(والغُسْلُ) إمَّا كاملٌ وإمَّا مُجزِئٌ.
(فالكامل) المشتملُ على الواجباتِ والسُّنَن: (أن ينويَ) أي: يقصدَ رفعَ الحَدَثِ الأكبر، أو استباحةَ نحوِ صلاةٍ (ثُمَّ يسمِّي) فيقول: باسم الله، لا يقومُ غيرُها مَقامها.
(ويتيمَّمُ للكلِّ) أي: لكلِّ الأغسالِ المستحبَّة في الأصحِّ، استحبابًا؛ لأنَّ للبدل حكم المبدل.
(لحاجة) وهي: عدمُ الماء، أو تعذُّر استعمالِه؛ لعدوٍّ، أو فقدِ آلةٍ يستقي بها من البئر، أو نحو ذلك من كلِّ ما يبيحُ التيمُّمَ.
(ولما يُسَنُّ له الوضوءُ) كقراءةٍ، وتدريسِ علمٍ، ونحوِ ذلك.
(لعُذْرٍ) والعذرُ هو الحاجةُ المتقدِّمَةُ، ولعلَّ الشارحَ -رحمهُ الله تعالى- غاير بين العبارتين؛ للتفنُّنِ في التعبير، وعدم التكرار.
(فصل في صفة الغسل) لمَّا فرغَ من الكلامِ على الغُسْلِ الواجبِ والمستحبِّ، شَرَع في بيانِ صفتِه، إذ العلمُ بالصفةِ متأخِّرٌ على العلمِ بالموصوفِ، فقال: "فصلٌ في صفةِ الغُسل"، وينقسمُ إلى قسمين، كاملٍ ومُجزئ:
(فالكامل) الفاء لتفصيل المجمل، أي: واجبًا كان أو مستحبًا، وسمي كاملًا؛ لاشتماله على السُّننِ والواجبات.
(أن ينوي) من يَصِحُّ منه الغُسْلُ رفعَ الحدثِ، أو استباحةَ ما تجبُ لهُ الطهارةُ، وأمَّا الميتُ والمجنونُ، فيُنوَى عنهما إذا غُسِّلا. دنوشري.
(ثُمَّ يسمِّي) بأنْ يقولَ: بسم الله. بعدَ أنْ ينوي.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ويغسلَ يديه ثلاثًا، وما لوَّثه، ويتوضأَ، ويحثيَ على رأسه ثلاثًا
(ويَغْسِلَ) بعد ذلك (يَدَيهِ ثلاثًا) كالوضوء، لكنْ هنا آكدُ؛ باعتبارِ رفع الحَدَثِ عنهما (^١)، ولفعله ﵇ (^٢).
(و) يغسل (ما لوّثه) أي: ما أصابه من أذًى؛ لحديث عائشةَ: "فيُفرغ بيمينِه على شِمَالِه، فيغسِلُ فَرْجَه" (^٣). وظاهرُه: لا فرقَ بَيْنَ أنَّ يكونَ على فرجِه، أو بقيَّةِ بدنه، وسواءٌ كان نجسًا، أو مستقذَرًا طاهرًا، كالمنيِّ.
(ويتوضأ) كاملًا؛ لقوله ﵊: "ثُمَّ يتوضأُ وضوءَه للصَّلاة" (^٤).
(ويحثي على رأسه ثلاثًا) أي: يُفْرغُ على رأسه ثلاثَ غَرَفات بكفَّيْه. وأصلُه: من حثى
قال أصحابنا: هي هنا كالوضوءِ؛ قياسًا لإحدى الطهارتين على الأخرى.
(ويغسلَ يَدَيْه ثلاثًا) أي: وجوبًا إنْ كان قائمًا من نومِ ليلٍ، وإلَّا وَجَبَ غسلُهما مرَّة، ويسنُّ ثلاثًا، كما في الوضوء، ويكونُ الغَسْلُ خارجَ الماء، قبلَ إدخالِهما الإناءَ. ج ف وزيادة. (ويغسلُ ما لوَّثهُ) أي: ما لطَّخَهُ من أذى منيٍّ أو غيره، بفرجِه أو ببقيةِ بدنِه، نجِسًا كانَ -كما صرَّح به في "المحرَّر"- أو طاهرًا مستقذَرًا، كالمنيِّ، أو غيرَ مستقذرٍ، كعجينٍ، ونحوه. ويكون الغسلُ بشمالِه، ويُفرغُ عليه بيمينه، وذلك مستحبٌّ، إلَّا أنْ يكونَ ما لَوَّثَهُ جافًّا يمنعُ وصولَ الماءِ، فيجب. ح ف وزيادة. (ثمَّ "يتوضَّأُ وضوءَه للصلاة") (^٥) … الغسل استحبابًا قبل الغسل بعده إلَّا أنْ ينتقضَ بمسِّ فرجِه، أو غير ذلك. ح ف. (وأصلُه من حَثَى
_________________
(١) في (م): "عنها".
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٧)، ومسلم (٣١٧)، وهو عند أحمد (٢٦٨٤٣) عن ميمونة ﵂ بلفظ: وضعت للنبي ﷺ ماء للغُسْل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا … الخبر.
(٣) أخرجه مسلم (٣١٦)، وهو عند أحمد (٢٤٦٤٨).
