كتاب الصَّلاة
هي لغةً: الدعاءُ.
وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ مَخْصوصة، مُفْتَتحةٌ بالتَّكْبير مختتمةٌ بالتَّسليم. سُمِّيت
كتاب الصَّلاة
قوله: (هي لغةً: الدعاء) لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم، وإنَّما عُديَ بـ"على"؛ لتَضَمُّنِه معنى الإنزالِ، أي: أنزلْ رحمَتكَ عليهم.
قال النبي ﷺ: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعامٍ، فليُجِب، فإنْ كانَ مفطرًا فليَطْعَم، وإن كانَ صائمًا فليصلِّ" (^١).
وقال الشَّاعر:
تقول بنتي وقد قربتُ مرتحِلًا … يا ربِّ جنبْ أبي الأوصابَ والوجعَا
عليكِ مثلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضِي … نومًا فإنَّ لجنبِ المرءِ مُضطَجعَا (^٢)
(أقوال) وهي القراءةُ، والتسبيحُ، والتحميدُ، والتسميعُ، وسؤالُ المغفرةِ، والتشهدُ. لا يقال: التعريفُ غيرُ جامع؛ لعدمِ شمولِه لصلاةِ الأخرسِ؛ لأنَّه لا قولَ فيها، لأنا نقول: المقدرُ كالموجود، فهي مشتملة على الأقوالِ المقدَّرةِ، أو أنَّ التعريفَ باعتبارِ الغالبِ، فلا يردُ أيضًا صلاةُ الجنازةِ.
(وأفعال إلخ) وهي القيامُ، والقعودُ، والركوعُ، والسجودُ، وغيرُ ذلك، ولا تَرِدُ صلاةُ المريضِ العاجزِ عن القيامِ والقعود، إذ قيل: يومئ بطَرفِهِ؛ لأنَّ هذا حدٌّ لها بحسب الأصل، أو يقال: إنَّ الأفعالَ المستحضرَةَ بالقلبِ كالموجودةِ. ح ف. (مخصوصة) قال في
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١٤٣١): (١٠٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) البيتان للأعشى، وهما في "ديوانه" ص ١٠٥ - ١٠٦.
[ ٢ / ٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلاةً؛ لاشتمالها على الدُّعاءِ. مشتقة (^١) من الصلَوَيْن، تثنية صلَا، كعَصَا، وهما عِرقان من جَانبيَ الذَّنَب، أو عَظْمان يَنْحنيانِ في الركوع والسجود (^٢).
"المنتهى" (^٣): "معلومة" بدل: "مخصوصة". كتب عليها ح ف: في "الفروع" (^٤): "مخصوصة"، بدل: "معلومة"، وهي أولى.
(لاشتمالِها على الدعاء) من اشتمالِ الكلِّ على البعضِ، فلا يَرِدُ أنَّها كلها دعاء، وتُطْلَقُ أيضًا لغةً على الرحمة، وعلى اللزومِ، وعلى التبعيةِ، وعلى الإقبالِ على الشيءِ تقرُّبًا. وقد قيل: إن الصلاةَ مأخوذةٌ من ذلك، كما حكاهُ القاضي عياض في "تنبيهاته"، وهي مصدر صلَّى يصلِّي، وألِفُها منقلبةٌ عن واو، بدليلِ جمعِها على صلوات، تحركتِ الواو، وانفتحَ ما قبلَها، فقُلِبَت ألفًا، وإنما كُتِبَتْ في المصحف بالواو تفخيمًا. انتهى. ح ف. (مشتقَّة من الصَّلوَين إلخ) وقال ابنُ فارسِ (^٥): من صليتُ العودَ، بتشديدَ اللام، إذا لينْتَه؛ لأنَّ المصلي يلينُ ويخشعُ قلبه في صلاته. وردهُ النووي (^٦)، بأن لامَ الكلمةِ في الصلاةِ واو، وفي صليت ياء، فكيف يصحُّ الاشتقاق مع اختلافِ الحروف الأصلية، إذْ يُشتَرط في الاشتقاق الأصغرِ التوافقُ في الحروف؟.
وجوابُه: أن الواو وقعت رابعة، فقُلِبت ياء؛ لأنَّ القاعدةَ إذا وقعتِ الواو رابعة، تُقْلَبُ ياءً، ولعله ظن أن مرادَه صَلِيَت المخفف، تقول: صَلَيتُ اللحمَ صَليًا، إذا شويتَه، وإنما أرادَ ابنُ فارس المضعفَ.
_________________
(١) في الأصل و(م): "مشقة".
(٢) "المطلع" ص ٤٦.
(٣) ١/ ٣٩.
(٤) ١/ ٤٠١.
(٥) "مجمل اللغة" (صلي).
(٦) في "تحرير ألفاظ التنبيه" ١/ ٤٩.
[ ٢ / ٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابن الأعرابي: صَليتُ العصا تصليةً، أدَرْتها (^١) على النَّار لتقومها.
وقيل: لأنَّها ثانية لشهادةِ التَّوحيد، كالمُصَلي السابقِ من خيل.
والأصلُ في وجوبها الكتابُ والسنة والإجماعُ:
أما الكتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥].
والسنة قولُ النبي ﷺ: "بُنِي الإسلامُ على خمسٍ، شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، وإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضان، وحجَّ البيتِ من استطاع إليه سبيلًا". متَّفق عليه من حديث ابن عمر (^٢). والأخبارُ في ذلك كثيرة.
وأمَّا الإجماعُ، فقد أجمعَ المسلمونَ على وجوبِ خمسِ صلوات في اليومِ والليلةِ.
"فائدة": وحكمةُ اختصاصِ الخمسِ بهذه الأوقات، كما قالَه أكثر العلماء، وأبدوا له حِكمًا، من أحسنِها (^٣): تذكُرُ الإنسانِ بها نشأتَه، إذْ ولادتُه كطلوعِ الشَّمسِ، ومنشؤُه كارتفاعِها، وشبابُه كوقوفِها عند الاستواء، وكهولتُه كميلِها، وشيوخَتُه كقربِها للغروب، وموتُه كغروبِها، ويزادُ عليه: وفناءُ جسمِه كانمحاقِ أثرها، وهو الشفقُ الأحمرُ، فوجبتِ العشاءُ حيئنذ تذكيرًا لذلك.
كما أن كمالَه في البطنِ، وتهيئتَه للخروجِ، كطلوعِ الفجرِ الذي هو مقدَّمةٌ لطلوعِ الشَّمسِ، المشبهِ بالولادةِ، فوجبَ الصبحُ حينئذ لذلك أيضًا، وكان حكمةُ [كون] الصبحِ ركعتين بقاءَ كسلِ النوم، والعصرين أربعًا توفُرَ النشاطِ عندهما بمعاناةِ الأسبابِ، والمغربِ
_________________
(١) في الأصل: "أوردتها"، والتصويب من "تهذيب اللغة" ١٢/ ٢٣٨.
(٢) "صحيح" البخاري (٨)، و"صحيح" مسلم (١٦)، وهو عند أحمد (٦٠١٥).
(٣) كذا في الأصل، والعبارة في "نهاية المحتاج" للرملي ١/ ٣٦١ كالتالي: وحكمةُ اختصاص الخمس بهذه الأوقات تعبد، كما قاله أكثر العلماء، وأبدى غيرهم له حكمًا من أحسنها … إلخ.
