُنَّ إسراعٌ بها، وكونُ ماشٍ أمامَها،
والتربيعُ: أنْ يضعَ قائمةَ السَّريرِ المقدَّمةَ اليسرى على كتفِه الأيمن، ثُمَّ ينتقلَ إلى المؤَخَّرَة، ثُمَّ يضعَ قائمتَه اليمنى المقدَّمةَ على كتفِه الأيسر، ثُمَّ ينتقلَ إلى المؤَخَّرَة.
(ويُباحُ) أنْ يحمل (بين العمودَيْن) كلُّ واحدٍ على عاتِقٍ؛ لأنّه ﷺ حملَ جنازةَ سعدِ بنِ معاذٍ بين العَمُودين (^١).
وإنْ كان الميتُ طفلًا، فلا بأسَ بحملِه على الأيدي.
ويُستحبُّ كونُه (^٢) على نعْشٍ، وتغطيةُ نَعْشِ امرأةٍ بِمكبَّةٍ (^٣)، ويُجعلُ فوقَ المِكَبَّة ثوبٌ. وكذا إنْ كان بالميتِ حَدَبٌ ونحوهُ. وكُره تغطيتُه بغير أبيضَ ولا بأس بحملِه على دابَّةٍ لغرَضٍ صحيحٍ، كبُعْدِ قبْرهِ.
(وسُنَّ إسراعٌ بها) أي: الجنازةِ دونَ الخَبَبِ (^٤)؛ لقوله ﷺ: "أسرعُوا بالجنازةِ، فإنْ تكُ صالحةً، فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإنْ تكُ (^٥) سوى ذلك، فشرٌّ تضعونَه عن رقابِكم" متَّفقٌ عليه (^٦).
(و) سنَّ (كونُ ماشٍ أمامَها) قال ابنُ المنذر: ثبتَ أن النبيَّ ﷺ وأبا بكر، وعمرَ
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٤٣١ عن شيوخٍ من بني عبد الأشهل، وضعَّف إسناده النووي في "الخلاصة" ٢/ ٩٩٤.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: كونه، أي: الميت مطلقًا. انتهى تقرير".
(٣) المِكَبَّةُ: فوق السرير، تعمل من خشب، أو جريد، أو قصب، مثل القُبَّة، فوقها ثوب. "الإقناع" ١/ ٣٦٠.
(٤) الخَبَب: ضَرْبٌ من العَدْوِ، وقيل: مثل الرَّمل، وقيل: هو أن يراوح بين يديه ورجليه. "اللسان" (خبب).
(٥) في (م) و(ح): "يك".
(٦) البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤)، وهو عند أحمد (٧٢٧١) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وراكب خلْفَها.
وكُرِهَ أَنْ تتبعَها امرأةٌ، ورَفْعُ الصَّوتِ معها.
وحرُم أنْ يتبعَها مع مُنْكَر عاجزٌ عن إزالتِه، وكُرِهَ جلوسُ متَّبعِها حتَّى توضعَ للدَّفْنِ.
كانوا يمشون أمامَ الجنازةِ (^١).
(و) كونُ (راكبٍ) ولو سفينةً (خلْفَها) لما روى الترمذيُّ وصحَّحه عن المغيرةِ بن شُعبةَ مرفوعًا: "الراكبُ خلفَ الجنازةِ" (^٢). أي: يكونُ خلفَها. وكُره ركوبٌ لغير حاجةٍ وعَود.
(وكُرِه أنْ تتبعَها) أي: الجنازةَ (امرأةٌ، و) كُرِهَ (رَفْعُ الصَّوتِ معها) ولو بقراءةٍ.
(وحرُم أنْ يتبعَها) أي: الجنازةَ (مع مُنْكَرٍ) -كنياحةٍ ولطمِ خدٍّ- شخصٌ (عاجزٌ) بالرفع، فاعلُ: "يتبع" (عن إزالتهِ) أي: المنكَرِ، ويلزمُ القادرَ.
