كتاب الطهارة
هذا (كتابُ الطَّهارة)
ثمَّ إنَّ (الكتابَ) لغة: الضمُّ والجَمْع، يقالُ: تكتَّبتْ بنو فلانٍ: إذا اجتمعُوا.
واصطلاحًا: اسمٌ لجملةٍ من العِلْمِ مشتملةٍ على أبوابٍ وفصولٍ غالبًا، أي: اسم لدالٍّ جملةٍ مِن العلم؛ بناءً على أن التراجمَ اسمٌ للألفاظِ المخصوصةِ الدَّالةِ على معانٍ مخصوصةٍ، على ما اختاره سيِّدُ المحققين مِن احتمالاتٍ سبعةٍ، تقدَّمت آنفًا.
واشتقاقُه مِن الكَتْبِ، ولا يُشكلُ على ذلك قولُهم: إنَّ المصدرَ لا يُشتقُّ مِن المصدرِ؛ لردِّ النحاةِ له؛ لأنَّ الشيءَ لا يُشتَقُّ مِن نفسِه، ولأنَّه جامدٌ، فالكلامُ في مقامين:
الأولُ: أنَّ المصدرَ لا يُشتق مِن نفسِه.
والثاني: أنَّه جامدٌ غيرُ مشتقٍّ، إذا لم يكن مؤوَّلًا باسمِ المفعولِ كما هنا.
فـ "كتابٌ" بمعنى مكتوب للطهارَة، أي: مجموع فيه كلماتُها.
الثاني: أن يُذكَرَ المصدرُ ويُرادَ به المشتقُّ مبالغةً، وهو مجازٌ في النسبةِ عقليٌّ؛ إذ الجامعُ لمسائلِ الطهارة المصنِّفُ، لا الكتابُ، كما يَجِيءُ توضيحه.
وهذين الجوابَيْن للشارحِ.
الثالث: أن مرادَنا بالاشتغالِ مطلقُ الأخْذِ، وهو أوسعُ دائرةً منه.
الرابع: أنَّ مرادَنا بالمصدر المجرَّدُ؛ لأن المزيدَ مشتقٌّ منه؛ لموافقتِه إيَّاهُ في حروفِه ومعناه.
والحاصلُ: أنَّ الجوابَ الأوَّلَ والثاني والرابعَ عن كوني مشتقًّا، والثالثَ عن كونه جامدًا، والأربعةُ بالتسليمِ.
[ ١ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحاصلُ الإشكالِ: أنه مركَّبٌ مِن قياسٍ من الشكل الأوَّل غير سلَّم المقدِّمةِ الكبرى، ونَظمُه أن يقال: مصدرٌ، ولا شيءَ من المصدر بمشتقٍّ، ينتج: ليس الكتابُ بمشتقٍّ.
وضابطُ الشكلِ الأولِ موجودٌ، وهو أنَّ صغراهُ محمولةٌ، وكبراهُ موضوعةٌ. قال في "السُّلَّم" (^١):
حَمْلٌ بصُغرى وَضْعُه بكُبرى … يُدعى بشكل أوَّل ويُدرى
وحاصلُ الجواب: أن لا نسلمَ الكبرى، أعني لا شيءَ مِن المصدرِ بمشتقٍّ، بل منه ما هو مشتقٌّ، وهو المزيدُ؛ فإنَّه مشتقٌّ مِن المجرَّد، هذا على القولِ بالاشتقاق في الألفاظ، وهو أحدُ أقوالٍ ثلاثةٍ، أحدها -وهو الصحيحُ-: أنَّ اللفظَ يقسمُ إلى مشتقٍّ وجامدٍ، وهو قولُ الخليل وسيبوبه والأصمعيِّ (^٢) وأبو عبيد (^٣) وقُطْرب (^٤)، وعليه العمل.
الثاني: أنَّ الألفاظَ كلَّها جامدةٌ موضوعةٌ، وبه قال نِفْطويه، واسمُه: محمدُ بنُ إبراهيمَ (^٥).
_________________
(١) "السُّلَّم المنورق" ص ١٣.
(٢) هو: عبد الملك بن قُريب بن علي بن أصمع الباهلي، كان من أروى الناس للرجز، فزعموا أنه حفظ أربعة عشر ألف أرجوزة، فقيل له: أفيها شيء هو بيت أو بيتان؟ فقال: فيها المئة والمئتان، وكان من أوثق الناس في اللغة. له: "الأضداد"، و"الخيل"، وغيرها. (ت ٢١٦ هـ). "طبقات النحويين واللغوين"، ص ١٦٧ - ١٧٤، "الأعلام" ٤/ ١٦٢.
(٣) هو: القاسم بن سلَّام الخُزاعي، كان مؤدبًا، وكان من المعلمين ثم الفقهاء والمحدثين والنحويين والعلماء بالكتاب والسنة. له: "الأمثال" و"الأموال"، وغيرها. (ت ٢٢٤ هـ). "طبقات النحويين واللغويين" ص ١٩٩ - ٢٠٢، "الأعلام" ٥/ ١٧٦.
(٤) هو: أبو علي، محمد بن المستنير بن أحمد، نحوي عالم بالأدب واللغة، أول من وضع "المثلث" في اللغة، وقطرب لقب دعاه به أستاذه سيبويه فلزمه. له: "معاني القرآن" و"الأضداد"، وغيرها. (ت ٢٠٦ هـ). "طبقات النحويين واللغويين" ص ٩٩ - ١٠٠، "الأعلام" ٧/ ٩٥.
(٥) كذا جاء اسمه في مخطوط "الألقاب" لابن الفرضي كما أشار إليه الزركلي في "الأعلام" ١/ ٦١، =
[ ١ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فـ "كتاب" خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ (^١)، ويجوزُ العكسُ، وأنْ يكونَ مفعولًا لفعلٍ محذوفٍ، تقديرُه: اقرأ، أو: خذْ؛ وكذا يُقالُ فى نظائرِهِ الآتيةِ.
الثالث: أنَّ الألفاظَ كلَّها مشتقَّةٌ، وهو قول الزَّجَّاجِ (^٢) وابنِ دُرُسْتُويَه (^٣) وغيرِهما.
وأمَّا إعرابُ هذا المركَّبِ، فاعلَم أنَّه جوَّز بعضُهم البناءَ؛ جَرْيًا على القولِ بأنَّ الأسماءَ قبل التركيبِ مبنيَّةٌ على أصلِ التخلُصِ.
وأمَّا الفتحُ؛ للخفَّةِ والإِعراب، وفيه أوجه؛ لأنَّه إما مع الإضافةِ أو عدمِها.
الثاني فيه أوجه، أن يكون "كتابٌ" خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا كتابٌ، أو عكسه، مبتدأً خبرُه محذوفٌ، أي: كتابٌ هذا موضعُه، أو ممَّا يُذكَر كتابٌ، بجَعْل تنوينِه للتعظيمِ، وهو يَقوم مقامَ التخصيص بالوصف بكونِه عظيمًا، والنصبُ على لغةِ رَبِيعةَ وهم يَقفُون على المنصوبِ؛ بحَذْف ألِفِه (^٤)، وإن لم تكن موجودةً في اللفظِ؛ لأنَّها مقدَّرة، وعندهم صورةُ
_________________
(١) = وفي بقية المصادر: أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة. كان أديبًا، وكان يروي الحديث. له: "غريب القرآن" و"أمثال القرآن"، وغيرها. (ت ٣٢٣ هـ). "طبقات النحوبين واللغويين" ص ١٥٤، "تاريخ بغداد" ٦/ ١٥٩، "وفيات الأعيان" ١/ ٤٧ - ٤٩، "الأعلام" ١/ ٦١.
(٢) بعدها في (ح): "أي هذا كتاب".
(٣) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن السري بن سهل، عالم بالنحو واللغة، كان في صغر. يخرط الزجاج، فنُسب إليه، له: "معاني القرآن"، و"الاشتقاق"، وغيرها. (ت ٣١١ هـ، وقيل: ٣١٦ هـ). "طبقات النحويين واللغويين"، ص ١١١ - ١١٢، "وفيات الاعيان" ١/ ٤٩ - ٥٠، "الأعلام" ١/ ٤٠.
(٤) هو: أبو محمد، عبد الله بن جعفر بن محمد بن دُرُسْتُويَه -قال ابن خلكان: ودرستويه بضم الدال المهملة والراء وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها، وسكون الواو، وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة. هكذا قاله السمعاني. وقال غيره: هو بفتح الدال والراء والواو، وهذا القائل هو ابن ماكولا في كتاب "الإكمال"- انتهى. قرأ على المبرد "الكتاب" وبرع، وكان نظارًا، له: "الإرشاد في النحو"، و"معاني الشعر"، وغيرها. (ت ٣٤٧ هـ)."طبقات النحويين واللغويين" ص ١١٦، "وفيات الأعيان" ٣/ ٤٤، "الأعلام" ٤/ ٧٦.
(٥) ينظر "قطر الندى وبل الصدى" ص ٥٤٠، ونقل ابن هشام عن شاعرهم قولَه: ألا حبذا غنمٌ وحسن حديثها … لقد تركت قلبي بها هائمًا دَنِفْ
[ ١ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهي لغةً: النَّظافةُ والنزاهةُ عن الأقذارِ، حسيَّةً كانت أو معنويَّةً.
المرفوعِ والمنصوبِ واحدةٌ، والجرُّ بتقديرِ متعلَّقٍ وحرفٍ جارٍّ له: اقْرَأْ في كتابِ الطهارةِ، ففيه حذفُ حرفِ الجرِّ، وإبقاءُ عملِه، وهو شاذٌّ يُحفَظ ولا يُقاس عليه، قال ابنُ مالكٍ (^١):
وقَدْ يُجَرُّ بِسِوَى رُبَّ لَدَى … حَذْفٍ وبَعْضُهُ يُرَى مُطَّرِدَا
قال الأُشمونيُّ (^٢): يُستثنى مِن ذلك ثلاثةَ عشرَ موضعًا، انظره في باب حروفِ الجرِّ.
وحاصلُ ما اختاره الشارحُ هنا أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، ورُدَّ الوجهانِ الآخرانِ، وإن جازا عربيَّةً، وهما النصبُ، وكونُه مبتدأً خبرُه ما بعده؛ أمَّا رَدُّ الأوَّل؛ فإنَّ الرسمَ لا يُساعِده إلا إذا قُرئ بالإضافةِ، أو يكون على لغةِ ربيعةَ، وأما ردُّ كونِ ما بعدَه خبرًا؛ فلأنَّ الترجمةَ غيرُ مقصودةٍ لذاتها، وما بعدَها الذي هو المترجم له مقصودٌ لذاتِه، والمقصودُ لذاتِه لا يُجعل خبرًا عن المقصودِ لغيرِه.
وأما لفظُ "الطهارة" فهو مصدرُ طَهر بالفتح والضَّمِّ، كما في "الصحاح" (^٣)، والاسمُ: الطُّهْرُ (^٤)، وهي مثلَّثةُ الطاء، فالفتحُ مصدر (^٥): طهر بمعنى النظافة (^٦) مطلقًا، وبالكسر: الآلةُ، وبالضمِّ: فضلُ ما يُطهَّر به.
وهي في اللغة: النظافةُ والنزاهةُ، وهي المباعدةُ عن الأَقذارِ، حسِّيَّةً كانت كالأنجاسِ
_________________
(١) في "الألفية" ص ١٢١.
(٢) هو: نور الدين، أبو الحسن، علي بن محمد بن عيسى بن يوسف، نحوي من فقهاء الشافعية، أصله من أشمون بمصر. له: "نظم جمع الجوامع"، و"شرح ألفية ابن مالك"، (توفي نحو ٩٠٠ هـ) "الضوء اللامع" ٦/ ٥، "الأعلام"، ٥/ ١٠. وأُشْمون: مدينة قديمة عامرة آهلة إلى هذه الغاية، وهي قصبة كورة من كُوَر الصعيد الأدنى غربي النيل ذات بساتين ونخل كثير، سميت باسم عامرها وهو أُشمن بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح."معجم البلدان" ١/ ٢٠٠، وكلامه في "شرح الألفية مع حاشية الصبان" ٢/ ٢٠٣.
(٣) للجوهري (طهر).
(٤) في الأصل: "المطهر"، والمثبت من "الصحاح" للجوهري.
(٥) في الأصل: "مطهر"، وهو خطأ.
(٦) في الأصل: "الناظة".
[ ١ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكتابُ: مصدرُ كَتَبَ -بمعنى جَمعَ- يكْتُبُ كنصَرَ ينصُرُ، كتْبًا وكِتابًا وكتابةً، وهوَ هنا بمعنَى المكتوبِ، كالخلقِ بمعنى المخلُوقِ، أي: هذا مكتوبٌ للطهارةِ، أي: مجموع لبيان أحكامِها، أو بمعنى الكاتبِ، كالعدلِ بمعنى العادِلِ، أي: هذا جامعٌ للطهارةِ.
والأَدنَاس، أو معنويَّةً كالذُّنوب المنقصةِ للإنسان المدنِّسة لعِرْضه (^١)، كالحقد: وهو إضمارُ العداوةِ. والحسدِ: وهو تمنِّي زوالِ نعمةِ الغيرِ. وفي "الصحيح" (^٢) عن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دخلَ على مريضٍ قال: "لا بأسَ كفَّارةٌ وطَهورٌ"، أي: مطهِّر مِن الذُّنوب، وهي الأَقذارُ المعنويَّةُ.
(وهنا بمعنى المكتوبِ) مبالغةً؛ لأنَّ لفظَ الكتابِ يُرادُ به هاهنا طائفةٌ مِن الحروفِ والألفاظِ الدالَّة على طائفةٍ من المسائلِ الفقهيَّةِ، أو طائفةٌ مِن النقوشِ والخطوطِ الدَّالة على تلك الحروفِ والألفاظِ، كما حقّق في موضعِه، فكأنَّ المرادَ ذلك المجموعُ لا الجمعُ نفسُه، فالمصدرُ بمعنى المفعولِ، كالخَلْق بمعنى المخلوقِ، واللفظِ بمعنى الملفوظِ على ما هو المشهورُ (^٣).