[ ٢ / ٧ ]
تجب على كلِّ
وفُرِضتْ ليلةَ الإسراء بعدَ مَبْعَثِه ﷺ بنحوِ خمسِ سنين (^١). وهي آكدُ أركانِ الإسلام بعد الشَّهادتين.
(تجبُ) الخمسُ في كل يوم وليلة (على كلِّ) مُسْلم
ثلاثًا؛ لأنَّها وترُ النَّهارِ، ولم تكن واحدة؛ لأنَّها بتراءُ (^٢) من البَتْرِ، وهو القطعُ، وألحِقَتِ العشاءُ بالعصرين؛ لينجبرَ نقصُ الليل عن النهار، إذْ فيه فرضان، وفي النَّهارِ ثلاثةٌ؛ لكونِ النفسِ على الحركةِ فيه أقوى.
"تنبيه": والأصلُ في مشروعيةِ الصلواتِ الخمسِ أيضًا قولُه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ﴾ إلى آخرِ الآية [الروم: ١٧ - ١٨]، أي: سبحوا الله، بمعنى: صلوا، ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ أي: تدخلونَ في المساء، وفيه صلاتان، المغربُ والعشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أي: تدخلونَ في الصباحِ، وفيه صلاةُ الصبحِ، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعتراضٌ، ومعناهُ: يحمدُه أهلُهما. ﴿وَعَشِيًّا﴾ عطفٌ على "حين"، وفيه صلاةُ العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ تدخلونَ في الظهيرة، وفيه صلاةُ الظهر. من "تفسير الجلالين".
(بنحوِ خمس سنين) وقيل: قبلَ الهجرةِ بسنة، وقيل: بعدَ مبعثِه بخمسةَ عشرَ شهرًا، واقتصرَ على الأوّل في "الإقناع"، والمصنفُ على "المنتهى" (^٣) على المشهورِ بين أهل السير.
(على كل مسلمٍ) ذكرٍ أو أنثى أو خُنْثى، أو عبد أو مبغضٍ، فلا تجبُ على كافرٍ أصلي، بمعنى أنَّا لا نأمُره بها في كفره، ولا بقَضَائِها إذا أسلم؛ ترغيبًا له في الإسلام، ولأنَّها لو
_________________
(١) ذكر القاضي عياض في "الشفا" ١/ ١٩٤ عن الزهري أن الإسراء كان بعد المبعث بعام ونصف، وقال: وقيل: كان الإسراء لخمس قبل الهجرة. وقيل: قبل الهجرة بعام. والأشبه أنَّه لخمس. اهـ.
(٢) كذا في الأصل، و"حاشية البجيرمي" ١/ ١٥٢، وفي "نهاية المحتاج" للرملي ١/ ٣٦٢: "بتيراء". وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) "الإقناع" ١/ ١١٣، و"شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٤٧.
[ ٢ / ٨ ]
مكلف
(مكلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، ذَكَرٍ أو أنْثى أو خُنْثى، حُرٌّ أو عبدٍ أو مُبَعضٍ
وَجبت عليهِ حالَ كفرِه، لوجبَ عليهِ قضاؤُهَا، ولأن وجوبَ الأداءِ يقتضي وجوبَ القضاء، واللازمُ منتف، ولقولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ الآية [٣٨ من سورة الأنفال]، ولا تصحَّ منه، وتجب عليه وجوبَ عقاب؛ لأنهم مخاطبونَ بفروعِ الإسلام، وكذا حكمُ المرتد، وإذا أسلمَ قَضَى ما فاته قبلَ ردتِه، لا زمَنَها، ولأنَّه أسلمَ خلق كثيرُ في عصرِ النبي ﷺ ومن بعدَه، فلم يَأمر أحدًا بالقضاءِ؛ لما فيه من التنفيرِ عن الإسلام. انتهى. ح ف مع زيادة.
(مكلفٍ) وهو البالغُ العاقلُ، فلا تجبُ على مجنونٍ لا يُفيق، فلا يقضيها بعدُ، ولا على صغيرٍ؛ لقوله ﵊: "رفعَ القلمُ عن ثلاث، عن النائمِ حتَّى يستيقظ، وعن الصبيّ حتَّى يحتلِمَ، وعنِ المجنونِ حتَّى يعقل". رواه الإمامُ أحمد والترمذي وأبو داود (^١).
ولأنَّها عبادة بدنية فلم تلزم غيرَ البالغِ، ولأنَّ المجنونَ غيرُ مخاطبٍ؛ لعدمِ اَلةِ الخطاب، وهي العقل.
قال الدنوشري: والأبله، قال في "المختار" (^٢): رجل أبلهُ بَينُ البلاهةِ والبَلَهِ، وهو الذي غلبت عليه سلامةُ الصدرِ، وبابه: طَرِب وسَلِم، وتبله أيضًا، والمرأةُ بلهاءُ. وفي الحديث: "أكثرُ أهلِ الجنّة البُلهُ" (^٣). يعني: البُلْهَ في أمرِ الدُّنيا؛ لقلةِ اهتمامِهم في أمر الدُّنيا، وهم أكياس في أمرِ الآخرةِ.
_________________
(١) "مسند" أحمد (٩٤٠)، و"سنن" الترمذي (١٤٢٣)، و"سنن" أبي داود (٤٤٠١). وهو أيضًا عند ابن ماجه (٢٠٤٢) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وأخرجه أحمد (٢٤٦٩٤)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي ٦/ ١٥٦، وابن ماجه (٢٠٤١) من حديث عائشة ﵂.
(٢) مادة (بله).
(٣) أخرجه ابن عدي في "الكامل" ١/ ١٩٤، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٣٦٦) من حديث جابر ﵁. قال ابن عدي: وهذا باطل بهذا الإسناد. اهـ وقال البيهقي: هذا الحديث بهذا الإسناد منكر. وأخرجه البزار (١٩٨٣ - كشف الأستار)، وابن عدي في "الكامل" ٣/ ١١٦٠، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٨٩) و(٩٩٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٣٦٧) و(١٣٦٨) من حديث أنس ﵁. قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا الإسناد منكر. اهـ وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ٧٩: رواه البزار، وفيه سلامة بن روح، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه أحمد بن صالح وغيره، ورواته عن عقيل وجادة.
[ ٢ / ٩ ]
غيرِ حائضٍ ونفساءَ.
فيقضي نائمٌ ومغمى عليه ونحوه
(غيرِ حائضٍ ونُفساءَ) فلا تجبُ عليهما.
ولو لم يَبلُغِ المسلمَ المكلَّفَ الشرعُ، أو كان نائمًا أو مُغطًّى عقلُه بإغماء (فيَقضِي نائمٌ ومُغمًى عليه ونحوه)
قال بعضهم: الظاهرُ أن هذا المعنى غير مرادٍ هنا، وإنَّما المرادُ بالأبلهِ من يَغلِبُ عليه التغفُّل، وعدمُ المعرفةِ.
(غيرِ حائضٍ ونفساء) مستثنًى ممن تجبُ عليه الصَّلاةُ، فلا تجبُ عليهما؛ لقول عائشة ﵂: كنَّا نؤمَر بقضاءِ الصومِ، ولا نؤمَرُ بقضاءِ الصَّلاة (^١).