(وكُرِهَ جلوسُ متَّبِعها) أي: الجنازةِ (حتَّى توضَعَ) بالأرض (للدَّفْنِ) إلَّا لمن بَعد؛ لقوله ﷺ: "مَنْ تَبعَ جنازةً، فلا يجلسْ حتَّى توضعَ" متَّفقٌ عليه عن أبي سعيد (^٣).
_________________
(١) "الأوسط" لابن المنذر ٥/ ٣٨٠، وأخرجه أبو داود (٣١٧٩)، والترمذي (١٠٠٧)، والنسائي في "المجتبى" ٤/ ٥٦، وفي "الكبرى" (٢٠٨٣)، وابن ماجه (١٤٨٢)، وهو عند أحمد (٤٥٣٩) عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا. وأخرجه الترمذي (١٠٠٩) عن الزهري مرسلًا. قال الترمذي: وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصحُّ. وقال النسائي عن الموصول: هذا خطأ، والصواب مرسل. ورجح ابن الجوزي في "التحقيق" ٢/ ١١، والنووى في "الخلاصة" ٢/ ١٠٠٠ الموصول منه. وأخرجه الترمذي (١٠١٠)، وابن ماجه (١٤٨٣) عن محمد بن بكر، عن يونس بن يزبد، عن ابن شهاب، عن أنس مرفوعًا. قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري، أن النبيِّ ﷺ. . . . الحديث. قال النووي في "الخلاصة" ٢/ ١٠٠٠: قال البخاري: الصواب مرسل أيضًا.
(٢) "سنن" الترمذى (١٠٣١)، وأخرجه أيضًا النسائي في "المجتبي" ٤/ ٥٥ - ٥٦، وابن ماجه (١٤٨١)، وهو عند أحمد (١٨١٦٢).
(٣) البخارى (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩)، وهو عند أحمد (١١٨١٠) واللفظ له.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ويسجَّى قبرُ امرأةٍ فقط، واللَّحْدُ أفضلُ، فيوضعُ فيه على شِقِّه الأيمنِ،
وكرِه قيامٌ لها إنْ جاءَتْ، أو مرَّتْ وهو جالس.
(ويُسَجَّى) أي: يغطَّى نَدْبًا (قبرُ امرأةٍ) وخنثى (فقط) أي: دون رجلٍ، فيُكره بلا عُذْرٍ؛ لقولِ عليٍّ، وقد مرَّ بقومٍ دفنوا ميتًا، وبسطُوا على قبرهِ الثَّوبَ، فجذبه وقال: "إنَّما يُصْنَعُ هذا بالنِّساء" رواه سعيد (^١).
(واللّحْدُ أفضلُ) من الشَّقِّ؛ لقولِ سعدٍ (^٢): الْحدُوا لي لَحدًا، وانصبُوا اللَّبِن عليَّ نصبًا، كما صُنِعَ برسول الله ﷺ. رواه مسلم (^٣). واللَّحْدُ: هو أن يحفرَ إذا بلغ قرار القبرِ في حائطِ القبرِ مكانًا يسعُ الميتَ (^٤)، وكونُه مما يلي القبلةَ أفضلُ. والشَّقُّ: أنْ يحفرَ في وسطِ القبرِ كالنهر أو يُبنَى جانباه، وهو مكروهٌ بلا عُذْرٍ، كإدخالِه خشبًا وما مسَّتْه النَّارُ، ودفنٍ في تابوت.
وسُنَّ أنْ يوسَّعَ ويعمَّقَ قبرٌ بلا حدٍّ، ويكفي ما يمنعُ السِّباعَ والرائحة.
ومَنْ مات في السفينةِ ولم يمكنْ دفنُه في البرِّ، ألقي في البحر -كإدخالهِ القبرَ- بعد غسله وتكفينه والصَّلاةِ عليه، وتثقيله بشيء. (فيوضعُ) الميتُ (فيه) أي: اللَّحْدِ (على شِقِّه الأيمن) نَدْبًا؛ لأنَّه يشبهُ النَّائمَ، وهذه سنَّةٌ.