(٤) أخرجه مسلم (٣١٦)، وهو عند أحمد (٢٤٢٥٧) عن عائشة ﵂.
(٥) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
[ ١ / ٤١٠ ]
يُرَوِّيه، ويعمَّ بدنَه غسلًا ثلاثًا،
الترابَ يحثُوه، أو يحثيه: إذا هاله بيده (^١)، فشُبَّه ما هنا به.
(يُرَوِّيه) (^٢) أي: رأسَه، أي: يروِّي بكلِّ مرَّة أصولَ شَعَره؛ لقولِ ميمونةَ: ثُمَّ أفرغَ على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ (^٣).
(ويعمّ) بعد ذلك بقيَّة (بدنه) بإفاضةِ الماء عليه (غَسْلًا) لا مسحًا؛ لقولِ عائشةَ: ثُمَّ أفاضَ على سائرِ جسده (^٤)، وقولِ ميمونةَ: ثمَّ غَسَلَ سائرَ جَسَدهِ (^٥) (ثلاثًا) قياسًا
التراب … إلخ) يقال: حَثَوتُ أحثو حثوًا، كغَزَوْتُ، وحَثَيْتُ أحثي حثيًا كرميت، فمصدرُه إمَّا واويٌ أو يائيٌّ، لقولِ ميمونةَ: "ثُمَّ أفرغَ على رأسِه ثلاثَ حثيات" (^٦).
يروِّي بها في كلِّ مرَّةٍ أصولَ الشعر؛ لقولِه ﵊: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابة، فاغسلوا الشعرَ، وأَنْقوا البشرةَ". رواه أَبو داود (^٧).
(فشُبِّه ما هنا به) بأنْ شَبَّه تفريغَه الماءَ على رأسِه، بإهالةِ الترابِ، ثُمَّ استُعِير اسم المشبَّه به للمشبَّه، استعارةً تصريحيَّة.
(ثم أفاضَ على سائرِ جسده) أي: بقيَّةِ جسدِه.
(ثلاثًا) ما ذكرَه من الثلاث، هو الصحيح، وجزم به في "المغني" (^٨)، و"الوجيز"،
_________________
(١) "المطلع" ص ١١٩.
(٢) في النسخ الخطية: "ترويه". والمثبت من (م).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في "المجتبى" ١/ ١٣٧ - ١٣٨، وهو عند مسلم (٣١٧) بلفظ: "حفنات" بدل: "حثيات"؛ وأخرجه أيضًا البخاري (٢٥٦) من حديث جابر ﵁ بنحوه.
(٤) أخرجه مسلم (٣١٦)، وهو عند أحمد (٢٤٢٥٧).
(٥) سلف تخريجه قريبًا.
(٦) سيأتي قريبًا.
(٧) في "سننه" (٢٤٨)، وأخرجه أيضًا الترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧) جميعهم من طريق الحارث بن وجيه، عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁. قال أَبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف. وقال الترمذي: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك … وضعَّفه النووي في "الخلاصة" ١/ ١٩٧. وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١٤٢: ومداره على الحارث بن وجيه، وهو ضعيف جدًا.
(٨) ١/ ٢٨٧.
[ ١ / ٤١١ ]
متيامنًا ويغسلَ قدميه بموضعٍ آخرَ.
على الوضوء، حالَ كونه (متيامنًا) فيبدأ بشقِّه الأيمن، ثُمَّ الأيسرِ؛ لما تقدَّم أنَّه ﵊ كان يعجِبُه التَّيمُّنُ في طهوره (^١). ويدلُكَه، أي: بدنَه بيديه؛ لأنَّه أنقى، وبه يتيقَّن وصولَ الماءِ إلى مغابِنه (^٢)، وجميعِ بدنه، ويخرجُ من خلافِ من أوجبه.
ويتفقَّد أصولَ شَعَرِه، وغَضَاريفَ أذنيه، وتحتَ حلقه وإبطيه، وعمقَ سُرَّته وحالبَيْه، وبَينَ أَلْيتيه، وطَيِّ ركبتيه، ويكفي الظنُّ في الإسباغ.
(و) يتحوَّل عن موضعه، فـ (يَغْسِل قدمَيْه) ولو في حمَّام ونحوهِ (بموضعٍ آخرَ) لقول ميمونةَ: "ثُمَّ تنحَّى عن مقامه، فغَسَل رجليه" (^٣).
وقيل: مرَّة، ولم يرجِّح في "الفروع" (^٤) شيئًا. دنوشري.
(ويخرج من خلات من أوجبه) كمالكٍ ولنا قولُ النبيِّ ﷺ لأمِّ سَلَمة في غُسْلِ الجنابةِ: "إنَّما يكفيكِ أنَّ تحثي على رأسكِ الماءَ ثلاثَ حَثَيات، ثم تفيضينَ عليكِ الماءَ فتطهرين". رواهُ مسلم (^٥).
(وحالبيه) قال في "الصحاح" (^٦): الحالبان: عرقان يكتنفان السُّرَّةَ. مصنِّف على "الإقناع" (^٧). (ويكفي الظنُّ في الإسباغِ) أي: يكفي ظنُّ المغتسلِ في الإسباغ، بأنْ يكتفي بغلبةِ الظَّنِّ في إسباغه جميعَ الأعضاءِ بالماء، وإيصالِه إلى ما يجبُ غسلُه أو مسحُه، على الصحيحِ من المذهب، ولا يُشتَرطُ تحقُّقُه. دنوشري.