ولو كانت واجبة في تلكَ الحالةِ لأُمِرْنَ بقضائِها، كما أمِرنَ بقضاءِ الصوم. ح ف. (ولو لم يبلغ المسلمَ المكلَّفَ الشرعُ) كمن أسلمَ بدارِ الحربِ، أو نشأ ببادية بعيدة عن الإسلام مسلمًا، مع عدمِ مَنْ يتعلَّم منه، ولم يعلَم بوجوبِها، فيقضِيها إذا علم.
إن قلت: إذا لم يبلغْهُ الشرعُ كيف يُحْكَمُ عليه بأنَّه مسلمٌ؟ أجيبَ: بأنَّ المرادَ منهُ تفصيلُ الأحكامِ المكلَّفِ بها، وإلا، فالإسلامُ من جملةِ الشرع. تأمَّل.
(أو كان نائمًا) أي: فيجبُ عليه القضاءُ إذا استيقظَ. ح ف. (أو مُغطّى عقلُه بإغماءٍ) أي: فيقضي إذا أفاق، والفرقُ بينه وبينَ المجنونِ، أن الجنونَ تطولُ مدَّتُه بخلافِ الإغماء، ولأنَّه دونَ الجنون في تغطية العقل.
وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يلزمُه إلَّا أن يُفيقَ في جُزء من وقتِها (^٢). وقال أبو حنيفة: إنْ أغميَ عليه أكثرَ من خمسِ صلواتٍ، لم يقضِ شيئًا، وإلا، قضى الجميعَ (^٣). ح ف.
_________________
(١) سلف ١/ ٤٩٧.
(٢) "الأم" ١/ ٦٠، و"المدونة الكبرى" ١/ ٩٣.
(٣) "فتح القدير" ١/ ٣٧٩.
[ ٢ / ١٠ ]
أفاقَ.
كمغطًّى عقلُه بشربِ دواءٍ، وسَكْران ولو مكرهًا (أفاق) (^١) كلٌّ منهم، ما مضَى عليه من الصَّلوات زَمنَ ذلك؛ لحديث: "من نام عن الصَّلاةِ أو نَسيَها، فليُصلِّها إذا ذَكَرَها" رواه مُسلم (^٢).
وغُشِيَ على عمَّارٍ ﵁ ثلاثًا، ثُمَّ أفاقَ، وتوضأ، وقَضَى تلك الثلاث (^٣).
ويَقْضي مَن شَرِب مُحرَّمًا حتَّى زَمَن جُنونٍ طَرَأ مُتَّصِلًا به؛ تَغْليظًا عليه.
(بشربِ دواءٍ) الشربُ بضمّ الشين، وهو أشهرُها، وبفتحِها، وهو القياس، وبكسرِها، وهو قليلٌ، وقُرِئَ بالثلاثِ قولُه تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (^٤) [الواقعة: ٥٥]. والدَّواء، بفتح الدال ممدودًا، وكسرُها لغةٌ فيه، حكاهُما الجوهريُّ (^٥)، وفي "القاموس" (^٦): مثلثة، وهو ما يُتَنَاول للمداواةِ. وبالقصرِ: المرضُ.
(ويَقضي من شَرِبَ محرَّمًا) قيَّده الشارح (^٧) بشربِه. وكذا أكلُه، وهو ظاهرُ "التنقيح". ح ف. (طرأَ مُتَّصِلًا به) أي: يقضي الصلاةَ من [طرأ جنونُه] (^٨) على السكرِ متصلًا بشربِ
_________________
(١) في (ح): "قضى".
(٢) في "صحيحه" (٦٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" ٤/ ٣٩٢ (٢٣٣٤) و(٢٣٣٥) عن لؤلؤة مولاة عمار بن ياسر ﵁، ولم نقف لها على ترجمة. وأخرج عبد الرَّزاق في "مصنفه" (٤١٥٦)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٢/ ٢٦٨، والدارقطني (١٨٥٩)، والبيهقيّ ١/ ٣٨٨ أن عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلَّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء. واللفظ للبيهقي. قال ابن التركماني في "الجوهر النقي": وسنده ضعيف.
(٤) قرأ بالرفع نافع وعاصم وحمزة، وقرأ بالفتح ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي. "السبعة" ص ٦٢٣. وقرأ بالكسر مجاهد وأبو عثمان النهدي كما ذكر ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" ٨/ ٢١٠، والقراءة بالكسر شاذة.
(٥) في "الصحاح" (دوي).
(٦) مادة (دوي).
(٧) "الشَّرح الكبير" ٣/ ٨.
(٨) في الأصل طمس بمقدار كلمتين، ولعلَّ المثبت هو الصواب، وينظر "الفروع" ١/ ٤٠٩.
[ ٢ / ١١ ]
ولا تصحُّ من مجنونٍ ولا كافرٍ،
(ولا تصحُّ) صلاةٌ (من مجنونٍ) وغيرِ مميِّزٍ؛ لأنَّه لا يَعقلُ النِّيَّةَ.
(ولا) تصحُّ من (كافرٍ) لعدمِ صحَّة نيَّته، ولا تجبُ عليه، بمعنى أنَّه لا يلزمه القضاء إذا أسلم، [لا بمعنى سقوطها عنه في الآخرة] (^١)، ويُعاقَبُ عليها وعلى سَائر فروعِ الإسلام إذا مات كافرًا.
المحرَّم؛ تغليظًا عليه، وفيه احتمال: لا يلزمُهُ قضاءُ زمنِ جُنُونِه الذي طرأ مُتَّصِلًا بسكرِه؛ لكونِه صارَ غيرَ مكلَّفٍ، والمذهب الأوَّل. دنوشري.
(ولا تصحُّ صلاةٌ من مجنون) ولا تجبُ عليه.
قال ابن عادل: المجنونُ: الذي ألَمَّت به الجِنُّ، سُمُّوا بذلكَ لاستتارِهم. يقال: مجنونٌ، ومعنونٌ، ومهروعٌ، ومخنوقٌ، ومعتوهٌ، وممسوسٌ؛ لأنَّ المجنونَ ليسَ من أهلِ التكليف، أشبهَ الطفلَ، ولأنَّ من شرطِ صِحَّتِها النيَّةُ، وهي لا تصحُّ من مجنونٍ، ويستثنَى من ذلك ما لو طرأ الجنونُ على الردَّةِ، واتَّصلَ بها، فإنَّه يجبُ عليه قضاءُ أيَّامِ الجنون الواقعةِ في الردَّةِ؛ لأنَّ إسقاطَ القضاءِ عن المجنون رخصة، والمرتدُّ ليسَ من أهلِها، ولو ضُرِبَ رأسُه فَجُنَّ، لم يجبْ عليه القضاءُ على الصَّحيح من المذهب. قاله في القاعدة الثانية بعد المئة (^٢). وفي "المستوعب": لا تجبُ الصَّلاةُ على الأبلهِ الذي لا يعقلُ، ولا يفيق، وقال في الصوم: لا يجبُ على المجنونِ ولا على الأبلهِ اللَّذينِ لا يُفيقَانِ. قال في "الفروع": وجَزَمَ به بعضهم (^٣). دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) ليست في الأصل.
(٢) "قواعد" ابن رجب ص ٢٣٠.
(٣) والذي نقله ابن مفلح -"في الفروع" ١/ ٤١٠ - الجزمَ به عن بعضهم، هو أنه إن زال عقله بغير جنونٍ، لم يسقط القضاء، والله أعلم.