ثم طريقُ استعمالِ المصدرِ في المشتقِّ اسمَ فاعلٍ مثل: زيدٌ عَدْلٌ، وعَمرو صَومٌ. أو اسمَ مفعولٍ، كما ذكر الشَّارحُ ثلاثُ طُرقٍ:
_________________
(١) "العين" للفراهيدي ٤/ ١٩ (طهر)، و"المطلع على أبواب المقنع" للبعلي ص ٥.
(٢) البخاري (٥٦٥٦) و(٥٦٦٢) و(٧٤٧٠) بلفظ: "لا بأس طهور إن شاء الله". وأما اللفظ الذي أورده المصنف فلم يرد في الصحيح وإنما رواه أحمد (١٣٦١٦) عن أنس بن مالك دون قوله: "لا بأس". قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٩٩): "رجاله ثقات" ا. هـ.
(٣) "المطلع على أبواب المقنع" ص ٥ بنحوه.
[ ١ / ٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَحدها: أن يُذكَر المصدرُ ويرادَ به المشتقُّ، ويكونَ المجازُ في الكلمةِ، وهذا لأهلِ الصَّرفِ.
الثانية: أن يكونَ بتقديرِ: [ذو، أي: ذو عدلٍ] (^١) وذو خَلْقٍ، أي: مخلوقيَّةٍ، وهذا لأهل النحوِ.
الثالثة: أن يُذكَر المصدرُ ويرادَ به المشتقُّ مبالغةً ومجازًا في نسبةٍ، كأنَّ زيدًا من فَرطِ اتصافِه به عينُ العدلِ، وعدلٌ مُجسَّمٌ، وهذا لأهلِ المعاني والبيانِ، وهو القولُ الجزلُ، والمذهب الفحل، كما ذكره الشيخُ عبدُ القاهرِ (^٢) في قولِ الخَنساءِ (^٣):
فإنَّما هي إقبالٌ وإدبارُ
قال: لم تُرِدْ بالإقبالِ والإدبار غيرَ معناهما حتى يكونَ المجازُ في الكلمةِ، وإنَّما المجازُ [في أنْ جَعلتها] (^٤) لكثرةِ ما تُقبِلُ وتُدبِرُ، كأنَّها تَجسَّمت من الأقبالِ والإدبارِ.
وجعلَ الثاني، أي: الطريقَ الثانيةَ وجهًا مرذولًا، واقتصرَ الشارحُ على الوجهين الأولِ والثالث، وعلى الأولِ اقتصرَ العَلَّامةُ التَّفتازانيُّ في "التلويحِ" (^٥) حيث قال: وهو في اللغةِ: اسمٌ للمكتوبِ. ولم يزْد عليه، وهو في هذا الوجهِ يكونُ من الأسماءِ المشبهةِ بالصفاتِ، وليسَ بصفةٍ، كالإمامِ والإلهِ.
_________________
(١) في الأصل: "ذواتي ووعدل" والصواب ما أُثبت.
(٢) هو: أبو بكر، عبد القاهر بن عبد الرحمن الجُرجاني النحوي، له: "إعجاز القرآن"، و"المفتاح"، و"الجمل". (ت ٤٧١ هـ، وقيل: ٤٧٤ هـ). "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ٤٣٢ - ٤٣٣، "طبقات الشافعية" للسبكي ٥/ ١٤٩ - ١٥٠. وكلامه هذا في كتابه "دلائل الإعجاز" ص ٣٠٠ - ٣٠١.
(٣) وهي: تُماضر بنت عمرو بن الشَّريد بن رباح بن ثعلبة، الشاعرة المشهورة، قَدِمت على النبي ﷺ مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم، فذكروا أن رسول الله ﷺ كان يستنشدها ويعجبه شِعرها."الإصابة في تمييز الصحابة" ١٢/ ٢٢٥ - ٢٢٩، "معاهد التنصيص" ١/ ٣٤٨. وتولها عجزُ بيت لها، وهو في ديوانها ص ٤٨، وصدره: ترتَعُ ما رتعت حتى إذا ادَّكرت.
(٤) في الأصل: "فإن جعلهما"، والمثبت من "دلائل الإعجاز" ص ٣٠٠.
(٥) "شرح التلويح على التوضيح" ١/ ٢٦، والتفتازاني هو: سعد الدين، مسعود بن عمر بن عبد الله، =
[ ١ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وشرعًا: ارتفاعُ حدثٍ وما بمعناهُ،
(وشرعًا) وصفه بإزاءِ جملةِ الشرع: (ارتفاع حدث) أي: زوالُ الوصفِ الحاصل به المانع من نحو صلاةٍ وطوافٍ.
والارتفاعُ: مصدرُ: ارتفعَ، ففي التعريفِ المطابقةُ بين المعرِّف والمعرَّف في اللزوم في فِعلي الطهارة مصدرِ "طهر" اللازم، والارتفاعِ مصدرِ "ارتفعَ" غير متعدٍّ أيضًا، قال محمدٌ الخَلوتي (^١): وإنَّما عبَّر في جانبٍ الحدث، بالارتفاع، وفي جانب الخبثِ بالزوال؛ لأنَّ المرادَ بالحدث هنا الأمرُ المعنويُّ، والإزالةُ لا تكون إلَّا في الأجرامِ غالبًا، فلما كانَ الخبثُ قد يكون جِرمًا ناسبَ التعبيرُ معه بالإزالةِ، ولما كان الحدثُ أمرًا معنويًّا ناسبَ التعبيرُ فيه بما يناسبه، وإن ناسب غيره أيضًا، فتَفطَّن.
(وما بمعناه) أي: معنى ارتفاعِ الحدثِ كالحاصلِ بغسلِ الميت؛ لأنه تعبديٌّ لا عن حدثٍ، وكذا غسلُ يَدَي القائمِ من نومِ الليل، وما يحصل بالوضوء والغسل المستحبين، وما زادَ على المرَّةِ في وضوءٍ وغسلٍ، وبغسلِ الذكرِ والأُنثيين من المَذْي إن لم يُصبْهُما، وكوضوءِ نحوِ المستحاضة إن قيل: لا يرفعُ الحدثَ، والصحيحُ أنَّه يرفعُ.
قال محمدٌ الخلوتيّ: بقي هاهنا نكتةٌ ينبغي أن يُتنَبَّه لها، وهي أنَّ إرجاعَ الضميرِ للارتفاعِ إنما يصحُّ إذا عُطِف وما في معناه عليه، أمَّا إذا عُطِفَ على المضافِ إليه، فإنَّه لا يخفى ما فيه من التهافتِ؛ إذ يَؤولُ معناه إلى قولِنا: ارتفاعُ حدثٍ، وارتفاعُ ما في معنى
_________________
(١) =من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد بتفتازان من بلاد خراسان. له: "المطول"، و"التلويح إلى كشف غوامض التنقيح"، وغيرها. (ت ٧٩١ هـ، وقيل: ٧٩٢، وقيل: ٧٩٣). "بغية الوعاة" ٢/ ٢٨٥، "الدرر الكامنة" ٦/ ١١٢ - ١١٣، "الأعلام" ٧/ ٢١٩.
(٢) في حاشيته على "شرح منتهى الإرادات"، لمنصور البهوتي بهامش النسخة الخطية الورقة الثامنة من المخطوط وقد نقلنا كلامه هذا في تحقيق "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٠، تعليق رقم (٤).
[ ١ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وزوالُ نَجَسٍ،
ارتفاعِ الحدثِ، ولا معنى هنا لارتفاعِ الارتفاعِ، بل يلزمُ عليه الإخبارُ عن الشيءِ بنقيضِه، أو بإثباتِ نقيضِه؛ لأنَّ ارتفاعَ ارتفاعِ الحدثِ نفسُ الحدثِ، أو إثباتٌ، فيكون حاصلُ التركيب: الطهارةُ ارتفاعُ حدثٍ، ونفسُ الحدثِ إثباتُه، وهو باطلٌ وغيرُ مرادٍ، وإنَّما المراد أنَّ طهارةَ الحدثِ قسمان: قسمٌ هو ارتفاعُ الحدثِ، وآخرُ هو وصفٌ في معنى ارتفاع الحدثِ، وليس ارتفاعًا حقيقةً.
واعلم أنَّه لا يصحُّ أن يُفسَّر ما في معنى الارتفاعِ بما على صورته؛ لأنَّه معنى من المعاني لا صورةَ له في الخارجِ.
(وزوال نجس) حكمي بالماءِ الطهورِ، ولو لم يُبحْ، فتزولُ النجاسةُ بنحو ماءٍ مغصوب؛ لأنَّ إزالتَها من قسمِ الترك، ولعدمِ احتياجِه الى النيةِ، بخلافِ رفع الحدثِ، وتزولُ النجاسةُ بالماءِ وحدَه إن لم تكن من نحوِ كلبٍ.
اعلم أن المنهيَّ عنه أقسامٌ: أحدُها: أن يكونَ المنهيُّ عنه لعينِه، كالنهي عن الكفر والكذب.
الثاني: أن يكونَ المنهيُّ عنه لوصفِه اللازمِ له، كالنهي عن صومِ يوم العيد وأيام التشريق في غير نسكٍ.
الثالث: أن يكونَ لأمرٍ خارجٍ غير لازم، كالبيع بعدَ نداءِ الجمعة، وكالوضوء بماءٍ مغصوبِ، فإنَّ النهي عنهُ لأمرِ خارجِ عنه -وهو الغصبُ- منفكٍّ عنه بالإذنِ من صاحبه، أو الملكِ ونحوه، فهذا الأخيرُ، الصحيحُ من المذهبِ أنَّه كالذي قبلَه في اقتضاءِ الفسادِ، وعليه كثيرٌ منَ العلماءِ. "شرح التحرير" (^١).
_________________
(١) "شرح الكوكب المنير" لابن النجار ٣/ ٨٤ وما بعدها، والكلام المتعلّق بالنهي ذكره المصنِّف استطرادًا عند ذكر إزالة النجاسة وأنها من قسم الترك.
[ ١ / ١٠٢ ]
المياهُ ثلاثةٌ:
أو ارتفاعُ حكمِ ذلك.
(المياه) جمعُ ماءٍ أقسامُها (ثلاثةٌ)
(أو ارتفاع حكم ذلك) أي: حكم الحدثِ وما بمعناه، وحكم النجس، بما يقوم مقامَ الماءِ الطهور، وهو الترابُ الطهورُ في التيممِ عن حدثٍ أكبر أو أصغر، وعن أثرِ النجاسةِ على البدنِ بعد تخفيفها ما أمكنَ لزومًا، وكالاستنجاءِ بالأحجارِ الطَّاهرةِ، فإنَّ ذلك كلَّه يقومُ مقامَ الماء الطهورِ. و"أو" في الحدِّ (^١) للتنويع، وهذا الحدُّ أجودُ ما قيلَ في الطهارةِ، وقد عُرِّفت بحدودٍ كثيرة، وكلُّها منتقدةٌ، وما حَذفه من عبارةِ "المنتهى" (^٢) ليس من الحدِّ بل من المحدودِ. مصنِّف على "الإقناع" وزيادة (^٣).
(جمع ماء) فهو وإن كَثُرت أنواعُها ترجعُ إلى ثلاثةٍ، فليسَ من استعمال جمعِ الكثرةِ في موضعِ جمع القلَّةِ كما قد يُتوَهَّم بقولِه: جمع كثرة، بخلاف جمعِه كأمواهٍ، واعترض بأنَّ جمعَ الكثرة هو ما فوقَ العشرةِ مع أنَّها ثلاثة أقسامٍ، فكأنَّ الظاهرَ جمعُه قلَّة، إلا أنْ يُقالَ: فهو وإن كَثُرت أنواعُها … إلخ.
والماءُ: جوهرٌ بسيطٌ لطيفٌ سَيَّال بطبعِه. والمرادُ بالبسيطِ ما لم يتركبْ من أجزاء مختلفةِ الطبائعِ، كالعناصرِ الأربعةِ، وخَرج به ما يتركب منها، وبـ "لطيف" الكثيفُ كالترابِ، وبـ "سيَّال" نحوُ الهواءِ، و"بطبعهِ" بقيَّةُ المائعاتِ؛ فإنَّها تسيلُ بالعلاجِ، وله لونٌ على المشهورِ، لا أنَّه لا لونَ له، وإنَّما يتلوَّنُ بلونِ إنائِه (^٤) كما يقولُ الحكماءُ، ويدلُّ للأولِ
_________________
(١) في الأصل: "أحد" وما أثبت هو الصواب.
(٢) ١/ ٥.
(٣) "كشاف القناع" لمنصور البهوتي ١/ ٢٤.
(٤) قاله منصور البهوتي في "حاشيته على المنتهى" كما في "الروض المربع" ١/ ١٥.
[ ١ / ١٠٣ ]
طَهورٌ: يرفَع الحدَثَ،
لأنَّ الماءَ إمَّا أَنْ يجوزَ الوضوءُ بهِ، أَوْ لا، فالأوَّلُ: الطَّهورُ، والثاني: إمَّا أنْ يجوزَ شربُهُ، أوْ لا؛ فالأوَّل: الطَّاهرُ، والثاني: النَّجسُ.
