(شروطُ صحَّتِها) أي: الجمعةِ أربعة، ليس منها إذنُ الإمام:
أحدُها: (الوقتُ) لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ؛ فاشتُرط لها الوقتُ كبقيَّةِ الصَّلوات؛ فلا تصحُّ قبل الوقتِ ولا بعدَه إجماعًا. قاله في "المبدع" (^١).
(وهو) أي: وقتُ الجمعة (من ارتفاع الشمس قدرَ رُمْح) لقولِ عبد الله بنِ سِيْدان: شهدْتُ الجمعةَ مع أبي بكر، فكانتْ خطبتُه وصلاتُه قبلَ نصفِ النَّهار، ثم شهدتُها مع عمرَ، فكانتْ صلاتُه وخطبتُه إلى أنْ أقولَ: قد انتصفَ النهار. ثمَّ شهدْتُها مع عثمان، فكانت صلاتُه وخطبتُه إلى أنْ أقولَ: زالَ النَّهار. فما رأيتُ أحدًا عاب ذلكَ ولا أنكَرَه. رواهُ الدَّارَقطنيُّ وأحمدُ واحتجَّ به (^٢). قال: وكذلك رُوِيَ عن ابن مسعود (^٣) وجابر (^٤) وسعيد (^٥) ومعاوية (^٦) أنهم صلُّوا قبل الزوالِ، ولم يُنْكَر.
_________________
(١) ٢/ ١٤٧.
(٢) "سنن" الدارقطني (١٦٢٣)، وأخرجه -أيضًا- ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٧، وابن المنذر في "الأوسط" ٢/ ٢٥٤، وعزاه ابن حجر في "فتح الباري" ٢/ ٣٨٧ لأبي نعيم شيخ البخاري في كتاب "الصلاة" له. وذكره مجد الدين ابن تيمية في "المنتقى" ٢/ ٢٣ وقال: رواه الدارقطني والأمام أحمد في رواية ابنه عبد الله. اهـ. ولم نقف عليه عند أحمد، وذكره ابن قدامة في "المغني" ٣/ ٢٤٠ محتجًا به على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال بقوله: وأما الإجماع فروى الأمام أحمد عن وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان، فذكره. قال ابن حجر في "فتح الباري" ٢/ ٣٨٧: رجاله ثقات إلا عبد الله بن سيدان -وهو بكسر المهملة بعدها تحتانية ساكنة- فإنه تابعي كبير، إلَّا أنه غير معروف العدالة. قال ابن عدي: شبه مجهول. وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٧، وابن المنذر في "الأوسط" ٢/ ٢٥٤ عن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم الحرَّ. وذكره الحافظ في "فتح البارى" ٢/ ٣٨٧ وقال: وعبد الله صدوق، الا أنه ممن تغير لما كبر. قاله شعبة وغيره.
(٤) لم نقف عليه.
(٥) هكذا عزاه الشوكاني في "نيل الأوطار" ٣/ ٢٧٧ إلى سعيد بن زيد، ولم نقف عليه، وروى ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٦ مثله عن سعد بن أبي وقاص ﵁، ولعله هو الصواب، كما صرح بذلك الزركشي في "شرحه على مختصر الخرقي" ٢/ ٢١٠.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٧، وابن المنذر في "الأوسط" ٢/ ٣٥٢ عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحي. قال الحافظ في "فتح الباري" ٢/ ٣٨٧: وسعيد ذكره ابن عدي في "الضعفاء".
[ ٢ / ١٨٨ ]
إلى العصر.
فإنْ خرج قبل التحريمةِ، صلَّوا ظُهْرًا، وإلا، جمعة.
وحضورُ أربعينَ من أهلِ وجوبِها
ويستمر وقتُ الجمعة (إلى) دخولِ وقتِ (العَصْرِ) بلا خلافٍ. قال (^١) في "المبدع": وفعلُها بعد الزوال أفضلُ.
(فإنْ خرج) وقتُها (قبل التَّحريمةِ) أي: قبل أنْ يكبِّروا للإحرامِ بالجمعة (صلَّوْا ظُهرًا) قال في "الشَّرح" (^٢): لا نعلمُ فيه خلافًا (وإلا) بأنْ أحرموا بها في الوقت، صلَّوا (جمعةً) كسائر الصلوات؛ لإدراكها أداءً بتكبيرةِ الإحرام في الوقت، ولا تسقطُ بشكّ في خروجه، فإنْ بقيَ من الوقتِ قدرُ ما يجزئ من الخطبةِ والتحريمة، لزمهم فعلُها، وإلا، لم تجز.
(و) الشرطُ الثاني: (حضورُ أربعين) (^٣) رجلًا ولو بالإمام الخطبةَ والصَّلاة (من أهل وجوبها) صفة لـ "أربعين"، أي: أربعين كائنين ممَّنْ تلزمُهم الجمعةُ، وتقدَّم بيانُهم. قال الإمامُ أحمد (^٤): بعثَ النبيَّ ﷺ مُصعبَ بن عُمير إلى أهل المدينة، فلما كان يومُ الجمعة، جمَّع بهم، وكانوا أربعين، وكانتْ أوَّلَ جمعةٍ جُمعت بالمدينة. وقال جابر: "مضت السنَّةُ أن في كل أربعين فما فوق جمعةً، وأضحًى، وفطرًا" رواه
_________________
(١) في النسخ: "قاله"، والصواب ما أثبتناه، لأن الكلام السابق لم يرد في "المبدع"، بل وردت العبارة الآتية بعده ٢/ ١٤٨.
(٢) ٥/ ١٨٦.