[ ٢ / ١٢ ]
وإن صلَّى أو أذَّن، فمسلم حكمًا،
(وإنْ صَلَّى) الكافرُ على اختلاف أنواعه في دار إسلامٍ أو حرب جَمَاعة، أو مُنْفَرِدًا بمسجدٍ أو غيره، فمسلِمٌ حُكْمًا. (أو أَذَّنَ) الكافرُ ولو في غير وقته (فمسلِمٌ حُكْمًا) أي: ظاهرًا، فلو مَاتَ عَقِب ذلك، فَتَرِكَتُه لأقاربه المسلمين، ويُغَسَّل، ويصلَّى عليه، ويُدْفَن بمقابرنا. وإنْ أرادَ البقاءَ على الكفر، وقال: إنَّما أردتُ التَّهزِّي. لم يُقْبل.
(على اختلافِ أنواعه) أصليًّا كانَ أو مرتدًّا، في أيِّ حال أو محلٍّ، بدارِ الإسلامِ أو دارِ الكفرِ، في جماعة أو فرادى، بمسجدٍ أو خارجَهُ.
(فمسلمٌ حكمًا) أي: حُكِمَ بإسلامِه في الظاهر قهرًا عليه بصلاتِه أو أذانِه، بمعنى أنَّه لو ماتَ بعدَ الصلاةِ، أو الأذان، قُضِي بتركتِه لأقاربِه المسلمين.
وإذا قال من صلَّى أو أذَّنَ -ولو في غير وقتِه-: هو كافرٌ، وإنَّما صلَّى مستهزئًا، أو متلاعبًا، وأرادَ البقاءَ على الكفرِ، فهو مرتدّ، فلو ادَّعَى أَنَّه كانَ متلاعبًا أو مستهزِئًا، لم يُقبلَ منه. ذكره في "عيون المسائل" و"منتهى الغاية" وغيرهما، وكان كما لو نَطَقَ بالشهادتين طائعًا.
ولا يُحكَمُ بإسلامِه بالصلاة حتَّى يأتيَ بصلاة يتميَّزُ بها عن صلاة الكفار، من استقبالِ قبلَتِنا، والركوعِ، والسجودِ، فلا يحصلُ بمجرَّدِ القيامِ. أما كونُ الكافرِ يحكَمُ بإسلامِه [إذا] (^١) صَلَّى؛ فلقولِه ﷺ: "من صَلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فلهُ مالنا، وعليه ما علينا" (^٢). فالظاهرُ من قوله: "وصلَّى صلاتنا" حتَّى يصلِّي ركعة؛ لما يأتي فيمن حَلَفَ لا يُصلِّي صلاة، أنَّه لا يحنث حتَّى يصليَ ركعة، ولأنَّ الصلاةَ على هذه الهيئةِ عبادةٌ تختصُّ بشرعِنا، أشبهَتِ الأذانَ.
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٣) بنحوه من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢ / ١٣ ]
ويُؤمَر صغيرٌ بها
(ويؤمر صغيرٌ بها) أي: بالصلاة،
وفي حجِّه وصومه قاصدًا رمضان، وزكاتِه مالَه، وقيل: وبقيَّةِ الشرائعِ والأفعالِ المختصَّةِ بنَا، كجنازةٍ، وسجدةِ تلاوةٍ: وجهان، أصحُّهما: لا. قال في "الإقناع" (^١): ولا يحكم بإسلامه بإخراجِ زكاةِ مالِه، وحجِّه، ولا بصَومِه قاصدًا رمضانَ.
"تنبيه": قلتُ: يتعيَّنُ أن يكونَ المرادُ بالكافرِ الذي يُحكَمُ بإسلامِهِ إذا أذَّن: هو من يُنْكِر رسالةَ محمَّدِ ﷺ بالكليَّةِ، كالوثنيّ، والمجوسي، وعُبَّادِ النَّار. أمَّا من يعتقدُ رسالةَ محمَّد ﷺ إلى العربِ خاصَّةَ، فلا يُحكَمُ بإسلامِه بمجرّد الأذان، وإنَّما يحكم بإسلامه حتَّى يشهدَ أن محمدًا رسولُ الله ﷺ بُعِثَ إلى العالَمِين كافّة، كما هو مصرَّحٌ به في باب الزكاة، أو يقول: أنا بريءٌ من كل دينٍ يُخالِفُ دينَ الإسلام. مع الإتبينِ بالشهادتين، وإنَّما يُحكَمُ بإسلامِه بالنسبةِ إلى الأحكامِ المتفقة لا في جميع الأحكام.
قال في "المنتهى": ولا تصحُّ صلاته (^٢). أي: صلاةُ الذي حُكِم بإسلامه، فإنَّها لا تصح ظاهرًا، فيؤمَرُ بإعادتِها؛ لفقدِ شرطِها، وهو الإسلامُ حالة نيَّتها، ولعدمِ صحَّتها من الكافرِ.
وأمَّا في الباطنِ، فقالَ في "المغني": إنْ عَلِمَ أَنَّه كانَ قد أسْلَمَ، ثُمَّ توضَّأ وصلَّى بنيَّةٍ صحيحةِ، فصلاتُه صحيحة، وإلا، فعليه الإعادةُ (^٣). ولا يعتدُّ بأذانِه، فلا يسقطُ به فرضُ الكفاية؛ لاشتراطِ النيَّة فيه، وعدمِ صحَّته منَ الكافر. دنوشري.
(ويُؤمَرُ صغير بها) لم يبلغْ، ولا تَجِبُ عليه، ولا تصحُّ منه حيثُ لم يكنْ مميّزًا، على الصَّحيح من المذهب، والمرادُ بالصغيرِ هنا هو من لم يبلغ، وإنَّما لم تجبِ الصَّلاةُ على من لم يبلغ على الصَّحيح من المذهب؛ لقولِ النبي ﷺ: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة، عن الصبيّ حتَّى
_________________
(١) ١/ ١١٤.
(٢) "منتهى الإرادات" ١/ ٣٩.
(٣) "المغني" ٣/ ٣٧.
[ ٢ / ١٤ ]
لسَبْعٍ،
أي: بفعلها (لسبْعٍ)
يبلغ، والمجنونِ حتَّى يُفيق، وعن النائم حتَّى يستيقظ" (^١). ولأنَّ [من لم يَبْلُغُ صغير] (^٢)، فلم تجب عليه كالطفل، ولأن الصغيرَ ضعيف العقلِ والبُنيةِ، ولابدَّ من ضابطِ يضبطُ الحدِّ الذي تَكمُل فيه بُنْيَتُه وعقلُه، فإنَّه يتزايدُ بتزايدٍ (^٣) خفيِّ التدريج، فلا يُعلَمُ بنفسه، فَنَصَبَ الشارعُ عليهِ علامةً ظاهرةً، وهي البلوغُ، ولهذا تجبُ به الحدودُ، وتتعلَّقُ بهِ أحكامُ التكليفِ، ومن جُملتِها الصَّلاةُ. دنوشري.
(لسبع) وتصحُّ من مُمَيِّز استكملَ سبعَ سنين، على الصَّحيح من المذهب.
وقال ابن أبي الفتح في "المطلع" (^٤): هو الذي يَفْهم الخطابَ، وَيرُدُّ الجوابَ، ولا ينضبطُ بسنٍّ، بل يختلفُ باختلافِ الأفهام.
