(وغَسْلُ) بفتح الغَيْن المعجمةِ، أي: تغسيلُ (الميِّتِ) المسلمِ -أو ييمَّمُ لعُذرٍ- (وتكفينُه) فرضُ كفايةٍ على مَنْ أمكنه؛ لقولِه ﷺ في الذي وقَصَتْه راحلتُه: "اِغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنُوهُ في ثَوبَيه" متَّفَقٌ عليه من حديث ابنِ عبَّاس (^٣).
(والصَّلاةُ عليه) فرضُ كفايةٍ؛ لقوله ﷺ: "صَلُّوا على مَنْ قال: لا إله إلا الله" رواهُ الخلَّال والدَارقُطنيُّ، وضعَّفَه ابنُ الجوزي (^٤).
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: لربه، أي: الدَّين، أي: صاحبه. انتهى تقرير".
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٩٤)، وابن ماجه (٢٧١٥)، وهو عند أحمد (١٠٩١) من طريق أبي إسحاق، عن الحارث به. وعلَّقه البخاري في "صحيحه" قبل حديث (٢٧٥٠) بصيغة التمريض. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم. قال الحافظ في "التلخيص الحبير" ٣/ ٩٥: والحارث وإن كان ضعيفًا، فإن الإجماع منعقد على وفق ما روى. وقال -أيضًا- في "الفتح" ٥/ ٣٧٧: وهو إسناد ضعيف، لكن قال الترمذي: إن العمل عليه عند أهل العلم، وكان البخاريُّ اعتمد عليه؛ لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا، فلم تجرِ عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به، وقد أورد في الباب ما يعضده أيضًا.
(٣) البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦)، وهو عند أحمد (١٨٥٠).
(٤) "سنن" الدارقطني (١٧٦١)، (١٧٦٢)، (١٧٦٣)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٧١٢)، (٧١٣)، (٧١٤)، (٧١٥)، (٧١٦)، وهو عند الطبراني في "الكبير" ١٢/ ٤٤٧ (١٣٦٢٢)، وأبي نعيم في "الحلية" ١٠/ ٣٢٠ من حديث ابن عمر ﵄، وروى معناه من حديث أبي هريرة، وعلي، وأبي الدرداء. قال الدارقطني: ليس فيها شيء يثبت، وقال ابن الجوزي: هذه الأحاديث كلها لا تصح.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وحملُه، ودفنُه فرضُ كفاية.
وأَولى النَّاسِ بغسله: وصيُّه، ثُمَّ أبوه، ثُمَّ جدُّه، ثُمَّ الأقربُ فالأقربُ، وبأنثى: وصيَّتُها، ثُمَّ أمُّها، ثُمَّ جدَّتُها، ثُمَّ القُربى فالقُربى.
(وحملُه ودفْنُه فرضُ كفاية) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] قال ابنُ عباس: معناه: أَكْرَمَه بدَفْنِه (^١). ولا شك أن دفنَه متوقِّفٌ على حملِه إلى محلِّ الدَّفنِ، واتِّباعُه سُنَّة. وكَرِهَ الإمامُ أحمد ﵀ لغاسلٍ وحفَّارٍ أخْذَ أجرةٍ على عَمَلهِ، إلَّا أنْ يكونَ محتاجًا، فيُغطَى مِنْ بَيْتِ المال، فإنْ تَعذَّر، أُعْطِيَ بقدرِ عملهِ. قاله في "المبدع" (^٢).