ويقدَّم بدفنِ رجلٍ مَنْ يُقدَّم بغسلهِ، وبعدَ الأجانب محارمه من النِّساء، ثُمَّ الأجنبيَّات.
_________________
(١) لم نقف عليه في المطبوع من "سنن سعيد"، وأخرجه البيهقي ٤/ ٥٤ عن علي بن الحكم، عن رجل من أهل الكوفة، عن علي ﵁. وقال: وهو في معنى المنقطع؛ لجهالة الرجل من أهل الكوفة. ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق (٦٤٧٦)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٢٦، والبيهقي ٤/ ٥٤ عن أبي إسحاق قال: شهدت جنازة الحارث -الخارفي-، فمدوا على قبره ثوبًا، فكشفه عبد الله بن يزيد، قال: إنما هو رجل. لفظ ابن أبي شيبة. قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح وإن كان موقوفًا، رواه جماعة عن أبي إسحاق. وصححه أيضًا الحافظ في "التلخيص الحبير" ٢/ ١٢٩.
(٢) في الأصل و(ح) و(ز) و(س): "سعيد".
(٣) برقم: (٩٦٦)، وهو عند أحمد (١٤٥٠).
(٤) "اللسان" (لحد).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
مستقبلَ القبلة، ويغطَّى باللَّبِن، ويقول مُدخِلُه: "بِسم اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ الله"، ويرفعُ قبرٌ عن أرضٍ قَدْرَ شبرٍ مُسَنَّمًا.
ويدفنُ امرأة محارمُها الرجال، فزوجٌ، فأجانب. ويجب أنْ يكون الميتُ في قبره (مستقبلَ القبلةِ) لقوله ﷺ في الكعبة: "قبْلتكم أحياءً وأمواتًا" (^١).
وينبغي أن يُدْنى من الحائط؛ لئلَّا ينكبَّ على وجهه، وأن يُسندَ من ورائهِ بترابٍ؛ لئلَّا ينقلبَ، ويُجعلَ تحت رأسِه لَبِنَة.
(ويغطَّى) اللَّحْدُ (باللَّبن) ويتعاهدُ خلاله بالمدَرَ (^٢) ونحوه، ثمَّ يطيَّن (^٣) فوق ذلك. وسُنَّ (^٤) حثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثُمَّ يُهال (ويقول مُدْخِلُه) في اللَّحد: (باسم الله وعلى مِلَّة رسول الله) لأمرِه ﵊ بذلك. رواه أحمدُ عن ابن عمر (^٥).
وسُنَّ تلقينُه والدعاءُ له بعد الدَّفْنِ عند القبر، ورشُّه بماء، ووضعُ حصباءَ عليه.
(ويُرفع قبرٌ عن أرضٍ قَدْرَ شبرٍ) نَدْبًا؛ لأنَّه ﷺ رُفِعَ قبرُه عن الأرض قَدْرَ شبرٍ. رواه الساجيُّ من حديث جابر (^٦). وكُرِهَ فوقَ شبرٍ، ويكونُ القبرُ (مُسَنَّمًا) لما روى البخاريُّ
_________________
(١) سلف تخريجه ص ٢٢٦.
(٢) المَدَر: جمع مدرة، هو التراب المتلبِّد، قال الأزهري: المدر: قطع الطين. "المصباح المنير" (مدر).
(٣) في (م) والأصل: "بطين".
(٤) في (م) والأصل: "ويسن".
(٥) في "مسنده" (٤٨١٢)، وهو عند أبي داود (٣٢١٣)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٨٦٠) ولفظه: "إذا وضعتم موتاكم في القبر، فقولوا: باسم الله وعلى سنة رسول الله". وصحَّحه الحاكم ١/ ٣٦٦، ووافقه الذهبي. قال الحافظ في "التلخيص الحبير" ٢/ ١٢٩: وأعلَّ بالوقف، وتفرَّد برفعه همام، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، ووقفه سعيد وهشام، فرجح الدارقطني وقبله النسائي وقفه. ورجح غيرهما رفعه.