وصوَّبَهُ في "الإنصاف" (^٥)، وقال: إن الاشتقاقَ يدلُّ عليه.
ويشهَد (^٦) لِصحَّة صلاةِ المميِّز أمرُه ﵊ بضربِ أبناءِ سبعِ سنينَ عليها (^٧)، ولولا أنَّها تصحُّ منهم، لم يَأمُر بضربِهم عليها، ولأنَّه ﵊ صلَّى بابنِ عباس، وهو صغيرٌ وأقامهُ عن يمينِه (^٨)، ولولا صِحَّتها منه، لم تنعقدِ الجماعةُ بهِ، فعدم (^٩) الوجوب لا يمنع الصحَّة، ولأنَّ له نيَّة صحيحةً، وقصدًا صحيحًا، فأشبهَ البالغَ،
_________________
(١) سلف ص ٩.
(٢) في الأصل: "من يبلغ صغيرًا".
(٣) في الأصل: "تزايد".
(٤) ص ٥١.
(٥) ٣/ ١٩.
(٦) في الأصل: "ويشترط".
(٧) سيأتي الخبر قريبًا، وفيه: أن الضرب لأبناء عشر.
(٨) أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣).
(٩) ليست في الأصل.
[ ٢ / ١٥ ]
ويُضرَب عليها لعَشْرٍ، وعلى وليِّه تعليمُه إيَّاها
أي: يَلْزَم وليَّه أن يأمرَه بالصَّلاة لتَمام سبعِ سنين؛ ليَعتادها ذَكرًا كان أو أنثى.
(ويُضربُ) الصغيرُ وجوبًا (عليها لعشْر) سنين؛ لحديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدّه يرفعُه: "مُرُوا أبناءَكُم بالصَّلاة وهم أبناءُ سبعِ سنين، واضربُوهم عليها لعشرِ سنين، وفرِّقوا بينَهم في المضاجع" رَواه الإمامُ أحمد وغيره (^١).
(و) يجبُ (على وَليِّه) أي: الصَّغيرِ (تعليمهُ إيَّاها) أي: الصلاةَ
وعُلِمَ منه أنَّها لا تصحُّ ممَّن لم يميِّز، وهو كذلك؛ لأنَّ من شرطِ صحَّةِ الصلاةِ النيَّة، وهو لا قَصدَ له، فلم تصحَّ نيته، فلا تصح صلاتُه. ح ف. مع زيادة.
(أي: يلزَمُ وليه أن يأمرَه بالصلاة) الأب، ووصيّه، وَيلَزَمُه أيضًا تعليمُه الصلاةَ، والطهارةَ من المحدثين والخبث، كما يَلزَمُ الوليَّ فعلُ ما يعود على إصلاحِ مالِ مُوَلِّيه، وكما يلزمُ الوليَّ على مُوَلِّيه عن المفاسدِ.
وإنَّما لَزِمَ الوليَّ تعليمُه الصلاةَ والطهارة؛ لأنَّه لا يمكنُه فعلُ ما أمِر به إلَّا إذا علمه، فإنِ احتاجَ إلى أجرةٍ، فمِن مالِ المميِّزِ، فإنْ لم يكن لهُ مال، فعلى من تلزمُه نفقَتُه.
فإنْ قُلتَ: إن المميِّزَ غيرُ مكلَّف، فكيفَ يُؤمَرُ بها لسبع، ويضرَبُ على تركِها لعشرٍ؟
قلتُ: لأنَّه قد نصَّ الإمامُ على وجوبِ الصلاةِ على من بلغَ عشرًا، وعنه أيضًا: إنَّما تجبُ على المراهق، ولأنَّه إذا بلغَ سن العشرِ يلحقُه بعضُ الأحكامِ كلحوقِ النسبِ. فالأمرُ والتأديبُ؛ ليتمرَّنَ عليها، ويعتادَها إذا بلغَ، فالتأديبُ ها هنا كالتأديبِ على تعلُّم الخطِّ والقرآنِ ونحوهما من المباحات. دنوشري.
_________________
(١) أحمد (٦٧٥٦)، وأبو داود (٤٩٥)، وحسَّنه النووي في "الخلاصة" ١/ ٢٥٢.
[ ٢ / ١٦ ]
والطهارةَ وما يحتاجه لدينه، كإصلاح ماله، وإن بَلَغَ في وقتها،
(و) تعليمُه (الطهارةَ) بالنَّصب، وكفُّه عن المفاسد (و) تعليمُه (ما يحتاجُه لدينه) من حَلالٍ وحرامٍ وغيرهما (كإصلاح مالِه) أي: كما يلزمُ الوليَّ أنْ يُصلِح مالَ الصَّغير بحفظِه والتَّصُّرفِ فيه بما فيه حظٌّ للصغير. (وإنْ بَلغ) صغيرٌ (في وقتها) أي: الصلاةِ، بأنْ تمَّت مدَّةُ بلوغِه قبلَ خروج وقتِ الصَّلاة، سواءٌ كان في أثناء الصَّلاة أو بعدها
(وإنْ بلغَ صغيرٌ) أي: بَلَغَ المميِّزُ.
(أي: الصلاة) المفروضة من الصلواتِ الخمسِ.
(بأن تمَّت مدَّةُ بلوغِه) هذا مجرَّدُ تمثيلٍ من الشارح، وإلا فيمكن أن تصوَّر بما إذا أنزلَ في الصلاةِ، بأنْ فكَّر مثلًا، فأنزلَ، فإنَّه يُحكَمُ ببلوغِه أيضًا، ويعيدُ الصَّلاةَ؛ لأنَّها باطلةٌ. (أو بعدها) أي: بعدَ أنْ صلَّاها، فلم تجزئهُ عن الفريضة، إلَّا على روايةِ الوجوب، فلا تلزمُه إعادتُها. ذكره في "التلخيص" و"البلغة"، وقدَّم جماعةٌ وجوبَ الإعادةِ مطلقًا، وهو الصحيحُ من المذهب، والقواعدُ تقتضيه، كما يلزمُهُ إعادةُ الحجِّ.
وقوله: "في وقتها" فلو خرجَ الوقتُ وهو فيها، فبلغَ، فلا إعادةَ عليه؛ لأنَّه لم يدركْ وقتَ الوجوبِ. نبَّه عليه المجدُ.
ولا يلزمُهُ أنْ يتمَّها إذا بلغَ فيها، قالَه في "الفروع" (^١)، وحكى فيه في "الإنصاف" (^٢) خلافًا، ومشى في "الإقناع" (^٣) على الوجوب. قال المصنِّف عليه: قدَّمَه أبو المعالي في "النهاية"، وتبعَه ابنُ عبيدان، وقال في "الفروع" (^٤) وغيره: [و] حيثُ وَجَبتْ، لزمَهُ إتمامُها، وإلَّا، فالخلافُ في النَّفْلِ، أي: إنْ قلنا: تجبُ الصلاةُ على ابنِ عشرٍ، فبلغَ فيها، لزمَه إتمامُها وإعادتُها، وإنْ قلنا: لا تجبُ عليه قبلَ البلوغِ، كما هو المذهب، فبلغَ في أثنائِها،
_________________
(١) ١/ ٤١٤.
(٢) ٣/ ٢٢.
