(واستحسنَه الذهبيُّ) أي: استحسنَ قولَ البيهقي.
(فصل في مسح الخفَّين) أي: في حكمه وشروطِه ومدَّته ومبطِلاته وكيفيَّته.
فحكمُه: الجواز.
وشروطه: ثمانية.
ومُدَّته: للمقيم يومٌ وليلةٌ، والمسافرِ ثلاثةُ أيام.
ومبطلاته: إذا حصل ما يوجِب الغسل إلخ.
وكيفيَّته: أنَّه يجب مسحُ أكثرِ أَعلى الخُفِّ. وهو من خصائص هذه الأمَّة.
ثمَّ إنَّ وجهَ مناسبتهِ للباب قبلَه: أنَّه لما جاز للمتوضئ أن يَعدِلَ عن غَسل الرِّجلين إلى مسحِ الحائل، أتى به بعدَه، فهو بدل عن غَسل ما تحتَه في الطهارة من الحدثِ.
والمسحُ الواقع في الطهارة سنَّةُ أنواع: مسحُ السبيلين في الاستنجاء، ومسحُ الوجه واليدين بالتراب في التيمُّم، ومسح الرأسِ كلِّه في الوضوء، والمسحُ على العِمامة، والمسحُ على الجبيرة، ومسحُ الخُفَّين وما في معناهما، وهو أفضل من غَسل الرجلين؛ لِمَا استدلَّ به الشارح. وقيل: إنْ لم يداوم، المسحُ أفضل. وقد يتعيَّن المسحُ على الخفين فيما إذا كان
_________________
(١) في "المهذَّب في اختصار السنن الكبير" ١/ ٩٧. والذهبي هو: شمس الدين، أبو عبد الله، محمَّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، التركماني الذهبي، له تصانيف كثيرة مفيدة، منها: "تاريخ الإسلام الكبير" و"سير أعلام النبلاء"، و"طبقات الحفاظ" و"الكبائر" (ت ٧٤٨ هـ). "الوافي بالوفيات" لصلاح الدين الصفدي ٢/ ١٦٣ - ١٦٧، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي ٩/ ١٠٠ - ١٢٣، و"شذرات الذهب" ٨/ ٢٦٤ - ٢٦٨.
[ ١ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكَرَه في باب الوضوء؛ لأنَّه بَدَلٌ عن غَسْل أو مَسْح ما تحته.
ومسحُ الخفَّين وما في معناهما رخصةٌ، وأفضلُ مِنْ غَسْلٍ؛ لأنَّه عليه الصلاة
المحدِثُ لابسًا لهما مع استيفاء الشروطِ التي تبيح المسح عليهما، وذلك فيما إذا دخل عليه وقتُ الصلاةِ ووجد ما يكفيه لطهارتِه لو مسح على الخفين، ولم يكفِه لها لو غَسَلَ الرِّجلين، فإنَّه يجب عليه حينئذٍ المسحُ على الخفين.
والمسح على الخفين يرفع الحَدَثَ الأصغرَ على الصحيح من المذهب، كمسح الرأس. ووجهُه: أنَّ المسح طهارةٌ بالماء، فَرَفَعَ الحدث، كالغَسل، وكمسح الرأس. وليس هو كالتيمم؛ فإنَّه مبيحٌ لا رافع. دنوشري وزيادة.
(وغيرِهما) كالمسح على العمامة وخُمُرِ النساء والجبيرة وغيرها، فحصل مغايرةٌ بين قوله: "وغيرِهما" وقوله: "وما في معناهما". والحاصل أنَّه يمسح الخفين وما في معناهما، والعمامةَ وما في معناها، كخُمُر النساء، كالجُرْموق، والجَوربِ الصَّفيق -الذي لا تُرى منه البَشَرة، سواءٌ كان موصوفًا أو غيرَه، كخَرْق، وإنْ كان غيرَ مجلَّدٍ أو منعَّلٍ للنساء- والجبيرةِ.
(ومسحُ الخفين) مبتدأ، وقولُه: (رخصةٌ) خبر. وهي لغةً: الانتقالُ من صعوبة إلى سهولة. وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعيٍّ لمُعارِضٍ راجح.
ويقابلها: العزيمة. وهي لغةً: القصدُ المؤكَّد. وشرعًا: ما ثبت بدليل شرعيٍّ خالٍ عن مُعارضٍ راجح. وهما وصفان للحكم الوضعي.
فالمسحُ على الخفين رخصةٌ من الله ﷾ تصدَّق بها على عباده وسهَّلها لهم. وهو جائزٌ بإجماع أهل السنةِ والجماعة، وثابت بالسنة الصريحة؛ قال الحسن (^١): حدثني سبعون مِن أصحاب رسول الله ﷺ (^٢). . . (وأَفضلُ من غَسل) يعني أنَّ المسح لِلَابس الخفِّ
_________________
(١) في الأصل: "الحارث"، والمثبت من مصدر التخريج، وكما سيرد قريبًا في "الهداية"، وأخرجه عنه ابن المنذر في الأوسط ١/ ٤٣٣.
(٢) تتمته: أنَّه ﵊ مسح على الخفين.
[ ١ / ٣٢٠ ]
يصحُّ المسحُ على خفٍّ
والسَّلام وأصحابَه إنَّما طلبوا الأفضلَ، وفيه مخالفةُ أهلِ البِدَع، ولحديثِ: "إنَّ الله يحبُّ أنْ يؤخذَ برُخَصِه" (^١)، وَيرفعُ الحَدَثَ. ولا يُسنُّ أن يَلبسَ لِيمسحَ.
(يَصحُّ المسحُ على خُفٍّ) في رجليه؛ لثبوتِه بالسنَّة الصريحة. قال ابنُ المبارك:
ونحوِه أفضلُ من قَلْعه وغَسلِ الرِّجلين. وهو من المفردات. حفيد.
(إنَّما طلبوا الأفضلَ) من الأعمال، وارتكبوه. (ولا يُسَنُّ أنْ يَلبَسَ) الخفَّ (ليمسح) عليه. أي: ولا يُسَنُّ لمن يريد رفعَ الحدث الأصغرِ أنْ يتحرَّى لُبْسَ الخفين بقصد المسحِ عليهما، كما لا يسنُّ له أن يسافرَ ليترخَّصَ، بل يفعل كيفما اتَّفق، كما كان ﷺ يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح على الخفين إذا كان لابسًا لهما. دنوشري.
(يصحُّ المسحُ على خُفٍّ) عند عامَّة أهلِ العلم. وليس في جواز المسحِ على الخفِّ اختلافٌ بين الأئمَّة، كما ذكره ابنُ المبارك (^٢). (لثبوته) تعليلٌ لقوله: "يصح المسحُّ". (بالسنَّة الصريحة) أي: التي لا تحتمل غيرَ المسح. وغيرُ الصريحة هي التي تحتمل حكمًا غيرَ المسندَلِّ عليه بها.
_________________
(١) روي هذا الحديث عن عدد من الصحابة ﵁، منهم: أ - ابن عمر ﵄: أخرجه أحمد (٨٥٦٦)، والبزار (٩٨٨) و(٩٨٩) "كشف الأستار"، وابن خزيمة في "صحيحه" (٩٥٠) و(٢٠٢٧)، وابن حبَّان "الإحسان" (٢٧٤٢)، والطبراني في "الأوسط" (٥٢٩٨)، والبيهقي ٣/ ١٤٠. ب - ابن عباس ﵄: أخرجه البزار (٩٩٠) "كشف الأستار"، وابن حبان "الإحسان" (٣٥٤)، والطبراني في "الكبير" (١١٨٨٠). جـ - ابن مسعود ﵁: أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠٠٣٠)، وفي "الأوسط" (٢٦٠٢). قال في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٦٢: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه معمر بن عبد الله الأنصاري، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه. د - عائشة ﵂: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦٢٧٨)، وابن عديّ في "الكامل" ٥/ ١٧١٨. قال في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٦٣: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه عمر بن عبيد صاحب الخمر، وهو ضعيف.
(٢) نقله عنه ابن المنذر في "الأوسط" ١/ ٤٣٤، وأخرجه عنه البيهقي ١/ ٢٧٢.
[ ١ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليس فيه خلاف (^١). وقال الحسنُ: رَوى المسحَ سبعون نفسًا، قولًا وفعلًا منه ﵊ (^٢). وقال الإمامُ أحمد: ليس في قلبي من المسح على الخفين شيءٌ - أي: شكٌّ- فيه أربعون حديثًا عن النبيِّ ﷺ. قال في "المبدع": ومن أمَّهاتها حديثُ جرير قال: "رأيتُ النبيَّ ﷺ بال، ثمَّ توضأ ومسحَ على خفَّيه". قال إبراهيمُ النَّخعيُّ (^٣): فكان يعجبُهم ذلك؛ لأنَّ إسلامَ جريرٍ كان بعد نزولِ "المائدة". متَّفق عليه (^٤). فليس منسوخًا بالآية
(ومن أُمَّهاتها حديثُ جرير) أي: ومِن معظمها، كـ: "الحجُّ عَرَفةُ" (^٥). (فكان يعجبهم ذلك) أي: حديثُ جرير؛ بدليل التعليل. والضميرُ في "يعجبهم" راجعٌ للأَئمَّة الأربعة (^٦). (لأنَّ إسلامَ جريرٍ كان بعد نزولِ المائدة) يعني: فتكونُ آيةُ الغَسل متقدِّمة في النزول على إسلامه، فلا يُتوهَّمُ أن تكونَ ناسخةً لآية التيمم (^٧)؛ لأنَّ المتقدِّمَ لا ينسخ المتأخِّرَ، فتدبَّر. محمَّد الخلوتي. (فليس منسوخًا بالآية) مفرَّع على التعليل، أي: ولما كان إسلامُ جريرٍ بعد نزول المائدة، فليس المسحُ الذي ثبت بفعله ﷺ منسوخًا بآية الغَسل.
_________________
(١) ونقله عنه ابن المنذر في "الأوسط" ١/ ٤٣٤. وابن المبارك: هو شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن، عبد الله بن المبارك، الحنظلي الحافظ، أحدُ الأعلام، له: "الزهد". (ت ١٨١ هـ). "السير" ١/ ٣٧٨ فما بعدها.
(٢) "الأوسط" ١/ ٤٣٠.
(٣) هو الحافظ، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس، النخعي اليماني ثمَّ الكوفي، أحد الأعلام، كان مفتي أهل الكوفة (ت ٩٦ هـ). "السير" ٤/ ٥٢٠ - ٥٢٩.
(٤) "صحيح البخاري" (٣٨٧)، و"صحيح مسلم" (٢٧٢)، وهو عند أحمد (١٩١٦٨).
(٥) هو قطعة من حديث أخرجه أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، (٨٩٠)، والنسائي ٥/ ٢٥٦، وابن ماجه (٣٠١٥) من حديث عبد الرحمن بن يَعْمَر ﵁. وهو في مسند أحمد (١٨٧٧٣)، (١٨٧٧٤). قال الترمذي: وقال ابن أبي عمر: قال سفيان بن عينية: وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري.
(٦) هذا غير معقول؛ لأنه من كلام إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى، وقد توفي قبل ولادة الأئمة الأربعة، وقد ورد في إحدى روايات مسلم (٢٧٢) (…): فكان أصحاب عبد الله يعجبهم هذا الحديث … الخبر. وقد جاءت العبارة في الأصل الخطي هكذا: راجع للعلماء. ثمَّ ضرب على لفظة: للعلماء. ووضع مكانها: للأئمة الأربعة.
(٧) لعله سبق قلم، ولا يخفى أن الصواب: ناسخة للمسح.
[ ١ / ٣٢٢ ]
ونحوهِ،
وقد استنبطه بعضُهم من القرآن، فحمل قراءةَ النصبِ على الغسل، وقراءة الجرِّ على المسْحِ؛ لئلا تخلو إحداهُما عن فائدة (^١).