(٦) وأخرجه أيضًا ابن حبان (٦٦٣٥)، والبيهقي ٣/ ٤١٠. والساجي: هو أبو يحيى زكريَّا بن يحيى الضبيُّ البصري الشافعي، الثبت الحافظ، محدث البصرة وشيخها ومفتيها، له كتاب "اختلاف العلماء" و"علل الحديث". (ت ٣٠٧ هـ). "طبقات الشافعية" للسبكي ٣/ ٢٩٩ - ٣٠١، و"السير" ١٤/ ١٩٧ - ٢٠٠.
[ ٢ / ٢٥١ ]
ويباحُ تطيينُه، ويُكرَه تجصيصُه، والبناءُ، والكتابةُ، والجلوسُ، والوطءُ عليه، والاتكاءُ إليه،
عن سفيان التَّمار (^١)، أنَّه رأى قبرَ النبيِّ ﷺ مسنَّمًا (^٢). لكن من دُفِنَ بدارِ حرب لتعذُّر نقله، فالأولى تسويتُه بالأرضِ وإخفاؤُه.
(ويُباح تطيينُه) -أي: القبر- أي؛ طَليُه بالطِّين (ويُكرَه تجصيصُه) أي: القبرِ وتزويقهُ وتحليتُه (^٣) (والبناءُ) عليه، سواءٌ لاصقَهُ، أوْ لا؛ لقول جابرٍ: نهى النبي ﷺ أنْ يجصَّص القبرُ، وأنْ يُقعدَ عليه، وأن يُبْنى عليه. رواه مسلم (^٤).
(و) تُكرَهُ (الكتابةُ، والجلوسُ، والوطءُ عليه) لما روى الترمذيُّ وصحَّحه من حديث جابرٍ مرفوعًا: "نهى أن تُجصَّصَ القبورُ، وأنْ يكتبَ عليها، وأنْ توطأ" (^٥).
وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "لأنْ يجلسَ أحدُكم على جمرةٍ فتُحرقَ ثيابَه، فتَخلُصَ (^٦) إلى جلده خير [له] من أن يجلسَ على قبر" (^٧).
(و) يُكرَه (الاتِّكاءُ إليه (^٨» لما روى أحمد (^٩): أن النبيَّ ﷺ رأى عمرَو بنَ حَزم متكئًا على قبرٍ، فقال: "لا تُؤذِه".
_________________
(١) هو: أبو سعيد سفيان بن دينار التَّمار، الكوفي. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، روى عن سعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم. "تهذيب الكمال" ١١/ ١٤٤.
(٢) البخاري إثر حديث (١٣٩٠).
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وتحليته، أي: بغير الذهب والفضة، أما بهما فحرام. انتهى تقرير المؤلف".
(٤) في "صحيحه" (٩٧٠)، وهو عند أحمد (١٤١٤٩).
(٥) "سنن" الترمذي (١٠٥٢)، وهو عند أبي داود (٣٢٢٦)، والنسائي في "المجتبى" ٤/ ٨٦ - ٨٧، وابن ماجه (١٥٦٢)، (١٥٦٣).
(٦) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: فتخلص، أي: تنفذ إلى جلده. انتهى تقرير".
(٧) "صحيح" مسلم (٩٧١) وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٨١٠٨).
(٨) في (م) والأصل و(ح): "عليه".
(٩) في "مسنده" ٣٩/ (٣٩)، وهو عند ابن عساكر في "تاريخه" ٤٥/ ٤٧٢. قال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" ٢/ ١٣٤٢: انفرد به الإمام أحمد، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ومشيٌ بنعلٍ في مقبرةٍ بلا حاجة.
ويحرُمُ دفنُ اثنينِ فأكثرَ في قبرٍ بلا ضرورة، ويجعَلُ بينهما حاجزٌ من ترابٍ.