وقد ذكرَ المصنفُ الأولَ بقولهِ: (طهورٌ) بمعنى مطهِّر، أي: أوَّلُها طهورٌ (يرفَع) وحدَه دونَ قسيميهِ بقرينةِ المقامِ (الحَدثَ) أي: يزيلُ الوصفَ القائمَ بالبدنِ المانعَ من
قوله ﷺ في ماءِ الحوضِ: "إنَّه أشدُّ بَياضًا من اللبنِ" (^١). وهمزتُه مُنقلبةٌ عن هاءٍ؛ لأنَّ أصلَه
مَوَهٌ، تَحركتِ الواوُ وانفتح ما قبلَها فقُلبت ألفًا، وجُمعت في القلةِ أمواه، وعند الكوفيينَ مياه جمعُ قلَّةِ أيضًا، وهو اسمُ جنسٍ يقعُ على القليلِ والكثيرِ، فحقُّه أن لا يُجمَعَ، وإنَّما جمعُه باعتبارِ أنواعِه (^٢).
(لأنَّ الماءَ إمَّا أن يجوزَ … إلخ) هذا دليلُ حصره في الأقسامِ الثلاثةِ.
(طهور) قدَّمه على قَسِيْمَيْهِ؛ لمزيتِه على الصِّنفين الأخيرين؛ لأنَّه يُستعمل في العاداتِ والعباداتِ، وهو الطاهرُ في نفسِه المُطهِّر لغيرِه. وطَهورُ على وزنِ فَعولُ (^٣)، فعلى هذا هو من الأسماءِ المتعدِّيةِ وِفاقًا لمالكٍ والشافعيِّ، قال في "الفروع": قال أصحابُنا: هو من الأسماءِ المتعدِّيةِ بمعنى المُطهِّر. دَنوشري (^٤).
(بقرينةِ المقام) لأنه في مقامِ البيان، وهو يفيدُ الحصرَ، أي: مقام تقسيمِ الماءِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، فحيثُ ذكر أن الطهورَ يرفعُ الحدثَ دونَ قسيمَيْه أفادَ الحصرَ، فيخرجُ الطاهرُ والنجسُ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢) مِن حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٢) "سر صناعة الإعراب" لابن جني ١/ ١٠٠، و"شرح المفصل" لابن يعيش ١٠/ ١٥ بنحوه.
(٣) "الزاهر" للأزهري ص ٩٦ - ٩٧ بنحوه.
(٤) "الفروع" ١/ ٥٦، والدنوشري هو: محيي الدين عبد القادر الفقيه العمدة، أخذ عن البهوتي، وأخذ عنه عبد الباقي بن عبد القادر مفتي الحنابلة بدمشق. (ت بعد ١٠٣٠ هـ) "النعت الأكمل" ص ٢٠٥.
[ ١ / ١٠٤ ]
ويزيلُ النجسَ الطارئَ، وهو: الباقِي على خِلْقَتِه، ولو حُكْمًا
نحو الصلاةِ، ويُطلقُ الحَدثُ على الخارجِ من السبيلينِ، وعلى خروجهِ، وعلى ما أَوْجَبَ وضوءًا ويُسمَّى الأصغرَ، أو غُسلًا ويُسمَّى الأكبرَ.
(ويُزيلُ) أي: يُذهِبُ ذلكَ الطَّهورُ وحدَه أيضًا (النَّجَسَ الطارئَ) أي: النجاسةَ الحادثةَ في محل طاهرِ.
(وهو) أي: الطَّهور: الماء (الباقي على خِلْقَتِهِ) أي: صفتِهِ التي خُلقَ عليها من حرارةٍ أو بُرودةٍ، أو عُذوبةٍ، أو ملوحةٍ، أو غيرِها (ولو) كان بقاؤُه على خلقته (حُكْمًا) يعنى أنَّ الباقي على خلقتِهِ قسمان:
(ويزيل النجسَ) عطفٌ على قوله: "يرفعُ الحدثَ"، وكلٌّ من الجملتينِ يُفيدُ الحصرَ باعتبار أنَّه في مقامِ البيانِ، والمعنى: لا يرفع الحدثَ ولا يزيل الخبثَ الطارئَ غيرُه. محمد الخلوتي.
(وهو الباقي على خِلقته) قال في "الصحاح" (^١): الخِلقةُ: الفطرةُ. قال شارحُ "الفروع" (^٢):
وفطرةُ الشيءِ: أوَّلُ وجودِه، والمرادُ به هنا وقتُ ظهورِه إلينا؛ لأنَّه لا اطلاعَ لنا على صفتِه على المعنى الأول، فلهذا حذفَ الشارحُ قيدَ الأصلِ المذكورِ في "المقنع" (^٣) تنبيهًا على أنَّ المرادَ استمرارُه على الصفةِ التي كان عليها أوَّلَ خلقِ اللهِ له، بيان لِـ: "مِنه" (^٤).
(يعني (^٥) أنَّ الباقي على خِلقته قسمان أَحدُهما … إلخ). هذا التقسيمُ للماءِ باعتبارِ حقيقتِه التي وُجِد عليها، ومَحلِّه الذي يخرجُ منه بالنظرِ لماءِ البحر إلخ، وأشارَ بهذا التفسيرِ إلى أنَّ في كلامِه اكتفاءً (^٦).
_________________
(١) مادة: (خلق).
(٢) قال ابن بدران في "المدخل"، ص ٢٢٣ - ٢٢٤ متحدثًا عن كتاب "الفروع": وقد شرحه العلامة شيخ المذهب مفتي الديار المصرية محب الدين أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي الأصل ثم المصري، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمان مئة، وشرحه هذا أشبه بالحواشي منه بالشروح.
(٣) "المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف" ١/ ٣٥. وجاء بعدها في الأصل: "من أهل العلم كأهل المذاهب والمجتهدين من الصحابة وغيرهم. منه" ونقلناها إلى موضعها المناسب لما في "الهداية".
(٤) أي: في قوله الآتي ص ١٠٨: "وكُره منه".
(٥) في الأصل: "معنى"، والمثبت من عبارة "هداية الراغب".
(٦) رسمت في الأصل: "اكنفي".
[ ١ / ١٠٥ ]
كمتغيِّرٍ بمُكْثِه
أحدُهما: ما يبقى عليها حقيقةً، بأنْ لم يطرأ عليهِ شيءٌ أصلًا، كماءٍ نزلَ من السَّماءِ من مطرٍ، وذَوْبِ ثلجٍ وبَرَدٍ، وكماءِ بحر، ونهر، وعينٍ، وبئرٍ.
وثانيهما: ما يبقى عليها حُكمًا، بأن طرأ عليهِ ما لا يَسلُبُ طَهوريَّته.
(كمتغيِّرٍ بمُكثِهِ) أي: بطولِ إقامتِهِ في مقرِّهِ؛ لأنَّه ﷺ توضأَ بماءٍ آجِنٍ (^١)، أي: متغيِّرٍ. يقالُ: أجَنَ الماءُ أجَنًا وأُجُونًا -من بَابَي ضَرَبَ وقعَدَ- تغيَّر، إلَّا أنَّه يُشْرَب، فهو آجنٌ بالمدِّ؛ قالَه في "المصباحِ" (^٢). ولأنَّه تغيَّر عن غيرِ مخالطةٍ، أشبه المتغيَّر بالمجاورةِ، وحكاهُ ابنُ المنذر إجماعَ من يُحفَظُ قولُه من أهلِ العلمِ، سِوى ابنِ سيرينَ فإنَّه كَرِهَه (^٣).
"وكماءِ بحر" البحرُ: هو الماءُ الكثيرُ عذبًا أو مِلحًا، وقد غلبَ على الملحِ حتى قَلَّ في العذب. قاله ابنُ سِيده (^٤).
(كمتغيِّر … إلخ) مثالٌ للباقي على خِلقته حكمًا، والسِّرُّ في تعدادِ الأمثلةِ النصُّ على كلِّ مسألةٍ كما هي طريقةُ الفقهاءِ.
(من أهلِ العلم) كأهلِ المذاهب والمجتهدين من الصحابة وغيرهم.
_________________
(١) لم نجده بهذا اللفظ، وإنما أخرجه البيهقي ١/ ٢٦٩، عن عروة في قصة أحد، وما أصاب النبي ﷺ في وجهه قال: وسعى علي بن أبي طالب إلى المهراس، فأتى بماء في مجنة فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه فوجد له ريحًا فقال رسول الله ﷺ: "هذا ماء آجن" فمضمض منه، وغسلت فاطمة عن أبيها الدم.
(٢) "المصباح المنير": (أجن).
(٣) "الإجماع" ص ٣٣. وأثر ابن سيرين أخرجه ابن أبي شيبه ١/ ٤٢.
(٤) هو: أبو الحسن، علي بن أحمد، وقيل: ابن إسماعيل، الأندلسي الضرير، إمام في اللغة والعربية، له تصانيف حسان منها: "المحكم" و"المخصص" وغيرها. (ت ٤٥٨ هـ). "إنباه الرواة" ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٧، "الأعلام" ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤. وكلامه فى "المخصص" ٩/ ١٣٧، و١٠/ ١٥.
[ ١ / ١٠٦ ]
أو طُحْلُب أو ورقِ شَجَرٍ، أو مَمَرِّه ونحوِه، أو بمجاوِرٍ نَجِسٍ.
(أو) متغيِّرٍ [بـ (ـــطُحْلُبٍ) بضمِّ اللام، وفتحُها تخفيفٌ: شيءٌ أخضرُ لزِجٌ يُخلقُ في الماءِ وَيعلوهُ.
(أو) متغيِّرٍ بـ (ـــورَقِ شجرٍ) سقطَ في الماءِ بنفسِه، أو بفعلِ غيرِ ذي قصدٍ.
(أو) متغيِّرٍ بـ (ــممَرِّه) أي: محلِّ مرورِه، بأن تغيَّرَ بنحوِ كبريتٍ (ونحوِه) كمتغيِّرٍ بآنيةِ أُدُمٍ، أي: جلود، أو آنيةِ نحاسٍ وحديدٍ.
(أو) متغيِّرٍ] (^١) (بمجاورٍ) بالتنوين (نجسٍ) أي: بريحِ نحو ميتةٍ نجسةٍ بمحلٍّ قريبٍ منَ الماءِ. قال في "الشَّرحِ" و"المبدعِ": بغيرِ خلافٍ نعلَمُه،. فهذا المتقدِّمُ كله طَهورٌ غيرُ مكروهٍ.
(أو متغيِّر بطُحْلُبٍ .. أو بورق شجر) قال في "الرعاية": فإن زالَ اسمُ الماءِ ورقِّتُه وجريانُه ببعضِ ذلك، فليسَ طهورًا. وقال الشيخُ تقيُّ الدين: تخصيصُ ورقِ الشجرِ بالذكرِ، مفهومُه: أنَّه لو وقعتْ ثمارُ الأشجارِ في الماءِ أنَّه يسلبُه الطهوريةَ قولًا واحدًا؛ فإنَّه لا يشقُّ التحرُّزُ عنه، وقلَّما يوجدُ من الثمارِ على حافاتِ الأنهارِ.
"تنبيه": مثلُ التغيُّرِ بالطحلبِ وورقِ الشجرِ ما تغيَّر بنابتٍ فيه، أو بسمكٍ ونحوه من دوابِّ البحرِ، أو جرادٍ ونحوه ممَّا لا نفسَ له سائلة. حفيد.
(غير ذي قصد) أي: صاحبِ قصدٍ كالدابةِ والمجنونِ والصغيرِ، فإنَّ جميعَ ما ذُكر لا قصدَ له، فإنْ وُضِع في الماء قصدًا، فيسلبُه الطهوريَّةَ إذا تغيَّر به تغيُّرًا كثيرًا؛ حينئذٍ عن ممازجةٍ واختلاطٍ لا مجاورةٍ، ويَنضبِط المجاورُ بما يمكنُ فصلُه، والمخالطُ بما لا يمكنُ فصلُه. دَنوشَري (^٢).
(قال في "الشرح" (^٣) و"المبدع" …): هذا كالدليلِ للمتغيَّرِ بمجاورٍ.
(فهذا (^٤) المتقدمُ كلُّه … إلخ) أخذًا من قولِه: "وكره منه … إلخ".
_________________
(١) ليست في (ح).
(٢) هو: محيي الدين، عبد القادر الفقيه العمدة، أخذ عن البهوتي. وأخذ عنه الشيخ عبد الباقي بن عبد القادر مفتي الحنابلة بدمشق. (توفي بعد ١٠٣٠) "النعت الأكمل" ص ٢٠٥، و"السحب الوابلة" ٢/ ٥٥١.
(٣) "الشرح الكبير ومعه المقنع والإنصاف" ١/ ٤١.
(٤) بعدها في الأصل: "كله"، والمثبت موافق لما في "الهداية".
[ ١ / ١٠٧ ]
وكُرِهَ منه شديدُ حَرٍّ أو بَرْدٍ، ومسخَّن بنجسٍ
ثمَّ أشارَ إلى ما يُكرهُ منَ الطَّهورِ بقولهِ: (وكُرِه) بالبناءِ للمفعولِ (منه) أي: من الطَّهورِ (شديدُ حَرٍّ) نائبُ فاعلِ: "كُرِه"، أي: يُكره ماءٌ اشتدَّ حَرُّه بنارٍ أو شمسٍ؛ لأنَّه يمنعُ كمالَ الطَّهارةِ، فلو بَرُد، لم يُكره (أو) شديدُ (بَرْدٍ) أي: يُكره ما اشتدَّ بَرْدهُ؛ لما تقدَّمَ.
(و) كُرهَ منه [ماءٌ: (مسخَّنٌ] (^١) بنجسٍ) أي: بنجاسةٍ، ولو بُرِّد؛ لأنَّه لا يسلمُ غالبًا من دُخَانِها، فإنْ تحقَّقَ وصولُه إليهِ وكانَ الماءُ يسيرًا، تنجَّسَ. وكُره إيقادُ النَّجاسةِ في تسخينِ ماءٍ وغيرهِ. ويُستثنى من كراهةِ المسخَّنِ بنجسٍ الحمَّامُ
(أي: يُكره ما اشتدَّ بردُه؛ لما تقدم) من أنَّه يمنعُ كمالَ الطهارة.