والأفضلُ أنْ يُختارَ لتغسيلهِ ثقةٌ، عارفٌ بأحكامِه (وأَوْلى النَّاسِ بغَسْلِه) أي: بتَغْسِيله (وَصِيُّه) العَدْلُ؛ لأن أبا بكرٍ أوصى أن تُغَسِّلَه امرأتُه أسماء (^٣). وأوصى أنسٌ أن يغسِّلَه محمدُ بن سيرين (^٤) (ثمَّ أبوه) لاختصاصه، بالحنوِّ والشَّفقةِ (ثمَّ جَدُّه) لأبيه وإنْ علا؛ لمشاركتِه الأبَ في المعنى (ثمَّ الأقربُ فالأقربُ) مِنْ عصَبَاتِه، فيقدَّم الابنُ، ثُمَّ ابنُه وإنْ نَزَلَ، ثُمَّ الأخُ لأبوبن، ثُمَّ الأخُ لأبٍ، على ترتيبِ الميراثِ بعدَ الأبِ والجدِّ، ثم بعدَ عصَبَاته ذَوو أرحامِه، ثُمَّ الأجانبُ.
(و) الأوْلى (بـ) ـغسلِ (أُنثى وصيَّتُها) العَدْلُ (ثمَّ أُمُّها، ثمَّ جَدَّتُها) أمُّ أمِّها وإنْ عَلت (ثمَّ القُربى فالقُربى) من نِسائها، فتُقدَّم بنتها وإنْ نزلتْ، ثمَّ القُربى -كميراثٍ-
_________________
(١) لم نقف عليه، وأورده هكذا البهوتي في "الروض المربع" ١/ ٣٢٧.
(٢) ٢/ ٢٢٠.
(٣) هي أسماء بنت عميس، كانت أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ لأمها، وكانت من المهاجرات إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر، ثم تزوجها علي ﵁ أجمعين. "الإصابة" ١٢/ ١١٦ - ١١٧. والأثر أخرجه عبد الرزاق (٦١١٧)، وابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٢٠٣، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٩، والبيهقي ٣/ ٣٩٧. قال البيهقي: وهذا الحديث الموصول وإن كان راويه محمد بن عمر الواقدي صاحب "التاريخ والمغازي" فليس بالقوي، وله شواهد مراسيل عن ابن أبي مليكة، وعن عطاء بن أبي رباح، عن سعد بن إبراهيم أن أسماء بنت عميس غسلت زوجها أبا بكر ﵁، وذكر بعضهم أن أبا بكر ﵁ أوصى بذلك.
(٤) هو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ. (ت ١١٠ هـ). "السير" ٤/ ٦٠٦ - ٦٢٢. والأثر أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٧/ ١٩، ٢٥، وأبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٢٦٧.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
ولكلٍّ مِنَ الزوجين غسلُ صاحبِه، وكذا سيِّدٌ مع أمتِه.
ولرجلٍ وامرأةٍ غسلُ مَنْ دونَ سبعِ سنين.
ومَنْ لم يَحضرْه مَنْ له تغسيلُه، يُمِّمَ.
وعمتُها وخالتُها سواءٌ، وكذا بنتُ أخيها وبنتُ أختِها؛ لاستوائهما في القُرب والمحرميَّة.
(ولكلٍّ) واحدٍ (مِنَ الزَّوجين) إنْ لم تَكُنِ الزوجةُ ذِمِّيَّةً (غَسْلُ صاحبه) لما تقدَّم عن أبي بكر. وروى ابنُ المنذر أن عليًّا غَسَّل فاطمة (^١) ولأنَّ آثارَ النِّكاحِ من عدَّةِ الوفاةِ والإرثِ باقيةٌ، فكذا الغسلُ، ويشملُ ما قَبْلَ الدُّخول، وأنَّها تغسِّلُه وإنْ لم تَكُنْ في عدَّةٍ، كما لو وَلدت عَقِبَ موتِه، وكذا المطلقةُ الرجعيَّةُ إذا أبيحتْ (^٢) (وكذا سيِّدٌ مع أمَتِه) المباحةِ ولو أمِّ ولد، لكنْ أجنبيٌّ أولى من زوجةٍ وأمةٍ في تغسيل رَجُلٍ. وأجنبيَّةٌ أولى من زوجٍ وسيِّدٍ في تغسيلِ امرأةٍ. والزَّوجُ أَولى من سَيِّدٍ، وزوجةٌ أَولى مِنْ أمٌ ولدٍ.