(٣) ١/ ١١٥.
(٤) ١/ ٤١٤.
[ ٢ / ١٧ ]
أعادها.
ويَحرُم تأخيرُها عن وقت الجوازِ
(أعادَها) أي: الصلاةَ وجوبًا؛ لأنَّها نافلةٌ في حقِّه فلمْ تُجزِئْه عن الفريضة -وسُمِّيَ بلوغًا؛ لبلوغِه حَدَّ التكليف. ويُعِيدُ البالغُ أيضًا- تَيمُّمًا، لا وضوءًا وإسلامًا.
(ويَحرُم) على من وَجَبَتْ عليه (تأخيرُها) أو بعضِها (عن وقت الجواز) وهو وقتُها المعلوم -ممَّا يأتي- فيما لها وقتٌ واحد، والوقتُ المختارُ فيما لها وقتَان،
فوجوبُ إتمامِها مبنيٌّ على القولين فيمن شَرَع في نفلٍ، هل يجبُ عليه إتمامه. والصحيح كما يأتي: لا يلزمُه إتمامُه. فعلى هذا لا يلزمه إتمامها (^١).
قال ابنُ نصرِ الله، يسألُ عن معنى الإعادة: هل هي بمعنى القضاءِ، أو بمعنى أصلِ الفعل؟ ثانيها.
(ويعيدُ … تيمُّمًا) للصلاةِ التي بلغَ فيها إذا كانت بتيممٍ؛ لأنَّ الصلاةَ صارتْ في حقِّه فرضًا بعد أن كانت نفلًا، والتيمُّمُ للنفلِ لا يؤدَّى به الفرضُ، فوجَبَتْ إعادتُها، الصلاةِ والتيمُّمِ.
(لا وضوءًا) أي: لا يلزمُه إعادةُ وضوءٍ، ولا إعادةُ غُسْلٍ لجنابةٍ؛ لأنَّ المتوضِّئَ والمغتسلَ لنافلةٍ يجوزُ أنْ يُصلِّيَ به فريضةً، بخلافِ المتيمِّمِ. والفرقُ بينَهما: أنَّ التيمُّم طهارةُ ضرورةٍ، وهو مبيحٌ لا رافعٌ، بخلافِ الطهارةِ بالماءِ.
(وإسلامًا) أي: ولا يلزمُه إعادةُ إسلامٍ؛ لصحَّة إسلامِ المميِّز، وقد كانَ إسلامُه صحيحًا، فلا تجبُ عليه إعادتُه، ولأنَّ أصلَ الدينِ لا يصحُّ نفلًا، فإذا وجِد، فعلى وجهِ الوجوب. دنوشري،
(عن وقت الجواز) بأنْ يؤخِّرها أو بعضَها إلى وقتِ الضرورة فيمَا لها وقتان، كالعصرِ والعشاءِ، أو إلى وقتِ التي بعدَها فيما لها وقتٌ واحدٌ، كالصبح والظهر والمغرب؛ لقولِه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]. قال سعدُ بن أبي
_________________
(١) "كشاف القناع" ١/ ٢٢٦. وما بين حاصرتين منه.
[ ٢ / ١٨ ]
إلا لناوي الجَمْع أو بمشتغلٍ بشرطٍ لها يحصِّله قريبًا.
ومحلُّه إذا كان ذاكرًا قادرًا على فعلِها؛ بخلافِ ناسٍ ونحوٍ نائمٍ.
(إلَّا لِنَاوي الجَمعِ) لعذرٍ يُبيحُه، كما سيأتي؛ فيباحُ له التَّأخيرُ؛ لأنَّ وقتَ الثانية إذا نوى جَمْع الأُولى إليها، يَصيرُ وقتًا لهما.
(أو بمشتغلٍ) كذا بخطِّه بالباء. والأظهرُ اللام: أي: وإلَّا لمشتغلٍ (بشرطٍ لها) أي: الصلاةِ (يحصِّله) أي: الشرطَ (قريبًا) كانقطاعِ ثوبه الذي ليس عنده غيرُه، إذا لم
وقاص: إنَّما هو بإضاعةِ الوقتِ (^١). وقولِه تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]. قال النخعيُّ: صلَّوا لغيرِ وقتِها (^٢). اهـ. ح ف.
(ومحلُّهُ إذا كانَ ذاكرًا قادرًا على فعلِها) أي: محلُّ الحرمةِ على من وَجَبَتْ عليه تأخيرُها إلخ حال كونه ذاكرًا لها عندَ تأخيرِها، قادرًا على فعلِها في وقتِها المأمور بإيقاعِها فيه، وذلك لِما رَوى أبو قتادةَ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "ليسَ في النومِ تفريطٌ، إنَّما التفريطُ في اليقظةِ، أنْ تُؤَخَّر الصلاةُ إلى أنْ يدخُلَ وقتُ صلاةٍ أُخرى". رواه مسلم (^٣). ولأنَّه بالتأخيرِ من غيرِ عُذْرٍ يكونُ تاركًا للواجب، مخالفًا للأمر، فهو حينئذٍ عاصٍ مستحقٌّ للعقابِ، ولأنَّه لو جازَ له التأخيرُ، لفاتتْ فائدةُ التأقيت.
واستثنى المصنِّف -رحمَه اللهُ تعالى- من ذلك صورتين، الأولى ذَكرهَا بقولِه: (إلَّا لناوي الجمع) بين الصلاتينِ في صورةِ جمعِ التأخير، وينوي في وقتِ الأُوْلَى جمعَ التأخير؛ لأنَّه ﷺ كانَ يؤخِّرُ الصلاةَ الأولى في الجَمْعِ، ويصلِّيها في وقتِ الثانيةِ (^٤).
والصورةُ الثانيةُ أشارَ إليها بقوله: (أو بمشتغلٍ بشرطٍ لها يحصِّلُه قريبًا) كما إذا عَدِم الماءَ للوضوء أو الغسل، أو عَدِمَ السُّترَةَ في أوَّلِ الوقتِ، بأن انقطعَ ثوبُه، وليسَ عندَه غيرُه
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢٤/ ٦٥٩ - ٦٦٠ بروايات عدة.
(٢) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٢٧٧، وعزاه لسعيد بن منصور.
(٣) في "صحيحه" (٦٨١) في حديث طويل.
(٤) سيأتي في فصل الجمع بين الصلاتين ص ١٧٧ وما بعدها.
[ ٢ / ١٩ ]
ومن جَحَدَ وجوبَها، كفَرَ،
يَفْرغ من خِياطته حتَّى خَرجَ الوقتُ، فإنْ كان بعيدًا (^١) عُرفًا، صلَّى على حَسَب ما يستطيع، ولمن لزِمَتْه الصَّلاةُ تأخيرُها في الوقتِ مع العزْم عليه. وتسقطُ بموته، ولم يأثمْ ما لم يظنَّ مانعًا كموتٍ وقتلٍ.
(ومن جَحَد وُجوبَها) أي: الصلاة، بأنْ قال: ليستِ الصَّلاةُ واجبةً على المُسْلم المكلَّف (كفَر) إذا كان ممنْ لا يجهلُه، وإنْ فعلَها؛ لأنَّه مُكَذِّب لله ورسوله وإجماعِ الأُمَّة (^٢).