(وكُرِه منه ماءٌ مُسخَّن بنجسٍ) ظنَّ وُصولُها إليه أو احتمل، أوْلا، حصينًا كانَ الحائلُ أَو غير حصين، ولو بُرِّد.
ويُكرهُ إيقادُ النجسِ، وإن علمَ وصولَ النجاسةِ إليه وكان يسيرًا، وأمَّا إذا كان كثيرًا، فلا، إنْ لم يتَغيَّر بِسببها. مصنِّف (^٢) وإيضاح.
(فإنْ تحقق وصوله (^٣) إليهِ) أي: علمَ وصولَ النجاسةِ إليه.
(الحمام) أي: يُستثنى من كراهةِ المسخَّنِ بنجسٍ، ماءُ الحمامِ؛ لأنَّ الصحابةَ رَخَّصت في دخولِ الحمامِ ودَخلته أيضًا (^٤) مع الأمنِ من الوقوعِ في المحرَّمِ.
_________________
(١) في (ح): "ما سخن".
(٢) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٧.
(٣) في الأصل: "وصول"، والمثبت من عبارة "الهداية".
(٤) روي ذلك عن عليٍّ ﵁ فيما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١١٣٨) أنَّ عليًّا كان يغتسل إذا خرج من الحمام. وعن ابن عباس ﵁ فيما أخرجه عبد الرزاق (١١٤٣) عن الثوري، عن عبد الله بن شريك قال: أخبرني من سمع ابن عباس يُسأل عن الحمام أيُغتسل فيه؟ قال: نعم.
[ ١ / ١٠٨ ]
لم يَحتج إليه، أو بغيرِ ممارج بدُهن
قال في "المبدع" (^١): لأنَّ الرُّخصةَ في دخولِ الحمَّامِ تشملُ الموقودةَ بالطاهرِ والنَّجسِ. انتهى.
ومحلُّ كراهةِ ما اشتدَّ حرُّه أو بردُه، أو سخنَ بنجسٍ إذا (لم يُحتج إليه) بأنْ وُجدَ غيرُه، فإن احتيجَ إليهِ بأنْ لم يوجدْ غيرُه، تعيَّنَ بلا كراهةٍ؛ لأنَّ الواجبَ لا يكونُ مكروهًا، وكذا كلُّ مكروهٍ.
(أو) أي: وكُره منه متغيِّرٌ (بغير ممازجٍ) أي: مخالطٍ تذهبُ أجزاؤُه فيه كمتغيِّرٍ (بدُهنٍ) بضمِّ الدَّالِ: ما يُدَّهنُ بهِ من زيتٍ وغيرِه
(قالَ في "المبدع" … إلخ) كالدليلِ للاستثناءِ.
(إذا لم يحتج إليه) أي: بأن وُجِد غيرُه وهو من المفرداتِ (^٢)، ومَحلُّه ما لم يَتيقنْ وصولَ دخانِها إِليه، فإنَّه ينجسُ بذلك كما تقدَّمَ. حفيد.
(بأن وجد غيره) تصويرٌ للنفي، وهو عدمُ الاحتياجِ.
(أي: مخالط) تفسيرٌ للمنفي، وهو الممازجُ والمخالطُ.
(كمتغيّر بدُهنٍ) مثالٌ لما لا يُخالطُ ويمازجُ كزيتٍ وسمنٍ؛ لأنَّه لا يمازجُ الماءَ،
وكراهتُه؛ خروجًا من الخلافِ. قال: في "الشرح" (^٣): وفي معناهُ ما تغيَّر بالقَطِران والزِّفتِ والشَّمع؛ لأن فيه دُهنيةٍ يتغيَّرُ بها الماءُ.
_________________
(١) ١/ ٣٩.
(٢) "الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني" للدمنهورى ١/ ٥٨ بنحوه.
(٣) "الشرح الكبير ومعه المقنع والإنصاف" ١/ ٣٨.
[ ١ / ١٠٩ ]
وقِطَعِ كافورٍ
(و) كمتغيِّر بِأ (ـقطع كافورٍ)
قال المصنِّفُ في "شرح الإقناع" (^١): لكن القطران قَسمه بعضُ العلماءِ إلى قسمين: ما لا يمازجُ، والكلامُ فيه؛ لأنَّه في معنى الدهنِ، وما يُمازجُ الماءَ فيسلبهُ الطهوريةَ، كسائرِ الطاهراتِ الممازجةِ، ولم أرهُ لأصحابِنا، لكن كلامُهم يدلُّ عليه.
قال محمدٌ الخلوتي: أقولُ: هذا الذي جَعلهُ مقيسًا على كلامِهم، صَرَّح به الشِّيشيني (^٢) في "شرحِ المحررِ"، وعبارتُه: قال بعضُهم: القَطِرانُ على نوعين: نوعٌ فيه دُهنيَّةٌ فلا يُمازجُ الماءَ، فتغيُّرُ الماءِ به تغيُّرُ مجاوةٍ كالدُّهنِ، وهذا حكمُه حكمُ المتغيِّرِ بالدُّهن على ما تقدَّمَ، ونوعٌ لا دُهنيَّةَ فيه، فتَغيرُ الماءِ به تغيُّرُ مخالطةٍ، فيسلبُ الماءَ الطهوريَّةَ على المذهبِ، كما تقدَّمَ.
قلت: وعلى هذا، فلو تغيَّر الماءُ بقَطِران، وشُكَّ هل فيه دُهنيَّةٌ، أوْلا؟ فالأوْلى اجتنابُه في طهارته؛ عملًا بالأصلِ، وهو تغيُّرُ الماءِ بالمنيِّ الواقعِ فيه تغيُّرَ مجاورةٍ؛ لأنه لا يُماعُ في الماءِ، فهو كالدُّهنِ، أو تغيُّرَ مخالطةٍ يسلبُه الطهوريَّةَ، يتوجَّه فيه احتمالان.
(وكمتغيِّر بقِطَعِ كافور) تغيَّر الماءُ بتحلُّلِ أجزائِه فيه، واحترزَ بالقِطَعِ عن المسحوقِ، فإنَّه يسلبُ طهوريَّةَ الماءِ؛ لتحلُّلِ أجزائِه فيه واختلاطِه به. قال الدَّنُوشَري: الكافُورُ: هو المشهورُ من الطِّيْبِ.
_________________
(١) "كشاف القناع" ١/ ٢٧.
(٢) هو: شهاب الدين، أبو حامد، أحمد بن علي بن محمد بن وجيه، الشيشيني. له: "المقرر على المحرر". (ت ٩١٩ هـ) "السحب الوابلة" ١/ ١٨٩،"المذهب الحنلبي" ٢/ ٤٧٦.
[ ١ / ١١٠ ]
أو بملحٍ مائيٍّ، لا مسخَّن بشمسٍ
وعودٍ قَماري -بفتحِ القافِ- وعَنْبَرٍ لم يُستَهلكْ ذلك في الماءِ، ولم يتحلَّلْ فيهِ.
(أو) أي: وكُره منه متغيِّرٌ (بملحٍ مائيٍّ) وهو الماءُ الذي يُرسلُ على السِّباخِ فيصيرُ ملحًا. وفُهمَ منه أنَّ الملحَ المعدنيَّ كباقي الطاهراتِ فيسلبُ الطَّهورية إذا غيَّر كثيرًا كما سيجيءُ. وكذا لو كانَ الماءُ الذي انعقدَ الملحُ منهُ. مسلوبَ الطَّهورية، ومحل كراهةِ ما ذكرَ إذا لم يُحتجْ إليهِ كما تقدمَ. ولو أخَّر المصنفُ قولَه: "لم يُحتجْ إليه" إلى هنا لكانَ أولى.
و(لا) يُكرهُ منَ الطهورِ [ماءٌ (مسخَّنٌ] (^١) بشمسٍ) مطلقًا أي: سواءٌ كانَ في آنية
فإنَّه يسلبُ طهوريَّةَ الماءِ؛ لتحلُّلِ أجزائِه فيه واختلاطِه به. قال الدَّنُوشَري: الكافُورُ: هو المشهورُ من الطِّيْبِ.
(وعودٍ قَماريٍّ) وهو العودُ الهنديُّ الذي يُتبخَّر به، نسبةً إلى قَمَار بلدة من بلادِ الهندِ (^٢)، إذا كانَ قطعًا ولم يتغيَّرِ الماءُ بتحلُّلِ أجزاءٍ منه. منه حفيد.
(وكذا لو كانَ الماءُ الذي انعقد … إلخ) أي: مثلُ المتغيِّرِ بالملح المعدنيِّ لو كانَ … إلخ، بأن يكونَ استعملَ الماءُ في رفعِ حدثٍ، ثم انعقدَ ملحًا بعد ذلك، فإنَّه يكونُ مسلوبَ الطهوريَّةِ، فإنْ وُضِعَ في ماءٍ، سلَبَ طهوريَّتَه.
(لكان أولى) وجهُ الأولويةِ أنَّ الماءَ الطهورَ الشديدَ الحرارة أو البرودة، أو مسخَّن بنجس، أو تغيَّر بغيرِ ممازحٍ، وما عُطِفَ عليه، كلُّه مكروهٌ، ما لم يُحتجْ إليه، فإنِ احتيجَ إليه، زالتِ الكراهةُ، فكانَ ينبغي أن يؤخّرَ قوله: "إن لم يُحتج إليهِ" إلى هنا.
(ولا يكرهُ من الطهورِ ماءٌ مسخَّنٌ بشمسٍ … أو بطاهر) انظر ما السرُّ في تأخيرِ هذين
_________________
(١) في (ح): "ما سخن".
(٢) قال الحَمَوي في "معجم البلدان" ٤/ ٣٩٦: قمار: بالفتح ويروى بالكسر، موضع بالهند ينسب إليه العود. وينظر "المطلع" ص ٦.
[ ١ / ١١١ ]
أو طاهرٍ.
وإن خَلَتْ مكلَّفةٌ
منطبعةٍ كالنُّحاسِ، أوْ لا، كالأُدُمِ، حيثُ لم يشتدَّ حرُّه. وما رُوي عن النَّبي ﷺ أنَّهُ قال لعائشةَ ﵂ وقد سخَّنت ماءً في الشَّمسِ: "لا تفعلي فإنَّه يُورِثُ البَرَصَ" (^١) قال النَّوويُّ: هو حديثٌ ضعيفٌ باتفاقِ المحدِّثينَ، ومنهم مَنْ يجعلُه موضوعًا (^٢).
ويعضدُ ذلكَ إجماعُ أهلِ الطبِّ على أنَّ ذلكَ لا أثرَ له في البَرَصِ.
(أو) أي: ولا يُكره أيضًا مسخَّنٌ بـ (ـطاهرٍ) كالحطبِ. نصًّا؛ لعموم الرُّخصةِ.
وعن عمرَ: أنَّه كانَ يُسخَّنُ له ماءٌ في قُمقُمٍ فيغتسلُ به. رواه الدارقُطنيُّ (^٣) بإسنادٍ صحيحٍ. ومحلُّه إذا لم يشتدَّ حرُّه أيضًا.
(وإن خلت) امرأةٌ (مكلَّفةٌ)
القسمينِ عن باقي ما لا يكره؟ بل فصَل بينَ ما ذُكر هنا وما ذُكر قبلهما بالمكروهِ، وخالفَ صنيعَ "المنتهى" (^٤).
(كالأُدُمِ) وسواء كان في قُطْرٍ حارٍّ أو بارد، وسواءٌ سُخِّن قصدًا أو اتفاقًا. حفيد.
(ويعضد ذلك) أي: يقوِّي.
(كالحطب) وروثٍ طاهرٍ أيضًا، فإنَّ المثالَ لا يُخصِّصُ، بل يُقاسُ عليه.
_________________
(١) أخرجه ابن عدي ٣/ ٩١٢، والدارقطني (٨٦) و(٨٧)، والبيهقي ١/ ٦، وابن الجوزي في "التحقيق" (٤١) وفي "الموضوعات" (٩٣٢) و(٩٣٣) و(٩٣٤) و(٩٣٥) من طرق، عن عائشة ﵂. وقال البيهقي: لا يصح. وقال الذهبي في "السير" ٢/ ١٦٨: إنه خبر موضوع. قال العقيلي: لا يصح في الماء المشمس حديث مسند، إنما يروى فيه شيء عن عمر بن الخطاب من قوله. وأخرج قول عمر: الشافعي في "الأم" ١/ ٣، والدارقطني (٨٨)، والبيهقي ١/ ٦، وينظر "تنزيه الشريعة" لابن عراق ٢/ ٦٩.
(٢) "المجموع" ١/ ١٣٣.
(٣) برقم (٨٥).
(٤) "منتهى الإرادات" لابن النجار ١/ ٥ - ٦.
[ ١ / ١١٢ ]
بيسيرٍ؛ لطهارةٍ كاملةٍ عن حَدَث، لم يَرفع حدثَ رجلٍ.
أي (^١): بالغةٌ عاقلةٌ، ولو كافرة، حرَّة (^٢) أو أمةً (بـ) ـماءٍ (يسيرٍ) دونَ القُلتينِ (لطهارةٍ كاملةٍ) أي: تامةٍ استعملَتْه فيها (عن حدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ.
وجواب "إنْ" قولُه: (لم يَرفعْ) ذلكَ الطَّهورُ الباقي عن طهارتِها (حدثَ رجلٍ) أي: ذكرٍ بالغٍ، وكذا لا يرفعُ حدثَ خنثى مشكلٍ بالغٍ
(أي: تامَّة) أي: مستجمعة لشروطِها وفروضِها، فلو اختلفَ شيءٌ من ذلك، لم تُؤثِّر خلوتُها به.
لا يُقال: الكافرةُ لا تصح نيتُها، فَطهارتُها لحيضٍ أو نفاسٍ أو جنابةٍ ليست كاملةً، فلا تؤثِّرُ خلوتُها، وقدَّمَ أنها مؤثرةٌ؟ لأنَّا نقولُ: النيةُ ليست شرطًا في طهارتِها؛ لتعذُّرِها منها. مصنِّف (^٣).