(ولرَجُلٍ وامرأةٍ غسلُ مَنْ) له (دونَ سبع سنين) ذَكَرًا كان أو أنثى؛ لأنَّهُ لا عورةَ له، ولأنَّ إبراهيمَ ابنَ النبيِّ غسَّله النِّساءُ (^٣). قال ابنُ المنذر (^٤): أجمعَ كلُّ من نحفظُ عنه أنَّ المرأةَ تُغَسِّلُ الصبيِّ الصغيرَ من غيرِ سُترةٍ، وتَمَسُّ عورتَه، وتنظرُ إليها. أمَّا مَنْ تَمَّ له سبعُ سنين، فالمميِّز كرجلٍ، والمميِّزةُ كامرأةٍ.
(ومَنْ لم يحضُرْه مَنْ) يُبَاحُ (له تَغْسِيلُه) كما لو ماتَ رجلٌ بينَ نِسْوةٍ ليس فيهنَّ زوجةٌ ولا أمةٌ مباحةٌ له، أو ماتتِ امرأة بين رجالِ ليس فيهمْ زوجٌ ولا سيِّدٌ لها، أو ماتَ خُنْثى مشكلٌ لم تحضرْه أمَةٌ له (يُمِّم) الميِّتُ، أي: يَمَّمَه الحاضرُ له في هذه
_________________
(١) وأخرجه الدارقطني (١٨٥١)، وأبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٤٣، والبيهقي ٣/ ٣٩٦. قال في "التلخيص الحبير" ٢/ ١٤٣: وروا. البيهقي من وجه آخر عن أسماء بنت عميس، وإسناده حسن، ورواه من وجهين آخرين، ثم تعقبه بأن هذا فيه نظر …
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: أبيحت. أي: إذا كانت مسلمة بخلاف الذمية. انتهى تقرير المؤلف".
(٣) أخرجه الزبير بن بكَّار في "المنتخب من كتاب أزواج النبي ﷺ" ص ٥٨ - ٦٠.
(٤) في "الإجماع" ص ٣٠.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وإذا أخذ في غسلِه، سَتَرَ عورتَه، وجرَّده، وستَرَه عن العيون،
الصُّوَرِ، ولا يغسِّلُه؛ لأنَّه لا يحصلُ بالغسلِ من غيرِ مسٍّ تنظيفٌ، ولا إزالةُ نجاسةٍ، بل ربَّما كَثُرَت. وحَرُم أن يُيَمَّمَ بدون حائلٍ على غير مَحْرَم. ورجلٌ أولى بخُنْثى.
وعُلم منه: أنَّه لا مدخلَ للرِّجال في غسلِ الأقارب من النِّساءِ ولا بالعكس. وحَرُمَ أن يغسِّلَ مسلمٌ كافرًا، أو يحملَه، أو يكفِّنَه، أو يتبعَ جنازتَه، بل يُوارى؛ لِعدمٍ (^١).
ويشترطُ لغسلِ الميِّتِ طهوريةُ ماءٍ، وإباحتُه، واسلامُ غاسلٍ، إلَّا نائبًا عن مسلمٍ نواهُ وعَقَلَه، ولو مميِّزًا، أو حائضًا، أو جُنُبًا.
(وإذا أخد) أي: شَرع (في غسلِه، سَتَرَ عورتَه) وجوبًا، وهي ما بين سُرَّتِه وركبتِه فيمن بلغ عشرًا، ولعلَّ مثلَه حرَّةٌ مميِّزةٌ. وأمَّا ابنُ سبعٍ -ولعلَّ مثلَه [أمَةٌ مميِّزةٌ- إلى عشر] (^٢)، فالفرجان. ومَنْ دونَ ذلك، لا عورةَ له، كما تقدَّم. (وجرَّدَه) من ثيابه نَدْبًا؛ لأنّه أمَكنُ في تغسيله، وأبلغُ في تطهيره. وغُسِّل ﷺ في قميصٍ (^٣)؛ لأنَّ فضلاتِه طاهرةٌ؛ فلم يُخشَ تنجُّسُ قميصِه.