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: "اشتراط حضور الأربعين من "مفردات المذهب" -لعز الدين المقدسي- قال في "الاختيارات" [ص ١١٩ - ١٢٠]: وتنعقد الجمعة بثلاثة، واحد يخطب، واثنان يستمعان، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وهو مذهب أبي حنيفة. اهـ".
(٤) نقله عنه أبو داود في "مسائله" ص ٥٧، بنحوه، والأثر أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦٢٩٤) بنحوه من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ دون ذكر العدد. قال في "التلخيص الحبير" ٢/ ٥٦: وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف.
[ ٢ / ١٨٩ ]
مستوطنينَ بقريةٍ.
وتصحُّ فيما قارَبَ البنيانَ.
فإنْ نقصوا قبل إتمامِها، استأنفوا ظُهرًا.
ويدركها مسبوقٌ بركعةٍ مع إمامِه.
الدارقطنيُّ، وفيه ضعفٌ (^١). قاله في "المبدع" (^٢).
الشرطُ الثالثُ: أنْ يكونوا (مستوطنين بقريةِ) مبنيَّةٍ بما جرت به العادةُ، فلا تتمَّمُ (^٣) من مكانَين متقاربَين، ولا تصحُّ من أهلِ الخيام بيوتِ (^٤) الشَّعَر ونحوِهم؛ لأنَّ ذلك لم يُقصدُ للاستيطانِ غالباَ، وكانتْ قبائلُ العرب حولَ النبيِّ ﷺ ولم يأمرهم بها.
وتصحُّ بقريةٍ خرابٍ عزموا على إصلاحِها والإقامةِ بها.
(وتصحُّ) أي: الجمعةُ (فيما قاربَ البنيانَ) من الصَّحراء ولو بلا عذرٍ، فلا يُشترط لها البنيان.
(فإنْ نقصوا) أي (^٥): الأربعون (قبل اتمامها) أي: الجمعةِ (استأنفوا ظهرًا) أي: ابتدؤوا صلاةَ الظهر إنْ لم تمكن (^٦) إعادةُ الجمعةِ.
(ويدركُها) أي: الجمعةَ (مسبوقٌ بـ) إدراكِ (ركعةٍ) منها (مَعَ إمامِه) حيثُ أحرم بها في الوقتِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "من أدركَ ركعةً من الجمعة، فقدْ أدركَ
_________________
(١) "سنن" الدارقطني (١٥٧٩)، وهو عند البيهقي ٣/ ١٧٧. قال في "التلخيص الحبير" ٢/ ٥٥: الدارقطني والبيهقى من حديث عبد العزيز بن عبد الرحمن، عن خصيف، عن عطاء، عنه. اهـ. وعبد العزيز؛ قال أحمد: أضرب على حديثه؛ فإنها كذب أو موضوعة. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به. وقال البيهقي هذا الحديث لا يحتج بمثله. اهـ.
(٢) ٢/ ١٥٢.
(٣) في الأصل، و(ح) و(م): "تتم".
(٤) في (م): "وبيوت".
(٥) قبلها في (س): "ولو بالإمام".
(٦) في (م) و(ح) و(ز) و(س): "يمكن".
[ ٢ / ١٩٠ ]
وإنْ أدركَ دونَها، أتمَّها ظُهرًا إنْ دخل وقتُه ونواه، وإلَّا، نفلًا.
وتقدُّمُ خُطبتَيْن، من شرطِهما حمدُ الله تعالى،
الصلاةَ" رواه الأثرمُ (^١).
(وإنْ أدرك) مسبوقٌ (دونَها) أي: دونَ الرَّكعة، بأن رفع الإمامُ رأسَه من الثانية، ثم دَخَلَ معه (أتمَّها ظُهرًا) لمفهومِ ما سبَق (إنْ) كان (دَخَلَ وقتُه) أي: الظهرِ (ونواهُ) عند إحرامِه (وإلَّا) بأنْ لم يدخُل وقتُ الظهرِ، أو دخل ولم يَنوِهِ، بل نوى جمعةً، فتكونُ صلاتُهُ (نفلًا) أما في الأولى، فكمن أحرمَ بفرضٍ، فبان قبل وقتِه، وأمَّا في الثانية؛ فلحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنيَّات" (^٢).
(و) الشرطُ الرابع: (تقدُّمُ خُطبتيْن) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] والذكرُ هو الخطبة. ولقولِ ابنِ عمرَ: "كان النبيُّ ﷺ يخطبُ خطبتَينِ وهو قائمٌ، يَفصِلُ بينهما بجلوسٍ" متَّفقٌ عليه (^٣). وهما بَدَل ركعتَين، لا من الظهر.
(مِنْ شرطِهما) أي: مِنْ شرطِ صحَّةِ الخطبتَين: (حَمْدُ الله تعالى) بلفظِ: "الحمدُ
_________________
(١) لعله في "سننه" ولم تطبع، وأخرجه ابن خزيمة (١٨٥٠)، والحاكم ١/ ٤٢٩ وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وأخرجه النسائي في "المجتبى" ٣/ ١١٢ بلفظ: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة، فقد أدرك". وأخرجه ابن ماجه (١١٢١) بلفظ: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى، وفي إسناده: عمر بن حبيب. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ٢١١: هذا إسناد ضعيف؛ عمر ابن حبيب متفق على تضعيفه. وأخرجه ابن ماجه (١١٢٣) من حديث ابن عمر ﵄، وفي إسناده بقيَّة بن الوليد، قال الحافظ في "التلخيص الحبير" ٢/ ٤١: قال الدارقطني: تفرَّد به بقيَّة عن يونس، وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: هذا خطأ في المتن والإسناد. وقال ابن خزيمة عقب الحديث (١٨٥٠): هذا خبر روي على المعنى، لم يؤد على لفظ الخبر، ولفظ الخبر: "من أدرك من الصلاة ركعة" [أخرجه البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، وأحمد (٧٦٦٥)] فالجمعة من الصلاة أيضًا كما قاله الزهري. فإذا روي الخبر على المعنى لا على اللفظ جاز أن يقال: من أدرك من الجمعة ركعة؛ إذ الجمعة من الصلاة، فإذا قال النبي ﷺ: من أدرك من الصلاة … كانت الصلوات كلها داخلة في هذا الخبر، الجمعة وغيرها من الصلوات. ا هـ.