(وكذا لا يَرفعُ حدثَ خنثى مشكلٍ بالغٍ) احتياطًا؛ لاحتمالِ أن يكونَ رجلًا.
فإن قلت: فهلَّا أثَّرتْ خلوةُ الخنثى به احتياطًا؛ لاحتمالِ أن يكونَ امرأةً؟.
قلتُ: لا يمنعُ بالاحتمالِ، كما لا ينجسُ بالشكِّ، وهنا المنعُ تحققَ بالنسبةِ إلى الرجلِ، والخنثى يحتملُ أن يكونَ رجلًا فمنعناهُ منه، كمَن تيقَّنَ الحدثَ وشكَّ في الطهارةِ. مصنِّف (^٤).
_________________
(١) في (ح): "حرة".
(٢) ليست في (ح).
(٣) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٥ بنحوه.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٣٧.
[ ١ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حدثًا أصغرَ أو أكبرَ، بل ليسَ لهما استعمالُه أيضًا في وضوءٍ وغسلٍ مُستحبَّينِ، ولا في غسلِهما ميِّتينِ، كما هو مقتضَى كلام غيرِه. والأصلُ في ذلكَ ما روى الحَكَمُ بن عمرٍو الغِفاريُّ قالَ: نهى النَّبيُّ ﷺ أنْ يتوضَّأَ الرجلُ بفَضْلِ طَهُورِ المرأةِ. رواه الخمسةُ، إلا أنَّ النَّسائيَّ وابنَ ماجه
(حدثًا أصغر أو أكبر) راجعٌ لحدثِ الخنثى المشكلِ.
(بل ليس لهما) أي: للرجلِ البالغِ، والخنثى البالغ، فهو إضرابٌ إبطاليٌّ (^١).
(رواه الخمسةُ) الطريقةُ في ذكرِه الأحاديثَ النبويَّةَ التي ترجعُ أصولُ الأحكامِ إليها، وتعتمدُ علماءُ الإسلامِ عليها، بأن يرمزَ لما رواه البخاريُّ ومسلمٌ بـ: أخرجاه، ولما رواهُ الإمامُ أحمدُ بن حنبل في "مسنده"، ولما رواه أبو (^٢) عيسى الترمذيُّ في "جامعه"، ولما رواه أبو (^٢) عبد الرحمن النسائيُّ في "سننه"، ولما رواه أبو (^٢) داود السِّجستاني في "سننه"، ولما رواه ابنُ ماجه القزوينيُّ في كتابه "السنن" بقولِه: رواهُ الخمسةُ. وأن يرمزَ لجميعِهم أي: سبعتهم، بقولِه: رواه الجماعةُ، ولأحمدَ مع البخاريِّ ومسلمٍ: متفق عليه. وفيما سوى ذلك أن يُبيِّنَ مَن رواه منهم. أفادَ ذلك شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدين ابنُ تيميةَ في بعضِ مؤلَّفاتِه (^٣).
(وابن ماجه) يُقرأ بالهاءِ وقفًا ووصلًا، ومثلُه سِيدَهْ، ومندهْ، وبَرْدِزْبه، وجمعَ ذلك بعضُهم في بيت، فقال:
سيدهْ ووبَرْدِزْبه وماجهْ مثلُها … مندهْ بها وصلًا ووقفًا لفظها
و"ابن" مضافٌ، و"ماجه" مضافٌ إليه مجرور وعلامةُ جرِّه فتحة مقدَّرة نيابةً عن الكسرة؛ لأنها ممنوعةٌ من الصَّرْف؛ للعَلَميَّة والعُجمة، منَع من ظهورِها سكونُ الحكاية
_________________
(١) قال ابن هشام فى "مغني اللبيب" ص ١٥١ - ١٥٢: "بل"حرف إضراب، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إما الإبطال نحو: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: بل هم عباد …، وإما الانتقال من غرض إلى آخر ومثاله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ [الأعلى: ١٦].
(٢) في الأصل: "أبي".
(٣) الكلام بنصه كاملًا ذكره مجد الدين أبو البركات عبد السلام ابن تيمية في مقدمة كتابه "المنتقى من أخبار المصطفى" ١/ ٣، ولم نقف عليه من كلام الشيخ تقي الدين في المظانِّ من كتبه.
[ ١ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قالا: "وَضُوء المرأةِ" وحسَّنهُ التِّرمذيُّ، وصحَّحَه ابنُ حِبَّانَ (^١)، واحتجَّ بهِ الإمامُ في رواية الأثرمِ.
والمرادُ بالخلوةِ المذكورةِ أنْ لا يشاركَها ولا يحضرَها حالةَ الاستعمالِ مَنْ تزولُ بهِ خلوةُ النكاحِ، ولو مميِّزًا أو أعمى أو كافرًا (^٢) أو أنثى، فمتى شاركَها أو شاهدَها أحدُ من (^٣) ذُكرَ في الطَّهارةِ كلِّها أو بعضِها، لم يؤئِّرْ ذلك في الماءِ.
وعُلم مما تقدمَ أنَّه لا أثرَ لخلوةٍ صغيرةٍ بالماء ولا لخلوةٍ مكلَّفةٍ بماءٍ كثيرٍ،
بلفظِه، أي: حكاية لفظه، و"ماجه": اسمُ أُمِّه (^٤).
(قالا: وضوء المرأة) فعلى هذه الروايةِ مفهومُه: لو استعملت الماء (^٥) في رفع الحدثِ (^٦) الأكبرِ، يجوزُ استعمالُ فضلِ الطهورِ في هذه الحالةِ؛ لأن الروايةَ الأولى عامَّةٌ والثانيةَ خاصَّة، إلا أن يُحملَ المقيَّدُ على المطلقِ؛ لأجلِ التعبُّد.
(أن لا يشاركَها ولا يحضرها) بأن لا يكونَ ثمَّ مَن يشهدُها أو يشهدُه، يعني: يحضر، وليس المرادُ المشاهدةَ بالبصرِ؛ لأن الأعمى يضرُّ في خلوةِ (^٧) النكاح، يعني: لا تثبت (^٨) الخلوةُ مع حضورِه. محمد الخلوتي.
(وعُلِمَ مما تقدَّم … إلخ) أي: فُهم من قولِ المصنفِ: "وإن خلت المكلَّفة … إلخ" فهو إشارةٌ منه إلى بيانِ محترزاتِ هذه المسألةِ.
_________________
(١) أحمد في "مسنده" (١٧٨٦٣) و(٢٠٦٥٧)، وأبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، والنسائي في "المجتبى" ١/ ١٧٩، وابن ماجه (٣٧٣)، وابن حبان (١٢٦٠).
(٢) بعدها في (س) و(ز) و(ح): "ذكرًا".
(٣) في (ح) و(م): "ممن".
(٤) هكذا ذكره الفيروزأبادي في" تحفة الأبيه فيمن نسب إلى غير أبيه" ١/ ١٠٩ (ضمن مجموعة نوادر المخطوطات، بتحقيق عبد السلام هارون).
(٥) في الأصل: "إما".
(٦) في الأصل: "أحدث".
(٧) في الأصل: "الخلوة".
(٨) في الأصل: "يثبت".
[ ١ / ١١٥ ]
الثاني: طاهرٌ:
أو ترابٍ، أو لبعضِ طهارةٍ، أو لطهارةٍ مستحبةٍ، أو لإزالةِ خبثٍ، وأنَّه يُزيلُ خَبَثَ الرَّجلِ والخنثى، وأنَّه يرفعُ حدثَ الصَّغيرِ والأنثى. زادَ المصنفُ (^١): جوازَ غسلِ رجلٍ ذكَرَه وأُنْثييهِ لخروجِ مَذْيٍ. انتهى. ووجههُ (^٢) إلحاقهُ بالنَّجاسةِ إذْ لم يعتبرْ فيهِ نيَّةٌ ولا تسميةٌ، كما سيجيءُ.
القسمُ (الثاني) من أقسامِ الماءِ: (طاهرٌ) في نفسه
والحاصلُ: أنَّه على مقتضى ما ذكرَ من المحترزاتِ تصيرُ فضلةُ المرأةِ المذكورة لا ترفعُ حدثَ رجلٍ وخنثى مشكل بالغين إلَّا بسبعةِ قيودٍ: الأولُ: الخلوةُ. الثاني: المرأةُ. الثالثُ: المكلَّفةُ. الرابعُ: بماءٍ. الخامسُ: يسير. السادسُ: لطهارةٍ كاملةٍ. السابعُ: عن حدثٍ.
(الثاني: طاهرٌ) وحكمُه أنَّه لا يرفع حدثًا، ولا يزيلُ خبثًا، ولا يُستعملُ في طهارةٍ مندوبة، وإنَّما يُستعمل في العاداتِ دون العبادات، فيجوزُ شربُه، والطبخُ بهِ، والعجنُ، ونحو ذلك، وجعله المصنفُ في الوسطِ؛ لسلبِ أحدِ الوصفين منه وإبقاءِ الآخر، وبينَه وبينَ الطهورِ عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ؛ لاجتماعِهما في جوازِ الاستعمال في العاداتِ والعباداتِ، وبنفردُ الطاهرُ بالاستعمالِ في العاداتِ، فكلُّ طهورٍ طاهرٌ، ولا عكس.
وإذا اشترى ماءً قليلًا للشرب، فبانَ قد تُوضِّئ به، فهو معيبٌ؛ لأنَّه مستقذَرٌ شرعًا. ذكره في "النوادر" (^٣). ولو وكلَّه في شراءِ ماءٍ وأطلقَ، فاشتراهُ، لم يلزمْ موكِّلًا قبولُه؛ لأنَّه معيبٌ، ولزمَ الوكيلَ حيثُ علمَ بالعيب ولم يرضه موكِّلُه، وإن جهلَ، فلهُ ردُّه، كما سيأتي التنبيهُ عليه في بابِه إن شاءَ اللهُ تعالى.
_________________
(١) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٣، و"كشاف القناع" ١/ ٣٧.
(٢) في (م)، و(ز): "ووجه".
(٣) هو: "نوادر المذهب" لجمال الدين، أبي زكريا، يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع، المعروف بابن الصيرفي، فقيهٌ محدَّثٌ، له تصانيف منها: "آداب الدعاء" و"عقوبات الجرائم". (ت ٦٧٨ هـ). "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٩٥، "الدر المنضد" ص ٣٧.
[ ١ / ١١٦ ]
وهو ما تغيَّر كثيرٌ مِن لونِه أو طعمِه أو ريحِه بطاهرٍ
غيرُ (^١) مطهِّرٍ لغيرِه.
(وهو) أي: الطَّاهرُ (ما تغيَّرَ كثيرٌ من لوْنهِ، أو طعمهِ، أو ريحِه) في غير محل تطهير ..
ولو حلفَ لا يشرب ماءً، فشربَ الماءَ الطاهرَ، لم يحنثْ؛ لأنَّه ليسَ بماءٍ مطلقٍ عرفًا. دَنُوشَري وإيضاح.
(غير مطهرٍ لغيره)، كالماءِ المستخرجِ بالعلاج، كماءِ وردٍ وزهرٍ ونحو ذلك من المعتصراتِ؛ لأنَّه لا يُطلقُ عليه اسمُ الماءِ.
(وهو ما تغيَّر … إلخ) بأن كان طهورًا وتغيَّر تغيُّرًا كثيرًا بواحدٍ من هذه الصفاتِ. قال في "الشرح الكبير" (^٢): إذا ثبتَ هذا، فإنَّ أصحابنا لم يُفرِّقوا بينَ الزعفرانِ والأُشْنانِ والحبوبِ من الباقِلَّا والحِمَّصِ، والثَّمَر كالتمرِ (^٣) والزبيبِ والوَرَقِ ونحو ذلك. أي: لا فرقَ بين مياهِ هذهِ الأشياءِ كلِّها، فإنْ تَغيَّر الماءُ بواحدٍ منها، سلبت الطَّهوريَّة، فلو تغيَّر به بعضُه، فما لم يتغيَّر، فطهورٌ، ولو تَغيَّر به فطهورٌ، ولو تغيَّر به ثم زالَ تغيُّره، عادت طَهوريَّته.
قالَ الدَّنُوشَري: وأمَّا الماءُ الذي سُلِق فيه البيضُ؛ فإنَّه باقٍ على طَهوريتِه، سواءٌ كان قليلًا أمْ كثيرًا؛ لأنَّه لم يختلط بطاهرٍ من أجزاء ما سلق فيه؛ لأنَّه ليسَ بطبخ معتادٍ، واحترزَ بقولِه: (تغير كثير) عن التغيُّرِ اليسيرِ، فإنَّه لا يسلبُه الطَّهوريَّةَ. انظر ما ذكرَه الدَّنُوشَري والشارحُ.
لا يقال: يُشترطُ في المخالطةِ استهلاكُ الأجزاءِ، وما ذكرهُ وما ذكراه ليس فيه أجزاء تُستهلكُ؛ لأنَّا نقول: محلُّ ذلك فيما فيه أجزاء، كقطعِ الكافور، وما لا، فلا.
(في غير محل تطهير) متعلِّق بـ "تغير" أي: بأن يكونَ الماءُ مستعملًا في غسل نجاسة، فإنه ما دامَ على الأعضاءِ، فإنه طهورٌ ولو تغيَّر بالنجاسةِ. منه.
_________________
(١) ليست في الأصل، و(م).
(٢) "الشرح الكبير ومعه المقنع والإنصاف" ١/ ٥٥.
(٣) في الأصل: "والتمر"، والمثبت من "الشرح الكبير"، وينظر "المغني" ١/ ٢٢.