_________________
(١) سلف ص ١٩٠.
(٢) جمع مَغْبِن، وهو الإبط والرُّفْغ وما أطاف به. والأرفاغ: بواطن الأفخاذ عند الحوالب: "اللسان" (غبن).
(٣) سلف ص ٤١٠.
(٤) ١/ ٢٦٦.
(٥) في "صحيحه" (٣٣٠)
(٦) مادة (حلب).
(٧) "كشاف القناع" ١/ ١٥٣.
[ ١ / ٤١٢ ]
والمجزئُ أنْ ينويَ، ويسمِّيَ، ويعمَّ بدنَه غَسْلًا، مرَّةً.
(و) الغُسْلُ (المجزئ) وهو المشتملُ على الواجبات فقط: (أن) يزيلَ ما به من نجاسةِ أو غيرِها ممَّا يمنع وصولَ الماء إلى البَشَرة إن وجِد. و(ينويَ) كما تقدَّم (ويُسمِّيَ، ويعمَّ بدنَه) حتَّى فمه، وأنفه، وظاهر شَعَرٍ (^١) وباطنه، مع نقضِه لحيضٍ ونفاسٍ، وحتى حشفةِ أقلف أمكنَ تشميرُها، وما تحت نحوِ خاتم فيحرِّكُه، وحتى ما يظهرُ من فرجِ امرأةٍ عند قعودِها لقضاء حاجةٍ، لا ما أمْكنَ من داخله، ولا داخل عينٍ، كما تقدَّم في الوضوء (^٢). ويكون تعميمُ بدنه بالماء (غَسْلًا) فلا يجزئ المسحُ (مرَّةً) فلا يجبُ التَّكَرار.
(وينوي كما تقدَّمَ) بأن ينوي رفعَ الحدث، أو استباحةَ أمرٍ لا يُبَاحُ إلَّا بالغُسْل والوضوء، كالصَّلاةِ، والطوافِ، ومسِّ المصحف.
(إن وجِد) ما يمنعُ وصولَ الماءِ.
(ويَعُمُّ بدنَه) أي: يَعُمُّ بالماءِ جميعَ بدنِه، لا ما أمكن من داخلِ العينين، بل ولا يسحبُّ؟ فظاهره إباحة التطهير والاغتسال من غيرِ وضوءٍ، والمرادُ بتعميمِه أنْ يغسلَ الظاهر جميعَه، حتَّى حَشَفَةَ الأقلف، إن أمكنَ تشميرها، كما جزمَ به ابنُ تميم؛ لأنَّها جزءٌ من بدنِه لا مشقَّة في غسلِه، فوجبَ كبقيَّة ظاهرِ البدن. "شرح المنتهى" (^٣). (وحتى ما يظهرُ من فرجِ امرأةٍ عندَ قُعودها لقضاء حاجتـ) ـــــها، أي: لقضاءِ الحاجةِ، كالبولِ، والغائط، فيجبُ غسلُ ما يظهرُ من فرجِها؛ لأنَّه يمكنُ تطهيرُه من غيرِ ضَرَرٍ، لا ما لا يظهرُ من داخلِ فرجِها.
ويجبُ غسلُ جميع الشعرِ في الجنابةِ، ظاهره وباطنه، حتى باطنِ اللحيةِ الكثيفةِ في الجنابة، كالوضوءِ، والمذهب الأوَّل.
_________________
(١) في (م): "شعره".
(٢) ص ٢٩٢.
(٣) "معونة أولي النهى" ١/ ٤٠٥.
[ ١ / ٤١٣ ]
ويُسنُّ وضوءٌ بمُدٍّ،
ويُسنُّ وضوءٌ بمُدٍّ،
ويجب نقضُ الشعرِ للغُسْل من الحيضِ، روايةً واحدةً؛ لأنَّ الحيضَ جنابةٌ غليظَةٌ، ولأنَّ مُدَّتَهُ تطولُ، فيلبَّدُ، فشُرعَ النقضُ طريقًا موصِلًا إلى إيصالِ الماء إلى أصولِ الشعر.
والنفساءُ كالحائضِ، فيجبُ أنْ تَنْقُضَ شعرَها للنفاس أيضًا، لا للجنابة؛ لمشقَّة تكرُّرِها، إذا روَّت أصولَها.
ويرتفعُ حدثٌ قبل زوالِ حكم خبثٍ، إذا كانَ على شيءٍ من محلِّ الحدثِ الأصغرِ أو الأكبرِ نجاسةٌ لا تمنعُ وصولَ الماء إليه -من جنابةٍ أو حيضٍ- ارتفعَ الحدثُ قبل زوالِها، ويبقى حكمُها إلى أنَّ تُغْسَلَ العددَ المشروطَ في تطهيرِها، وإذا مَنعَتْ وصولَ الماءِ إلى البدن، فلا إشكالَ في توقُّفِ صحَّة الغُسْلِ وارتفاعِ الحدثِ الأكبرِ عن ذلك المحلِّ على زوالِها.