(٢) سلف ١/ ٢٦٦.
(٣) أخرجه بلفظه الدارمي (١٥٥٨)، وهو عند البخاري (٩٢٨)، ومسلم (٨٦١)، وأحمد (٤٩١٩) بنحوه.
[ ٢ / ١٩١ ]
والصَّلاةُ على رسولِه ﵇، وقراءةُ آية، والوصيةُ بتقوى الله، وحضورُ العددِ المُعتبَرِ،
لله"؛ لقولِه ﷺ: "كلُّ كلامٍ لا يُبدأ فيهِ بالحمدُ لله، فهو أجذم" رواه أبو داود (^١) عن أبي هريرةَ.
(والصَّلاةُ على رسولهِ) (^٢) محمَّدِ (عليه) الصَّلاة و(السلام) لأن كل عبادةٍ افتقرت إلى ذِكرِ الله، افتقرت إلى ذِكْرِ رسولِه، كالأذان. ويتعيَّن لفظُ الصَّلاة. [والظاهرُ أنَّ المجزئَ منها كما يجزئُ في تشهُدِ الصَّلاة] (^٣)، كما أفتى به بعضُ مشايخنا.
(وقراءةُ آيةٍ) كاملةٍ، لقولِ جابرِ بن سَمُرة: "كان النبي ﷺ يقرأ آياتٍ، ويذكر الناسَ" رواه مسلم (^٤). قال أحمد: يقرأ ما شاء. وقال أبو المعالي (^٥): لو قرأ آية لا تستقل بمعنًى أو حكم، كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١]، أو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ [الرحمن: ٦٤] لم يَكفِ، والمذهبُ: لا بدَّ من قراءةِ آيةٍ ولو جُنُبًا، مع تحريمِها.
فلو قرأ ما تضمَّن الحمدَ والموعظةَ، ثم صلَّى على النبيَّ ﷺ، أجزأ.
(والوصيةُ بتقوى الله) ﷿؛ لأنَّه المقصودُ.
قال في "المبدع" (^٦): ويبدأ بالحمد لله، ثمَّ الصلاةِ، ثمَّ الموعظةِ، ثمَّ القراءةِ في ظاهر كلامِ جماعةٍ.
ولا بُدَّ في كل واحدةٍ من الخطبتَينِ من هذه الأركانِ.
(و) مِنْ شَرْطِ صحَّةِ الخطبتَينِ: (حضورُ العددِ المُعتَبَرِ) لسماعِ القَدْرِ الواجبِ؛
_________________
(١) في "سننه" (٤٨٤٠)، وسلف ص ١/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) في (م): "رسول الله".
(٣) جاءت العبارة في الأصل و(س) هكذا: "والظاهر كما في تشهُّد الصلاة".
(٤) أخرجه بلفظه أبو داود (١١٠١)، وأحمد (٢٠٩٤٩)، وهو عند مسلم (٨٦٢) بلفظ: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس.
(٥) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وقال أبو المعالي … إلخ، هو الصحيح. انتهى تقرير المؤلف".
(٦) ٢/ ١٥٩.
[ ٢ / ١٩٢ ]
والجهرُ بحيثُ يُسمِعُهم، لا الطَّهارتان وسترُ العورة، ولا أن يتولَّاهُما مَنْ يتولَّى الصَّلاةَ.
لأنَّه ذِكرٌ (^١) اشتُرط للصَّلاةِ؛ فاشتُرط له العَدَدُ، كتكبيرةِ الإحرام. فإنْ نقصُوا، وعادوا قبل فوتِ ركنٍ منها، بَنَوا.
وإنْ كثُر التَّفريقُ، أو فات منها رُكن، أو أحدثَ فتطهر، استأنف مع سعةِ الوقتِ، ويشترطُ أيضًا لهما الوقتُ، وأنْ يكونَ الخطيبُ يصلحُ إمامًا فيها.
(و) مِن شَرطِ صحَّةِ الخطبتَين: (الجَهْرُ) بهما (بحيثُ يُسمِعُهم) -[بضمِّ أوَّله] (^٢) - أي: يُسمعُ الخطيبُ الجماعةَ المعتبرَ حضورُهم القَدرَ الواجبَ من الخطبتين (^٣)، حيثُ لا مانعَ، كنوم، أو غفلةٍ، أو صمَمِ بعضهم. فإنْ لم يَسمعوا لخفضِ صوتِه أو بُعدِهم عنه ونحوِه، لم تصحَّ؛ لعدمِ حصولِ المقصُودِ.
[ومِنْ شرطِهما أيضًا: النيَّةُ والاستيطانُ للقَدرِ الواجبِ من الخطبتَين، والموالاةُ بينهما وبين الصَّلاة] (^٤).
و(لا) يُشتَرطُ لهما (الطهارتان) من الحدث والجنابة (و) لا (سَتْرُ العورة) و(^٥) إزالةُ النجاسة (ولا أنْ يتولاهما مَنْ يتولَّى الصَّلاة) بل يُستَحَبُّ ذلك؛ لأنَّ الخطبةَ منفصلةٌ عن الصَّلاة، أشبها الصَّلاتَيْن.
ولا يُشترطُ أيضًا حضورُ متولّي الصَّلاةِ الخطبةَ.