(وسَتَره عن العيون) تحت سترٍ في خيمةٍ أو بيتٍ إنْ أمْكَنَ؛ لأنّه أسترُ له. وكُرِه لغيرِ مُعينٍ في غسلِه حضوره.
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه "قوله: لعدم، أي: عدم من يواريه من الكفار. انتهى. تقرير".
(٢) في الأصل و(س): "بنت سبع".
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وغسل. . إلخ، جواب عن سؤال، تقديره: أن يقال: كيف يجرد مع أن النبي ﷺ غُسِّل في قميص؟ فأجاب بما ذكر بَعْدُ. انتهى قرَّر المصنِّف بعضه". والحديث أخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٢٢، ومن طريقه الشافعي ١/ ٢٠٤ "ترتيب مسنده"، وعبد الرزاق (٦٠٧٧)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٠ مرسلًا. وأخرجه أبو داود (٣١٤١)، وهو عند أحمد (٢٦٣٠٦) عن عائشة ﵂ ضمن حديث طويل وفيه: "فغسلوا رسول الله ﷺ وهو في قميصه يفاض عليه الماء والسدر". وأخرجه ابن ماجه (١٤٦٦) عن أبي بردة، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: لما أخذوا في غسل رسول الله ﷺ، ناداهم مناد من الداخل: لا تنزعوا عن رسول الله ﷺ قميصه. وضعَّف إسناده البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ٢٦٣ لأجل أبي بردة.
[ ٢ / ٢٣١ ]
ثُمَّ يرفعُ رأسَه برفقٍ إلى قربِ جلوسهِ، ويعصرُ بطنَه برفقٍ، [ويكون ثُمَّ بَخور] (^١).
ويكثرُ صبَّ الماءِ إذنْ، ويلفُّ على يدِه خرقةً يُنَجِّيه بها، ويغسلُ ما عليه من نجاسةٍ، ثُمَّ ينوي غسلَه، ويسمِّي، ويغسلُ كفَّيه، ويوضِّئُه نَدْبًا، ولا يُدخِلُ ماءً فمَه ولا أنفَه، بل أصبعَيْه بخرقةٍ خشنةٍ مبلولةٍ بين شفتَيْه، فيمسحُ أسنَانه، وفي
(ثمَّ يرفعُ رأسَه) أي: رأسَ الميِّتِ غير أنثى حامِلٍ، ويكونُ رَفعُه (برفْقٍ إلى قربِ جلوسِه) بحيثُ يكونُ كالمحتضَن في صَدرِ غيره (ويعصُرُ بطنَه برفقٍ) ليخرجَ ما هو مستعدٌّ للخروج (ويكونُ ثَمَّ) -بفتحِ الثاء المثلثة- أي: هناك (بَخورٌ) -بوزنِ رَسُولٍ- دفعًا للتَّأذِّي برائحةِ الخارج.
(ويُكْثِرُ صبَّ الماءِ إذَنْ) ليدفعَ ما يخرجُ بالعَصْر (ويَلُفُّ) الغاسلُ بعد ذلك (على يدِه خرقةً يُنَجِّيه) أي: يمسحُ فرجَهُ (بها ويغسلُ) وجوبًا (ما عليه) أي: ما على بدنِ الميِّت (مِنْ نجاسةٍ) لأنَّ المقصودَ بغسلِه تطهيرُه حسبَ الإمكانِ. وظاهرُه ولو بالمخرجِ، فلا يجزئُ فيها الاستجمارُ.