(و) يصحُّ المسحُ على (نحوِه) أي: نحوِ الخفِّ كجُرموق -خُفٍّ قصير (^٢) -، وجَوْرَبٍ صفيقٍ من صُوْفٍ أو غيرِه، ولو غيرَ مجلد، أو منعل.
(وقد استنبطه بعضُهم) وجه الاستنباط: أنَّه بالجرِّ معمولٌ لـ: "امسحوا" (^٣)، وفعلُه ﷺ مبيَّنٌ لمجمَل القرآن، والذي حُفظ عنه ﵊ إنَّما هو المسحُ على الحائل، فيكون المعنى: بحوائل أَرجلِكم، فهو على حذف المضافِ، خلافًا للخوارج. محمَّد الخلوتي.
(كجُرْمُوق) وهو (خُفٌّ قصير) وهو وما عُطف عليه مثالٌ لما يستُر محلَّ الفرض وثَبَتَ بنفسه. قال الجوهريُّ: وهو مثالُ الخفِّ يُلبس فوقه (^٤)، لا سيَّما في البلاد الباردة، وهو فارسيٌّ معرَّب، ويسمَّى أيضًا المُوْق، ويجمع على أَمواق (^٥). وإنما صحَّ المسحُ على المُوْق؛ لَمَا روى بلالٌ قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يمسح على المُوْقَين. رواه الإمام أحمدُ وأبو داود (^٦). ولأنَّه ساترٌ يمكن متابعةُ المشي عليه، أَشْبَهَ الخفَّ. دنوشري.
(وجَوْرَبٍ) ويصحُّ المسحُ أيضًا على جورب (صَفيقٍ) وهو ما يُتَّخذ (من صوف أو غيره) منسوجٍ بحيث يكون صفيقًا لا تُرى منه البَشَرة وِفاقًا لمالكٍ (^٧) وأبي حنيفة (^٨). قال الزركشي:
_________________
(١) "إعراب القرآن للنحاس" ٢/ ٩، والقراءة سلف تخريجها ص ٢٥٨.
(٢) "القاموس المحيط" (جرمق).
(٣) جاء بعدها في الأصل: "فيكونان"، ولا داعي لها.
(٤) عبارة "الصحاح": الجرموق: الذي يلبس فوق الخفِّ.
(٥) في "الصحاح" (موق): والموق: الذي يلبس فوق الخفِّ، فارسي معرَّب.
(٦) "مسند" أحمد (٢٣٩١٧)، و"سنن" أبي داود (١٥٣)، واللفظ لأحمد.
(٧) اشترط مالك أن يكون الجورب مجلَّدًا، وفي رواية أخرى لم يجزه ولو كان مجلدًا. ينظر "التمهيد" ١١/ ١٥٦ - ١٥٧، و"منح الجليل" ١/ ٨٠.
(٨) في روايةٍ. "الاختيار لتعليل المختار" للموصلي ١/ ٣٩ - ٤٠.
[ ١ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو غِشاءٌ من صوف يتَّخذ للدِّفء، وهو فارسيٌّ معرَّب. وفي "شرح المنتهَى" لمصنِّفه: ولعله اسمٌ لكلِّ ما يلبس في الرِّجل على هيئة الخفِّ من غير الجلد. والمسحُ عليه من المفردات (^١). وفي "القاموس": الجورب: لِفَافة الرِّجل، والجمع: جَوَارِبَة (^٢).
ولا يُشترط في لابسِ الخفِّ وما في معناه أنْ يكونَ سليمًا. فيجوز المسحُ حتى لِزَمِنٍ لا يمكنه المشيُ عليه. ويصحُّ المسحُ أيضًا برجل واحدةٍ قُطعت أُخراها من فوقِ فرضِها، بأنْ لم يبقَ من الأخرى شيءٌ، فيجوز لُبْسُ الخفِّ على الباقية، ويمسحُ عليها بمفردها. وفُهم من قوله (^٣): قُطعت أخراها. أنَّها لو كانت باقيةً وأراد المسحَ عليها وغَسلَ الأخرى، لم يَجز؛ لأنَّه إذا غسل واحدةً، غُلِّب جانب الغَسل، فيجب غَسلُ ما في الخفِّ تَبَعًا للَّتي غسلها، ولا يصحُّ المسحُ عليها بمفرَدها. وفُهم من قوله: مِن فوق، أنَّها إذا قُطعت مِن دونِ فرضِها، أنَّه لا يصحُّ المسحُ على أَحَدهما وغَسلُ الأخرى، اللَّهم إلَّا إذا لبس الخفَّ على الأخرى، فيمسحُ عليهما معًا.
ولا يُشترط أن يكون الخُفَّان من جنسٍ واحد، فلو لبس أحدَ الجُرْموقين في إحدى الرِّجلَين ولبس في الأخرى إحدى الخفَّين، جاز المسحُ عليهما حيث كانا ساترَين لمحلِّ الفرض.
ولا يصحُّ المسحُ على الخفَّين لمُحْرِم لَبِسَ الخفَّين لحاجة، وهي ما إذا فقد النَّعلين حالَ الإحرامِ واحتاج للُبس الخفَّين، فلبسهما، فإنَّه لا يصحُّ أن يمسحَ عليهما ولو لبسهما لحاجة؛ لأنَّ المسحَ على الخفين رخصةٌ، ولبس المُحْرِمِ المَخِيطَ رخصةٌ أخرى، فلا
_________________
(١) "الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني" ١/ ٧٩.
(٢) وجوارب، كما في "القاموس" (جرب).
(٣) هو قول صاحب "منتهى الإرادات" ١/ ١٧.
[ ١ / ٣٢٤ ]
مباحٍ، ساترٍ لفرضٍ،
وللمسْحِ على الخفِّ ونحوِه شروطٌ، أشار إلى بعضها بقوله:
(مباحٍ) بالجرِّ صفة لـ "خفٍّ"؛ لأنَّ المسْحَ رخصةٌ، فلا تُستباح بالمعصيةِ، فلا يصِحُّ على مغصوبٍ وحريرٍ ولو في ضرورة، كخوفِ سقوطِ أصابعَ بثلجٍ، لكنْ يباحُ حريرٌ لأنثى فقط.
(ساترٍ لـ) ـمحلِّ (فَرضٍ)
يترخص مرَّتين، بل يَنزِعهما ويغسل رِجلَيه حيث كان قادرًا على الماء. وقيل: يجوز له المسحُ حيث لَبِسهما لحاجة. وهو أَظهرُ كما ذكره صاحبُ "التنقيح" قال: واخترنا جوازَ المسحِ له، وهو ظاهرُ كلامِ الأصحاب؛ لإطلاقهم المسحَ على الخفَّين ولم يستثنوا أحدًا، ولم أَرَ المسألةَ إلا في "الفروع" (^١)، وعنده تحقيق.
ولا يصحُّ للذَّكَر المسحُ على الخفِّ الحرير. دنوشري مع زيادة.
(من صوفٍ أو غيرِه) أشار الشارحُ بقوله: "أو غيره" إشارةً إلى كون الجوربِ من صوف ليس شرطًا، بل هو الغالبُ، ويجوز من غيره كالخِرَق، على المذهب. بعض الشرَّاح.
(وللمسح على الخفِّ ونحوه شروطٌ) ولمَّا كان المسحُ على الخفَّين وما في معناهما مشروطًا بشروط ثمانيةٍ، ذكر المصنِّفُ أربعةً، والشارحُ ثلاثةً، وذكرتُ واحدًا ذكره "المنتهى" نبَّه المصنِّفُ على بعضها، والشارحُ على بعضها.
الشرطُ الأوَّل: ما أشار إليه بقوله: (مباحٍ) يعني إباحتَه مطلقًا، سواءٌ كانت هناك ضرورةٌ تدعو إلى لُبسه، كخوف سقوطِ أصابعه من شدَّة البردِ والثلجِ إنْ نزعه، أو لم تكن ضرورةٌ. (فلا يصحُّ المسحُ على مغصوب) ونحوِه (وحريرٍ) لِذَكَرٍ (ولو لضرورة) داعيةٍ إلى ذلك، كما تقدَّم. فإنْ لَبِسَه ومَسَح، أعاد الطهارةَ والصلاةَ؛ وذلك لأنَّ المسحَ رخصةٌ، فلا تُستباح مع المعصية، كما لا يَستبيحُ المسافرُ الرُّخَصَ بسفر المعصية. دنوشري.
_________________
(١) ٥/ ٤٢٣.
[ ١ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو القَدَمُ كلُّه،
ساترٍ لمحلِّ فرضٍ: الشرط الثاني: ما أشار إليه بقوله: (ساترٍ لمحلِّ فرض) فلا يصحُّ المسحُ إلَّا على ما يستُرُ محلَّ الفرض.
(وهو القدمُ كلُّه) فلو كان الفرض ظاهرًا، لم يَجز المسحُ عليه؛ لأنَّ حكمَ ما ظَهَرَ الغَسلُ، وحكم ما سُتر جوازُ المسح، ولا سبيلَ إلى الجمعِ ببنهما من غيرِ ضرورة، فوجب الغَسلُ، كما لو ظهرت إحدى الرِّجلَين، فإنَّه يجب أنْ يغسلَ الأخرى، سواءٌ كان ظهورُه لِقصَرِ الحائلِ، أو لصفائه، أو سَعَتِه، أو خَرْقٍ فيه، وإنْ صَغُر حتى موضع الخَرْز. وظاهرُه أنَّ الخَرْزَ إذا انضمَّ ولم يَبْدُ منه شيءٌ أنَّه يجوز المسحُ. وهو المنصوصُ. لكن مال المجدُ إلى العفو عن خَرْقٍ لا يمنع متابعةَ المشيِ نظرًا إلى ظاهر خِفَافِ الصحابة ﵃. وبالغ الشيخ تقيُّ الدين فقال: يجوز على المخرَّق إلا إن تخرَّق أكثره. واختار الشيخ تقيُّ الدين جوازَ المسح على الخفِّ المخروق ما دام اسمُه باقيًا والمشيُ فيه ممكنًا (^١). واختاره أيضًا جَدُّه المجدُ وغيرُه من العلماء. واختار الشيخ تقيُّ الدين أيضًا جوازَ المسح [على] الملبوسِ ولو كان دونَ الكعب (^٢). والمذهبُ الأوَّلُ. وعِلَّتُه ما تقدَّم. ولا يُشترط في الساتر كونُه صحيحًا، بل لو حصل السَّترُ بمخرَّق أو مفتَّقٍ وينضمُّ بلُبسه، فإنَّه يجوز المسحُ عليه إذا انضمَّ بلُبْسه؛ لحصول السَّترِ به. فإنْ لم ينضمَّ بلُبسه، لم يصحَّ المسحُ عليه؛ لكونه غيرَ ساترٍ حينَئذٍ، أو كان القدمُ يظهر بعضُه (من الخفِّ) (^٣) الملبوسِ (لولا شدُّه) أي: ربطُه من أَعلى (أو شَرْجُه) بالشين المعجَمةِ والجيمِ، أي: يزرره، بأن يكون له عُرًى كالزَّربول الذي ليس له ساقٌ، فيُدخِلُ بعضَها في بعض، فيستُرُ بذلك محلَّ الفرض، فإنَّه يصحُّ المسحُ عليه. قال الزركشي: وفي معنى الخفِّ الزَّربولُ الذي له آذان. وقال أبو الحسن الآمديُّ: لا يجوز المسحُ عليه كاللَّفائف. ولنا: أنَّه خفٌّ ساترٌ يمكن متابعةُ المشي فيه، فيصحُّ المسحُ عليه.
_________________
(١) "الاختيارات" ص ٢٤.
(٢) "الإنصاف" ١/ ٤٠٥، وما بين حاصرتين زيادة منه.