ويبطلهما (^٦) كلامٌ محرَّم ولو يسيرًا.
_________________
(١) ليست في (م).
(٢) ليست في الأصل و(س).
(٣) ليست في الأصل و(س)، وفي (م): "من الخطبة".
(٤) جاءت العبارة في (ح) و(ز) هكذا: "ومن شرطهما -أيضًا- النية والموالاة بين الخطبتين والصلاة".
(٥) بعدها في (م): "لا".
(٦) في (ح) و(م): "ويبطلها".
[ ٢ / ١٩٣ ]
وسُنَّ أنْ يخطبَ قائمًا على مِنْبَرٍ، أو (^١) موضع عالٍ، ويُسلِّمَ على المأمومِيْن إذا أقبلَ عليهم،
ولا تجزئُ بغيرِ العربية مع القُدرَةِ.
(وسُن أن يخطبَ قائمًا على منبرٍ) لفعله ﵊ (^٢) -وهو بكَسر الميم من النَّبر وهو الارتفاعُ (^٣) - واتخاذُه سنَّة مجمع عليها. قاله في "شرح مسلم" (^٤). ويصعَدُه على تُؤَدَةٍ (^٥) إلى الدَّرجةِ التي تلي السطحَ.
(أو) يخطبَ على (موضعٍ عالٍ) إن عدم المنبر؛ لأنه في معناه، عن يمينِ مستقبلي القِبلة، أي: المحرابِ. وإنْ خطب بالأرضِ، فعَن يسارِهم.
(و) يُسَن للخطيب أن (يسلِّمَ على المأمومِيْنَ إذا أَقبَلَ عليهم) لقول جابر: "كان النبيّ ﷺ إذا صَعِد المنبرَ، سلَّم" رواه ابنُ ماجه (^٦). ورواهُ الأثرمُ عنْ أبو بكرٍ، وعمرَ (^٧)، وابنِ مسعودٍ (^٨)، وابنِ الزبير (^٩). ورواه النجَّاد (^١٠) عن عثمان. كسلامِه على من عندَه من المأمومِينَ في خروجِه إليهم.
_________________
(١) في المطبوع: "و"، والمثبت موافق لما في "هداية الراغب".
(٢) أخرجه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤)، وهو عند أحمد (٢٢٨٧١) ضمن حديث طويل عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رجالًا سألوه عن ذلك -عن المنبر- فقال: والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأوَّل يوم جلس عليه رسول الله ﷺ … لفظ البخاري.
(٣) "المطلع" ص ١٠٧.
(٤) ٦/ ١٥٢.
(٥) جاء في هامش (س) ما نصه: "والتؤدة: السكينة. بتخفيف الكاف. انتهى تقرير المؤلف".
(٦) في "سننه" (١١٠٩) وفي إسناده: ابن لهيعة، قال في "مصباح الزجاجة" ١/ ٢١٠: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة.
(٧) لعله في "سننه" ولم تطبع، وأخرجه عبد الرزاق (٥٢٨٢)، وابن أبي شيبة ٢/ ١١٤ عن أبي بكر وعمر ﵄.
(٨) لم نقف عليه.
(٩) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" ٤/ ٦٣.
(١٠) في النسخ: "البخاري"، والمثبت من "كشاف القناع" ٢/ ٣٥، ولعل الحديث في "سنن" النجَّاد ولم تطبع، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ٢/ ١١٤.
[ ٢ / ١٩٤ ]
ويَجْلِسَ إلى فراغِ الأذان، وبين الخُطبَتيْن قليلًا، ويعتمدَ على نحوِ سَيْفٍ، ويقصدَ تلقاءَ وجهِهِ، ويقصرَ الخطبةَ،
(و) يُسَنُ أنْ (يجلسَ إلى فراغ الأذان) لقولِ ابنِ عمرَ: "كان النبيّ ﷺ يجلسُ إذا صَعِد المنبرَ حتى يفرغَ المؤذنُ، ثمَّ يقومُ فيخطبُ" رواه أبو داود (^١).
(و) أن يجلسَ (بينَ الخطبتَينِ قليلًا) لحديثِ ابن عمرَ المتقدِّم. (و) أن (يعتمدَ) الخطيبُ (على نحوِ سيفٍ) كقوسٍ أو عصًا؛ لفعله ﵊. رواه أبو داود عن الحكم بن حَزن (^٢). وفيه إشارةٌ إلى أن هذا الدين فُتِحَ به. قال في "الفروع" (^٣): ويتوجَّه (^٤) باليُسرى، والأخرى بحرفِ المنبرِ، فإنْ لم يعتمدْ، أمسكَ شمالَه بيمينه، أو أرسلَهما.
(و) أن (يقصدَ تلقاءَ وجهِه) لفعلِه ﵊، ولأن في التفاتِه عن أحدِ جانبَيه إعراضًا عن الآخرِ، وإن استدبرهم، كرِه. وينحرفون إليه إذا خطب؛ لفعل الصحابة. ذكره في "المبدع" (^٥).
(و) أنْ (يقصرَ الخطبةَ) لما روى مسلم عن عمَّارٍ مرفوعًا: "إنَّ طولَ صلاةِ الرَّجُلِ، وقِصَرَ خُطبتِه [مَئِنَّةٌ] من فِقْهِهِ؛ فأطيلوا الصَّلاةَ واقصُرُوا (^٦) الخطبةَ" (^٧). وأنْ
_________________
(١) في "سننه" (١٠٩٢). قال المنذري في "مختصره" ٢/ ١٧: في إسناده العمري، وهو عبد الله بن عمر ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وفيه مقال.