وتُسنُّ القراءةُ عندَه،
(و) كُرِه (مشيٌ بنعلٍ) لا خُفٍّ في مقبرةٍ (بلا حاجةٍ) كنجاسةٍ وشَوْكٍ.
(ويحرمُ دفنُ اثنينِ فأكثرَ) معًا، أو واحدًا بعد واحدٍ قبل أن يَبْلَى السابقُ (في قبرٍ) واحدٍ؛ لأنّه ﷺ كان يدفنُ كلَّ ميِّتٍ في قبرٍ. وعلى هذا استمرَّ فعلُ أصحابهِ ومَنْ بعدَهم.
وإنْ حفر، فوجدَ عظامَ ميِّتٍ، دفنها، وحفرَ في مكانٍ آخرَ (بلا ضرورةٍ) ككثرةِ الموتى وقلَّةِ مَنْ يدفنهم، وخوفِ الفسادِ عليهم، فيجوزُ دفنُ أكثر؛ لقولِه ﷺ يوم أحُدٍ: "ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبرٍ واحدٍ" رواه النسائيُّ (^١). ويُقدَّم الأفضلُ للقِبلة، وتقدَّم.
(و) حيث دُفن اثنان معًا للضرورةِ، فإنَّه (يُجعَلُ) بالبناءِ للمفعول (بينهما حاجزٌ من ترابٍ) ليصيرَ كلُّ واحدٍ كأنَّه في قبرٍ منفردٍ.
وكُرِه دفنٌ عند طلوعِ شمسٍ وغروبِها، ويجوز ليلًا.
(وتُسنُّ القراءةُ عندَهُ) أي: القبرِ؛ لما روى أنسٌ مرفوعًا قال: "مَنْ دخل المقابرَ، فقرأ فيها ﴿يس﴾، خُفِّفَ عنهم يومئذٍ، وكان له بعددِهم حسنات" (^٢). وصحَّ عن ابنِ عمر أنَّه أوصى إذا دُفن أنْ يُقرأ عندَه بفاتحةِ البقرةِ وخاتمتها (^٣)
_________________
(١) في "المجتبى" ٤/ ٨٠، وهو عند أبي داود (٣٢١٥)، والترمذي (١٧١٣)، وأحمد (١٦٢٦١). قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" ٨/ ١١٩. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" ٣/ ٣٩٧: موضوع، وإسناده مظلم هالك، مسلسل بالعلل. اهـ وعزاه المباركفوري في "تحفة الأحوذي" ٣/ ٣٤٠ لغلام الخلال.
(٣) أخرجه ابن معين في "تاريخه" (٥٢٣٨) عن مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه، عن ابن عمر موقوفًا، ومن طريقه البيهقي ٤/ ٥٦، والمزي في "تهذيب الكمال" ٥/ ٥٣٠، وعبد الرحمن بن العلاء ذكره ابن حبان في "الثقات" ٧/ ٩٠، وقال عنه الإمام الذهبي في=
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وجعل نحوِ جريدةٍ خضراءَ، وأيُّ قربةٍ فعلَها وجعلَ ثوابَها لمسلمٍ حيٍّ أو ميِّتٍ، نفعه.
ونُدِبَ إصلاحُ طعامٍ لأهلِ ميتٍ يُبعثُ به إليهم ثلاثًا،
قاله في "المبدع" (^١).
(و) سُنَّ فعلُ ما يخفِّفُ عنه، ولو بـ (ـجَعْل) أي: وَضْعِ (نحوِ جريدةٍ خضراءَ) أي: رطبةٍ على القبر.
(وأيُّ قُرْبةٍ) من دعاءٍ، واستغفار، وصلاةٍ، وصومٍ، وحجٍّ، وقراءةٍ، وغير ذلك (فَعَلَها) مسلمٌ (وجَعَلَ ثوابَها لمسلمٍ حيٍّ أو ميِّتٍ، نفعَه) ذلك.