(٣) قوله: "من الخف … لولا شده أو شرجه" سيأتي في الصفحة التالية من عبارة "الهداية".
[ ١ / ٣٢٦ ]
يثبُتُ بنفسِه.
وإلَّا، فحكمُ ما استتر المسحُ، وما ظهرَ الغَسْلُ، ولا يُجمع بينهما؛ فوجب الغَسْلُ؛ لأنَّه الأصل.
(يَثْبُتُ) الخفُّ ونحوه في الرِّجْل (بنفسه) من غيرِ شدٍّ؛ إذ الرُّخْصَةُ وردتْ في المعتاد، وما لا يثبتُ غيرُ مُعْتادٍ، لكنْ لو ثبتَ بنعلين، صحَّ المسحُ إلى خَلْعِهما، ويمسحُ على سُيُور (^١) النعلين، وما ظَهَر من الخفِّ. وإذا ثبت بنفسه لكنْ يبدو بعضُه لولا شدّه أو شرجه (^٢)، كزَربول (^٣) له ساقٌ، صحَّ المسحُ عليه.
ولا فرقَ في المخرَّق الذي ينضمُّ بلُبْسه بين كونِ الخَرْقِ كبيرًا أو صغيرًا، مِن موضع الخَرْزِ أو غيرِه. دنوشري مع زيادة.
(وإلَّا فحكمُ ما استتر .. إلخ) أي: وإلَّا، بأنْ ظهر منه شيءٌ فحكمُ إلخ.
"يثبت بنفسه": الشرط الثالث: أشار إليه بقوله: (يثبت بنفسه) أو بنعلَين. وتستمرُّ مدَّةُ المسحِ إلى خَلْعهما ولو قبل اليومِ والليلةِ للمقيم، أو الثلاثةِ أَيامٍ بلياليهنَّ للمسافر الذي لم يَعصِ بسفره؛ إذ الرخصةُ وردت في الخفِّ المعتادِ، وما لا يثبتُ بنفسه ليس في معناه، وحينئذٍ لا يجوز المسحُ على ما سقط؛ لِزوالِ شرطِه، ولا على اللفائفِ في المنصوص. وحكاه بعضُهم إجماعًا؛ لعدم ثبوتها بنفسها، سواءٌ كان تحتَها نعلٌ، أوْ لا، ولو مع مشقَّة في الأصحِّ. لكن حكى ابنُ عبدوسٍ روايةً بالجواز بشرط قوَّتها وشَدِّها. دنوشري. (من غير شدٍّ) أشار بهذا القيدِ إلى مفهومِ كلامِ المصنِّف أنَّه إذا كان لا يثبت إلا بشدٍّ أنَّه لا يجوز المسحُ عليه. وهو كذلك. ويُستثنى من هذا المفهومِ ما لو ثبتَ الجَوْربان بالنَّعلين أنَّه يجوز المسحُ عليهما ما لم يخلع النَّعلَين، ويجب أن يمسحَ على الجَوْربين وسُيُور النعلينِ قَدْرَ الواجب. ويستثنَى منه أيضًا جوازُ المسحِ على الذي يثبتُ بنفسه ولكن يبدو بعضُه لولا شدُّه أو شَرْجُه على المذهب. بعضُ الشرَّاح. (وما لا يثبت) أي: بنفسه (لكن لو ثبتَ بنعلَين) استدراكٌ على قوله: "بنفسه" دَفَعَ به ما يتوهَّم نفيُه.
_________________
(١) السُّيور: جمع سَيْر، وهو ما يقدُّ من الجلد طولًا، وهو الشِّراك. "معجم متن اللغة" (سير).
(٢) الشَّرَج: العُرى. "القاموس المحيط" (شرج).
(٣) الزربول: هو ما يلبس في الرِّجْل، والمعروف عند العامَّة أنها الحذاء الضخم. "معجم متن اللغة" (زرب).
[ ١ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن شرْطِ الخفِّ ونحوِه أيضًا: إمكانُ مشيٍ فيه عُرفًا، ولو لم يكنْ معتادًا، كلبدٍ وخشبٍ، وطهارةُ عينه،
(ومن شرط الخفِّ ونحوِه أيضًا) أي: كما شُرط له الإباحةُ وما عطف عليها يُشترط أيضًا: إمكانُ مشيٍ فيه: الشرطُ الرابع: ما أَشارَ إليه بقوله: (إمكان مشيٍ فيه عُرفًا ولو لم يكنْ معتادًا) فعلى المذهبِ يصحُّ المسحُ على الجلود، واللُّبودِ، والخشبِ، والزُّجاجِ الصَّفيقِ الذي لا يَصِفُ البَشَرةَ، والحديدِ، ونحوِ ذلك، حيث أمكنَ متابعةُ المشيِ فيه؛ لأنَّه خفٌّ ساترٌ لمحلِّ الفرضِ أَشبهَ الجلودَ، ولأنَّه قد يُحتاج إلى بعضِها في بعض البلادِ، ولا يضرُّ عدمُ الحاجةِ في غيرها؛ لوجودها في الجملة. على أنَّ الضرورةَ ليست شرطًا لصحَّةِ المسح. دنوشري.
وطهارةُ عينِه: الشرطُ الخامس: ما أَشارَ إليه بقوله: (وطهارة عينه) فلا يصحُّ المسح على نَجِس، كجلد الكلبِ والخِنزيرِ ونحوِهما، كالَّذي يتولَّد منهما أو مِن أحدِهما، ولا على جلد الميتةِ، ولو مدبوغًا، ولو في ضرورةٍ، كالبلاد الباردة التي يخاف سقوط أصابعِه من شِدَّة بردِها، فإنَّه لا يسوغُ له المسحُ عليها إذا لبسها لضرورة، ويؤمَرُ بنزعها. وإن خاف ولم يَنْزع، تيمَّمَ معها؛ لمَستورٍ بذلك النجسِ، فإن كان النجِسُ خُفًّا، تيمَّم مع خوف نزعِه لغَسل الرِّجلين. وإن كان عِمامةً، تيمَّمَ -مع خوف نزعِها- لمسح الرأسِ. وإن كان جبيرةً، تيمَّم - مع خوف نزعِها- لغَسل ذلك العضوِ المشدودةِ عليه. ولا يمسحُ على ما كان نجِسًا من ذلك جميعِه. ويعيدُ ما صلَّى بالسَّاتر النجسِ. قال المجدُ: هذا هو الأظهرُ. واختاره ابنُ عقيل. قال في "الإقناع" (^١): ولو مسح على خفٍّ طاهرِ العينِ، لكن بباطنه أو قدمِه نجاسةٌ لا يمكن إزالتُها إلَّا بنزعه، جاز المسحُ عليه، ويستبيحُ بذلك مسَّ المصحفِ والصَّلاةَ إذا لم يجدْ ما
_________________
(١) ١/ ٥٤.
[ ١ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وألَّا يَصِفَ القدمَ لصفائه -كزجاجٍ رقيقٍ- أو خِفَّته.
يزيل النَّجاسةَ. قلت: ولا يكون هذا مُخرَّجًا على رواية الوضوءِ قبل الاستنجاءِ أو الاستجمارِ؛ لأنَّهم قالوا: إنَّ الحَدَثَ يرتفع قبل زوالِ حكمِ الخَبَث. وفرَّق المجدُ بينهما بأنَّ نجاسةَ المحلِّ هناك لمَّا أَوجبت الطهارتين، جُعلت إحداهما تابعةً للأُخرى، وهذا معدومٌ هنا، وأُبيح له فِعْلُ الصلاةِ مع النَّجاسةِ للضَّرورة. وقال في "المبدع": والإعادةُ تحتمل وجهين. دنوشري مع زيادة.
"وألَّا يَصِفَ القدم": الشرطُ السادس: ما أشار إليه بقوله:
(وألَّا يصفَ القدم) أي: لا يصفُ البَشَرة (لصفائه، كالزُّجاج الرقيقِ، أَو خِفَّتِه) كالجَوْرب إذا لم يكن صَفيقًا، بأن كان خفيفًا يَصِفُ القدمَ، لم يَجز المسحُ عليه؛ لأنَّه غيرُ ساترٍ لمحلِّ الفرضِ، أَشبهَ النَّعلَ.
وبقي شرطٌ نبَّه عليه صاحبُ "المنتهى" (^١) بقوله: وألَّا يكونَ واسعًا يُرَى منه بعضُ محلِّ الفرض. فإنْ كان واسعًا بحيث يُرى منه الكعبُ أو بعضُ القدم، فلا يجوز المسحُ عليه؛ لأنَّه غيرُ ساترٍ لمحلِّ الفرضِ، أَشبهَ المخرَّقَ الذي لا ينضمُّ بلُبْسه.
وإنْ لَبِسَ لابسُ خفٍّ أو نحوِه على خفِّه خفّا آخَرَ لا بعد حدثٍ، بأنْ لَبِسَ الخفَّ الثانيَ قبل الحدثِ ولو مع خَرْقِ أحدِ الخفَّين، سواءٌ كان المخرَّقُ الفوقانيَّ أو التحتانيَّ، صحَّ المسحُ على الفوقانيِّ وإن كان مخرَّقًا، ولا يجوز المسحُ على التحتانيِّ إلَّا أن يكونَ هو الصحيحَ؛ لوجود الساترِ. هذا مع خَرْقِ أَحدِهما، أمَّا إذا كانا مخرَّقين، لم يجز المسحُ على واحدٍ منهما ولو ستر، كما ذكره في "الإنصاف" (^٢).
وأمَّا إذا كانا صحيحينِ ولَبِسَ الثانيَ قبل الحدثِ، مسح أيَّهما شاء، إنْ شاءَ الفوقانيَّ وإنْ شاءَ التحتانيَّ، بأن يُدخِلَ يده تحت الفوقانيِّ فيمسح عليه، كما ذكره في
_________________
(١) ١/ ١٨.
(٢) ١/ ٤١٣.
[ ١ / ٣٢٩ ]
وعلى عِمامةٍ محنَّكةٍ،
(و) يصحُّ المسحُ (على عِمامة) لقولِ عمرو بن أمية: "رأيتُ النبيَّ ﷺ مسحَ على عمامته وخفَّيه". رواهُ البخاري (^١). (محنَّكةٍ) وهي التي يُدَارُ منها تحتَ الحَنَك (^٢) كَور
"الإقناع" (^٣) لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما محلٌّ للمسح، فجاز المسح عليه، كما يجوز غَسْلُ قدميه في الخفِّ مع جواز المسحِ عليه. وإن نزع الفوقانيَّ قبل المسحِ عليه، لم يؤثِّر في بقاء المدَّة. وفُهم من قوله (^٤): "لا بعد حدث" أنَّه لو أَحدثَ ثمَّ لَبِسَ الآخَر، أو مسح الأوَّلَ ثمَّ لبس الثانيَ، لم يجز المسحُ عليه، بل على الأسفلِ حيث كان صحيحًا أيضًا. وحاصله: أنَّهما إذا كانا صحيحين، صحَّ المسحُ على أيِّهما شاء، أو كان التحتانيُّ وحدَه صحيحًا، أو الفوقانيُّ وحدَه صحيحًا، صحَّ المسحُ على الفوقانيِّ منهما. وقيل: إذا كان التحتانيُّ وحدَه صحيحًا، لا يصحُّ المسحُ إلَّا عليه. والمذهب الأوّل.
ولو لبس أحدَ الجُرْمُوقين في إحدى الرِّجلَين دون الأخرى، جاز المسحُ عليه وعلى الخفِّ الذي في الرِّجل الأخرى؛ لأنَّ الحكم تعلَّق به وبالخفِّ الذي في الرَّجل الأخرى، فهو كما لم يكن تحتَه شيءٌ.