(٢) في النسخ: "حرب"، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج، والحديث عند أبي داود برقم (١٠٩٦)، وأحمد (١٧٨٥٦) ضمن حديث طويل وفيه: "فقام رسول الله ﷺ متوكئًا على قوس … ". قال الحافظ في "التلخيص الحبير" ٢/ ٦٥: إسناده حسن، فيه شهاب بن خراش وقد اختلف فيه، والأكثر وثقوه، وقد صحَّحه ابن السكن وابن خزيمة. والحكم بن حزْن: هو الصحابي الجليل، الحكم بن حزن الكلفي من بني كُلفة بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم. "الإصابة" ٢/ ٢٦٧.
(٣) ٣/ ١٧٧.
(٤) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: ويتوجَّه، أى: الاعتماد المفهوم من "يعتمد" أن يكون باليسرى. انتهى. تقرير المؤلف".
(٥) ٢/ ١٦٣.
(٦) في النسخ عدا (م): "وقصروا".
(٧) "صحيح" مسلم (٨٦٩) وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (١٨٣١٧). والمَئِنَّة: كل شيء دل على شيء فهو مئنة له. "النهاية" (مأن).
[ ٢ / ١٩٥ ]
ويدعوَ للمسلمين.
فصل
والجمعةُ ركعتان، يقرأُ جَهْرًا نَدْبًا، في الأولى بالجمعةِ، وفي الثانية بالمنافقين، وفي فجرِها في الأولى: "الم" السجدة، وفي الثانية: "هَل أَتي".
تكونَ الثانيةُ أقصرَ. ويرفعَ صوتَه قَدرَ إمكانِه.
(و) أن (يدعوَ للمسلمين) لأنَّه مسنونٌ في غيرِ الخطبةِ، ففيها أولى. ويباحُ الدعاءُ لمعيَّن.
وأنْ يخطبَ من صحيفةٍ.
قال في "المبدع" (^١): ويَنزلُ مسرعًا.
وإذا غَلَبَ الخوارجُ على بلدٍ، فأقاموا فيه الجمعةَ، جازَ اتباعُهُم، نصًّا. وقال ابن أبي موسى (^٢): يصلي معهم الجمعةَ، ويعيدُها ظُهْرًا.
فصل
(و) صلاةُ (الجمعةِ ركعتان) إجماعًا. حكاهُ ابنُ المنذر (^٣) (يقرأُ جَهرًا نَدبًا) لفعلِه ﷺ (في) الرَّكعةِ (الأولى بالجمعةِ) بَعدَ الفاتحةِ (وفي) الركعةِ (الثانيةِ بالمنافقين) لأنَّه ﷺ كان يقرأ بهما. رواهُ مسلم (^٤). (و) سُن أنْ يقرأ (في فجرِها) أي: الجمعةِ (في الأُولى: ﴿الم (١)﴾ [السجدة: ١]، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] بعد الفاتحةِ فيهما، نصًّا؛ لأنَّه ﷺ كان يفعلُه. متفقٌ عليه من حديثِ أبي هريرةَ (^٥). وتُكرَه مداومتُه عليهما.
_________________
(١) ٢/ ١٦٤.
(٢) في "الإرشاد إلى سبيل الرشاد" ص ٦٦، وابن أبي موسي: هو أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسي الهاشمي القاضي عالي القدر، سامي الذكر. (ت ٤٢٨ هـ). "طبقات الحنابلة" ٢/ ١٨٢ - ١٨٦.
(٣) في "الإجماع" ص ٢٦، و"الأوسط" ٤/ ٩٨.
(٤) برقم (٩٧٨)، وهو عند أحمد (٣١٦٠) من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) البخاري (٨٩١)، ومسلم (٨٨٠) (٦٦)، وهو عند أحمد (١٠١٠٢).
[ ٢ / ١٩٦ ]
وتحرُمُ إقامتُها كعيدٍ في أكثرَ من موضعٍ مِنَ البلدِ، إلا لحاجةٍ، كضيقٍ وفتنةٍ، فإنْ فعلوا، فالمسبوقةُ باطلةٌ، وإن جُهِلَ الحالُ، صلَّوا ظهرًا وجوبًا.
(وتَحرُمُ إقامتُها) أي: الجمعةِ (كـ) ما تَحرُم إقامةُ (عيدٍ في أكثرَ مِنْ موضعٍ من البلدِ) لأنَّه ﵊ وأصحابَه لم يقيموها في أكثرَ مِنْ موضع واحدٍ (إلَّا لحاجةٍ، كـ) سَعَةِ البلدِ، وتباعدِ أقطارِه، أو بُعْدِ الجامع، أو (ضيقِه) عمَّن تصحُّ منه الجمعةُ، وإنْ لم تجب عليه، كما فَهِمَه المصنِّفُ من كلامِ صاحبِ "المنتهى" في "شرحه". قال: وحينئذٍ فالتعدُّد في مصرٍ لحاجة (^١).
(و) خوفِ (^٢) (فتنةٍ) فيجوزُ التعدُّدُ بحسبها فقط؛ لأنَّها تفعلُ في الأمصار العظيمةِ في مواضعَ من غيرِ نكيرٍ، فكان إجماعًا. ذكره في "المبدع" (^٣).
(فإنْ فعلوا) أي: صلَّوْها في موضعين، أو أكثرَ بلا حاجةٍ، فالصحيحة ما باشرها الإمامُ، أو أذن فيها ولو تأخرت.
فإن استوتا (^٤) في إذنٍ أو عدمِه (فالمسبوقةُ) بالإحرامِ من جمعةٍ أو عيدٍ (باطلةٌ) لأنَّ الاستغناءَ حصلَ بالأُولى؛ فنيط الحكمُ بها، وإن وقعتا معًا ولا مزيَّةَ لإحداهما، بطلتا. فإن أمكن اجتماعُهم، وبقي الوقت، صلَّوا جمعة، وإلا، فظهرًا.