قال الإمام أحمد: الميِّتُ يَصلُ إليه كُلُّ شيءٍ من الخيرِ؛ للنصوصِ الواردةِ فيه (^٢). ذَكَرَه المجْدُ وغيرُه، حتَّى لو أهداها للنبيِّ ﷺ جاز، ووصلَ إليه ثوابُها.
(ونُدِبَ إصلاحُ طعامٍ لأهلِ ميتٍ يُبعثُ به إليهم ثلاثًا) أي: ثلاثةَ أيام؛ لقولِه ﷺ:
_________________
(١) = "ميزان الاعتدال" ٢/ ٥٧٩: شامي عن أبيه، ما روى عنه سوى مبشر بن إسماعيل. وأخرجه الطبراني في "الكبير" ٢٢٠/ ١٩ - ٢٢١ (٤٩١) عن محمد بن أبي أسامة، ودحيم الدمشقي، وعلي بن بحر، كلهم عن مبشر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه العلاء، عن جده اللجلاج يرفعه. وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ٢٤/ ٣١٧ عن ابن عمر ثم قال: وقد نقل عن بعض الأنصار أنه أوصى عند قبره بالبقرة، وهذا إنما كان عند الدفن، فأما بعد ذلك، فلم ينقل عنهم شيء من ذلك؛ ولهذا فرق -الإمام أحمد- في القول الثالث ين القراءة حين الدفن، والقراءة الراتبة بعد الدفن، فإن هذا بدعة لا يعرف لها أصل.
(٢) ٢/ ٢٨٠.
(٣) منها ما أخرجه مسلم (١٦٣٠)، وهو عند أحمد (٨٨٤١) عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إن أبي مات، وترك مالًا ولم يوصِ، فهل يكفِّر عنه أن أتصدَّق عنه. قال: "نعم". ومنها ما أخرجه البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤)، وهو عند أحمد (٢٤٢٥١) عن عائشة ﵂، أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلَّمت تصدَّقت، فهل لها أجر أن تصدَّقتُ عنها؟ قال: "نعم". ومنها ما أخرجه مسلم (١٦٣١)، وهو عند أحمد (٨٨٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وكُرِهَ لهم فعلُه للناس.
وتُسنُّ زيارةُ قبورٍ لغيرِ نساءٍ، ويقولُ إذا مرَّ بها: السلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ من المؤمنين، وإنَّأ إنْ شاء الله بكم لَلاحقون (^١)، يَرحم اللهُ المستقدمين منكم
"اصنعُوا لآل جعفرٍ طعامًا؛ فقد جاءهم ما يَشغلهم" رواه الشافعيُّ وأحمدُ والترمذيُّ وحسَّنه (^٢).
(وكُرِهَ لهم) أي: لأهل الميت (فعلُهُ) أي: الطعامِ (للناس) لما روى أحمدُ عن جريرٍ، قال: كنَّا نَعُدُّ الاجتماعَ إلى أهلِ الميتِ، وصُنعَ الطعام بعد دفنِه من النِّياحة. وإسنادُه ثِقاتٌ (^٣).
(وتُسنُّ زيارةُ قبورٍ) حكاهُ النَّوويُّ إجماعًا (^٤)؛ لقوله ﷺ: "كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فزوروها" رواه مسلم، والترمذيُّ وزاد: "فإنَّها تذكِّرُ الآخرةَ" (^٥).
وسُنَّ أن يقفَ زائرٌ أمامَه قريبًا منه، كزيارته في حياته (لغيرِ نساءٍ) فتكُره لهنَّ زيارتُها، غيرَ قبرهِ ﷺ وقبر صاحبَيْه ﵄.
(و) يُسَنُّ أن (يقولَ إذا) زارها، أو (مرَّ بها: السلامُ عليكُم أهلَ الدِّيار من المؤمنين، وإنَّا إنْ شاء الله بكم للاحقون (^٦)، يَرحم اللهُ المستقدمين منكم
_________________
(١) في المطبوع: "لاحقون"، والمثبت موافق لما في "هداية الراغب".