وتسنُّ الموالاةُ بينَ جميعِ أجزاءِ البدنِ في الغُسْلِ، ولا تُشتَرطُ على الصحيح من المذهب، كما لا يشترطُ فيهِ الترتيب، فإنْ فاتتِ الموالاةُ، بأنْ جفَّ ما غَسَله من بدنِه، ولو بزمنٍ معتدِلٍ قبلَ غسله بقيَّتَه، وأرادَ أنَّ يُتِمَّ غُسْلَهُ، جدَّدَ لإتمامه نيَّةً وجوبًا؛ لانقطاعِ النِّيَّةِ المشروطةِ بفوات الموالاة، والظاهر أنَّه لا يجب أنَّ يجدِّد تسميةً؛ لأنَّ النِّيةَ شرطٌ، فيعتبرُ استمرارُ حكمِها إلى آخرِ العبادة، بخلاف التسمية (^١) … تقدُّم النية فيه على العبادة بعدَ دخولِ وقتها هو ما تفوتُ به الموالاة، وأنَّ اليسيرَ المغتفرَ هو ما لا تفوتُ الموالاة [به].
ويسَنُّ أيضًا أخذُ سِدْرٍ في غسل كافرٍ أسلم، كإزالة شعره، أي: يسنُّ أخذُ السدرِ في غُسْلِ الكافرِ إذا أسلم، كما يسنُّ له إزالةُ شَعْرِه. دنوشري مع زيادة.
(ويسنُّ وضوءٌ بمدٍّ) أي: بزِنَةِ مُدٍّ من الماء. وزِنَةُ المُدِّ بالدراهمِ مئة وإحدى وسبعونَ درهمًا إسلاميًّا، وثلاثةُ أسباعِ درهمٍ، وزنته بالمثاقيل عشرونَ مثقالًا، وزنتُه بالأرطالِ رطلٌ
_________________
(١) بعدها في الأصل طمس بمقدار خمس كلمات تقريبًا.
[ ١ / ٤١٤ ]
واغتسالٌ بصاعٍ.
وكُرِهَ إسرافٌ،
و) يُسَنُّ (اغتسالٌ بصاعٍ): وهو أربعةُ أمداد؛ لما روى أنسٌ "أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتوضَّأ بالمُدِّ، ويغتسلُ بالصَّاع" متفق عليه (^١).
(وكُرِهَ اسرافٌ) في ماء؛ لحديثِ ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على سَعْدٍ وهو يتوضَّأ فقال: "ما هذا السَّرَفُ"؟ فقال: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قال: "نعم، وإن كُنْتَ على نهرٍ جارٍ" رواه ابنُ ماجه (^٢).
وثلثٌ عراقيٌّ، ورطلٌ وسبعٌ وثلثُ سُبعِ رطلٍ مصري. انظر "المنتهى" (^٣) في باقي الأوزان.
(ويسَنُّ اغتسالٌ بصاعٍ) أي: بزنةِ صاعٍ من الماءِ وزنتُه بالدراهمِ الإسلاميَّة ستُّمئةِ درهمٍ، وخمسةٌ وثمانونَ درهمًا، وخمسةُ أسباعِ درهيم، وبالمثاقيل أربعةٌ وثمانون مثقالًا، وزنتُه بالرطل العراقيِّ خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ عراقيَّةٌ، فيكونُ أربعةَ أمدادٍ، وأومأ الإمامُ أحمد في رواية ابن مشيش (^٤) أنَّه ثمانيةُ أرطالٍ من الماء، اختاره في "الخلاف" و"منتهى الغاية"، والمذهبُ الأوَّل. دنوشري. وانظر "المنتهى" (^٥) في باقي الأوزان.
(وكُرِه اسرافٌ في ماءٍ) أي: في الماءِ الذي يُغْتَسل أو يُتَوضَّأُ به، ولذلك نكَّر الشارح
_________________
(١) "صحيح" البخاري (٢٠١)، و"صحيح" مسلم (٣٢٥) (٥١)، وهو عند أحمد (٢٤٨٩٧) عن عائشة ﵂.
(٢) هو بهذا اللفظ عند ابن ماجه في "سننه" (٤٢٥)، وهو -أيضًا- عند أحمد (٧٠٦٥) لكن عن عبدِ الله بن عمرو، وليس عن عبد الله بن عمر، وأما حديثه -أي: ابن عمر- فهو عنده (٤٢٤) عن بقية، عن محمد ابن الفضل، عن أبيه، عن سالم، عنه. بلفظ: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يتوضأ فقال: "لا تسرف، لا تسرف". وكلا الحديثين ضعيف الإسناد؛ قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١١٤ عن حديث ابن عمرو ﵄: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف حيي بن عبد الله، وعبد الله بن لهيعة. وعن حديث ابن عمر ﵄: هذا إسناد ضعيف؛ الفضل بن عطية ضعيف، وابنُه كذَّاب، وبقيَّة مدلس.
(٣) ١/ ٢٤.
(٤) هو محمد بن موسى بن مشيش البغدادي، كان يستملي لأبي عبدِ الله، وكان من كبار أصحابه، روى عنه مسائل، ولم تذكر المصادرُ شيئًا عن تاريخ وفاته. "طبقات الحنابلة" ١/ ٣٢٣، و"المقصد الأرشد" ٢/ ٤٩٥.