وإنْ نَزَع الممسوحَ، بأن كان صحيحًا أو مخرَّقًا وما تحتَه صحيحٌ، لزم نزعُ ما تحته، ولزمه غَسلُ رِجلَيه؛ لأنَّ محلَّ المسحَ قد زال، ونَزْع أَحدِ الخفين كنزعهما؛ لأنَّ الرخصةَ تعلَّقت بهما، فصار كانكشاف القدمِ.
(ويصحُّ المسحُ على عِمامة) بشروطٍ أَربعةٍ: ذَكَرَ المصنِّف ثلاثةً والشارحُ واحدًا.
الأوّل: كونُها (مُحَنَّكةً: وهي التي يُدار منها تحت الحنكِ كَوْرٌ أو كَوْران) فلا يجوز المسحُ على غير المحنَّكة، وهي الصَّمَّاء؛ لأنَّها لم تكن عِمَّةَ المسلمين ولا يَشُقُّ نزعُها،
_________________
(١) في "صحيحه" (٢٠٥).
(٢) "المطلع" ١/ ٢٣.
(٣) ١/ ٥٤.
(٤) هو قول صاحب "المنتهى" ١/ ١٨.
[ ١ / ٣٣٠ ]
أو ذاتِ ذؤابةٍ،
- بفتح الكاف- أو كَوران، وإن لم يكنْ لها ذُؤابة.
(أو) أي: وعلى عِمامة (ذاتِ) أي: صاحبةِ (ذؤابةٍ) بضمِّ المعجمة، بعدَها همزةٌ مفتوحة، وهي طرفُ العِمامة المرخيُّ (^١).
أَشبهت الطاقيةَ والكلتة (^٢)، وهي منهيٌّ عن لُبْسها. وقد رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ أَمرنا بالتلحِّي (^٣) ونهى عن الاقتعاط. رواه أبو عبيد. والاقتعاط: ألَّا يكونَ تحتَ الحنكِ منها شيءٌ. قال عبد الله: كان أبي يكره أنْ يعتمَّ الرجلُ بالعِمامة ولا يجعلَها تحت حنكِه. فلا يُباحُ المسحُ عليها مع النهي، ولا يتعلَّق بها رخصة. وقد رُوي عنه أنَّه كَرِهَه كراهةً شديدة، وقال: إنَّما يعتمُّ مِثلَ هذا اليهودُ والنَّصارى. قال في "الفروع" (^٤): وكره الإمامُ أحمدُ لُبْسَ غيرِ المحنَّكة، والأقربُ أنَّها كراهةٌ لا ترتقي إلى التحريم. واختار الشيخُ تقيُّ الدين (^٥) جوازَ المسحِ على العِمامة الصمَّاءِ أيضًا ولو لم تكنْ محنَّكة، وقال: هي كالقلانس المبَّطنة وأَولى؛ لأنَّها في السَّتر ومشقَّة النزعِ لا تقصُرُ عنها. والمذهب الأوَّل. وإذا كانت محنَّكة، جاز المسحُ عليها، سواءٌ كان لها ذُؤَابةٌ أم لم يكنْ؛ لأنَّ هذه عِمَّةُ المسلمين على عهدِه ﷺ، وهي أكثرُ سَتْرًا، ويشقُّ نزعُها. قال القاضي: وسواءٌ كانت صغيرةً أو كبيرةً؛ لأنَّها تفارق عمائمَ أهلِ الكتاب. وان لم تكن محنَّكةً أو ذاتَ ذُؤابةٍ، لم يجز المسحُ عليها، وهي الصَّمَّاء. والذُّؤابة، بضمِّ الذال … إلخ، قال الجوهريُّ (^٦): هي من الشَّعر. وهي النَّاصية، أو منبتُها من الرَّأس. والمراد بالذُّؤابة هنا العِمامةُ المَرخيُّ منها شيءٌ، سمِّي بذلك مجازًا. دنوشري وزيادة.
(أو ذاتِ ذؤابةٍ) والأفضلُ في الذؤابةِ أن تكونَ قَدْرَ شِبرٍ، فلو كانت أكثرَ، فلا بأس،
_________________
(١) "المطلع" ص ٢٣.
(٢) الكلوتة: ضرب من القلانس يلبسه أرباب السيوف في الدولة الأيوبية. "متن اللغة": (كلت).
(٣) في الأصل: "بالتحلي"، والمثبت من "غريب الحديث" لأبي عبيد ٣/ ١٢٠، و"الفائق" للزمخشري ٣/ ٣١٠. قال الزمخشري: التلحِّي: أن يدير العمامة تحت حنكه. والاقتعاط: ترك الإدارة.
(٤) ١/ ٢٠٢.
(٥) "الاختيارات الفقهية" ص ٢٥.
(٦) في "الصحاح": (ذأب).
[ ١ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن لم تكنْ محنَّكةً، قال الإمام أحمدُ في روايةِ الأثرم وغيرِه: ينبغي أن يرخيَ خَلْفه من عمامته، كما جاء عن ابن عمرَ أنَّه كان يعتمُّ ويرخيها بين كتفيه (^١). وعن ابن عمر قال: عمَّم النبي ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بعمامةٍ سَوْداءَ، وأرخاها من خَلْفِه قَدْرَ أربعِ أصابع (^٢). فلا يصحُّ المسحُ على عمامة صمَّاء (^٣).
رُوي أنَّ ذؤابة ابنِ الزبيرِ كانت تبلغُ سُرَّتَه، أو ووسطَه (^٤). وأمَّا محلُّها، فالسُّنَّةُ أن تكونَ خلفَه. وأمَّا ما يفعله بعضُ الناسِ من إخراج طرفِ العمامةِ عند انتهاءِ لفِّها قدرَ الإِصبعِ، فليس بذؤابة، فلا تخرجُ به العِمامةُ عن الصمَّاء. ولو جعل في عمامةٍ خِرقةً وأَرخاها ذؤابةً، فقال ابنُ عبدِ الهادي: ظاهرُ كلامِهم لا فرقَ.
والسنَّة في العِمامة أن تكونَ بيضاءَ. ويجوز أن تكونَ خضراءَ أو سوداءَ. وأمَّا العِمامةُ الزرقاءُ والحمراءُ والصفراءُ، فيُكرهُ لُبسُها؛ لأنَّ ذلك زِيُّ اليهودِ والنصارى والسامرة. ولُبْسُ الطائفةِ الأحمديَّةِ العِمامةَ الحمراء الأولى (^٥) … فلا يمنع كونه زِيَّ مَن ذكر. انتهى ما وجدته بخطِّ الوالد. (فلا يصحُّ المسحُ على عمامة صماء) هذا محترز قوله: "محنكة" أو ذات ذؤابة (^٦) … ساترة للمعتاد.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٢٧.
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٦٧١) مطولًا. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/ ١٢٠: رواه الطبراني في "الأوسط" وإسناده حسن. وأخرج أبو داود (٤٠٧٩) عن عبد الرحمن بن عوف قال: عمَّمني رسول الله ﷺ، فسدلها بين يديّ ومن خلفي. وفي سنده رجل مجهول.
(٣) قال البهوتي في "كشاف القناع" ١/ ١٢٠: لأنها لم تكن عمَّة المسلمين ولا يشقُّ نزعها، أشبهت الطاقية.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٢٧ بنحوه.
(٥) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
(٦) بعدها في الأصل طمس بمقدار ثلاث كلمات.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ساترةٍ للمعتادِ لرَجُلٍ.
(ساترةٍ) بالجرِّ، صفةٌ بعد صفة لـ "عمامة". يعني أنَّه لابدَّ في العِمامةِ من أن تكونَ ساترةً (للمعتاد) سترُه من الرأس؛ فلا يضرُّ كَشْفُ مقدَّم الرَّأسِ، والأذنين، وجوانبِ الرَّأس. ولابدَّ من كونها (لرجُلٍ) المرادُ به الذَّكَر، كبيرًا كان أو صغيرًا، فلا يصحُّ مسحُ أنثى وخنثى عليها، ولو لبساها لضرورةٍ نحوِ بَرْدٍ. ولابدَّ من كونها مباحةً أيضًا، فلا يصحُّ المسحُ على مغصوبةٍ وحريرٍ.
الشرط الثاني: سَترُ العِمامةِ من الرأس غيرَ ما العادةُ كشفُه، كمقدَّم رأسِه، وجوانبِه، والأُذنين؛ لأنَّه جرت العادةُ بكشفِه، فيكفي عنه؛ لمشقَّة التحرُّز عن مِثلِه، بخلاف خَرقِ الخفِّ الذي لا ينضمُّ بلُبسه. ولا يجب مسحُ ما جَرَت العادةُ بكشفه مع العمامةِ؛ لأنَّ العمامةَ نابَتْ عن الرأسِ، فانتقل الفرضُ إليها وتعلَّقَ الحكمُ بها، ولأنَّ الجمعَ بينهما يُفضي إلى الجمعِ بين البَدَلِ والمبدَل في عضوٍ واحد، فلم يَجُزْ من غيرِ ضرورة، كالخفِّ، لكنه مستحبٌّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ مسح على عمامته وناصيته، في حديث المغيرةِ، وهو حديثٌ صحيح. دنوشري.
(ولابدَّ من كونها) أي: ويشترطُ أن تكونَ لرَجُل إلخ (لِرَجُل) الشرط الثالثُ: كونُها على ذَكَرٍ، فلا يصحُّ المسحُ على عمامةِ المرأةِ؛ لأنَّها منهيَّةٌ عن التشبُّه بالرِّجال، فكانت محرَّمةً في حقِّها، فلا تَترخَّص معه. قال في "الفروع" (^١): ولا تَمسح امرأةٌ على عمامة. ويُشترط أيضًا مع ما ذكره أن تكونَ العمامةُ مباحةً، فلو كانت مغصوبةً أو حريرًا، لم يصحَّ المسحُ عليها ولو لَبِسها للضَّرورة، كما ذكره في "الإنصاف". قال في "الرِّعاية" -نقلًا عن "الإنصاف" (^٢) -: وإن لَبِسَ عمامةً فوق عِمامةٍ لحاجة، كبرد أو غيرِه، قبل حَدَثِه وقبل مسحِ السُّفلى [مَسَحَ العليا التي بصفة السُّفلى] لأنَّهما صارا كالعمامةِ الواحدة، وإلَّا فلا، كما لو تَرَكَ فوقها مِنديلًا أو نحوَه. فإنَّه لا يصحُّ المسحُ عليه. ويجب مسحُ أَكثرِ العمامةِ؛ لأنَّها
_________________
(١) ١/ ٢٠٣.
(٢) ١/ ٤١٤ - ٤١٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وخُمُرِ نساءٍ مدارةٍ تحت حُلوقِهنَّ
(و) يصحُّ المسحُ على (خُمُر نساءٍ) جمعُ خِمار -ككِتَاب وكُتُب- وهو ثوبٌ تغطِّي به المرأةُ رأسَها (^١) (مدارةٍ) تلكَ الخُمُر (تحت حُلوقِهنَّ) أي: النساء؛ لأنَّ أمَّ سلمةَ ﵂ كانتْ تمسحُ على خمارها. ذَكَره ابنُ المنذر (^٢)
ممسوحةٌ على وجه البَدَلِ، فأجزأَ بعضُها، كالخُفِّ. ويختصُّ ذلك بأَكوارها، وهي دوائرُها. قاله القاضي (^٣). فإنْ مسح وسطَها فقط، أَجزأَه في وجهٍ، كما يُجزئ بعضُ دوائرِها. وعنه: يجب استيعابُها؛ قياسًا على مسحِ الرأس. وقيل: يُجزئ مسحُ بعضِها. والصحيحُ الأوَّلُ. قال في "الفروع" (^٤): ويُجزئ مسحُ أكثرِ العمامةِ، على الأصحِّ. دنوشري وزيادة.
(ولابدَّ من كونها مباحةً) أي: ويُشترط أن تكونَ … إلخ.