[ ١ / ١١٧ ]
غيرِ
(بـ) مخالطة شيء (طاهرٍ) من غير جنس الماء، مما لا يشقُّ صَوْنُ الماء عنه بطبخ كمَرَقِ الباقِلَّا أو غيره، كما لو سقط فيه نحو زَعْفران فتغيَّر به، فيسلبه الطَّهوريةَ؛ لأنه زالَ إطلاق اسمِ الماء عليه بلا قيد، بل يقال فيه: ماءُ زَغفران، ماءُ باقِلاء، ونحوه. ولأنَّ الكثيرَ من الصفة بمنزلةِ كلها.
وعُلم منه أنه لا يسلبه الطَّهوريةَ تغيُّرٌ يسيرٌ من صفةٍ، فلو كان اليسير من صفتين أو ثلاث يعدل الكثيرَ من صفةٍ، سلبَ الطَّهورية (غيرِ) تراب (^١)
(بمخالطةِ شيءٍ) بحيث تذهبُ أجزاؤه فيه، وهو متعلِّقٌ بـ "تغير".
(كمرق الباقلَّا) وحرَّر الفرقَ بينهما، والظاهرُ أنَّه لا فرقَ.
(كما لو سقطَ فيه نحوُ زعفران) مثال للغيرِ بأن سقطَ فيه نحوُ زعفران ونحوه، فتغيَّرَ به تغيُّرًا كثيرًا من لونهِ أو طعمِه أو ريحِه.
(لانَّه زالَ إطلاقُ الماءِ بلا قيدٍ، بل يقال .. إلخ) أي: يُقال: ماءُ كذا، بالإضافةِ اللازمةِ، بخلافِ ماءِ البحرِ والحمَّامِ ونحوه، فالإضافةُ فيه غيرُ لازمةٍ. وزالَ أيضًا عنه معنى الماءِ فلا يُطلبُ بشربِه الإرواءُ. "شرح الإقناع" (^٢) وزيادة.
(ولأنَّ الكثيرَ من الصفة … إلخ) عطفٌ على قولِه: "زال إطلاق .. إلخ" وهو جوابٌ عمَّا يُقالُ: لِمَ أعطيتم الحكمَ للكثيرِ دونَ الجميعِ؟ فكانَ الأولى أنْ يقولَ المصنِّفُ: أحد أوصافِه، ولم يقلْ: "كثيرٍ (^٣) … إلخ".
(غير تراب) أي: طهورٍ؛ ليَخرجَ الترابُ المستعملُ؛ فإنَّه كباقي الطاهراتِ فيَسلبُ الماءَ الطَّهوريةَ، وهو مستثنى من قولِه: "تغير بمخالطةِ شيءٍ طاهرٍ"، هذا بالنظرِ لحلِّ الشارحِ، وبالنظرِ لكلامِ المصنفِ صفة لقولهِ: "بطاهرٍ". "شرح الإقناع" (^٤) وإيضاح.
_________________
(١) بعدها في (ح): "أي أنه أحد الطهورين".
(٢) "كشاف القناع" ١/ ٣١.
(٣) في الأصل: "بكثير" والمثبت من عبارة "الهداية".
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٣٢.
[ ١ / ١١٨ ]
ما مرَّ.
أو رُفعَ بقليلِه حدثٌ،
ولو وُضع قصدًا.
و(ما مرَّ) ذكره في الطَّهور مما لا يُمازجُ الماءَ، كدهنٍ وقِطَع كافورٍ، وما أصله الماء كالملح المائي، فإنَّ المتغير بهذا لا تَنسلبُ طَهوريتُه، سواءٌ سقطَ فيه بنفسِه، أو وضَعَه فيه واضعٌ.
(أو) أي: ومن أقسام الطاهر ما (^١) (رُفعَ) بالبناء للمفعول (بقليلهِ) أي: الطَّهورِ، أي: بما دون القُلَّتين (حَدَثٌ) نائبُ فاعلِ: "رُفعَ" يعني: أنَّ الماءَ اليسيرَ المستعملَ
(ولو وُضع قصدًا … إلخ) فتغيَّرَ به تغيُّرًا كثيرًا؛ فإن ذلك لا يسلبه؛ لأنَّ الترابَ أحدُ الطَّهورين، ولأن الشارعَ ﷺ أمَر بخلطِه في الماءِ الطهورِ؛ لإزالةِ النجاسةِ الكلبيَّةِ (^٢) والخنزيرِ وما تولَّدَ منهما، ولأن التغيُّرَ به كدرةٌ لا تمنعُ إطلاقَ اسمِ الماءِ عليه، فيقالُ فيه: ماءٌ كدرٌ، وجزمَ في "المغني" (^٣) و"الشرح الكبير" (^٤) أنَّه طهورٌ؛ لكونهِ يُوافقُ الماءَ في صفتَيهِ الطاهريَّةِ والطهوريَّةِ، وهذا كلُّه مع رقَّتِه، فإنْ ثَخُنَ بحيثُ صارَ لا يجري على الأعضاء لم تصحَّ الطهارةُ به؛ لأنَّه طينٌ، فإن صُفِّي من الترابِ، فطهورٌ. دَنُوشَري.
(يعني: أنَّ الماءَ اليسيرَ المستعملَ في رفعِ حدثٍ … إلخ) تفسيرٌ لقولهِ: "أو" أي: ومِنَ الأقسامِ الطاهرةِ ما … إلخ. وإنَّما صارَ مستعملًا؛ لأنَّه أدَّى به مالا بدَّ منهُ، وهو رفعُ الحدثِ، فهو طاهرٌ غيرُ طهورٍ، ولأنَّ الصحابةَ ﵃ لم يَجمعوا الماءَ القليل المستعملَ في أسفارِهم القليلةِ الماءِ؛ ليتطهَّروا به ثانيًا، بل عَدَلوا عنه إلى التيمُّمِ، فدل ذلك على أن الماءَ
_________________
(١) في (ز) و(ح): "ماء".
(٢) أخرج مسلم (٢٧٩) (٩١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب".
(٣) ١/ ٢٣.
(٤) "الشرح الكبير ومعه المقنع والإنصاف" ١/ ٥٧.
[ ١ / ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في رفعِ حدثٍ أكبرَ أو أصغرَ، يكونُ طاهرًا غيرَ مطهِّرٍ، وكذا يسيرٌ استُعمِل في غسلِ ميِّت، لكن ما دامَ الماءُ متردِّدًا على الأعضاءِ فطَهورٌ، ولا يصيرُ الماءُ (^١) مستعملًا في الطهارتين
القليل المنفصلَ المستعملَ في رفعِ الحدثِ طاهرٌ لا طهورٌ، فلا يرفعُ حدثًا، ولا يزيلُ خبثًا؛ لأن الطهارةَ لا تصحُّ إلَّا بالماءِ المطلقِ. وعنه: نجس.
ورُدَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ صَبَّ على جابرٍ من وَضوئه كما رواه البخاري (^٢)، فدلَّ ذلك على طهارته.
وقوله: "في رفعِ حدث". جَريٌ على الغالبِ، فلا يرد صاحبُ الضرورةِ ولو لم يرتفع حدثُه بالاستعمالِ؛ لأنَّه استباحَ به الصلاةَ والطواف ومسَّ المصحفِ، ولا يُشترطُ في سلبِ طَهوريَّةِ الماءِ المستعملِ في رفع الحدثِ الأكبرِ أن يستعملَه المحدِثُ في عضوٍ كامل، بل يصيرُ مستعملًا ولو بغمسِ بعضِ عضوِ مَن عليه حدثٌ أكبرُ في الماءِ القليل، سواءٌ كانَ راكدًا أو جاريًا بعدَ انقطاعِ موجبهِ وبعدَ نيَّةِ رفعِه أو قبلها، ثمَّ ينوي وهو فيه، فلا أثرَ لغَمسه فيه وانفصالِه عنه بلا نيَّةِ رفعِ حدثٍ، كأنْ ينويَ التبرُّدَ، أو إزالةَ الغبار، أو الاغتراف فقط. ولو اغترَف المتوضِّئ بيده من قليلِ بعدَ وجهه -إذا تمَّ بالغَسلة الأولى- منه، ونوى رفْعَ الحدث عنها، سلَبه الطَّهوريَّةَ، ولو لم يرتفع الحدثُ. وإن لم ينوِ غسلَها فيه، بأنْ نوى غسلَها خارجَه، فطهورٌ؛ لمشقَّة تكرُّره. وقولُ الأصحاب: نوى الاغترافَ بعد غسل وجهه؛ احتراز عمَّا إذا كان الاغترافُ قبل غسل الوجه، فإنَّه لا يصير مستعملًا؛ لوجوب الترتيبِ في الوضوء، ولم يحصل. دَنُوْشري.
(في الطهارتين): الحدث الأكبر والأصغر.
_________________
(١) ليست في (س) و(ح).
(٢) في "صحيحه" (١٩٤) و(٥٦٥١) و(٥٦٧٦) و(٦٧٢٣) و(٦٧٤٣) و(٧٣٠٩)، ومسلم (١٦١٦).
[ ١ / ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا بانفصالِه.
وعُلم مما تقدَّمَ أنَه لو كان الماءُ في الصورِ الثلاثِ كثيرًا، كما لو انغمس الجُنُب، أو غَمسَ المتوضئُ أعضاءَ وُضوئهِ واحدًا بعدَ واحدٍ، أو غُمس الميتُ في كثيرٍ، لم تنسلب طهوريتُه.
وأنَّه لو استُعملَ اليسيرُ في طهارةِ مستحبَّةٍ، كتجديدِ وضوءٍ، وغُسلِ جمعةٍ، وغسلةٍ ثانية وثالثةٍ، لم تنسلب طهوريتُه أيضًا، لكنْ صرَّح في "الإقناعِ" (^١) بكراهةِ هذا النوعِ، أعني: المستعملَ في طهارةٍ مستحبةٍ. وظاهر "المنتهى" (^٢) كـ "التنقيح" و"الفروع" (^٣) و"المبدع" و"الإنصافِ" (^٤) وغيرها: عدمُ الكراهة، واستوجَه المصنفُ
(إلَّا بانفصاله) أي: بشرطِ كمال الطهارة، فيكونُ استعماله موقوفًا على كمال الطَّهارةِ، فإنْ كَمَلت، تَبيَّنَّا أنَّه استُعمِل من حين انفصالِه عن العضو، وإن لم تَكمُل الطهارةُ، لم يكن الماءُ مستعملًا كما يُفهَم ذلكَ مِن كلام "الإنصاف" (^٥). منه، قال الدَّنُوشري: ويترتَّبُ على قول الشارح: "ولا يصير الماء في الطَّهارتين … إلخ" أنَّه لو اغتَرف مِنهُ آخرُ بإناء أو بيدِه، ونَوى الاغترافَ، وتوضَّأ، أو اغتسلَ به قبلَ انفصالِ العضوِ منه، فإنَّه يرتفعُ حدثُه؛ لأن الماءَ باقٍ على طَهورَيتَّهِ.
(وعُلِم مما تقدَّم .. إلخ) هذا مفهوم قوله: "أو رُفِع بقليله .. إلخ" وبيانُ محتَرزاته.
وقوله: (في الصُّوَرِ الثلاث) أعني: رفعَ الحدثِ الأصغر، والأكبرِ، وغسلَ الميِّت بدليل صنيعه.
وقوله: (وأنَّه لو استعملَ اليسيرَ في طهارةٍ مُستَحبَّةٍ … إلخ) معطوفٌ على قوله: "أنَّه لو كانَ الماءُ في الصُّوَرِ الثلاث … إلخ".
_________________
(١) "الإقناع" لموسى بن أحمد الحجاوي ١/ ٨.
(٢) "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات" لابن النجار الفتوحي ١/ ٦.
(٣) ١/ ٧٤.
(٤) "الإنصاف ومعه المقنع والشرح الكبير" ١/ ٦٠ - ٦٥.
(٥) ١/ ٦٠.
[ ١ / ١٢١ ]
أو غمس فيه كلُّ
ما ذكرَه صاحبُ "الإقناع" (^١). وقد يقال: الظاهرُ لا يعارضُ الصريحَ؛ لقوَّتِه، فلعلَّ ظاهرَ كلامِهم غيرُ مرادٍ.
وأمَّا المستعملُ في طهارةٍ غير مستحبَّةٍ كرابعةٍ في وضوء وغُسلٍ، وثامنةٍ في إزالةِ نجاسةٍ بعدَ زوالِها، أو في تبرُّد وتنظُّفٍ، فطهورٌ غيرُ مكروه.
(أو) أي: ومن الطاهرِ ماءٌ قليلٌ (غُمِس فيه) بالبناءِ للمفعولِ (كلُّ) أي: جميعُ
(وقد يقال: الظاهر … إلخ) توجيهٌ لِمَا صرَّح صاحبُ "الإقناع" (^٢)، واختارَه له كرابعة في وضوءٍ وغُسلٍ، فإنَّه يجبُ عليهِ أنْ يَعُمَّ بالماءِ جميعَ بدنه، والثانيةُ والثالثةُ سنَّةٌ، فعُلِم منه أنَّه لو زَادَ برابعةٍ، فإنَّها غيرُ مستحبَّةِ، فلو كان المُحدِثُ حَدَثًا أكبرَ على بدنه مانعٌ من نحو شمع أو شيءٍ له جُرْمٌ، ناسيًا، واغتسلَ بهذا الماء القليل، ثمَّ بعد ذلك تبين أن به مانعًا، فيلزمُه أن يزيلَه، ويغتسلَ بذلك الماء ثانيًا؛ لأنه صَدَق عليه أنَّه لم يعمَّ جميعَ بدنه بالماء، ولم يُستعمل؛ لأنَّه مشروطٌ برَفْعِ الحدثِ ولم (^٣) يرتفع.
(وأمَّا المستعمَلُ في طهارةٍ غير مستحبَّة … إلخ) جوابُ "أمَّا": قولُه: (فطهور غير مكروه).