(ثمَّ ينوي) الغاسلُ (غسلَه) لأنَّه طهارةٌ تعبُّدية؛ أشبهَ غسْلَ الجنابة (ويسمِّي) وجوبًا، وتسقطُ سهوًا، كغسلِ الحيِّ. (ويغسلُ كفَّيْه) أي: الميِّتِ ثلاثًا (ويُوَضِّئه نَدْبًا) كاملًا؛ لحديثِ أمُّ عطيةَ مرفوعًا في غسلِ ابنتِه: "ابدأنَ بميامِنِها، ومواضعِ الوضوءِ منها" رواه الجماعة (^٢).
(ولا يُدخلُ) غاسلٌ (ماءً فَمَهُ ولا أنفه) أي: الميِّت؛ خشيةَ تحريكِ النَّجاسة بدخول الماء إلى جوفِه (بلْ) يدخلُ غاسلٌ (أصبعيه) إبهامه وسبابته (بخرقةٍ) عليهما (خشنةٍ مبلولةٍ) بماءٍ (بَيْنَ شفتَيْه) أي: الميِّتَ (فيمسحُ) بها (أسنانَه، و) يدخلُهما (في
_________________
(١) ليست في المطبوع، واستدركت من "هداية الراغب".
(٢) البخاري (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩) (٤٢)، وأبو داود (٣١٤٥)، والترمذي (٩٩٠)، والنسائي في "المجتبي" ٤/ ٣٠، وابن ماجه (١٤٥٩)، وهو عند أحمد (٢٧٣٠٢).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
منخرَيْه، فينظِّفُهما، ويغسلُ برغوةِ السِّدْرِ رأسَه ولحيتَه فقط، ثُمَّ يغسلُ شِقَّه الأيمنَ، ثُمَّ الأيسرَ، ثُمَّ يفيضُ الماءَ عليه ثلاثًا، يُمِرُّ يَدَه في كلِّ مرَّةٍ على بطنِه، فإنْ لم يَنْقَ بثلاث، زاد حتى ينقَى،
منخرَيْه، فينظفهما) نصًا، فيقوم ذلك (^١) مقامَ المضمضةِ والاستنشاق؛ لحديثِ: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأْتُوا منه ما استطعتم" (^٢).
(ويغسلُ برغوةِ السِّدرِ) المضروب (رأسَه ولحيتَه فقط) لأنَّ الرَّأْسَ أشرفُ الأعضاءِ، والرغوةَ لا تتعلَّق بالشَّعر (ثمَّ يغسلُ شِقَّه الأيمنَ، ثمَّ) شِقَّه (الأيسر) للحديث السَّابق (ثمَّ يُفيضُ الماء عليه) أي: الميِّت، أي: على جميعِ بدنِه؛ ليعمَّه الغسلُ.
يفعلُ ما تقدَّم (ثلاثًا) إلَّا الوضوءَ، ففي المرَّةِ الأولى فقط (يُمِرُّ يَدَهُ في كلِّ مرَّةٍ) من الثَّلاث (على بطنه) ليخرجَ ما تخلَّف (فإنْ لم يَنْق) الميتُ (بثلاثِ) غسلاتٍ (زادَ) في غسله (حتَّى ينقى) إلى سبع، فإنْ لم يَنْقَ بسبعٍ، فالأولى غَسْلُه حتَّى يَنْقَى. قاله في "الإقناع" (^٣). [فقولُه بعد ذلك: "ولا غَسْلَ" أي] (^٤): لا يُعادُ غسلُه بعدَ السَّبعِ، مرادُه: لا يجبُ ذلك؛ لئلَّا يخالفَ ما قدَّمه. وكُرِهَ اقتصارٌ في غسله على مرَّة إنْ لم يخرجْ منه شيء، فيحرمُ الاقتصارُ ما دامَ يخرجُ شيءٌ على ما دونَ السَّبع.
وسُنَّ قَطْعٌ على وترٍ؛ لحديثِ أمِّ عطيَّة في غسلِ ابنته [ﷺ] (^٥): "اِغْسِلْنها وِترًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلكِ، إنْ رأيتُنَّ" متَّفَقٌ عليه (^٦). والكافُ
_________________
(١) ليست في الأصل، و(س) و(م).