(ويصحُّ المسحُ) أيضًا (على خُمُرِ نساءٍ … مُدارةٍ … تحت حلوقِهنَّ) في إحدى الرِّوايتين. قال في "الإنصاف" (^٥): وهو المذهبُ، وصحَّحه في "التَّصحيح" (^٦)، والمجدُ في "شرح الهدايةِ". (وكانت أُمُّ سَلَمةَ تمسحُ على خِمارها. ذكره ابنُ المنذر) وفي لفظٍ للإمام أحمدَ: أنَّ النبي ﷺ قال: "اِمسحوا على الخفَّين والخِمار" (^٧) ولأنَّه ساترٌ يَشُقُّ نزعُه، أَشبهَ المحنَّكةَ. وعُلم من قولِه: "مدارةٍ تحت حلوقِهنَّ" أنَّ خِمارَ المرأةِ إذا لم يكنْ مدارًا تحتَ حلقِها، لا يصحُّ المسحُ عليه. كما أنَّه لا يصحُّ المسحُ على قلانِسَ ولو محبوساتٍ تحت حلقِه.
_________________
(١) "المطلع" ص ٢٢.
(٢) في الأوسط" ١/ ٤٦٨ بإسناده إليها، وأخرجه عنها أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ٢٢.
(٣) "المغني" ١/ ٣٨٣، والكلام في "التمام" لابن أبي يعلى ١/ ١٠٤ بنحوه.
(٤) ١/ ٢١٢.
(٥) ١/ ٣٨٧.
(٦) في الأصل: "التنقيح"، والصويب من "الإنصاف".
(٧) "المسند" (٢٣٨٩٢). وهو عند مسلم (٢٧٥)، وأحمد أيضًا (٢٣٨٨٤) بلفظ: أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار.
[ ١ / ٣٣٤ ]
في حَدَثٍ أصغَرَ، يومًا وليلةً لمقيمٍ،
فلا يجوز المسحُ على الوقاية؛ لأنَّها كطاقيَّة الرَّجل لا يشقُّ نزعُ واحدة منهما.
وإنَّما يصحُّ المسحُ على جميعِ ما تقدَّم (في حَدَثٍ أصغرَ) لا أكبرَ؛ لحديث صفوان قال: "أمَرَنا رسولُ الله ﷺ أنْ لا ننزعَ خِفافنا ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ إلَّا من جنابة" (^١).
وقولُه: (يومًا وليلة) ظرفان للمَسْحِ، يعني أنَّه يصحُّ المسحُ على الخفِّ ونحوِه، [وعلى العِمامةِ] (^٢) والخُمُرِ مدَّةَ يومٍ وليلة (لمقيمٍ) وعاصٍ بسفره، أو دونَ المسافة
والقلانسُ: مبَّطناتٌ تُتَّخذ للنَّوم. والدَّنِّيَّات: قلانسُ كِبَارٌ كانت القضاةُ تَلبَسُها. قال في "مجمع البحرين": هي على هيئةِ ما تتَّخذه الصُّوفيةُ الآن. وقال في "الإنصاف": لا يباحُ المسحُ عليها، وهو المذهبُ (^٣). قال في "الفروع" (^٤): ولا يمسحُ قلنسوة. ووجهُ المذهبِ أنَّ القَلَنْسُوةَ لا يشقُّ نزعُها، فلم يَجُز المسحُ عليها.
ولا يصحُّ المسحُ أيضًا على لَفَائف، جمع لِفَافة: وهي خِرَقٌ تشدُّ على الرِّجل من غيرِ خياطة، سواءٌ كان تحتَها نعلٌ، أَوْ لا، ولو مع مشقَّةٍ في الأصحِّ. دنوشري مع زيادة.
(لا يشقُّ نزعُ واحدةٍ منهما) أي: مِن وقايةِ المرأةِ وطاقيَّةِ الرَّجُل، إلَّا مِن جَنابةٍ، فإنَّنا نَنزعُ الخفَّ وغيرَه.
(في حَدَثٍ أَصغَرَ) متعلِّقٌ بقوله: "يصحُّ المسحُ على خفٍّ" أمَّا الحدثُ الأكبرُ، فلا يصحُّ المسحُ عليه، بل يخلعه.
(يومًا وليلةً لمقيمٍ) ولو عاصيًا بإقامة، كمَن أَمَره سيِّدُه بسفر، فأَبى أنْ يسافرَ. ويمسحُ
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٩٦)، والنسائيُّ في "المجتبى" ١/ ٨٤، وابن ماجه (٤٧٨)، وهو عند أحمد (١٨٠٩١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) في (م)، والأصل، و(ح): "والعمامة".
(٣) في "الإنصاف ومعه المقنع والشرح الكبير" ١/ ٣٨٥: روايتان: إحداهما: الإباحة، وهو المذهب …، والرواية الثانية: يباح …؟! وينظر "الكافي" ١/ ٨٥، و"كشاف القناع" ١/ ١١٣.
(٤) ١/ ٢٠٣.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وثلاثةً بلياليهنَّ، بسفرِ قَصْرٍ.
(وثلاثة) أيامٍ (بلياليهنَّ، بسفرِ قَصْرٍ) أي: في سفرٍ تُقصَر فيه الصلاةُ -بأنْ كان مباحًا- مسافتُه يومان فأكثر، كما سيجيءُ في بابه؛ وذلك لما روى شُريحُ بنُ هانئ (^١) قال: سألتُ عائشةَ عن المسحِ على الخفِّين، فقالتْ: سلْ عليًّا؛ فإنَّه كان يسافرُ مع النبيِّ ﷺ. فسألتُه، فقال: قال رسولُ الله ﷺ: "للمسافرِ ثلاثةُ أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمقيم يومٌ وليلة" رواه مسلم (^٢).
ويخلعُ عند انقضاءِ المدَّةِ، فإن خاف، أو تضرَّر رفيقُه بانتظاره، تيمَّم، فلو مسح وصلَّى، أعاد. نصَّ عليه. ويمسح المدَّةَ المذكورةَ ولو نحو مستحاضةٍ.
أيضًا عاصٍ بسفره يومًا وليلةً، تنزيلًا للعاصي بالسَّفرِ أو في السفرِ منزلةَ المقيم، فلا يتجاوزانِ اليومَ والليلة.
(وثلاثةَ أيامٍ بلياليهنَّ) أي: ويمسحُ المسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بلياليهنَّ، ولو مستحاضةً ونحوها. وإنَّما أَنَّث "لياليهِنَّ" ولم يقل ﵀: لياليها؛ لِمَا في الأيام من معنى الجمعية، أو أنَّها اقترنت بلفظ الليلةِ، فاكتسبت التأنيثَ منه، كقول بعضِهم:
كَمَا شَرِقَت صدرُ (^٣) القناةِ من الدَّمِ
وكقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وهذه المدةُ لمن (بسفرِ قَصْرٍ) لم يَعْصِ به. فإن كان دون مسافةِ القصرِ أو محرَّمًا، مَسَحَ كالمقيم؛ لأنَّه في حكمه، وجَعْلًا لهذا السَّفرِ كعدمه. وحينئذٍ يخلعُ عند انقضاءِ المدَّةِ. وقيل: يمسحُ العاصي بسفرِه كغيره. ذكره ابنُ شهاب (^٤). وقيل: لا يمسحُ أصلًا؛ عقوبةً له. والأوَّلُ المذهبُ. ولا فرقَ بين ما إذا أَحدثَ
_________________
(١) هو أبو المقدام، المذحجي الكوفي، أدرك النبيَّ ﷺ ولم يره، (ت ٧٨ هـ). "السير" ٤/ ١٠٧ - ١٠٩، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ١٦٢.
(٢) برقم: (٢٧٦)، وهو عند أحمد (٧٤٨).
(٣) في الأصل: "صدور"، وهو خطأ. والمثبت من "ديوان الأعشى" ص ١٨٣، وصدره: وتَشْرَقُ بالقول الذي قد أَذَعْتَهُ.
(٤) هو أبو علي الحسن بن شهاب العكبري. ولد بعكبرا سنة ٣٣٥ هـ وقيل: ٣٣١. وتوفي سنة ٤٢٨ هـ لازم ابن بطة إلى حين وفاته. له المصنفات في الفقه والفرائض والنحو. "طبقات الحنابلة" ٢/ ١٨٦.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وعلى جبيرةٍ
وابتداءُ مدَّةٍ من حَدَثٍ بعد لُبس إلى مثله من الثاني في حقِّ المقيم، أو الرابعِ في حقِّ المسافر، فلو مَضَتِ المدَّةُ، ولم يمسحْ فيها، خَلَع.
(و) يصحُّ المسحُ (على جبيرةٍ) وهي أخشابٌ، أو نحوها تُربَطُ على كَسْرٍ، أو
ومسحَ في السفر، أو سافَرَ بعد حَدَثٍ وقبل مسحٍ في الحَضَر، فإنَّه يمسحُ ثلاثةَ أيامٍ بلياليهنَّ في المسألتين؛ لأنَّ المسحَ لم يوجدْ منه إلَّا في السفرِ، فتعلَّق الحكمُ به. ولا عِبرةَ بوجود الحدثِ في الحضرِ إلَّا من حيث ابتداء مدَّة المسحِ فقط. قال في "المبدع": لو مسحَ إحدى رِجلَيه في الحضرِ والأخرى في السفرِ، يتوجَّه لنا خلافٌ. وقواعدُ المذهبِ تقتضي أَنَّه لا يزيدُ على مسحِ مقيمٍ؛ تغليبًا للأصل. دنوشري مع زيادة.
قوله: (وابتداء مدَّة) أي: وقتُ المسحِ على الخفِّ وما في معناه (من حدثٍ بعد لبس إلى) مثل الحدثِ من اليوم (الثاني) وهو انتهاء اليومِ والليلةِ؛ لأنَّها عبادةٌ مؤقَّتةٌ، فاعتُبر أَوَّلُ وقتِها من حين جواز فعلِها، كالصلاةِ. فلو مضى من الحدثِ يومٌ وليلةٌ، أو ثلاثةٌ إنْ كان مسافرًا، ولم يمسح، انقضت المدَّةُ، ولَزِمه الخَلعُ. وما قبلَ الحدثِ لا يُحسب من المدَّة، فلو بقيَ بعدَ لُبْسِه يومًا وليلةً على طهارةِ اللُّبسِ، ثمَّ أَحدثَ، استباحَ بعدَ الحدثِ المدَّةَ؛ لأنَّ الزمانَ الذي يحتاجُ فيه إلى المسحِ هو الحدثُ، ولا يحتسبُ بالمدَّة الماضيةِ؛ لأنَّها قبلَ الحدث. وانتهاؤها مثل جوازِ مسحِه بعد حَدَثِه. فلو مضت المدَّةُ من بعد حدثٍ بعد لُبسٍ ولم يمسحْ فيها، لم يَخلعْ (^١).
(ويصِحُّ المسحُ على جبيرة) مطلقًا، سواءٌ كانت على جُرحٍ أو كسرٍ. نصَّ عليه؛ لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ (^٢)، ولأنَّه لا يشقُّ المسحُ عليها كلِّها، بخلاف الخفِّ، ولأنَّه مسحٌ للضَّرورة، أَشبهَ التيمُّمَ. هذا إذا كانتْ في محلِّ الفرضِ، فإن كان بعضُها في غير محلِّه، غَسَلَ ما حاذَى محلَّ الفرضِ. نصَّ عليه، وظاهرُه يقتضي استيعابَها بالمسح، وأَنَّه لا إِعادةَ
_________________
(١) أي: على الرواية الثانية أن ابتداء المدة من المسح بعد الحدث، كما في "الإنصاف" ١/ ٤٠٠.