(وإن جُهل الحالُ) بأن لم يُعلم سبقُ إحداهما ولا معيَّتهما (صلَّوا ظهرًا وجوبًا) لاحتمال سبْقِ إحداهما، فتصحُّ ولا تعاد، وكذا لو أقيمت في المصر جُمعاتٌ، وجُهل كيف وقعت.
وإذا وافق العيدُ يومَ الجمعةِ، سقطت عمَّن حضرَه مع الإمامِ سقوطَ حضورٍ لا وجوبٍ، كمريضٍ دون الإمام (^٥)، فإن اجتمع معه العددُ المعتَبر، أقامَها، وإلا، صلَّوا
_________________
(١) "معونة أولي النهى" ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٢) في (م): "لخوف"، وفي (ح) و(ز): "كخوف".
(٣) ٢/ ١٦٦.
(٤) في (م): "استويا".
(٥) بعدها في (ح) و(ز) و(م): "فيلزمه الحضور".
[ ٢ / ١٩٧ ]
وأقلُّ السُّنَّةِ بعدَها ركعتان، وأكثرُها ستٌّ.
ويتنظَّف، ويتطيَّب،
ظهرًا. وكذا يَسقط عيدٌ بها (^١) إذا عزموا على فِعْلِها. (وأقل السُّنَّة) الراتبةِ (بعدَها) أي: الجمعةِ (ركعتان) لأنَّه ﷺ كان يصلِّي بعد الجمعةِ ركعتين. متَّفقٌ عليه من حديثِ ابنِ عمر (^٢). (وأكثرُها) أي: السُّنَّةِ بعدَ الجمعةِ (ست) ركعاتٍ؛ لقولِ ابنِ عمرَ: "كان النبى ﷺ يفعلُه" رواه أبو داود (^٣).
ويصلِّيها مكانَه، بخلافِ سائرِ السُّننِ، فَبِبَيتهِ.
ويسنُّ فَصْلٌ بينَ فرضٍ وسنَّته بكلامٍ، أو انتقالٍ منْ موضِعِه، ولا سُنَّةَ لها قبلَها، أي: راتبةً. قال عبد الله (^٤): رأيتُ أبي يصلِّي في المسجد إذا أذن المؤذنُ ركعاتٍ.
وسُنَّ أن يغتسلَ لها في يومِها؛ لخبر عائشةَ: "لو أنَّكم تطهَّرتُم ليومِكم هذا" (^٥). وعند مُضِيٍّ (^٦)، وعن جماعٍ أفضلُ، وتقدَّم.
(و) يُسنُّ أنْ (يتنظَّفَ) لها بقصِّ شاربٍ، وتقليمِ ظُفرٍ، وقطعِ روائحَ كريهةٍ، بسواكٍ وغيره.
(و) أنْ (يتطيَّب) لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: "لا يَغتسلُ رجلٌ يومَ الجمعةِ، ويتطهَّرُ ما استطاع من طُهْرٍ، ويَدَّهنُ، ويَمسُّ من طيبِ امرأتِه، ثم يخرجُ فلا يُفرِّقُ بين اثنين، ثم يصلِّي ما كُتِبَ له، ثم يُنْصِتُ إذا تكلَّم الإمامُ، إلا غُفِرَ له ما بينَه وبينَ
_________________
(١) في (ح) و(ز): "بالجمعة".
(٢) البخاري (٩٣٧)، ومسلم (٨٨٢) (٧٢) واللفظ له، وهو عند أحمد (٤٥٩١).
(٣) في "سننه" (١١٣٠)، وهو عند الترمذي (٥٢٣) مرفوعًا. قال النووى في "الخلاصة" ٢/ ٨١٢: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وأخرجه -أيضًا- أبو داود (١١٣٣) عن ابن عمر ﵄ موقوفًا.
(٤) في روايته "لمسائل الإمام أحمد" ٢/ ٣٢٥.
(٥) أخرجه البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧).
(٦) أي: عند مضىٍّ إلى صلاة الجمعة. "كشاف القناع" ٢/ ٤٢.
[ ٢ / ١٩٨ ]
ويلبس أحسنَ ثيابهِ، ويُبكِّر إليها ماشيًا، ويدنُو مِنْ إمامِه، ويقرأ سورةَ الكهفِ في يومِها،
الجمعةِ الأخرى" رواه البخاري (^١).
(و) أنْ (يلبسَ أحسنَ ثيابه) لورودِه في بعضِ ألفاظِ الحديث (^٢)، وأفضلُها البياضُ (^٣). ويعتَمَّ، ويرتديَ.
(و) أنْ (يُبَكِّرَ إليها ماشيًا) لقوله ﷺ: "ومَشَى ولمْ يركب" (^٤) ويكونَ بسكينةٍ ووقارٍ بعدَ طلوعِ الفَجْرِ الثاني.
(و) أنْ (يدنُوَ مِن إمامِه) مستقبلَ القبلةِ؛ لقولِه ﷺ: "مَن غَسَّلَ واغتَسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولمْ يركبْ، ودنا من الإمامِ، فاستمع، ولم يَلْغُ، كان له بكلِّ خُطوةٍ يخطوها أجرُ سنةٍ: عمل صيامِها وقيامِها" رواه أحمدُ وأبو داود، وإسنادُه ثقات (^٥). ويشتغلَ بالصَّلاةِ والذِّكْر والقرآن.