(٢) سلف ١/ ٣٠٥.
(٣) ١/ ٣٣٨ - ٣٣٧.
(٤) في الأصل و(س): [فقول: "الإقناع، بعدُ؛ فالضمير في "قوله" عائدٌ على كتاب "الإقناع"].
(٥) ليست في الأصل و(ح) و(ز) و(س).
(٦) البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩)، وسلف جزء من حديثها ١/ ٣٠٥.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
ويجعلُ في الأخيرةِ كافورًا.
ويُكرَهُ ماءٌ حارٌّ لم يحتجْ إليه.
المكسورةُ في قولِه: "من ذلكِ" خطابٌ لأمِّ عطيَّةَ؛ لأنَّ غيرَها تبعٌ لها، أو خطابٌ للنِّسوةِ على لغةِ مَنْ لا يصرفُ الكافَ بتثنيةٍ أو جمعٍ (^١). ولا تجبُ مباشرةُ الغسلِ، فلو تُرك تحتَ ميزابٍ ونحوه، وحَضَرَ مَن يَصْلُحُ لغسلِه، ونوى، وسمَّى، وعمَّه الماءُ، كفى.
(ويجعلُ في) الغسلةِ (الأخيرةِ) نَدْبًا (كافورًا) وسدرًا؛ لأنَّه (^٢) يُصلبُ الجسدَ، ويطردُ عنه الهوامَّ برائحته.
(ويكره ماءٌ حارٌّ) إن (لم يحتج إليه) لشدَّة بردٍ؛ لأنه يرخي البدن، فيسرعُ الفسادُ إليه، والباردُ يصلبُه ويبعدُه عن الفَساد.
وكرِهَ أيضًا خِلالٌ وأشنانٌ (^٣)، لم يحتجْ إليه، فإنْ احتيجَ إلى شيءٍ منها، لم يُكرَه. ويكونُ الخِلالُ إذن من شجرةٍ ليِّنةِ كالصَّفصاف (^٤).
وكُرِهَ تسريحُ شَعَرِ ميِّتٍ. وسُنَّ أنْ يضفرَ شَعَرُ أنثى ثلاثةَ قرون، وسدلُه وراءها.
وسنَّ تنشيفُ الميِّتِ. قال في "الإقناع" (^٥): وإنْ خرج منه شيءٌ بعد الثلاثِ، أُعيدَ وضوءه. قال في "شرحه" (^٦): قال في "المبدع" و"شرح المنتهى" (^٧): وجوبًا كالجُنُبِ إذا أخدتْ بعد غسلِه؛ لتكونَ طهارتُه كاملةً. قال المصنِّفُ في "حاشية المنتهى": وهذا إنَّما يظهرُ على القولِ بوجوبِ الوضوءِ. انتهى. ويمكنُ أن يُجابَ بأنَّ الغَسلاتِ الثلاثَ
_________________
(١) "فتح الباري" ٣/ ١٢٩.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: لأنه، ضمير عائد على الكافور. انتهى تقرير المؤلف".
(٣) الأُشنان: شجر من الفصيلة الرمرامية، ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي. "الوسيط" (أشن).
(٤) الصِّفصاف: هو الخِلاف، وهو شجر عظام، وأصنافه كثيرة، وكلها خوَّار خفيف. "اللسان" (خلف).
(٥) ١/ ٣٣٨.
(٦) "كشاف القناع" ٢/ ٩٥.
(٧) ٢/ ٩٢.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
ومُحْرِمٌ ميتٌ كحيٍّ، يُغسلُ بماءٍ وسِدْرٍ، ويجنَّبُ الطّيبَ، ولا يُلبسُ ذَكَرٌ مخيطًا، ولا يُغطَّى رأسُه، ولا وجهُ أنثى.