(٥) ١/ ٢٥.
[ ١ / ٤١٥ ]
وإن أسبغَ بدونهِ، أو نوى بغُسْلهِ الحَدَثين، أو استباحةَ الصَّلاةِ، كفى.
(وإن أَسْبَغَ) أي: أتمَّ الوضوءَ أو الغُسْلَ (بدونه) أي: بدون (^١) ما ذُكِرَ، بأن توضَّأ بدون مُدٍّ، واغْتَسَلَ بدون صاعٍ، أجزأه ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالغُسْل، وقد فعلَه، ولم يُكْرَه. والإسباغُ: تعميمُ العضوِ بالماء، بحيثُ يجري عليه، ولا يكونُ مسحًا.
(أو نوى بغُسْله) رفعَ (الحَدَثين) الأصغرِ والأكبرِ، أجزأ عنهما. ولم يلزمْه ترتيبٌ، ولا مُوالاةٌ. وظاهرُه كغيره يَسْقُطُ مسحُ الرأس حينئذٍ.
(أو) نوى بغُسْله (استباحةَ) نحوِ (الصَّلاة) كطوافٍ، ومسِّ مصحفٍ. أو نوى رفع (^٢) الحَدَثِ وأطْلَقَ، فلم يقيِّدْه بأكبرَ، ولا بأصغرَ (^٣) (كفى) أي: أجزأ الغُسْلُ عن الحَدَثين.
"ماء". والإسرافُ: الزِّيادةُ الكثيرةُ، ولو على نهر جارٍ.
(ولا يكون مسحًا) فإنْ مَسَحهُ، أو أمرَّ الثلجَ عليه، لم تحصل الطهارةُ به، وإن ابتلَّ به العضو، إلَّا أنْ يكون خفيفًا، ويجري على العضو. (أجزأَ عنُهما) والظاهرُ أنَّه لو نَوى الغُسْلَ، لا يجزئُه، ولا يرتفعُ حدثهُ، كما لو نَوى طهارةً أو وضوءًا، وأطلق؛ لأنَّ الغُسْلَ يَشملُ الواجبَ والمسنونَ والمباحَ، والطهارةُ للمباح غيرُ مُجزئَةٍ. انتهى. دنوشري. (أو نوى بِغُسْلِه استباحةَ نحو الصلاة) وهذه معنى عبارة "المنتهى" ونصُّها: أو نوى بغسلِه أمرًا لا يباحُ إلا بوضوءٍ وغسل؛ أجزأَ عنهما. انتهى (^٤). كصلاةٍ وطوافٍ ومسِّ مصحفٍ، أجزأَ هذا الغسلُ عن الطهارتين، الكبرى والصغرى، ولو لم ينوِ الوضوء، فلو نوى رفع الحدث، أو أطلقَ، ارتفعا، واندرج الأصغر تحت الأكبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] جعلَ الغسلَ غايةً للمنعِ من الصلاةِ، فإذا اغتسلَ، وَجَبَ أنْ لا يُمنَع منها، ولأنَّهما عبادتان من جنسٍ، فدخلتِ الصغرى في أفعال الكبرى بالنية، كأفعال العمرة تدخلُ في أفعالِ الحجِّ فيما إذا أحرم قارنًا. ولا يرد عليه قوله ﵊: "وإنَّما
_________________
(١) ليست في الأصل، و(م).
(٢) ليست في النسخ الخطية، والمثبت من (م).
(٣) في (م): "أصغر" دون باء.
(٤) "منتهى الإرادات" ١/ ٢٥.
[ ١ / ٤١٦ ]
ويُسنُّ لجنبٍ غَسْلُ فرجِهِ، ووضوؤُه لنومٍ،
(ويُسَنُّ لجُنُبٍ) حتَّى حائضٍ ونفساءَ انقطعَ دمُهما (غسلُ فرجه) لإزالة ما عليه من أذًى (ووضوؤُه لنومٍ،
لكُلِّ امرئٍ ما نوى" (^١)؛ لأنَّ أفعالَ العُمرة دخلتْ واندرجت في أفعالِ الحجٌ بطريق التبعيَّةِ، وكذلكِ رفعُ الحدثِ الأصغرِ يندرجُ في الحدثِ الأكبرِ؛ لحصولِ تعميمِ البدنِ بالغُسْل، ولأنَّ كلًّا من الحدثَين يُحصِّلُ جميعَ البدن، فأجزأَ غَسْلُه عنهما مع نيَّةِ الإطلاق، ولأنَّ لفظَ الحدثِ يشملُهما، فاكتُفِيَ به مع الإطلاق.
وفُهِم من قوله (^٢): أمرًا لا يباحُ إلَّا بوضوءٍ وغسلٍ. أنَّه لو نوى أمرًا يباحُ بالغُسْلِ فقط دون الوضوءِ، كقراءةِ القرآنِ، أو من انقطع حيضُها أو نفاسُها، استباحةَ الوطء، لم يرتفعْ إلَّا الأكبرُ على الصحيحِ من المذهب.
وقيل: لا يَصِحُّ؛ لأنَّها إنَّما نوتْ ما يُوجِبُ الغُسْلَ، وهو الوطءُ، ذكره أَبو المعالي. والمذهبُ الأوَّل.