(و) أنْ (يقرأَ سورةَ الكهفِ في يومِها) أي: الجمعةِ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا:
_________________
(١) في "صحيحه" (٨٨٣) وفيه: "أو يمس من طيب بيته" بدل: "من طيب امرأته" واللفظة المذكورة عند أبي داود (٣٤٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. قال في "كشف القناع" ٣/ ٣٧١: وقوله: "من طيب امرأته" أي: ما خفي ريحه، وظهر لونه؛ لتأكد الطِّيب.
(٢) أخرج أبو داود (٣٤٣)، وأحمد (١١٧٦٨) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: "من اغتسل يوم الجمعة واستاك، ومسَّ من طيبٍ. إن كان عنده -ولبس من أحسن ثيابه … كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها".
(٣) أخرج أبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (١٤٧٢)، وهو عند أحمد (٢٤٧٩) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم … " الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) قطعة من الحديث الآتي تخريجه قريبًا.
(٥) أحمد (١٦١٧٥)، وأبو داود (٣٤٥)، وأخرجه أيضًا الترمذي (٤٩٦)، والنسائي في "المجتبى" ٣/ ٩٦، وابن ماجه (١٠٨٧)، من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي ﵁. قال الترمذي: حديث حسن.
[ ٢ / ١٩٩ ]
ويُكْثِر من الصَّلاةِ على النبي ﷺ، ولا يتخطَّى الرقابَ، إلا الإمامُ، أو لفُرجةٍ.
"مَن قرأ سورةَ الكهفِ في (^١) يومِ الجمعةِ، أضاءَ له مِنَ النورِ ما بين الجمعتَيْن" رواه البيهقيُّ بإسنادٍ حسن (^٢). وفي خبر آخرَ: "مَنْ قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعة أو ليلتِه، وُقي فتنةَ الدَّجَّال" (^٣).
(و) أنْ (يكثرَ من الصَّلاة على النبي ﷺ) لقولهِ ﷺ: (أكثروا عليَّ مِنَ الصَّلاةِ يومَ الجمعةِ" رواه أبو داود وغيرُه (^٤). وكذا ليلَتَها.
(ولا يتخطَّى الرِّقابَ) لقولِه ﷺ وهو على المنبرِ لرجلٍ رآه يتخطَّى رقابَ الناس: "اجلس؛ فقدْ آذيتَ" رواه أحمد (^٥). فيُكرَه ذلك لكل أحدٍ (إلا الإمامُ) فلا يُكرَهُ له ذلك؛ لحاجتِه إليه. وألحقَ به بعضُهم المؤذِّنَ بين يدَيْه (أو) أي: وإلا (لِفُرجة) رآها
_________________
(١) ليست في الأصل و(م)، والمثبت موافق لما في "سنن" البيهقي.
(٢) "سنن" البيهقي ٣/ ٢٩٤، وهو عند الحاكم ٢/ ٣٦٨ - وفي إسناده: نعيم بن حماد- وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: نعيم ذو مناكير. وقال المناوي في "فيض القدير" ٦/ ١٩٨: وقال ابن حجر في "تخريج الأذكار": حديث حسن، قال: وهو أقوى ما ورد في سورة الكهف.
(٣) لم نقف على من خرَّجه بهذا اللفظ، وذكره الشافعى في "الأم" ١/ ٢٠٨ بلاغًا، وأخرج الضياء المقدسي في "المختارة" (٤٢٩) و(٤٣٠) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون، فإن خرج الدجال، عصم منه. وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٣٠٣٨) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فأدرك الدجال، لم يسلط عليه … ".
(٤) "سنن" أبي داود (١٠٤٧)، وهو عند النسائي في "المجتبى" ٣/ ٩١، وابن ماجه (١٠٨٥)، وأحمد (١٦١٦٢) بلفظ: "إنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة .. فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي … ". من حديث أوس بن أبي أوس.
(٥) في "مسنده" (١٧٦٧٤)، وهو عند أبى داود (١١١٨)، والنسائي في "المجتبى" ٣/ ١٠٣ عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن بسر ﵁. قال النووي في "الخلاصة" ٢/ ٧٨٥: رواه أبو داود والنسائي بإسنادين صحيحين. وأعلَّه ابن حزم في "المحلى" ٥/ ٧٠ بمعاوية بن صالح. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٢/ ٧١: وضعَّفه ابن حزم بما لا يقدح.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وحَرُمَ إقامةُ غيرِه ليجلسَ مكانَه، ورفعُ مصلَّى مفروشٍ، إلا إذا حضرت الصَّلاةُ. ومَنْ قام لعارضٍ، ثم عاد قريبًا، فهو أحقُّ بمكانه.
في الصفِّ لا يَصلُ إليها إلا به، فيُباحُ؛ لإسقاطِهم حقَّهم بتأخُّرِهم عنها.
(وحَرُمَ) على كل إنسان (إقامةُ غيرِه) من محلِّه، ولو عبدَه أو ولدَه الكبيرَ (ليجلسَ مكانَه) لحديثِ ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ "نهى أن يقيمَ الرجلُ أخاه من مقعدِه ويجلسَ فيه" متَّفق عليه (^١). "ولكن يقول: افسحوا". قاله في "التلخيص" (^٢). إلا من قدَّم صاحبًا له، فجلس في موضع يحفظُه له. لكنْ إنْ جلس في مكانِ الإمام، أو طريقِ المارَّة، أو استقبلَ المصلِّين في مكانٍ ضيِّق، أقيم. قاله أبو المعالي.
وكُرِهَ إيثارُ غيرِه بمكانِه الفاضلِ لا قبولُه، وليس لغيرِ المؤثَرِ سَبْقُه.