ولا يُغسَّل شهيدُ معركةٍ ومقتولٌ ظلمًا،
لقوَّتِها لا يجبُ معها الوضوءُ، بخلافِ ما بعدها، فلضعفها بعَدَمِ وجودِ نظيرها في غسلِ الحيِّ، جُبرت بالوضوء، فالأولى ما قاله في "المبدع" و"شرح المنتهى".
ثُمَّ إنْ خرج منه شيءٌ من السَّبيلين أو غيرهما بعد سبعٍ، حُشي بقطنٍ، فإنْ لم يستمسك، فبطينٍ حرٍّ (^١)، ثم يُغسلُ المحلُّ ويوضَّأُ وجوبًا.
وإنْ خرجَ بعدَ تكفينِه، لم يُعَدِ الغسلُ.
(ومُحرمٌ) بحجٍّ أو عمرةٍ (ميِّتٌ كحيٍّ، يُغسلُ بماءٍ وسِدرٍ) لا كافورٍ.
(ويجنَّب) المحرِمُ (الطَّيبَ) مطلقًا (^٢) (ولا يُلْبَس) بالبناء للمفعول ميِّت (ذَكَرٌ مخيطًا) مِنْ قميصٍ ونحوِه (ولا يُغطَّى رأسُه، ولا وَجْهُ أنثى) مُحرِمةٍ، ولا يؤخذُ شيءٌ من شَعَرِهما أو ظفرِهما؛ لما في الصَّحيحَيْن من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أن النبيَّ ﵌ قال في مُحرمٍ مات: "غَسِّلوه بماءٍ وسدرٍ، وكَفِّنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسَه، فإنَّه يُبعثُ يومَ القيامةِ مُلَبِّيًا" (^٣). ولا تُمنعُ معتدَّةٌ من الطيبِ، وتُزالُ اللَّصوقُ لغسلٍ واجبٍ إنْ لم يسقطْ من جسدِه شيءٌ بإزالتها، فيمسحُ عليها كجبيرةِ الحيِّ، ويزالُ خاتمٌ ونحوهُ ولو بِبَرْده.
(ولا يُغسَّل شهيدُ معركةٍ، ومقتولٌ ظلمًا) ولو أُنثيَيْن، أو غيرَ مكلَّفَيْن، فيكره كما في "المنتهى" (^٤) تبعًا "للتنقيح". وفي "الإقناع" (^٥): يَحرم ذلك. والأصلُ فيه: أنَّه ﷺ
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: حُرٌّ. بضمِّ الحاء وتشديد الراء، أي: خالص. انتهى تقرير المؤلف".
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: مطلقًا، أي: سواء الذكر والأنثى. انتهى تقرير".
(٣) سلف ص ٢٢٨، في الذي وقصته ناقته.
(٤) ١/ ١٠٦.
(٥) ١/ ٣٤٠.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
إلَّا لنحوِ جنابةٍ، ويدفنُ في ثيابِهِ بدمهِ بعد نَزْعِ سلاحٍ وجلدٍ، فإن سُلِبَها، كُفِّن بغيره ١ ا.٤١٤
وسقْطٌ لأربعةِ أشهرٍ كمولود حيًّا،
في شهداء أُحُد أمَرَ بدفنِهم بدمائهم، ولم يغسِّلْهم (^١). وروى أبو داود عن سعيدِ بن زيدٍ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن قُتِلَ دونَ مالِه، فهو شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ أهلِه، فهو شهيدٌ" وصحَّحه الترمذيُّ (^٢) (إلَّا) أنْ يكونَ الشهيدُ والمقتولُ ظلمًا قد وجب عليهما الغُسلُ قَبْلَ الموتِ (لنحو جنابةٍ) وحيضٍ، ونفاسٍ، وإسلامٍ، فيُغسَّلان وجوبًا.