وعُلِمَ ممَّا تقدَّمَ سقوطُ الترتيبِ والموالاةِ في أعضاء الوضوء؛ لاندراجِها في أعضاءِ الغُسل، فلو اغتسل إلَّا أعضاءَ الوضوء، لم يجب الترتيب فيها (^٣)؛ لأنَّ حكم الجنابةِ باقٍ.
وإن فاتت الموالاةُ، جدَّد لإتمامه نيَّةً وجوبًا.
"تتمَّة": إذا نَوى رفعَ الحدثين، ثُمَّ أحدثَ في أثناء غُسلِه [أتمَّ غسله] (^٤)، ثُمَّ إذا أراد الصلاة توضَّأ. دنوشري.
(ووضوءه) أي: ويسنُّ لجنبٍ وضوءٌ لإرادة نومٍ، وكُرِه تركُ الجنب الوضوءَ للنوم فقط، أي: خاصَّة، فلا يُكرَه للجنب تركه؛ لما يأتي ذكره، من معاودة وطءٍ وأكلٍ وشربٍ.
_________________
(١) سلف ص ٢٦٦.
(٢) أي: قولُ صاحب "المنتهى".
(٣) في الأصل: "فيهما"، والتصويب من "الشرح الكبير" ٢/ ١٥١.
(٤) زيادة يقتضيها السياق. ينظر "شرح منتهى الإرادات" ١/ ١٧٤.
[ ١ / ٤١٧ ]
وأكلٍ، ومعاودةٍ وَطْءٍ.
وأكلٍ) وشربٍ (ومعاودةِ وَطْءٍ) روي ذلك عن عليٍّ وابنِ عمر (^١).
(ومعاودة وطءٍ) أي: ويسنُّ للجنب أيضًا الوضوء لمعاودة وطءٍ؛ لما روى أَبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أنَّ يعود، فليتوضَّأ بينهما وضوءًا". رواه مسلمٌ وابنُ خزيمة والحاكم، وزادا: "فإنَّه أنشط للعود" (^٢). ظاهر كلامهم أنَّهم علَّلوه بخفَّةِ الحدثِ. وعنه: أنَّ ذلكَ خاصٌّ بالرجل؛ لأنَّ عائشةَ أخبرت عنهُ بالوضوءِ، ولم تذكر أنَّها كانت تفعلُه ولا أمرَها بهِ مع اشتراكهما في الجنابة (^٣)، والمذهبُ الأوَّل؛ لاشتراكِ الرجلِ والمرأةِ في الجابة، ولتوفُّر العلَّة فيهما.
قال في "المنتهى" (^٤) و"شرحه": ولكن الغسل لمعاودة الوطء أفضلُ من الوضوء؛ لأنَّه أقوى في النشاط؛ لارتفاعِ الجابة بالكليَّة.
(وأكلٍ) أي: ويسنُّ أيضًا لكلٍّ من جُنُبٍ، ولو أنثى، وحائضٍ ونفساء. انقطع دمُهما، الوضوءُ لأكلٍ وشُرْبٍ، وسكتَ في الحديث عن الشُّرْبِ؛ لملازمته للأكل في الحكم بالنصِّ القطعيِّ؛ لما رُويَ عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا أرادَ أن يأكلَ أو ينامَ، توضَّأ، يعني: وهو جنبٌ رواه أَبو داود (^٥). وأمَّا غيرُ الجنبِ، فبالقياس عليه.
قال في "الإنصاف" (^٦): الحائضُ والنفساءُ بعدَ انقطاعِ الدم، كالجنبِ، وقبل انقطاعه لا يستحبُّ لهما الوضوءُ لأجلِ الأكلِ والنوم. قاله الأصحاب. اننهى.
_________________
(١) أثر عليٍّ ﵁: أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٦٠. وأثر ابن عمر ﵄: أخرجه عبدِ الرزاق (١٠٨٠)، وابن أبي شيبة ١/ ٦٠.
(٢) "صحيح" مسلم (٣٠٨) (٢٧)، و"صحيح" ابن خزبمة (٢٢١)، و"مستدرك" الحاكم ١/ ١٥٢.
(٣) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٢٨٨)، ومسلم (٣٠٥)، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه، وتوضَّأ للصلاة.
(٤) "منتهى الإرادات" ١/ ٢٥.
(٥) في "سننه" (٢٢٤)، وهو أيضًا عند أحمد (٢٤٩٤٩)، وأخرجه مسلم (٣٠٥): (٢٢) بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة.
(٦) ٢/ ١٥٥.
[ ١ / ٤١٨ ]
ويباحُ حمام مع أمنِ محرَّمٍ.
(ويُبَاحُ) لرجلِ وامرأةٍ دخولُ (حمَّام مع أَمنِ) كل منهما وقوعَ (محرّم) بأن يَسلمَ من النَّظَرِ إلى عورات النَاس ومسها، ومن نَظَرِهِم إلى عورته ومسَّها؛ لما روي أنَّ ابنَ عباس دخل حمَّامًا بالجُحفة (^١). وروي عنه ﵊ أيضًا (^٢)
وحكم الشرب كالأكلِ، صرّح به في "الرعاية". قال في "المنتهى" (^٣): ولا يضرُّ نقضُه بعدُ. أي: بعدَ ذلك الوضوء فلا تسن إعادتهُ في ظاهرِ كلامهم، إنْ أحَدثَ قبلَ أنْ يفعلَ ما توضأ لأجلِه، لتعليلِهم بخفة الحدثِ، أو النشاطِ، وقد حَصَلا بالوضوءِ المتقدم. انتهى. دنوشري.