فاشتغلَ بخياطتِه حتَّى خرجَ وقتُ الجوازِ، أو اشتغلَ بتحصيلِ الماءِ، فإنَّه لمْ يأثم بالتأخير، وفي الأصحّ: ويسقط إذنْ بموتِه، كما سيأتي قريبًا.
واحترز بقولِه: "قريبًا" عن التحصيلِ البعيد، كالعُرْيان إذا أمكنَه أنْ يذهبَ إلى قريةٍ أخرى ليشتريَ منها ثوبًا، ولا يصلُ إليها إلَّا بعدَ الوقت، وكالعاجزِ عن تعلُّمُ التكبيرِ، والتشهُّد، ونحو ذلك، بل يصلِّي في الوقتِ على حَسَبِ حالِه ولا يؤخِّر. دنوشري.
(في الوقت) أي: وقتِ الجواز، فاللامُ للعهدِ الذِّكْرِيِّ.
(مع العزم عليه) أي: على فعلِها في الوقتِ، فإنْ عَزَمَ على التركِ، أَثِمَ بالإجماع، ومحلُّ جوازِ التأخيرِ مع العزمِ على الفعلِ.
(كموت) الذي به مرضٌ شديدٌ، وغَلَبَ على ظنِّه أنَّه سيموتُ في وقتِها.
(وقتل) وذلك كمن وَجَبَ عليه قصاصٌ، وأُمِرَ بقتلِه في وقتِها، فيجبُ عليهِ أنْ يُبَادِرَ بالصلاةِ قبل ذلك. مصنِّف (^٣).
(ومن جَحَدَ وجوبَها إلخ) أي: ومن تركَ الصلاةَ الواجبةَ جحودًا، مع علمِه بوجوبها.
_________________
(١) أي: كان تحصيل الشرط بعيدًا. "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٥٢.
(٢) قاله ابنُ تميم، وتتمة كلامه: يصير مرتدًا بغير خلاف نعلمه. اهـ. "المبدع" ١/ ٣٠٥، و"كشاف القناع" ١/ ٢٢٧.
(٣) "كشاف القناع" ١/ ٢٢٧.
[ ٢ / ٢٠ ]
وكذا تاركُها كَسَلًا إذا دعاه إمامٌ أو نائبُه، وأَبَى حتى تضايقَ وقتُ الثانية عنها،
وإن ادَّعى جهلًا وأَمْكَن كحديث إسلامٍ، عُرِّف وجوبَها ولم يُحكَم بكُفْره؛ لأنَّه معذور. فإنْ عُرِّفَ، فعرَفَ وأَصَرَّ، كَفَر.
(وكذا) يكفرُ (تاركُها) أي: الصلاةِ (كسَلًا) أو تَهَاونًا لا جُحُودًا [بشرطٍ أشار إليه بقوله] (^١): (إذا دَعَاه) أي: أَمَرَه (إمامٌ أو نائبُهُ) لفعلِها (^٢) (وأَبَى) أي: امتَنَع من فعلِها وأَصَرَّ (حتَّى تَضايقَ وقتُ) الصَّلاة (الثانيةِ) المختارُ (عنها) أي: عن الثانية، بأنْ
(وإنْ ادَّعَى جهلًا) [بأن] (^٣) كانَ جحْدُه لوجوبها جهلًا به، كحديث عهدٍ بالإسلام أو من نشأ بباديةٍ بعيدةٍ عن الإسلام، فإنَّه لا يحكم بكفره؛ لأنَّه معذورٌ، وإنَّما يكفرُ تاركُها جهلًا بأن عُرِّفَ وجوبَ الصلاة، فعلم وأصرَّ على جحوده. دنوشري.
(فإن عُرِّفَ، فعَرفَ) مفهومُ قوله: "عُرِّفَ وجوبَها" (كفر) (^٤) أي: صار مرتدًّا بجحدِها في الحالتين المذكورتين في المتن والشرح؛ لأنَّه مكذِّبٌ للهِ ﷾، ولرسولِه سيدِنا محمدٍ ﷺ، ولإجماعِ الأمَّة، فصارَ كمنِ اعتقدَ حلَّ الزنى، والخمرِ، وأكلِ لحم الخنزير.
(إذا دعاه إمام إلخ) أي: فلا يكفر ولا يُقْتَل قبل الدعايةِ؛ لاحتمال أنَّه تركَها لعذرٍ يَعتقِدُ سقوطَها معه، كالمرض ونحوه، فإذا دعيَ إليها، تبيَّنَ موجبُ تركها، ولأنَّه لا يُعلَمُ أنَّه مصرٌّ على تركِها إلَّا بذلك. ح ف.
(وأبى) أنْ يفعلَها (حتى تضايقَ إلخ) قال المصنِّفُ: وإنَّما قيل: إذا تضايقَ وقتُ الثانيةِ؛ لأنَّه إذا ترك الأُولَى لم نعلمْ أنَّه عزمَ على تركِها إلَّا بخروج وقتِها، فإذا خرجَ وقتُها، علِمنا أنَّه تركَها، ولا يجبُ قتلُه بها؛ لأنَّها فائتةٌ، فإذا ضاقَ وقتُ الثانية، وجبَ قتله (^٥)، بمعنى أنَّه
كان سببًا له.
_________________
(١) ليست في الأصل.
(٢) في (ح) و(ز) و(س) و(م): "بفعلها".
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) من هنا تغيَّر خط ناسخ المخطوط إلى نهايته.
(٥) "كشاف القناع" ١/ ٢٢٨.
[ ٢ / ٢١ ]
ويُستتابان ثلاثًا.
يُدعَى للظُّهر مثلًا، فيَأْبى حتَّى يتَضَايقَ وقتُ العصر المختارُ عنها، فيُحْكَمُ بكفرِه إذن؛ لقوله ﵊: "بينَ العبد وبين الكفرِ تَرْكُ الصَّلاة" رواه مسلم (^١)، زاد أحمدُ والنَّسائيُّ: "فمنْ تَرَكَها، فقد كفر" (^٢).
(ويُستتابان) أي: جَاحدُها وتاركُها كَسَلًا، أي: تَجبُ استتابتهُما (ثلاثًا) أي: ثلاثَ ليالٍ بأيَّامِها، ويُضيَّق عليهما في مدة الاستتابة. ويُدْعيان كلَّ وقتِ صلاةٍ إليها، فإنْ تَابا بفعْلِها (^٣)،
(ويستتابان) أي: وحيثُ وجبَ القتلُ على جاحدِ وجوبِ الصلاة، أو على تاركِها تهاونًا أو كسلًا، فإنَّهما يُستَتَابان. وثَنَّى الضميرَ؛ لأن التركَ بالجحودِ قِسْمٌ، وبالتهاونِ أو الكسلِ قسمٌ؛ لأنَّ حكمَهما واحدٌ. ح ف.
(فإنْ تابا بفعلِها) زمنَ الاستتابةِ. نقلَ صالح: توبتُه أنْ يصلِّي. وصوَّبه الشيخُ تقيُّ الدين؛ لأنَّ كفرَه بالامتناعِ، كإبليس (^٤). لكنْ لابدَّ مع الفعلِ من الإقرار بالوجوب في حقِّ من تركَها جُحودًا، كما يعلمُ ممَّا سيأتي في بابِ الرِّدَّة.