(و) حَرُمَ (رفعُ مصلَّى) بفتح اللام المشدَّدة (مفروشٍ) لأنَّه كالنائِب عن صاحبِه، فيجوز فرشُه (إلا إذا حَضَرَت) أي: أقيمتِ (الصَّلاةُ) ولم يحضرْ ربُّه، فلغيرِه رفعُه والصَّلاةُ مكانَه؛ لأنَّ المفروشَ لا حُرمةَ له في نفسِه.
(ومَن قام) من موضعِه (لعارضٍ) كتطهُّر (ثم عاد) إليه (قريبًا، فهو أحقُّ بمكانِه) الذي كان سبقَ إليه؛ لحديثِ مسلم عن أبي أيوب مرفوعًا: "مَنْ قام من مجلسِه، ثم عاد إليه، فهو أحقُّ به" (^٣).
وإذا لمْ يَصِلْ إليه إلا بالتخطِّي، جاز بلا كراهةٍ، كمن رأى فُرجةً.
_________________
(١) البخاري (٩١١) واللفظ له، ومسلم (٢١٧٧)، وهو عند أحمد (٥٠٤٦).
(٢) وهو: لابن الجوزي، وقوله: "ولكن يقول: افسحوا" قطعة من حديث، وهو عند مسلم (٢١٧٨) عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٣) "صحيح" مسلم (٢١٧٩)، وهو عند أحمد (٧٥٦٨) من حديث أبي هريرة ﵁. ولم نقف عليه من حديث أبي أيوب ﵁.
[ ٢ / ٢٠١ ]
ومَنْ دخل والإمامُ يخطبُ بمسجدٍ، صلَّى تحيَّتَه موجِزًا، وجلس.
وحَرُمَ كلامٌ والإمامُ يخطبُ إلا له، أو لمن كلَّمه لمصلحةٍ،
(ومَن دَخَلَ والإمام يخطبُ بمسجدٍ، صلَّى) نَدْبًا (تحيَّته): أي: المسجدِ، ولو كان وقتَ نَهْيٍ، فيصلِّي ركعتَين حالةَ كونِه (موجِزًا) أي: مخففًا لهما؛ لقوله ﷺ: "إذا جاء أحدكم يومَ الجمعةِ وقد خَرَجَ الإمامُ، فليصلِّ ركعتَين" متَّفق عليه (^١). زاد مسلم (^٢): "ولْيتجوَّز فيهما".
فإنْ جلس، قام، فأتى بهما، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ؛ فتُسَنُّ تحيَّةُ المسجدِ لمن دخلَه غيرَ وقتِ نهي، إلا الخطيبَ، وداخلَه لصلاةِ عيدٍ، أو بعدَ شروع في إقامةٍ، وقيَّمَه؛ لتكرُّر دخوله، وداخلَ المسجد الحرامِ؛ لأنَّ تحيَّتَه الطوافُ.
(وجلس) بعد فراغِه من التحيَّة؛ ليسمعَ الخطبةَ، فيحرمُ أنْ يبتدئَ غيرَها.
(وحَرُمَ كلامٌ والإمامُ يخطبُ) إذا كان (^٣) منه بحيث يَسمعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قال أكثرُ المفسرين: إنَّها نزلتْ في الخُطبة (^٤). وسُمِّيت قرآنًا؛ لاشتمالِها عليه، ولقوله ﷺ: "من قال: صَهْ. فقد لغَا، ومَن لغا، فلا جُمعةَ له" رواه أحمد (^٥) (إلا له) أي: للإمام، فلا يحرمُ عليه الكلامُ (أو لمن كلَّمه) الإمامُ (لمصلحةٍ) لأنَّه ﵊ كلَّم سائلًا،
_________________
(١) البخارى (١١٦٦)، ومسلم (٨٧٥) (٥٧)، وهو عند أحمد (١٤١٧١).
(٢) برقم (٨٧٥) (٥٩).
(٣) بعدها في (م): "قريبًا".
(٤) "أسباب النزول" للواحدي ص ٢٢٦ عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وجماعة.
(٥) بنحوه في "مسنده" (٧١٩)، وهو عند أبي داود (١٠٥١) عن عطاء الخراساني، عن مولى امرأته، عن علي ﵁. قال المنذرى في "مختصر سنن أبي داود" ٢/ ٥: فيه رجل مجهول، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، وثقه يحيى بن معين، وأثنى عليه غيره، وتكلَّم فيه ابن حبان، وكذبه سعيد بن المسيب. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١)، وهو عند أحمد (١٠٧٢٠) بلفظ: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصِت. والإمام يخطب، فقد لغوتَ".
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ويجوزُ قَبْلَ الخطبةِ وبعدَها.
وكلَّمه هو (^١). ويجبُ لتحذيرِ ضريرٍ وغافلٍ عن هَلَكَة.
(ويجوزُ) الكلامُ (قبلَ الخطبةِ وبعدَها) وإذا سكتَ بينَ الخطبتَين، أو شَرع في الدعاء.
وله الصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ إذا سمعها من الخطيب، ويُسنُّ سرًّا كدعاءٍ، وتأمينٌ عليه، وحمدُه خفيَةً إذا عطس، وردُّ سلامٍ، وتشميتُ عاطسٍ، وإشارةُ أخرسَ إذا فُهمت، ككلامٍ، لا تسكيتُ متكلِّم بإشارةٍ.
ويُكرَه العَبَثُ والشُّرْبُ حالَ الخطبةِ إنْ سَمِعَها، وإلا، جاز. نصَّ عليه.
_________________
(١) أخرج مسلم (٨٧٦)، وهو عند أحمد (٢٠٧٥٣) عن أبي رفاعة ﵁ قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينُه، قال: فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ، وترك خطبته حتي انتهى إليَّ، فأُتي بكرسيٍّ، حسبتُ قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ، وجعل يعلِّمُني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبته فأتمَّ آخِرها.
[ ٢ / ٢٠٣ ]