(٢) سيأتي ص ٣٣٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المشهورُ؛ لأنَّه مسح على حائلٍ وُضع على طهارةٍ، فأَجزأَ من غيرِ تيمُّمٍ معه، كمسح الخفِّ، بل أَوْلى؛ إذ صاحبُ الضرورةِ أَحقُّ بالتَّخفيف. والروايةُ الثانيةُ: يتيمَّم معه؛ لظاهرِ قصَّةِ صاحبِ الشجَّة. وضُعِّف بأنَّه يحتملُ أنَّ "الواو" فيه بمعنى "أو"، ويحتملُ أنَّ التيمُّمَ فيه لشدِّ العِصابةِ على غيرِ طهارة، هذا إذا لم يتعدَّ شدُّها محلَّ الحاجة، فلو تعدَّى شدُّها محلَّ الحاجة -وهو محلُّ الكسرِ أو الجُرحِ وما لابدَّ مِن وضعِها عليه؛ لأنَّها لا توضعُ إلَّا على طرفَي صحيحٍ، ليرجعَ الكسرُ- وَجَبَ نزعُها وغسلُ ما زادَ على محلِّ الحاجة. كما لو شدَّها أيضًا على ما لا كسرَ فيه؛ لأنَّه إذا لم يَنزِعْها، يكون تاركًا لغَسل ما يُمكنه غسلُه من غيرِ ضرر، ولأنَّ موضعَ الحاجة يتقيَّد بقَدره، فيجبُ نزعُ الزائدِ، فإذا لم ينزعْها، لم يصحَّ المسحُ عليها. فإنْ خاف الضَّررَ مِن نزعها، مَسَحَ قَدْرَ الحاجةِ وتيمَّم لزائد، ولم يُجزئُه مسحُه على المذهب؛ لعدم الحاجةِ إليه. والحاصلُ أنَّه يجبُ المسحُ على الجبيرةِ ولو بسفرِ معصية، وفي نحوِ حَدَثٍ أَكبرَ إذا وضعت على طهارةٍ ولم يتجاوز المحلَّ إلَّا بما لابدَّ من وضع الجبيرةِ عليه؛ لأنَّها إنَّما توضعُ على طرفَي الصحيحِ. وإنْ وضعتْ على غير طهارةٍ وخيف نزعُها، كفى تيمُّمٌ، ولو عمَّت محلَّه. وإنْ وضعتْ على طهارةٍ وتجاوزت المحلَّ، وخيف نزعُها، تيمَّمَ لزائدٍ، ومسح غيرَه، وغسل الصَّحيحَ.
"مسألة": تفارق الجبيرةُ الخفَّ مِن أَوجُه: الأَوَّل: أنَّه لا يجوز المسحُ عليها إلَّا عند الضرورةِ بنزعها.
الثاني: أنَّه يجب استيعابُها.
الثالث: أنَّ المسحَ عليها مقيَّدٌ بالحَلِّ أو البُرء، وأنَّه يمسحُ عليها في الكبرَى والصُّغرى.
الرابع: أنَّه يجوزُ أن تكونَ الجبيرةُ من خِرَقٍ ونحوِها.
[ ١ / ٣٣٨ ]
لم تتجاوزْ قَدْرَ حاجةٍ، ولو في أكبرَ
نحوه؛ سُمِّيت بذلك تفاؤُلًا؛ لحديثِ جابرٍ عنه ﷺ في صاحب الشَّجَّة: "إنَّما كان يكفِيْه أن تيمَّمَ، وَيعْضِدَ أو يَغصِبَ على جُرحه خرقةً، ويمسحَ عليها، ويغسلَ سائرَ جَسَدِه" رواه أبو داود (^١).
إن (لم تتجاوز) تلكَ الجبيرةُ (قدرَ حاجةٍ) وهو موضعُ الكَسْرِ ونحوه، وما لابدَّ من وَضْعِ الجبيرة عليه من الصحيح؛ لأنَّه محلُّ حاجة، فتقيَّد بقدرها.
ويجزئُ المسحُ بلا تيمُّم، وحديثُ صاحبِ الشَّجَّة يحتمل أنَّ "الواو" فيه بمعنى "أو"، ويحتمل أنَ التيمُّم فيه لشَدِّه العصابةَ على غيرِ طهارة.
وعُلم منه أنَّه لا يمسحُ عليها حيثُ تجاوزت قدرَ الحاجة، بل يجبُ نزعُها. فإن خاف ضررًا، تيمَّمَ لزائدٍ، ومسح قدرَ الحاجة، وغَسَل الباقيَ، فيجمع إذَنْ بين الثلاثة.
ويمسحُ على الجبيرة (ولو في) حَدَثٍ (أكبرَ) لحديثِ جابر (^٢)، ولأنَّ الضررَ يلحقُ بنزعها؛ بخلاف نحوِ الخُفِّ.
الخامس: أنَّ المسحَ عليها عزيمةٌ؛ فيجوزُ بسفر المعصية.
السادس: أنَّه لا يُشترط فيها سَترُ محلِّ الفرضِ. والخفُّ بخلاف ذلك كلِّه. دنوشري مع زيادة وإيضاح.
(ويغسلُ سائرَ جسدِه) أي: في الجنابة (ونحوِه) أي: الجُرح. (من الصحيح) بيانٌ لما لابدَّ من وضع … إلخ، وهو ما أَحاطَ به ممَّا لا يُمكن الشدُّ إلا به.
(يَحتملُ أنَّ "الواو" فيه) أي: في قوله: "ويمسح". (بل بجبُ نزعُها) كما لو شدَّها على ما لا كسرَ ولا جُرحَ فيه إن لم يَخَفْ تَلَفًا (فإن خاف) إلخ.
_________________
(١) في "سننه" (٣٣٦). وأخرجه أيضًا الدارقطني في "سننه" (٧٢٩) وضعَّفه، وصححه ابن السكن كما في "التلخيص الحبير" ١/ ١٤٧. وأخرجه -أيضًا- أبو داود (٣٣٧)، وابن ماجه (٥٧٢)، وهو عند أحمد (٣٠٥٦) عن ابن عباس ﵄ بنحوه.
(٢) السالف آنفًا.
[ ١ / ٣٣٩ ]
إلى حَلِّها، إذا لبس الكلَّ
ولا يتقدَّر مسحُ الجبيرة بمدَّة، بل يمسحُ عليها (إلى حَلِّها) أي: نزعِها؛ لأنَّ مسحَها للضرورة، فيقدَّر بقدرها، وهي داعيةٌ إلى مسحها إلى حَلِّها، فقُدِّر به، وبرؤها كحلِّها، بل أَولى.
ومحلُّ صحَّةِ المسْحِ على ما تقدَّم (إذا لبس الكلَّ) من الخفِّ ونحوِه، والعمامةِ،
(إلى حلِّها) متعلِّقٌ بقوله: "ويصحُّ المسحُ على الجبيرة". إذا علمتَ ما يصحُّ المسحُ عليه، فمنه ما لا يتقدَّر بزمنٍ، ومنه ما يُقدَّر بزمن، وأَشارَ إلى الأوَّل بقوله: "إلى حَلِّها" أي: إلى حَلِّ جبيرةٍ أو بُرءِ ما تَحتها، ولو زادت مدَّتُها على مدَّة المسحِ على الخفِّ للمقيمِ والمسافر؛ لأنَّ المسحَ عليها للضَّرورة، وما كان كذلك، فإنَّه يتقدَّرُ بقَدرها، فيستمرُّ جوازُ المسحِ إلى حلِّها؛ للضَّرورة الداعيةِ إلى ذلك، بخلاف غيرِها. وقيل: يمسحُ على ما عدا الجبيرةِ كالجبيرة. يعني: إلى حينِ نزعِ ذلك الممسوحِ. قال في "الفروع": واختاره (^١) شيخُنا (^٢). وبه قال مالكٌ. فتستمرُّ مدَّةُ المسحِ إلى خَلْعه. والمذهبُ الأوَّلُ.
ولا يمسحُ في الطهارةِ الكبرى غيرَ الجبيرة، فلا يمسحُ فيها على الخفَّين، ولا على العِمامة والخمارِ؛ لما روى صفوانُ بن عسَّالٍ قال: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ إذا كنَّا مسافرين أو سَفْرًا- ألَّا نَنزعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيامٍ ولياليَهنَّ إلَّا مِن جَنابة. رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ (^٣). فلا مَدخلَ لحائلٍ في الطهارةِ الكبرى إلَّا الجبيرة؛ لأنَّ المسحَ على الخفَّين ونحوِهما ثَبَتَ على خلاف القياسِ وفي الوضوءِ، فلا يُقاس عليه الجنابةُ. وإنَّما جاز المسحُ على الجبيرةِ في الطهارةِ الكبرى؛ لأنَّه مسحٌ أُبيح للضَّرورة في الطهارةِ الكبرَى والصُّغرى. دنوشري وزيادة.
_________________
(١) في الأصل: "واختار"، والمثبت من "الفروع" ١/ ٢٠٩.
(٢) "الاختيارات الفقهية" ص ٢٢.
(٣) الترمذي (٩٦)، وتقدم تخريجه ص ٣٣٥.
[ ١ / ٣٤٠ ]
بعد كمالِ طهارةٍ بماءٍ.
والخُمُر، والجبيرة (بعد كمال طهارةٍ بماء) لما روى أبو بَكْرة (^١): أنَّ النبيَّ ﷺ رخَّص للمسافر ثلاثةَ أيام ولياليهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً، إذا تطهَّر فلبس خفَّيه أن يمسحَ عليهما. رواه الشافعيُّ وابنُ خزيمة والطبرانيُّ (^٢)، وحسَّنه البخاريُّ (^٣) وقال: هو
(بعد كمالِ طهارةٍ بماءٍ) من إضافةِ الصفةِ إلى الموصوفِ. أي: بعد الطهارةِ الكاملةِ. هذا هو الشرطُ الثامنُ من شروط المسحِ على الخفَّين وما في معناه. يعني: أنَّه يشترطُ لصحَّة المسحِ لجميع ما يُمسحُ عليه مِن خفٍّ وجبيرةٍ وعِمامةٍ وخُمُرٍ، تقدُّمُ كمالِ طهارةٍ. فلو لَبِسَه قبل كمالِ الطهارةِ، لم يصحَّ المسحُ؛ لأنَّ كلَّ ما يشرطُ له الطُّهرُ يشترطُ تقدُّمُه عليه بكماله، كالوضوءِ للصلاة، والطوافِ، ومسِّ المصحفِ، ولأنَّه إذا انتفى الشرطُ، انتفى المشروطُ.
ومِن صُوَرِ اللُّبس على الحَدَث قبل كمالِ الطهارةِ أنْ يَغسلَ إحدى رجلَيه ويُدخلَها الخفَّ، ثم يغسلَ الأُخرى ويدخلَها إيَّاه؛ فإنَّ أوَّلَ اللُّبس لم يكن على الطُّهر الكاملِ. نعم لو نزعَ الذي لَبِسَه أوَّلًا، ثمَّ أعاد لُبْسَه وهو على طهارتِه، جازَ المسحُ عليه إذا أَحدثَ من غيرِ احتياجٍ إلى نزعِ الثاني وإعادةِ لُبسه؛ لكمال الطُّهرِ حين اللُّبس المعتادِ والآخَرُ ملبوسٌ على كمال طهارةٍ، فيتحقَّق الشرطُ فيهما جميعًا، فيصحُّ المسحُ حيئنذٍ.
ومن صُوَر اللُّبسِ على الحدثِ قبل كمالِ الطهارةِ أن ينويَ رفعَ الحدثِ عن القدمين، ثم يَغسلَهما ويُدخلَهما فيه، ثم يتمَّ طهارته، لم يَجُز المسحُ؛ لما تقدَّم.