(ويباحُ لرجلٍ وامرأةٍ دخول حمامٍ إلخ) لمَّا فرغَ من الكلامِ على الغُسل وصفته، شَرَع في الكلامِ على جملة من أحكامِ الحمَّام.
قال في "المنتهى" (^٣): ودخولُه بِسُترة مع أمنِ الوقوعِ في محرم مباح.
قال شارحه: نصَّ عليه الإمامُ أحمد، فإنه يُروَى أن النبي ﷺ دَخَلَ الحمام (٢)، وأن ابنَ عباس دخلَ الحمامَ أيضًا (^٤)، وكان الحسنُ وابنُ سيرين يدخلان الحمام. رواهُ الخلَّال (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٠٩. والجُحفة: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا بالمدينة وكان اسمها مهيعة، وإنما سميت الحجفة؛ لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام. "معجم البلدان" لياقوت الحموي ٢/ ١١١.
(٢) قال العجلوني في "كشف الخفاء" ١/ ٥٠٠: لا يصح، فقد قال ابن حجر في "شرح الشمائل": موضوع باتفاق الحفاظ. وقال القاري: ذكره الدميري في "شرح المنهاج" في الكلام على الماء المسخن، وذكر النووي في شرح المهذب" أنه ضعيف جدًا.
(٣) ١/ ٢٥.
(٤) أخرجه الشافعي في "مسنده" ١/ ٣١٤ (بترتيب السندي)، وابن أبي شيبة في "المصنف" ١/ ١٠٩، والبيهقي في "الكبرى" ٥/ ٦٣.
(٥) لكن أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" ١/ ١٠٩ عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يكرهان دخول الحمام.
[ ١ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحمَّام ينعم البدن، ويذهبُ الدرن، وإذا اغتسلَ أو استنجى أو استجمر بحضرة أحدٍ من بني آدم، وَجَبَ عليه سترُ عورته. وإن لم يحضُر أحدٌ، فينبغي أن يستترَ بسقفٍ، أو حائط، أو نحوِهما، وأن لا يرفعَ ثوبَه حتى يدنوَ من الأرضِ.
قال الشيخ تقي الدين: وهو آكدُ، فإن تجردَ في الفضاءِ واغتسلَ، جازَ مع الكراهة. وقيل: لا يكره، وذكر القاضي في كراهة كشفِ العورةِ للاغتسال روايتين. قلت: أصحّهما الكراهةُ كما تقدّم. انتهى.
"تنبيه": يكرهُ بناءُ الحمَّامِ، وبيعُه، وإجارته. قدَّمَه في "الإنصاف" (^١).
وقال في "المبدع": كره الإمامُ أحمد بناءَ الحمَّام، وبيعَه وإجارتَه، وقال: من بَنى حمَّامًا للنساء، فليس بعدلٍ، وحرمَهُ القاضي (^٢)، وحمله الشيخ تقي الدين على غيرِ البلاد الباردة (^٣).
قال الدنوشري: قلت: وهو حسنٌ. وقال في رواية ابنِ الحكم: لا تجوزُ شهادةُ من بناهُ للنساء، وكره كسب الحماميٌ، وفي "نهاية" الأزجي: الصحيح: لا.
قال في "المنتهى" (^٤): وتكْرَهُ القراءةُ والسلامُ فيه. أي: في الحمام، في المنصوص، نقلَ صالح: لا يعجبني؛ لنهي عمر عنه. رواه ابن بطة (^٥)، وظاهره: ولو خفضَ صوتَه. وذكر
_________________
(١) ٢/ ١٥٦.
(٢) أى: بناء الحمام وبيعه وإجارته. ينظر "الإنصاف" ٢/ ١٥٦.
(٣) "مجموع الفتاوى" ٢١/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٤) ١/ ٢٥.
(٥) هو أبو عبد الله، عبيدُ الله بن محمد بن حمدان العكبرى، من مصنفاته: "الإبانة الكبيرة"، و"الإبانة الصغيرة"، و"السنن"، و"المناسك" و"الحمام" (ت: ٣٨٧ هـ). "طبقات الحنابلة" ٢/ ١٤٤ - ١٥٣، و"المذهب الحنبلي" ٢/ ٥٩ - ٦٥. ولم نقف على خبر عمر ﵁، وذكر ابن عقيل -كما في "كشاف القناع" ١/ ١٦٠ كراهة القراءة عن علي وابن عمر.
[ ١ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن خاف داخلُ الحمَّام وقوعَ محرّم، كُرِه دخولُه. وإن عَلِمَه، حَرُم،
ابنُ عبد البر (^١) قال: سُئِل مالكٌ عن القراءةِ فيه، فقال: القراءةُ بكلِّ مكانٍ حسن، وليسَ الحمَّامُ بموضعِ قراءةٍ.