(أو غُمِس فيه … إلخ) أي: وإنْ لم يَحصلْ به غسلُ يده، فظاهرُه أنه يكونُ طاهرًا بمجرَّد الغمس، وأناطَ الحكم في "الحاوي الكبير" و"الرِّعاية" بانفصاله، كالمستعمَل في رَفْعِ الحدث، لا بغمسِه، والظاهرُ أنَّه مرادُ من لم يصرِّح به.
_________________
(١) ١/ ٨.
(٢) ١/ ٨.
(٣) في الأصل: "ولو لم". والصواب ما أثبت.
[ ١ / ١٢٢ ]
يدِ مسلمٍ مكلَّف قائمٍ مِن نومِ ليلٍ،
(يدِ مسلمٍ مكلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ (قائمٍ) أي: مستيقظٍ (من نومِ ليلٍ) نومًا يَنقضُ
وخصَّ الحُكمَ بنومِ الليل، فلا يُقَاس عليه نومُ النهارِ؛ لأن الغَسلَ وجب تعبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه، ولأن نومَ الليل يطول، فيكونُ احتمالُ إصابةِ يده للنجاسةِ [فيه] أكثر، كما في "الشرح الكبير" (^١). والمرادُ بالليل: إلى طلوعِ الفجر، كما هو ظاهرُ قوله في "الرِّعاية".
وإن انتبهَ، فغسل كفَّيه، ثمَّ نام وانتبَه قبلَ الفجر، غسلَهُما ثانيًا، وظاهر قول الشارح: "قبل غسلها (^٢) ثلاثًا" أنَّه يسلُبُه الطَّهوريَّة غَمسُها بعد غَسَّلها مرَّةً، أو مرَّتين. وهو كذلك كما في "الإنصاف" (^٣).
ولو استيقظ محبوسٌ من نومه، فلم (^٤) يَدرِ أهو نومُ ليلٍ أو نهارٍ، لم يجب غسلُهما، فعلى هذا لا يَسلُبُ الماءَ الطهوريَّة غمسُ يده فيه. ح ف.
فتلخَّص (^٥) من هذه المسألة: أنَّ غسلَ يدِ القائمِ من نومِ الليل لا يسلُبُه الطهوريَّة إلَّا إذا استوفَى سبعةَ شروطٍ:
أشار للأوَّلِ بقولِه: "كلُّ"، وللثاني بقوله: "يدِ"، وللثالثِ بقوله: "المسلم"، وللرابعِ بقوله: "المكلَّف"، وللخامسِ بقوله: "النائم ليلًا"، وللسادس بقوله: "ينقض الوضوء"، وللسابع بقوله: "قبل غسلها ثلاثًا بالصِّفَة المذكورة". ذكرَ ذلك الشيخُ عبدُ القادر التغلبيُّ (^٦).
_________________
(١) ١/ ٧١، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) في الأصل: "غسلهما" والمثبت موافق لما في "هداية الراغب".
(٣) ١/ ٧٤.
(٤) في الأصل: "فلا".
(٥) في الأصل: "فنتلخص".
(٦) في "نيل المآرب" ١/ ٤٣. وقد شرح عبارة "دليل الطالب" لمرعي الكرمي، ونصُّها: "ولو انغمست كل يد المسلم المكلف النائم ليلًا نومًا ينقض الوضوء في غسلها ثلاثًا بنية وتسمية".
[ ١ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوضوء، ولو غمسها ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا، أو حصلَ الماءُ في كلها مِن غيرِ غمسٍ، بأن صُبَّ على جميعِ يدِهِ مِن الكُوعِ إلى أطرافِ الأصابعِ، ولو باتَت مكتوفةً، أو بِجِرابٍ (^١) ونحوه (^٢)، حيثُ كان ذلك قبلَ غسلِها ثلاثًا بنيةٍ شُرطت، وتسميةٍ وجبَتْ، ولا فرقَ في ذلك بين الذكر والأنثى، فيسلبه الطَّهوريَّة، سواءٌ نوى الغسلَ بذلكَ الغمسِ أوْ لا؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ يرفعُه: "إذا استيقَظَ أحدُكُم من نومهِ فلا يَغمس يدَه في الإناءِ حتى يَغسِلَها ثلاثًا؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يدُه"
(ولو غمسها ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا) أخذ هذا التعميم، وكذا التعميمُ في قوله: (ولا فَرْقَ في ذلك بين الذَّكَر)، إلى قوله: (لحديث) مِن ظاهر المتن.
(أو بجرابٍ ونحوه) ككيسٍ صفيقٍ (^٣). مصنّف. (حيثُ كان ذلك)، أي: الغمسُ (قبلَ غسلها ثلاثًا) ظاهر قوله: أي ثلاثًا، كـ "المنتهى" (^٤)، أنَّه يسلُبُه الطهوريَّة غمسُها بعدَ غسلِها مرَّة أو مرَّتين، وهو كذلك كما في "الإنصاف" (^٥).
(إذا استيقظ أحدكم) فِعلُه المجرَّد: يَقَظَ، بفتح الياء والقاف، قال في "القاموس" (^٦): اليَقَظَة، محرَّكة: نقيضُ النومِ، وقد يَقُظَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، يَقَاظةً ويَقَظًا محركة، وقد استَيقَظَ، ورجل يَقُظٌ كنَدُسٍ (^٧) وكتِفٍ، وجمعه: أيقَاظ. ع ش.
(أين باتتْ يدُه) أي: منْه. يعني: هل وقَعتْ على محل النَّجوِ من المُستَجمِر مع احتمالِ العَرَقِ فتنجَّسَت، أو لا؟ شيشيني.
_________________
(١) الجراب: الوعاء. "القاموس": (جرب).
(٢) بعدها في (ح): "ككيس صفيق".
(٣) في الأصل: "ضيق"، والمثبت من "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٢، والكلام منه.
(٤) ١/ ٦.
(٥) ١/ ٧٤.
(٦) مادة (يقظ).
(٧) النَّدُس: الرجل الفَهم. "القاموس" (ندس).
[ ١ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
متَّفقٌ عليهِ، ولفظُه لمسلمٍ (^١).
وعُلم ممَّا تقدَّم أنَّه لا أثرَ لغمسِ (^٢) اليدِ في الكثيرِ، ولا لغمسِ (^٣) غيرِها، كرأسِ ورِجلٍ وذراعٍ، إذ المرادُ باليدِ هنا من الكوع إلى أطرافِ الأصابعِ كما تقدَّمَ، ولا لغمسِ بعضِها بلا نيةٍ، خلافًا لجمعٍ، ولا لغمسِ يدٍ كافرٍ، أو صغيرٍ، أو مجنونٍ،
(متفق عليه) عند الإمامِ أحمد والبخاري ومسلم (^٤).
(وعُلِم مما تقدَّم أنَّه لا أثرَ … إلخ) شروعٌ في محترزاتِ هذه المسألة.
(ولا لغَمسِ بعضِها بلا نيَّةٍ) ولا أثرَ كما هو مقتضى القواعد، وصرَّح به المصنِّفُ في شرحه "للإقناع" (^٥).
(خلافًا لجَمعٍ) منهم ابنُ حامد (^٦)، وابنُ رزين (^٧) في "شرحِه"، وجَزَمَ به في "الكافي" (^٨)، وقدَّمه في "الإفادات" وصحَّحه النَّاظمُ؛ أنَّ غَمْسَ بعضِ اليد، كغَمسِ كلِّها، والمذهبُ ما قدَّمه في "الإنصافِ" (^٩) وغيره.
_________________
(١) البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).
(٢) في (ح): "بغمس".
(٣) في (ح): "كغمس".
(٤) هذا ما اصطلح عليه مجد الدين عبد السلام ابن تيمية الحراني في كتابه "المنتقى من أخبار المصطفى" ١/ ٢.
(٥) "كشاف القناع" ١/ ٣٥.
(٦) هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، إمام الحنابلة في زمانه. من مصنفاته "الجامع في المذهب"، و"شرح الخرقي"، (ت ٤٠٣ هـ). "المقصد الأرشد" ١/ ٣١٩.
(٧) هو عبد الرحمن بن رزين بن عبد العزيز الغساني، الحوراني، الدمشقي. له كتاب "التهذيب" اختصر فيه "المغني". (ت ٦٥٦ هـ). "المقصد الأرشد" ٢/ ٨٨.
(٨) ١/ ٥٦.
(٩) "الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير" ١/ ٧٢.
[ ١ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو قائمٍ من نومِ [نهارٍ مطلقًا، أو من نومِ ليلٍ نومًا لا ينقضُ الوضوء، كيسير نومِ] (^١) قائم وقاعد. لكن إن (^٢) لم يجدْ من وَجبت عليه طهارةٌ غيرَ هذا النَّوعِ، أعني ما غُمستْ فيهِ يدُ القائمِ من نومِ الليلِ، استعملَه وجوبًا، فينوي بهِ رفعَ الحدثِ، ثمَّ يتيمَّم وجوبًا.
قال المصنِّفُ (^٣): قلتُ: فإن كانتِ الطَّهارةُ عن خَبثٍ، استعملَه ثم يتيمَّمُ إن
لكن لو نوى غسلَ [يدَيْه، وغَسَلَ بعضَ] (^٤) يده، فالظَّاهرُ أنَّ المنفصلَ منه طاهرٌ؛ لأنَّه استُعمِل في طهارةٍ واجبةٍ. "إقناع" و"شرحه".
(أو قائمٍ من نومِ نهارٍ مطلقًا) أي: سواءٌ كان يسيرًا أم لا، وسواءٌ كان ينقضُ الوضوءَ أو لا.
(لكن إن لم يجد من وجبت عليه … إلخ) استدراكُ: "فيسلُبُه الطهوريَّةَ" رَفَعَ به ما يُتَوَهَّمُ نفيُه من عدم الاستعمال. (استعملَه وجوبًا) في الوضوء والغُسل، وذَكَر المصنفُ هذه المسألةَ؛ لقوَّةِ الخلافِ فيها، إذ القائلونَ بطهوريَّة هذا الماءِ من الأصحاب أكثرُ من القائلين بطهارته، لكن لا يُستَعمَل هذا الماءُ إلا مع التيمُّم كما يجيء. مصنف (^٥) (ثم يتمَّمُ وجوبًا) حيثُ شُرع؛ لأن الحدثَ لم يرتفع، لكونِ (^٦) الماءِ غيرَ طهورِ، فإنْ تَرَكَ استعمالَه أو التيمُّمَ بلا عذرٍ، أعادَ ما صلَّى به؛ لتركِه الواجبَ عليه، إنْ كان لعذرٍ، فلا. كما يُعلَم من كلامهم. مصنِّف.
_________________
(١) ليست في (ح).
(٢) في (ز) و(ح): "إذا".
(٣) "كشاف القناع" ١/ ٣٤.
(٤) في الأصل: "يده وبعض"، والمثبت من "كشاف القناع" ١/ ٣٣ والكلام منه.
(٥) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٣، و"كشاف القناع" ١/ ٣٤.
(٦) في الأصل: "لكن". والمثبت من "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٣ والكلام منه.
[ ١ / ١٢٦ ]
أو كان آخرَ غسلةٍ زالت به النجاسةُ، وانفصلَ غيرَ متغيِّر.
كانت بالبدن، انتهى. وأولَى من هذا النَّوعِ ما (^١) خلت به المرأةُ، كما في "المنتهى" (^٢) فيقدَّمُ عليه.
(أو كانَ) قليلُ الطَّهورِ (آخرَ غسلة) كالسابعةِ أو ما بعدَها في نجاسةٍ على غيرِ نحوِ أرضٍ (زالت به) أي: بذلك القليلِ (النَّجاسةُ) أي: طَهُرَ محلُّها (وانْفصلَ) القليلُ عن المحلِّ الذي طهرَ (غيرَ متغيِّرٍ) بالنَّجاسةِ، فإنَّه طاهرٌ؛ لأنَّ المنفصلَ بعضُ المتَّصلِ، والمتصلُ طاهرٌ.
(وأَوْلَى مِن هذا النوع … إلخ) وجهُ الأولويَّة أن الماءَ الطَّهورَ الذي مُنِع منه لخلوةِ المرأة، لم يَسبق له استعمالٌ، بخلافِ الماءِ الذي غُمِسَ فيه كلُّ اليد، فإنَّه مستعملٌ في الجملة. دنوشري. (فيقدَّم عليه) لبقاءِ طهوريَّته، ويتيمَّمُ في محلِّه. وعلى هذا لو وَجَد هذين المائين، وعَدِم غيرَهما، فالطَّهورُ المذكورُ أولى مع التيمُّم. مصنِّف (^٣).
(أو كان آخرَ غسلة … إلخ) عطفٌ على قوله: "أو غُمِسَ فيه" كما هو القاعدة بالعطف بـ "أو"، يعني: أن مِنْ أقسام الماء الطاهر: الماءُ القليلُ المستعمَلُ في إزالةِ النَّجاسةِ، إذا انفصلَ غيرَ متغيِّرٍ، وقد زالت عينُ النَّجاسةِ. وقد حكمنا بتطهير المحلِّ، بأنْ كان منفصِلًا عن السابعة في طهارةِ الثوب ونحوه، أو بعدَ المكاثَرة فيما يطهر بها، كالأرضِ ونحوها. أمَّا المنفصلُ بعد ذلك، فطهورٌ. وأمَّا المنفصلُ المتغيِّرُ بالنَّجاسَةِ، أو قبلَ زوالِها، فنجسٌ. حفيد. فعلى هذا لا وجهَ لتقييدِ الشارح بقوله: (على غير نحو أرض) وخالفه المصنف أيضًا في شرحه "للمنتهى" و"الإقناع" (^٤). (والمتَّصِلُ طاهرٌ) غيرُ ظاهر؛ لأن المتَّصِل طَهورٌ لا طاهرٌ، اللَّهُمَّ إلا أن يكونَ مرادُه بالطاهرِ ضدَّ النَّجِس. منه. فاشتمل هذا المفهوم على صور:
_________________
(١) في (ح): "ماء".
(٢) "منتهى الإرادات" ١/ ٦.