(٢) الشافعي في "الأم" ١/ ٢٤٧، وفي "مسنده" ١/ ٢١٦، وأحمد في "مسنده" (١٧٥١)، و"سنن" الترمذي (٩٩٨)، وهو عند أبي داود (٣١٣٢)، وابن ماجه (١٦١٠) من حديث عبد الله بن جعفر ﵄.
(٣) "مسند" أحمد (٦٩٠٥)، وهو عند ابن ماجه (١٦١٢).
(٤) في "شرح صحيح مسلم" ٧/ ٤٦ - ٤٧.
(٥) "صحيح" مسلم (٩٧٧)، و"سنن" الترمذي (١٠٥٤)، وهو عند أحمد (٢٢٩٥٧) من حديث بريدة ﵁.
(٦) في (م) و(ح): "لاحقون".
[ ٢ / ٢٥٥ ]
والمستأخِرين، نسألُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ، اللهمَّ لا تحرِمْنا أجْرَهم، ولا تفْتِنَّا بعدَهم، واغفِرْ لنا ولهم. وتعزيةُ مصابٍ.
والمستأخِرين. نسألُ اللهَ لنا ولكُم العافيةَ. اللَّهُمَّ لا تحرمنا أجْرهم، ولا تفْتِنَّا بعدَهم، واغفرْ لنا ولهم) للأخبار الواردة بذلك (^١). وقوله: "إن شاء الله": استثناء للتبرُّك، أو راجعٌ للُّحوقِ لا للموت، أو إلى البقاعِ.
ويسمعُ الميتُ الكلامَ، ويعرفُ زائرَه يومَ الجمعة بعدَ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمس. (^٢) وفي "الغنية": يعرفه كلِّ وقت، وهذا الوقتُ آكد.
وتباحُ زيارة قبرِ كافر (و) تُسَنُّ (تعزيةُ) مسلم (مصابٍ) بميتٍ، ولو صغيرًا قبلَ الدَّفْنِ وبعدَه؛ لما روى ابنُ ماجه وإسنادُه ثقاتٌ، عن عَمْرِو بن حَزْم مرفوعًا: "ما مِن مؤمنٍ يعزِّي أخاه بمصيبةٍ، إلَّا كساهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الكرامةِ يوم القيامةِ" (^٣). فيقال لمصابٍ بمسلمٍ: أعظمَ اللهُ أجْرَكَ وأحسنَ عزاءَك، وغَفَر لميتك. وبكافرٍ: أعظمَ اللهُ أجْرَكَ، وأحسن عزاءَك. ويردُّ معزّى بـ: استجابَ اللهُ دعاءَك، ورحِمَنا اللهُ وإيَّاكَ.
_________________
(١) منها ما أخرجه مسلم (٢٤٩)، وهو عند أحمد (٧٩٩٣) ضمن حديث طويل عن أبي هريرة ﵁، وفيه: أنه أتى المقبرة، فسلَّم على أهل المقبرة، فقال: "سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا أن شاء الله بكم لاحقون". وما أخرجه مسلم (٩٧٤) (١٠٣)، وهو عند أحمد (٢٥٨٥٥) ضمن حديث طويل عن عائشة ﵂، وفيه: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". وما أخرجه مسلم (٩٧٥)، وهو عند أحمد (٢٢٩٨٥) من حديث بريدة ﵁، وفيه: "ونسأل الله لنا ولكم العافية". وما أخرجه أبو داود كما في "التحفة" (١٦٢٢٦)، والنسائي في "الكبرى" (٨٨٦٣)، وابن ماجه (١٥٤٦)، وهو عند أحمد (٢٤٤٢٥) من حديث عائشة ﵂ وفيه: "اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم".
(٢) ينظر "الروح" لابن القيم ص ١٦ وما بعدها.