وإنْ أجابَ إلى فعلِ الصلاة، تُرِكَ، وأُمِرَ بها، فإن قال: أصلِّي في منزلي. وكلت إلى أمانته، ولم يُجْبَر على فعلِها بمشهدٍ من الناس. ذكره في "الأحكام السلطانيَّةِ" (^٥).
قلت: ولعلَّه مخصوصٌ بما إذا غَلَبَ على الظنِّ أنَّه يفعلُها.
ولا تبطلُ عباداته التي فعلَها قبلَ ردَّتِه بها من صومٍ وصلاةٍ وحجٍّ وغيرِ ذلك، ولا تبطلُ استطاعةٌ على الحجِّ بها، وإذا رجعَ إلى الإسلام، لا يجبُ عليهِ قضاءُ ما تركَه مدَّةَ امتناعِه، كغيرهِ من المرتدِّين.
_________________
(١) في "صحيحه" (٨٢) عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) "مسند" أحمد (٢٢٩٣٧)، و"سنن" النسائي ١/ ٢٣١، وهو عند الترمذي (٢٦٢١).
(٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: "أي مع إقرار جاحد. شيخنا عثمان [في حاشيته على "منتهى الإرادات" ١/ ١٣٨] ".
(٤) "الاختيارات الفقهية" ص ٥٠.
(٥) ص ٢٦١.
[ ٢ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإلَّا، ضُرِبتْ عُنُقُهما.
قال في "الإقناع": ولا يلزمُه قضاءُ ما تركَ من العباداتِ في رِدَّتِه، ويلزمُهُ (^١) قضاءُ ما تركَ قبلَها. دنوشري.
(وإلَّا ضُرِبَتْ عنقُهُما) أي: وإنْ لم يتوبا بفعلها، ضُرِبَتْ عنقُهما بالسيف؛ لقول النبيِّ ﷺ: "إذا قتلتُم فأحسِنوا القتلة". رواه مسلم (^٢). أي: أحسنوا الهيئةَ من القتلِ.
وقال القاضي: يُضرَبُ أوَّلًا لعله يتوب، ثمَّ يقتل.
وهل يقتلُ حدًّا أو كفرًا؟ على روايتين، أشهرهما: أنَّه يُقتَل كفرًا، وهي ظاهرُ المذهب. واختارَها الأكثرُ؛ لقولِه ﷺ: "من تركَ الصلاةَ متعمِّدًا، فقد خرج من الملَّةِ". رواه الطبرانيُّ بإسنادٍ جيد (^٣).
وقال عمر: لا حظَّ في الإسلامِ لمنْ ترَكَ الصلاة (^٤).
ولأنَّه يدخلُ بفعلِها في الإيمان، ويخرجُ بتركِها منه، كالشهادتين، فعلى هذه الروايةِ
_________________
(١) في الأصل: "ولا يلزمه"، والتصويب من "الإقناع" ٤/ ٢٩٨، لكن قال الحجاوي أيضًا في كتاب الصلاة ١/ ١١٦: ومن راجع الإسلام، قضى صلاته مدَّة امتناعه. اهـ. والأول هو الصحيح من المذهب، كما قاله المرداوي في "الإنصاف" ٣/ ١١.
(٢) في "صحيحه" (١٩٥٥)، وهو عند أحمد (١٧١١٣) من حديث شداد بن أوس ﵁.
(٣) لم نقف عليه في مطبوع "المعاجم" الثلاثة للطبراني، وأخرجه اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (١٥٢٢) من حديث عبادة بن الصامت، وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣، والهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤/ ٢١٦. قال المنذري: رواه الطبراني، ومحمد بن نصر في كتاب "الصلاة" بإسنادين لا بأس بهما. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه: سلمة بن شريح. قال الذهبي: لا يعرف. وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" ١/ ٣٩ - ٤٠، وعبد الرزاق في "مصنفه" (٥٩٧) و(٥٨٠) و(٥٨١)، والطبراني في "الأوسط" (٨١٨١). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٢٩٥: رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢ / ٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجمعةُ كغيرها، وكذا تَرْكُ رُكنٍ أو شرطٍ يعتقد وجوبه.
حكمُه حكمُ الكفار، من أنَّه لا يُغَسَّل، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَنُ في مقابرِ المسلمين.
وذكر الآجريُّ: مَنْ قُتِلَ مرتدًّا، تُرِكَ بمكانه، ولا يُدفَنُ، ولا كرامةَ، وتَبينُ منه زوجتُه قبلَ الدخول، وكذا بعدَه إنْ لم يَتُبْ، ويصلِّي (^١) في الأَشْهَر.
والرواية الثانية: يُقتَلُ حدًّا. قدَّمَها في "المحرَّر"، وابن تميم، واختارَها ابنُ بطَّة، وذكرَ أنَّها المذهبُ. قال في "المغني" (^٢): وهي أصوبُ القولين. وجزمَ بها في "الوجيز" للعمومات، منها: قوله ﵊: "أسعدُ الناسِ بشفاعتي من قالَ: لا إله إلا اللهُ. مخلصًا من قلبه". رواهُ البخاريُّ (^٣). وقال: "إنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعتي لأمَّتي يومَ القيامة، فهي نائلةٌ -إنْ شاءَ اللهُ تعالى- من ماتَ لا يشركُ باللهِ شيئًا". رواه مسلم (^٤). وأجيبَ عمَّا تقدَّمَ بأنَّه يُحمَلُ على كفرِ النعمةِ، أو على معنًى قاربَ الكفرَ، فعلى هذه الرواية حكمُه كأهلِ الكبائر، فتنعكسُ الأحكامُ السابقةُ؛ لأنَّه مسلمٌ. دنوشري.
(وكذا تَرْكُ ركنٍ) أي: وكتركِ الصلاةِ جحودًا، أو تهاونًا، أو كسلًا، تَرْكُ ركنٍ منها، أو شرطٍ لها، حيثُ كانَ التاركُ (يعتقدُ وجوبَه) أي: وجوبَ الإتيانِ به، ظاهرُه: ولو لم يكن مُجمَعًا عليه، كالحنبليِّ إذا تركَ الطُّمأنينَة، أو الاعتدالَ، أو صلَّى بالنجاسةِ التي لا يُعفَى عنها، وسيأتي في باب الرِّدَّة أنَّه لا يكفرُ إلا بتركِ ركنٍ، أو شرطٍ للصلاة، مُجْمَعٍ عليه، تهاونًا، والمذهبُ ما في الردة، وهو اختيار الموفَّق (^٥)، ومن تابعه، قال في
_________________
(١) كذا في الأصل و"المبدع" ١/ ٣٠٧، ولعله: ولا يصلى عليه. ينظر "الإنصاف" ٣/ ٤٠ - ٤١.
(٢) ٣/ ٣٥٩.
(٣) في "صحيحه" (٩٩)، وهو عند أحمد (٨٨٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في "صحيحه" (١٩٩): (٣٣٨)، وهو عند أحمد (٩٥٠٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) في "المغني" ٣/ ٣٥٩.
[ ٢ / ٢٤ ]
فصل
والأذانُ
وتنبغي الإشاعةُ عن تاركها بتركِها حتَّى يُصلِّي. ولا ينبغي السَّلامُ عليه، ولا إجابةُ دعوته. قاله (^١) الشيخ تقيُّ الدين. ولا يَكْفرُ بتركِ غيرها من زَكاةٍ، وصومٍ، وحجٍّ غيرَ جاحدٍ لوجوبه.