وكذا السلام في الأشهرِ، وردُّه مباح، أي: جائزٌ في الأشهر، ورخَّصَ فيه بعضهم، فإنه حسنٌ، والأولى جوازُه من غيرِ كراهةِ؛ لعموم قوله ﵊: "أفشوا السلام بينكم" (^٢). والأشياءُ على الإباحةِ ما لم يرد نصٌّ.
كما لا يُكرَهُ الذكر؛ لما رَوى النخعي أن أبا هريرةَ دخل الحمامَ، فقال: لا إله الا الله (^٣). وعن سفيان قال: كانوا يستحبونَ لمن دخلَ الحمَّامَ أنْ يقول: يا برُّ يا رحيم، ارحمنا، وقنا عذابَ السموم.
قال في "الفروع" (^٤): وسطحُهُ ونحوه، كبقيَّته، ويتوجه فيه، كصلاة. وفي بعض شروح "المنتهى": فإن خافَ داخلُ الحمامِ وقوعَ محرَّم، كره دخوله.
قوله: "ويباح لرجل وامرأة دخول حمامٍ … إلخ" أي: كأنْ خيفَ داخِلَ حمَّامٍ الوقوعُ في محرَّمٍ بدخولِ الحمام، ولم يُتَيقن، كرِه دخولُه حينئذٍ.
(وإن علمَه، حَرُم) أي: وإن علم الرجلُ الوقوعَ في محرَّمٍ بدخولِ الحمامِ، أو دخلَتهُ
_________________
(١) هو حافظ المغرب، شيخ الإسلام، أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري، الأندلسي، القرطبي، المالكي، من مصنفاته "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد"، و"الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار"، و"الاستيعاب" في أسماء الصحابة، و"جامع بيان العلم وفضله". (ت: ٤٦٣ هـ). "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ١٥٣ - ١٦٢.
(٢) أخرجه مسلم (٥٤): (٩٣) وأحمد (٩٠٨٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) قال ابن تيمية في "شرح عمدة الأحكام" ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨: روى ابن بطة بإسناده عن إبراهيم أن أبا هريرة … وذكره.
(٤) ١/ ٢٧١.
[ ١ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكن شرطُ جواز دخولِه للمرأة مع ما ذُكِرَ وجودُ عُذْرٍ من حيضٍ، أو نفاسٍ، أو جنابةٍ، أو مَرَضٍ، أو حاجةٍ إلى غُسل.
والأولى في حمَّامٍ غَسلُ قدمَيه، وإبطَيْه بماءٍ باردٍ عند دخوله، ويلزمُ الحائطَ، ويقصد موضعًا خاليًا، ولا يدخل البيتَ الحارَّ حتى يعرقَ في الأول، ويقلل الالتفات، ولا يطيل المقامُ إلا بقدر الحاجة، ويغسل قدميه عند خروجه بماءٍ باردٍ؛
أنثى بلا عذر، حرُمَ الدخولُ مع العلمِ بالوقوع في المحرم. وحَرُمَ على الأنثى بلا عذرٍ، أمَّا معَ وجودِ العُذرِ للمرأةِ، فلا، كتعذر غُسلها ببيتِها، أو وجودِ مرضٍ، أو لخوفِ ضررٍ، أو نزلة، أو لحيض، أو نفاسٍ.
ولا يحرُم على المرأةِ دخولُ حمَّامِ بيتها مطلقًا.
"تتمة": ينبغي أنْ يُقَدِّم، أي: داخلُ الحمَّامِ، فيشملُ المرأةَ ونحوَها، رِجلَه اليسرى في دخولِ الحمَّام والمُغْتَسَلِ، ونحوهما. [ويحرم] (^١) أن يغتسلَ أو يستنجي، أو يستجمر، عُريانًا بين الناسِ، فإن سَتَره إنسانٌ بثوب، أو اغتسلَ عُريانًا في مكانٍ خالٍ، فلا بأس، والستر أفضلُ، وهو مطلوب.
ويجوزُ كشف العورةِ للتداوي، والتخلِّي، والغسل.
ويجب على الزوج مؤونة نظافةِ زوجتِه، من دُهن، وسِدر، وصابونٍ، وثمنِ ماء شربٍ ووضوءِ، وغُسل من حَيضٍ ونفاسٍ وجنابةٍ ونجاسة، وغسل ثياب، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك في النفقات إنْ شاء اللهُ تعالى، والله أعلم.
(لكن شرط جوازُ دخوله … إلخ) استدراك على قولِه: "ويباح لرجل … إلخ" دفعَ به ما يُتوَهمُ ثبوتُه. (والأوْلَى في حمَّامٍ … إلخ) هذا شروع في آدابِ الحمَّام، أي: والأولَى لداخلِ الحمام "غسل … إلخ"، فهو مبتدأ وخبر.
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنه يُذهِبُ الصداعَ، كما في "المستوعِب" (^١)، ولا يُكره دخولُه قربَ غروبٍ، أو بين عِشاءَين. وكُرِه بناؤه، وبيعُه، وشراؤهُ، وإجارتُه، وكسبُه، وقراءةٌ فيه، وسلام، لا ذِكر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لشيخ الحنابلة، قاضي سامراء، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين. "ذيل الطبقات" ٢/ ١٢١ - ١٢٢.
[ ١ / ٤٢٣ ]
باب
التيمُّمُ