(٣) "سنن" ابن ماجه (١٦٠١) قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ٢٨٦: هذا إسناد فيه مقال؛ قيس أبو عمارة ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في "الكاشف": ثقة، قال البخارى: فيه نظر. اهـ. وقال النووي في "الأذكار" ص ١٩٧: إسناده حسن.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
ويحرُم نَدْبٌ، ونياحةٌ، ولطمُ خَدٍّ، وشقُّ ثوبٍ ونحوه، لا بكاءٌ.
وإذا جاءت التعزيةُ في كتابٍ، ردَّها على الرسول لفظًا. وكُرِهَ (^١) تكرارُها، أو بعدَ ثلاثةِ أيام. وتحرمُ تعزيةُ كافر.
(ويحرمُ نَدْبٌ) أي: تعدادُ محاسنِ الميت (^٢)، كقوله: واسيِّداه، وا انقطاع ظهراه (ونياحةٌ) وهي (^٣) رفعُ الصوت بالنَّدب (٢).
(و) حَرُمَ (لطمُ خدٍّ، وشقُّ ثوبٍ ونحوه) كصراخٍ، ونتفِ شعرٍ، ونشرهِ، وتسويدِ وجهٍ، وخمشهِ؛ لما في الصَّحيحَين أنَ رسولَ الله ﷺ قال: "ليس منَّا مَنْ لَطَمَ الخدود، وشق الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهلية" (^٤). وفيهما: أنَّ النبيَّ ﷺ بَرِئَ من الصَّالقة، والحالقةِ، والشاقَّةِ (^٥). والصَّالقةُ: التي ترفعُ صوتَها عندَ المصيبةِ (^٦). وفي "صحيح مسلم" أنَّ النبيَّ لعنَ النائحةَ والمستمعةَ (^٧).
و(لا) يحرمُ (بكاءٌ) [على الميت] (^٨) بل لا يُكره؛ لقولِ أنسٍ: رأيتُ النبىَّ ﷺ وعيناهُ تدمعان (^٩)، وقال: إنَّ الله لا يعذِّبُ بدمعِ العينِ، ولا بحزنِ القلبِ، ولكنْ
_________________
(١) في (م): "ويكره".
(٢) "المطلع" ص ١٢١.
(٣) في (م): "وهو".
(٤) البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣)، وهو عند أحمد (٤٣٦١) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٥) البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعرى ﵁.
(٦) "النهاية في غريب الحديث" (صلق).
(٧) لم نقف عليه عند مسلم، وأخرجه أبو داود (٣١٢٨)، وأحمد (١١٦٢٢) عن محمد بن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٤/ ٢٥١: رواه أبو داود، وليس في إسناده من ترك، ورمز السيوطي لصحِّته في "الجامع الصغير" مع "الفيض" ٥/ ٢٧٢. وقال أبو حاتم: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن بن عطية وأبوه وجده ضعفاء الحديث. "العلل" لابن أبي حاتم ١/ ٣٩٦. وضعَّف إسناده النووي في "الخلاصة" ٢/ ١٠٥٣، والحافظ في "التلخيص الحبير" ٢/ ١٣٩.
(٨) ليست في (م).
(٩) أخرجه البخاري (١٢٨٥)، وهو عند أحمد (١٢٢٧٥).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعذِّبُ بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحمُ" متَّفقٌ عليه (^١).
ويسنُّ الصبرُ، والرِّضا، والاسترجاعُ، فيقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهمَّ أجُرني في مصيبتي، وأخلفْ لي خيرًا منها. ولا يلزمُ الرِّضا بمرضٍ، وفقرٍ، وعاهةٍ، ويحرمُ بفعلِ المعصية. وكُرِهَ لمصابٍ تغييرُ حالهِ، وتعطيلُ معاشِه، لا جعلُ علامةٍ عليه؛ ليُعرفَ فيعزَّى، و(^٢) هجرُه للزينةِ وحسنِ الثيابِ ثلاثةَ أيام.
_________________
(١) البخارى (١٣٠٤)، ومسلم (٩٢٤) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) في (م): "أو".
[ ٢ / ٢٥٨ ]