(ويُدفنُ) وجوبًا مَنْ لا يغسَّل منهما (في ثيابه) التي قُتِلَ فيها (بدمِه) إلَّا أنْ يخالِطَه نجاسةٌ، فيجبُ غَسْلُهما (^٣) (بعد نَزْعِ سلاحٍ وجلدٍ) عنه؛ لما روى أبو داود، وابنُ ماجه عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أمَرَ بقتلى أُحُد أنْ يُنزَعَ عنهم الحديدُ والجلودُ، وأنْ يُدفنوا في ثيابِهم بدمائِهم (^٤). (فإنْ سُلِبَها) بالبناء للمفعول (كُفِّنَ بغيرِها) وجوبًا، ولا يصلَّى عليه.
(وسِقْطٌ) بتثليثِ السِّين: مبتدأ، وسوَّغ الابتداءَ به وصفُه بقوله: (لأربعةِ أشهرٍ) فأكثر، والخبرُ قوله: (كمولودٍ حيًّا) فيغسَّل ويصلِّى عليه وإنْ لم يَستهلَّ؛ لقوله ﷺ: "والسَّقطُ يصلَّى عليه، ويُدعَى لوالديْه بالمغفرةِ والرحمة" رواه أحمدُ وأبو داود (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٤٣)، وهو عند أحمد (١٤١٨٩) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، وهو عند النسائي في "المجتبى" ٧/ ١١٦، وأحمد (١٦٥٢). وأخرج شطره الأول من حديث سيد بن زيد أيضًا -ابن ماجه (٢٥٨٠). وأخرج شطره الأول- من حديث ابن عمرو ﵄ البخاريُّ (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١)، وهو عند أحمد (٦٩٢٢).
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: فيجب غسلهما، أي: الدم والنجاسة. انتهى تقرير".
(٤) أبو داود (٣١٣٤)، وابن ماجه (١٥١٥)، وهو عند أحمد (٢٢١٧) من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، به، قال في "نصب الراية" ٢/ ٣٠٧: وأعلَّه النووي بعطاء. وقال ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" ١/ ٢٦٢: رواه أبو داود وابن ماجه من رواية ابن عباس بإسناد ضعيف. وفي الباب عن جابر بن عبد الله ﵄ عند البخاري (١٣٤٣): أنه ﷺ أمر بدفنهم في دمائهم.
(٥) أحمد (١٨١٧٤)، وأبو داود (٣١٨٠) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. وهو عند الترمذي (١٠٣١)، والنسائي في "المجتبى" ٤/ ٥٦ بلفظ: "والطفلُ يصلِّى عليه". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ومَنْ تعذَّر غُسلُه، يمِّم، وعلى غاسلٍ سترُ شرٍّ.
فصل
يجبُ كفنُه في مالِهِ مقدَّمًا على دَيْنٍ وغيرِه، فإنْ لم يكنْ، فعلى مَنْ تلزمُه نفقتُه غير زوجٍ، ثُمَّ من بيتِ المال،
وتُستحبُّ تسميتُه، فإنْ جُهل أذكرٌ أم أنثى، سُمِّيَ بصالح لهما، كشجرة.
(ومن تعذَّر غُسلُه) لعدم الماء أو غيرِه، كالحَرْق، والجُذام، والتبضيع (^١) (يُمِّم) كالجُنب إذا تعذَّر عليه الغُسْلُ. وإنْ تعذَّر غسلُ بعضِه، غُسلَ ما أمكن، ويمِّمَ الباقي.
(و) يجب (على غاسلٍ سَتْرُ شرٍّ) رآه من الميِّتِ، كسوادِ وجهٍ، وعيبٍ ببدنِه، لا إظهارُ خيرٍ. ونرجو للمحسن، ونخافُ على المسيءِ، ولا نشهدُ إلَّا لمن. شَهدَ له ﷺ. ويحرُمُ سوءُ الظَّنِّ بمسلمٍ ظاهرِ العدالةِ. ويُستحبُّ ظنُّ الخيرِ بالمسلم.