ولابدَّ أن تكونَ الطهارةُ بماءٍ، فلو لَبِسهما بعد طهارةِ تيمُّمٍ، لم يصحَّ المسحُ عليهما؛
_________________
(١) هو نُفيْعُ بن الحارث، وقيل: ابن مسروح، من فضلاء الصحابة، وكان تدلَّي إلى النبي ﷺ من حصن الطائف ببكرة؛ فاشتهر بأبي بكرة. "الإصابة" ١٠/ ١٨٣.
(٢) الشافعي (١/ ٤٢، ترتيب مسنده)، و"صحيح" ابن خزيمة (١٩٢)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٥٥٦)، وعزاه الزيلعي أيضًا في "نصب الراية" ١/ ١٦٨ للطبراني، ولم نقف عليه عند الطبراني من حديث أبي بكرة، بل أخرجه في "الأوسط" (٧٦٣٥) من حديث صفوان ابن عسَّال ﵁ مختصرًا.
(٣) نقله عنه الترمذيُّ في "العلل الكبير" ١/ ١٧٦.
[ ١ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صحيحُ الإسناد. والطُّهر المطلقُ ينصرفُ إلى الكامل، ولو مسحَ فيها على حائلٍ، أو تيمَّم لجُرْح.
وعُلم منه أنَّه لا يمسحُ على حائل لَبِسه على طهارةِ تيمُّمٍ، وأنَّه لو غَسَلَ رِجْلًا، فأدخلها الخفَّ قبل غَسْلِ الأخرى، خلع، ثمَّ لبس بعد غَسْلِ الأخرى؛ لتكملَ الطهارةُ قبل اللُّبس. وكذا لو لبس العمامةَ بعد مَسْحِ رأسِه، وقَبْلَ غَسْلِ رجليه، فإنَّه لا يمسحُ إلَّا إذا نزعها، ثمَّ لبسها بعد غَسْلِ رجليه.
لأنَّ التيمُّمَ مبيحٌ لا رافع (^١) … لارتفاع حدثه بالطهارة المتقدِّمةِ ولو مسح في الطهارةِ المتقدِّمةِ بالماءِ على حائلٍ كجبيرةٍ وعِمامة، لأنَّها طهارةٌ كاملةٌ رافعةٌ للحَدَث، فصحَّ المسحُ على ما لَبِسَ بعدها. أو تيمَّمَ في الطهارة المتقدِّمةِ بالماء؛ لجُرحٍ في بعض أعضائه، أو كان حدثُ المتوضئِ دائمًا، كمن به سَلَسُ بَولِ وكمستحاضةٍ، فإنَّه يصحُّ المسح على ما يلبَسه على هذا الوضوءِ.
فإنْ قلتَ: إنَّ حدثَ هؤلاءِ لا يرتفع، حتى إنَّهم لا ينوون إلَّا الاستباحةَ، ومع هذا أَجزأتهم هذه الطهارةُ في لُبس الخفِّ، بخلاف التيمُّم.
قلتُ: إنَّ مَن به جُرحٌ أو حدثٌ دائمٌ مضطرٌّ إلى الرُّخَص، وأحقُّ ما يترخَّص المضطَرُ، ولأنَّها طهارةٌ كاملةٌ في حقِّ كلِّ منهما، فصحَّ المسحُ على ما لَبِسَ بعدها. دنوشري وزيادة. (ولو مسحَ فيها على حائل إلخ) غايةٌ لقوله: "بعد كمالِ طهارةٍ بماء". وقولُه: "فيها" أي: في الطهارة المتقدِّمةِ بالماء. وقولُه: "على حائلٍ" كجبيرةٍ وعِمامةٍ؛ لأنَّها طهارةٌ كاملةٌ رافعةٌ للحَدَث، فصحَّ المسحُ على ما لبس بعدها. وقولُه: "أو تيمَّم" في الطهارةِ المتقدِّمة بالماء. وقولُه: "لجُرحٍ" في بعضِ أعضائه. دنوشري.
(وعُلِمَ منه) هذا محترَزُ المتنِ (وكذا لو لَبِسَ العِمامةَ إلخ). أي: ومثلُ الخفِّ فيما ذكر العِمامةُ.
_________________
(١) بعدها في الأصل طمس بمقدار سطر.
[ ١ / ٣٤٢ ]
ومَنْ مَسَحَ في سفرِ، ثمَّ أقامَ، أو عكسه، فمسحُ مقيمٍ،
ولو شدَّ الجبيرةَ على غيرِ طهارةِ بماءٍ، نَزَع، فإن خاف، تيمَّم، فلو عمَّتْ الجبيرةُ وجهَه ويديه، كفى المسحُ بالماء عن التيمُّم.
(ومن مسح) على غيرِ جبيرةٍ، وهو (في سَفَرِ) قَصْر (ثمَّ أقام) أتمَّ بقيةَ مسحِ مقيمٍ إن بقي منها شيءٌ، وإلا خَلَع؛ لانقطاع السَّفر.
فلو أحرم بصلاةٍ في سفينة، فدخلتْ محلَّ الإقامة في أثنائها بعد اليوم والليلة، بطلتْ، وكذا لو نوى الإقامةَ (أو عكسه) بأن مسح مقيمٌ أقلَّ من يومٍ وليلةٍ، ثمَّ سافر (فمسحُ مقيمٍ) أي: فمسحُه الجائزُ إذن بقيةُ مسحِ المقيم؛ تغليبًا للإقامة؛ لأنَّها الأصل.
وكذا لو شكَّ مسافرٌ، هل ابتدأ المسحَ حضرًا أو سفرًا، فإنَّه يتمُّ مسحَ مقيمٍ. ومن شكَّ في بقاء مدَّةٍ، لم يمسحْ، فإن فعل فبان بقاؤُها، صحَّ وضوءُه،
(ومَن مَسَحَ … في سفرٍ قَصْرٍ، ثم أَقام) قبل مُضيٍّ ثلاثةِ أيامٍ، أو مَسَحَ أقلَّ مِن مسحِ مقيمٍ- وهو اليومُ والليلةُ- ثمَّ سافر، أو شكَّ المسافرُ في ابتداءِ المسحِ، هل وقعَ ابتداءُ المسحِ في السفرِ فيمسحَ مّسْحَ مسافرٍ، أو في الحَضَرِ فيمسحَ مَسْحَ مقيمٍ، فالحكمُ فيه أنَّه لم يَزدْ على مسحِ مقيمٍ، وهو اليومُ والليلةُ؛ لأنَّه اليقينُ، وهو الأقلُّ، فيبني عليه، ولأنَّ الأصلَ الغَسلُ، والمسحَ رخصةٌ، فإذا وقع الشكُّ في شرطها، رُدَّ إلى الأصل، ولتغليب جانبِ الحَضَرِ. وظاهرُه أنَّه لا فرقَ بين أنْ يصلِّيَ في الحَضَرِ أَو لا. دنوشري (^١) … (في بقاءٍ) الـ (مدَّةِ) التي يجوزُ المسحُ فيها وأراد الوضوءَ والمسحَ (لم يمسحْ) مع وجودِ الشكِّ في بقاءِ المدَّة؛ لأنَّ المسحَ رخصةٌ جوِّزت بشرطٍ، فإذا لم يتيقَّن شرطها، رجع إلى الأصلِ وهو الغَسلُ، فلا يمسحُ (فإنْ فَعَلَ) فبانَ بقاءُ المدَّةِ، صحَّ المسحُ والوضوءُ؛ لتبيُّن بقاءِ المدَّةِ التي يجوزُ المسحُ فيها شرعًا. وفُهم من قوله: (فبان بقاؤها) أنَّه إذا لم يتبيَّن بقاؤها، بأنْ دامَ الشَّكُّ، أو تبيَّن عدمُ بقائها، لم يصحَّ؛ فقد تبيَّنَ فسادُ المسحِ، فيعيدُ ما صلَّى به. (صحَّ وضوءُه) لتحقُّق الشرط.
_________________
(١) بعدها في الأصل طمس بمقدار سطر.
[ ١ / ٣٤٣ ]
فيمسحُ ظاهرَ عِمامةِ، وظاهرَ قدمِ خفٍّ،
فإن صلَّى قبل التبيُّن، أعادها.
وعُلم مما تقدَّم أنَّه لو أحدث، ثمَّ سافر قَبْلَ المسح، أتمَّ مسحَ مسافر؛ لأنَّه ابتدأ المسح مسافرًا.
وإذا تقرَّر ذلك (فيمسحُ) وجوبًا (ظاهرَ عمامة) أي: أكثر دوائرِها دونَ وسطها؛ لأنَّه يشبهُ أسفلَ الخفِّ. ولا يجبُ أن يمسحَ مع عمامةٍ ماجَرَت عادةٌ بكشفه من رأسٍ، بل يُسَنُّ.
(و) يمسحُ وجوبًا (ظاهرَ قدمِ خفٍّ) ونحوه،
(فإنْ صلَّى قبل التبيُّن) أي: قبل أنْ يتبيَّن له البقاءُ، فهو مفهومُ قولِه: "فبانَ بقاؤها".
(وعُلم مما تقدَّم إلخ) هذا محترزُ قولِه: "ومَن مسحَ في سفرِ قصرٍ .. إلخ".
(وإذا تقرَّر ذلك) أي: إذا ثبت حكمُ ما تقدَّم في ذهنك، وعلمتَه على الوجهِ الحقِّ (فيمسحُ) وهذا شروعٌ في كيفيَّة المسحِ، (أنه لو أَحدثَ) بأن سافرَ بعد حَدَث وهو لابسٌ نحوَ خُفٍّ. مصنِّف. (أتمَّ مسحَ مسافرٍ) لأنَّ المسحَ لم يوجدْ إلَّا في سفره (فيمسحُ وجوبًا ظاهرَ عِمامتِه).
ثم لمَّا فرغَ من الكلام على ما يصحُّ المسحُ عليه، أَشار إلى ما يجبُ مسحُه منه بقوله: "فيمسح إلخ" أي: ويجبُ مسحُ أكثرِ العِمامة؛ لأنَّها ممسوحةٌ على وجه البدلِ، فأجزأَ بعضُها، كالخفِّ. ويختصُّ ذلك بأَكوارها، وهي دوائرها. قاله القاضي. فإنْ مسح وسطَها فقط، أَجزأَه في وجهٍ، كما يجزئُ بعضُ دوائرِها. وعنه: يجب استيعابُها؛ قياسًا على مسحِ الرأسِ. وقيل: يُجزئ مسحُ بعضِها. والصحيحُ الأوَّلُ. قال في "الفروع" (^١): ويجزئ مسحُ أكثرِ العمامةِ على الأصحِّ. دنوشري.
(ويمسح وجوبًا ظاهرَ قدمِ خفٍّ ونحوِه) أي: لا يجب استيعابُ الخفِّ، بل الواجبُ أن يمسحَ أَكثرَ أَعلى خفٍّ ونحوِه، كالجُرْموق والجَوْرب. هذا هو الواجبُ، ويجوزُ الاقتصارُ
_________________
(١) ١/ ٢١٢.
[ ١ / ٣٤٤ ]
من أصابعِه إلى ساقه،
أي: أكثرَ أعلى القدم. قال في "الإنصاف" (^١): على الصحيحِ من المذهب، ولا يُسَنُّ استيعابُه.
ويبدأ المسحَ (من أصابعِه الى ساقه) فيضعُ يديه مفرجتَي الأصابع، على أطرافِ
عليه بغير خلافٍ عليه، وعليه الجمهورُ (^٢). [وقيل: قدر الناصية من الرأس] دنوشري.
(أي: أكثرَ أعلى القدمِ) جعلًا للأكثر .. (^٣) (ويبدأ المسحَ من أصابعه إلخ) أي: وسُنَّ أن يكونَ المسحُ بأصابعِ يدِه مبتدئًا من أصابعِ رجلَيه الى ساقه، فيضعُ يدَه مفرَّجةَ الأصابع- ويستحبُّ تفريجُها على أصابعِ رجليه- ثم يمسحُ إلى ساقه خطوطًا بالأصابع. هذا صفةُ المسحِ المسنون. وقاله ابنُ عقيل وغيرُه، اليُمنَى باليمنى واليُسرى باليسرَى. قال في "البلغة": ويقدِّم اليمنى. وقد روى البيهقي في "سننه" (^٤) عن المغيرة بنِ شعبة: أنَّ النبيَّ ﷺ مَسَحَ على خفَّيه، وَضَعَ يدَه اليمنى على خفِّه الأَيمنِ، ويدَه اليسرى على خفِّه الأيسرِ، ثم مسحَ إلى أَعلاه مسحةً واحدةً. فليس فيه تقدُّم. فلو مسحَ من ساقِه إلى أَسفلَ، جاز. قال الإمام أحمدُ: كيفما فعلتَ فهو جائزٌ. ولا يُجزئ أن يقتصرَ على مسح أسفلِ الخفِّ. وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ لِمَا رُوي عن عليٍّ قال: لو كان الدِّينُ بالرَّأي، لكان أسفلُ الخفِّ أَولى بالمسحِ من أَعلاه (^٥). فبيَّن أنَّ الرأي وإن اقتضى مسحَ أسفلِه إلَّا أنَّ السُّنَّةَ أحقُّ أن تُتَّبع؛ لأنَّ أسفلَه مَظِنَّةُ ملاقاةِ النجاسةِ وكثرةِ الوسخ، فمسحُه يُفضي إلى تلويث اليدِ من غيرِ فائدة. وقيل: يُسنُّ. وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ أبي موسى؛ لأنَّه ﵊ مسح أَعلى الخفِّ وأسفلَه.
_________________
(١) ١/ ٤١٧ - ٤١٨.
(٢) بعدها في الأصل طمس بمقدار سطر.
(٣) كذا في الأصل.
(٤) ١/ ٢٩٢. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ١٨٦ - ١٨٧. قال ابن حجر في "التخليص الحبير" ١/ ١٦١: هو منقطع.
(٥) أخرجه أبو داود (١٦٢). قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١٦٠: إسناده صحيح.
[ ١ / ٣٤٥ ]
دون أسفلِه وعقبِه.
أصابعِ رجليه، ثمَّ يمرُّهما على ظاهرِ قدمَيْه، إلى ساقيه مرَّةً واحدة، وتُكْرَه الزيادةُ عليها، وكيف مسح، أجزأ (دون أسفلِه) أي: الخفِّ (وعقبه) فلا يجزئ مسحهما، بل ولا يُسنُّ.
ويمسح وجوبًا على جميعِ جبيرة؛ لأنَّه لا ضررَ في تعميمِها
رواه الإمامُ أحمدُ (^١) وقال: رُوي هذا من وجه ضعيف. ولا يُجزئ أيضًا أن يقتصرَ على مسح عقبِه. قال في "الإنصاف" (^٢): قولًا واحدًا. لأنَّه ﵊ إنَّما مسح ظاهرَ خفَّيه. أمَّا لو مسحهما مع أعلاه، أَجزأَه؛ لأنَّه أَتى بالمقصود وزيادةٍ. ولكنه لا يسنُّ مسحُهما مع أعلى الخفِّ؛ لأنَّه لا يكادُ يسْلمُ من مباشرةِ أذَى فيه، فتنجس به يدُه، فكان تَرْكُه أَولى.
وحكمُ مسحِ الخفِّ بإِصبعٍ واحدةٍ أو إصبعَين أو حائلٍ وحكمُ غَسلِه حكمُ مسحِ رأسٍ.
وتقدَّم أنَّه كيفما فعلَ، جازَ. فلو مسحه بخرقة أو خشبةٍ، أو غَسلَ أعلى الخفِّ أو أصابعه مع إمرار يده (^٣) "فائدة": قال الزركشيُّ: وبالغَ القاضي فقال بعدم الإجزاءِ مع الغَسل؛ لعدوله عن المأمورِ به. والمذهبُ أنَّه إنْ أَمرَّ يدَه بقصد المسحِ مع الغَسل، أَجزأ، وإلَّا فلا. وكُره أيضًا تكرارُ مسحٍ؛ لحصول رفعِ الحدثِ بالمسحة الأُولى، فليس للثانية فائدةٌ، ولأنَّه يوهِنُه من غيرِ فائدةٍ، كما تقدَّم في الغَسل. دنوشري مع زيادة.
(ثم يُمِرُّهما) بضمِّ الياء، مِن: أَمْرَرَ (دون أسفلِه) أي: لا يُجزئ مسحُ أَسفلهِ وعقبِه إن اقتصرَ عليهما.
(ويمسحُ وجوبًا على جميعِ جبيرةٍ) أي: ويجبُ مسحُ جميعِ جبيرةٍ مطلقًا، سواءٌ كانت على جبيرةٍ أو كسرٍ، نصًا؛ لحديث صاحبِ الشَّجَّةِ. وتقدَّم؛ ولأنَّه لا يشقُّ المسحُ عليها كلِّها
_________________
(١) في "المسند" (١٨١٩٧)، وفي "مسائل صالح" ٢/ ١٢٥ - ١٢٦ من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ورواه أيضًا أبو داود (١٦٥)، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠)، قال الترمذي: هذا حديث معلول.
(٢) ١/ ٤١٧.
(٣) بعدها في الأصل طمس بمقدار سطر.
[ ١ / ٣٤٦ ]
ومتى ظهر بعضُ محلِّ فرضٍ بعد حدثٍ،
بخلاف خفٍّ ونحوِه، فإنَّه يشقُّ تعميمُه، ويتلفُه المسحُ.
(ومتى ظهر بعضُ محلٍّ فرضٍ) من قَدَمٍ، ورأسٍ، وفحُش فيه فقط، أو ظهر ما تحتَ جبيرةِ (بعد حَدَثٍ) وقبل انقضاءِ مدَّةِ غيرِ جبيرة، استأنف الطهارةَ.
(بخلاف خفٍّ) ولأنَّه مسحٌ للضَّرر، أَشبهَ التيمُّمَ. هذا إذا كانت في محلٍّ الفرضِ. وتقدَّم توضيحُ ذلك.
(ومتى ظهر بعضُ محلِّ فرضٍ) أي: ومتى ظهرَ من عِمامةِ ممسوحةٍ بعضُ رأسٍ (بعد حَدَثٍ وقبل انقضاءِ مدَّةِ) وفَحُشَ أي: كَثُرَ ما ظهرَ من الرأسِ، بَطَلَ المسحُ؛ لأنَّ مسحَه عليها بَدَلٌ من مسحِ الرأسِ، فإذا انكشف بعضُ الرأسِ وفَحُشَ، بطل حكمُ طهارتِه ووجب المسحُ، فيستأنفُ الطهارةَ؛ لعدم المشقَّةِ بعد الكشفِ. أو ظهر بعضُ قدمِ الماسحِ من خفٍّ مسحَ عليه، أو وصلَ بعضُ القدم إلى ساقِ خفٍّ، أو انتقضَ بعض العِمامةِ الممسوحةِ، بطلت الطهارةُ؛ لأن مسحَ العِمامةِ أُقيم مقامَ مسحِ الرأسِ، ومسحَ الخفِّ أُقيم مقامَ غَسلِ الرِّجلَين، فإذا زالَ الساترُ الذى أُقيم مسحًا مقامَ مَسحِ ذلك العضوِ أو غَسلِه، بطل حكمُ طهارتِه. وانتقاضُ بعضِ العمامةِ كنزعها. قال القاضي: لو انتقضَ منها كَوْرٌ واحد، بطلت؛ لأنَّه زال الممسوحُ عليه، أَشبهَ نزعَ الخفِّ. أو انقطع دمُ مستَحاضةٍ ونحوِها مِن كلِّ مَن كان حدثُه دائمًا، كمَن به سَلَسُ بولٍ، أو جُرحٌ لا يرقأُ دمُه، فإنَّه تبطلُ طهارتُه بانقطاعه؛ لأنَّ الحكمَ بصحَّة طهارتِه إنَّما كان لوجود العذرِ، فإذا زال، حُكمَ ببطلانها على الأصل (^١) … زمانه قبل الانقطاع إنما كان ينوي الاستباحة وبعد زوال العذر له أن ينويَ الاستباحةَ، وله أن ينويَ رفعَ الحدثِ. ويرتفعُ حدثُه في هذه الحالةِ مطلقًا. أو انقضت المدةُ التي ينتهي إليها المسحُ ولو متطهِّرًا. ولو كان في صلاةٍ في جميعِ ما ذُكر، بطلت طهارتُه وصلاتُه، كما لو كان خارجَها.
_________________
(١) بعدها في الأصل طمس بمقدار ثلاث كلمات.
[ ١ / ٣٤٧ ]
أو تمَّتْ مدَّتُه، استأنفَ الطهارةَ.
وعُلِمَ منه أنَّه لو نزع الخفَّ، أو العمامةَ، أو الجبيرةَ قَبْلَ الحَدَثِ، بأن نزع ما ذُكرَ وهو على الطهارة التي لبس فيها، لم تبطلْ طهارتُه.
(أو تمَّتْ مدَّتُه) أي: المسحِ، وهي اليومُ والليلةُ، أو الثلاثةُ (استأنف) أي: ابتدأ (الطهارةَ) سواءٌ فاتتِ الموالاةُ، أو لم تَفُت، فيتطهَّر، ويَغسِلُ ما تحت الحائل، وبطلتِ الصلاةُ إن وجِد ذلك في أثنائها.
وعُلِم مما ذكرنا أنَّ انكشافَ يسيرٍ من الرأس لا يضرُّ. قال الإمامُ أحمدُ: إذا زالتْ عن رأسِه، فلا بأس به، ما لم يفحُشْ؛ لأنَّه معتاد.
و(استأنف الطهارة) لأنَّها طهارةٌ مؤقَّتةٌ، فبطلت بانتهاء وقتِها، كخروج وقتِ الصَّلاةِ في حقِّ المتيمِّمِ، ويستأنفُ الطهارةَ التي هي الوضوءُ لا لِوجوب الموالاةِ في الأصحِّ. والأصحُّ أنَّ ذلك مبنيٌّ على أن المسحَ يرفع الحدثَ، وعلى أنَّ الحدثَ لا يتبعَّض، فإذا خلعَ، عاد الحدثُ إلى العضوِ الذي مسح الحائلَ عنه، فيسري إلى بقيَّة الأعضاءِ، فيستأنفُ الوضوءَ وإنْ قَرُبَ الزمنُ. وقطع بهذه الطريقةِ القاضي أبو الحسين (^١)، وصحَّحه المجدُ في "شرحه". وعنه: يُجزئه مسحُ رأسِه وغَسلُ رجلَيه، وِفاقًا لأبي حنيفةَ. والمذهبُ الأوَّلُ.
"وزوالُ جبيرةٍ في الحكم كخفٍّ" (^٢) أي: كزوالِ خفٍّ، فيبطلُ المسحُ عليها بزوالها، ولو قبل بُرءِ الجُرْحِ أو الكَسرِ. ويستأنفُ الطهارةَ؛ لأنَّ مسحَها بدلٌ عن غَسلِ ما تحتَها. وكذا لو بَرئَ ما تحتها. إلَّا أنَّها إذا مُسحت في الطهارةِ الكبرى وزالت، أجزأَ غَسلُ ما تحتها؛
لعدم وجوبِ الموالاةِ في الطهارةِ الكبرى، بخلاف الصُّغرى. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) في الأصل: "أبو الحسن"، والمثبت من "الإنصاف" ١/ ٤٢٩.
(٢) العبارة من "منتهى الإرادات" ١/ ١٩، ولعل صاحب الحاشية نقلها عن حاشية الدنوشري على "المنتهى".
[ ١ / ٣٤٨ ]