(٣) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٣.
(٤) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣١ - ٣٢، و"كشاف القناع" ١/ ٣٦.
[ ١ / ١٢٧ ]
الثالث: نجسٌ:
وعُلم منه أنَّ ما انفصلَ قبلَ طهارةِ المحلِّ، فنجسٌ مطلقًا إن كان قليلًا ولو بعدَ السَّابعةِ، وكذا لو انفصلَ بعد (^١) طهارةِ المحلِّ وكان متغيرًا. وأمَّا لو انفصلَ عن محل -طَهُرَ أو لم يَطهُرْ- وكان كثيرًا غيرَ متغيِّرٍ، فطهورٌ.
القسم (الثَّالثُ) من أقسامِ الماءِ (نَجسٌ) بتثليثِ الجيمِ وسكونِها
الأولى: أن ما انفصلَ قبل طهارةِ المحلِّ، نَجِسٌ، إنْ كانَ قليلًا، سواءٌ تغيَّر، أم لا.
الثانية: أنَّ ما انفصلَ قبل طهارةِ المحلِّ، نَجِسٌ، إنْ كانَ قليلًا، ولو بعد السابعة، تغيَّرَ، أو لا.
الثالثة: أنَّ ما انفصلَ بعد طهارةِ المحل وكانَ متغيِّرًا، فنَجِسٌ، كثيرًا، أو لا.
الرابعة: أن ما انفصلَ بعد طهارةِ المحلِّ، أو قَبلَه، وكان المنفصلُ كثيرًا، غيرَ متغيِّرٍ، فطهورٌ.
فالماءُ المنفصل نجسٌ في ثلاثِ صور، وطهورٌ في صورةٍ واحدة، كما سيجيءُ التنبيه عليه.
(وعُلِم منه أنَّ ما انفصلَ … إلخ) شروعٌ في محترزات المسألة.
(فنَجسٌ مطلقًا) تغيَّر، أو لم يتغيَّر.
(ولو بعد السابعة) غايةٌ لقوله: "فنجس" فإنَّ النجاسةَ لو لم تَزُل بما قبل السابعة، ولو بها أيضًا، فيجبُ غسلُ المحل من غيرِ عددٍ إلى إنقائه. ومن هنا يُعلَم أن العددَ يكونُ مِن ابتداءِ الغَسل، لا من حينِ زوالِ عينها. وسيأتي في باب إزالةِ النجاسة إنْ شاء اللهُ تعالى. منه.
(الثالث: نَجسٌ) قال في "القاموس" (^٢): النجس: بالفتح والكسر -أي: للنُّون- وبالتحريك- أي: بفتح النون والجيم- وككتِفٍ وعَضُدِ: ضدُّ الطاهر.
قال الحفيد: وحكمهُ أنه لا يجوزُ استعمالُه بحالِ إلا لضرورةِ لُقْمةٍ غُصَّ بها، وليس
_________________
(١) في (ح): "قبل".
(٢) مادة (نجس).
[ ١ / ١٢٨ ]
وهو: ما تغيَّر بنَجسٍ،
(وهو) لغةً: المستقذَر. وهنا (ما (^١) تغيَّر بنجسٍ) أي: نجاسةٍ، قليلًا كانَ الماءُ أو كثيرًا، قل التغيُّرُ أو كَثُرَ، في غيرِ محلٍّ قابلٍ للتطهيرِ،
عندَه طَهورٌ ولا طاهرٌ، أو لعطشِ مَعْصومٍ، مِنْ آدميٍّ، أو بهيمةٍ -سواءٌ كانت تُؤكَلُ أم لا، ولكن لا تُحلَبُ قريبًا- أو لِطَفي حريقٍ مُتلِفٍ، أو لبلّ التُّرابِ وجعلِه طينًا يُطَيَّنُ به ما لا يُصلَّى عليه (^٢).
(وهو ما تغيَّر بنَجسٍ … إلخ) أي: النَّجس اصطلاحًا: قسمان:
الاوَّل: ما تغيَّر بمخالطةِ نجاسَةٍ، بأنْ تغَّير بها أحدُ أوصافِه؛ لونُه أو طعمُه أو ريحُه، عن ممازجةٍ أو مُجاورةٍ، تغيُّرًا كثيرًا أو يسيرًا، كما هو ظاهرُ إطلاقِه؛ لاستقذارِ النجاسَةِ. بخلافِه في الطَّاهر، فإنه لا بُدَّ فيه من التغيُّرِ الكثير. كما تقدَّم.
فلو تغيَّر بها بعضُ الماءِ، فالمتغيِّرُ نجِسٌ، وما لم يَتغيَّر، فطهورٌ إن بَلَغَ قُلَّتين، وإلا فَنَجِسٌ.
يُحتَرزُ عن التغيُّر بالمخالطة، عمَّا إذا كانت النجاسةُ مجاورة، فإنَّه لا يَنْجُس الماء إذا كانَ كثيرًا. وأمَّا اليسيرُ (^٣) فإنه يَنْجُس بالملاقاة. والشارحُ أطلَق، فيوهِمُ أنَّ الماء الطَّهورَ سواءٌ كانَ قليلًا أم كثيرًا، أو تغيَّر تغيُّرَ مخالطةٍ، أو مجاورةِ النَّجاسَة، يَنجُس. وليسَ كذلك. على أنَّ الأولى إسقاطُ: "قليلًا … " ويُجعلُ كلامُ المصنف محمولًا (^٤) على خصوصِ الكثير، ولعلَّه إنما أطلقَ لأجل (^٥) الاستثناءِ الذي ذكرَه بقوله: (في غير محلٍّ قابل … إلخ).
_________________
(١) في (ح): "ماء".
(٢) الكلام بتمامه في "الإقناع" ١/ ١٠.
(٣) أشار بقوله: "يسير" إلى القسم الثاني من أقسام النجس اصطلاحًا.
(٤) في الأصل: "محمول".
(٥) في الأصل: "لا جعل"، ولعلَّ الصواب ما أثبت.
[ ١ / ١٢٩ ]
ويسيرٌ لاقى نجاسةً
وفيه طهورٌ إن كان الماءُ واردًا، فإن كان مَورُودًا بأن غُمسَ متنجسٌ في ماءٍ، فإن كان قليلًا، نجُسَ بمجرَّدِ الملاقاةِ، أو كثيرًا وتغيَّرَ، نجُسَ أيضًا، وإلَّا، فلا. فإن تغيَّرَ بعضُه فما تغيَّرَ، فنجِسٌ (^١)، وغيرهُ طهورٌ إن كَثُر.
(ويسيرٌ) بالرَّفع عطفًا على "ما تغَّيرَ"، أي: ومنَ النَّجِسِ ماءٌ قليلٌ دونَ القُلَّتين (لاقَى نجاسةً)
قال الشيخُ محمد الخلوتي البهوتي -نفعنا الله به-: شمَلَ منطوقُ كلامِ المصنِّف ومفهومُه ثمانيةَ أقسام؛ لأن الماءَ إمَّا أنْ يتغيَّر بالنَّجَاسة، أو لا. وعلى كل: إِمَّا أنْ يكون كثيرًا، أو لا، وعلى كلٍّ من الأربعة: إمَّا أنْ يكونَ واردًا بمحل تطهيرٍ، أو لا.
فغيرُ الواردِ بمحل التطهير أقسامُه أربعة: قليلٌ تغيَّرَ، أو لا، وكثير تغيَّر، أو لا. وحكمُهَا مختلفٌ، فالكثيرُ الغيرُ المتغيِّر طَهورٌ، وباقيها نجِسٌ.
والواردُ بمحل التطهيرِ أقسامُه أربعةٌ أيضًا، وحكمُها أنَّها ما دامت في محل التطهير، فطَهور، وأما بَعدَ الانفصالِ، فحكمُها مختلفٌ، فالكثيرُ الذي لم يتغيَّر طَهورٌ، والقليلُ المنفصلُ عن محل طُهرٍ ولم يتغيَّر: طاهرٌ، والذي تغيَّر قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا القليلُ الذي لم يتغيَّر ولم يَطْهُر به المحل: نَجِسٌ.
إذا عُلِم ذلك، فالأقسامُ الأربعةُ التي في غير الواردِ على محل التطهير قد شملها قول المصنف: (وهو ما تغيَّر بنجَسٍ) منطوقًا ومفهومًا؛ لأن منطوقَه شملَ القليلَ المتغيِّرَ والكثيرَ المتغيِّر، كما أشارَ إليه الشارح، ومفهومُه شملَ القليلَ الذي لم يتغيَّر، والكثيرَ الذي لم يتغيَّر، فعُلِم من منطوقه نجاسةُ الماء في صورتَي التغيُّر، وأما صورتا عدمِ التغيُّر؛ فلاختلافِ حكمهِمَا تبيَّن حكمُ أحدِهما بما يُعلَمُ به حكمُ الآخر، فقال:
(ويسيرٌ لاقى نجاسةً) فعُلِم من تقييد نجاسةِ الماء بالملاقاة بكونه قليلًا، أن الماءَ في الصورةِ الاُخرى، وهي ما إذا كانَ كثيرًا، لا ينجس، بل هو باقٍ على طهوريَّته. وأفاده بقوله:
_________________
(١) في (ز): "نجس".
[ ١ / ١٣٠ ]
لا بمحلِّ تطهيرٍ
أي: اختلطَ بها ولو كانَت صغيرةً لا يدرِكُها طَرفٌ، أو لم يمضِ زمنٌ تسري فيه (^١)، كمائعٍ وطاهرٍ ولو كَثُرا (^٢).
(لا بمحلِّ تطهيرٍ) يعني: أنَّ القليلَ الواردَ على محلٍّ
(لا بمحلِّ تطهير) أن الماء في صورتَي التغيُّر طهور، إذا كان بمحل التطهير، ومنه يُعلَم بالأولى طهورية الماءِ في صورتَي عدم التغيُّر في محل التطهير كما تقدَّم. إلا أن يُقَال: هذا من بابِ الإجمال ثمَّ التفصيل، فهذا بالنظر للماءِ الواردِ، يُرشِدُ لذلك صنيعه من التفصيل بقوله: "إنْ كان الماءُ واردًا … إلخ" فإنَّه ما دام متردِّدًا على محل التطهير، فهو طهورٌ، وإذا انفصلَ بعد طهارةِ المحل، وكانَ متغيرًا ولو قليلًا، فإنَّه نَجِسٌ كما تقدَّم تفصيله.
(إنْ كان الماء واردًا … إلخ) هذا شرطٌ في طهوريَّة الماء المتردِّد في محلِّ التطهير، أي: باقٍ على طهوريَّته قبل انفصاله عنه، ولو تغيَّر بالنَّجاسةِ. وإنَّما حَكَمنَا بطهوريَّته، وإنْ كان متغيِّرًا بالنجاسةِ؛ لَما يَلزمُ عليه أنْ لا يُعَدَّ ما تغيَّر بها من الغسلاتِ المشروطةِ في إزالة النجاسة، وفي ذلك مشقَّةٌ وحرجٌ؛ فحَكَم بطهوريَّته في محلِّ التطهير؛ للضرورة الداعية إلى ذلك.
فإنْ قيل: ظاهرُ كلام المصنِّف مع كلام الشارح في هذا المحلِّ التكرار؛ لذكرِهما محلَّ التطهيرِ هنا مرَّتين.
أجاب دنوشري: القول ليس فيه تكرار؛ لأن الذي ذكره الشارحُ إنما هو من حيثُ إنَّه يُشتَرَطُ في الحُكم بطهارته ورودُه بمحل التطهير، فلا يُحكم بطهوريَّتِه إلَّا إذا كان واردًا به، ويكونُ حكمُ هذا الماء القليلِ المتغيِّرِ بالنجاسةِ في محلِّ التطهير، كما لم يتغيَّر. والذي ذكره المصنِّف إنما هو من حيثُ حكمُ تغيُّره بمحل التطهير، فلا تكرار.
(عطفًا على ما تغيَّر) أي: على ضميرِ "ما تغيَّر" فهو على حذفِ مضافٍ، وهو القسم
_________________
(١) بعدها في (ز): "النجاسة".
(٢) في (م) و(ز) و(ح): "كثيرًا"، وينظر "شرح منتهى الإرادات" لمنصور البهوتي ١/ ٣٥.
[ ١ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثاني من الماء النجس. والحاصلُ أن الماءَ المتنجِّس تارةٌ يكونُ كثيرًا متغيرًا بالنجاسة، وتارة يكون قليلًا لاقاها.
(لاقى نجاسةً) أي: فإنَّه يتنجَّسُ بمجرَّدِ الملاقاة، ولو لم يتغيَّر بها، ولو جاريًا، ولا اعتبارَ بالجِرْيَة في الأصحِّ حيثُ كانَ الماء قليلًا. والمرادُ بالملاقاة هنا: ورودُ النجاسةِ على الماءِ القليل، لا ورودُ الماءِ على النَّجاسةِ، فإنَّه لا ينجُس والحالةُ هذه ولو تغيَّر حتَّى ينفصلَ، إنْ كانت النجاسةُ قابلة للتطهير، كالنجاسةِ الحكميَّة، كما هو صريحُ كلامِ الأصحاب.
(ولو كانت) أي: النجاسةُ التي لاقتِ الماءَ القليلَ (صغيرة لا يُدرِكُها طَرفٌ) بسكونِ الراء، وهو العينُ (^١). أي: لم يشاهدها بَصَرٌ، كالنجاسة الخفيفةِ التي تعلَقُ بأرجلِ الذُّبابِ، مثل أنْ تكونَ ذبابةٌ على نجاسةٍ رطبةٍ، ثمَّ تطيرَ فتسقطَ في الماء القليل، فإنَّه ينجسُ بها بمجردِ الملاقاة. وفي "عيون المسائل": لابدَّ وأنْ يُدْرِكَها الطَّرف، وِفاقًا للشافعيِّ. والمذهبُ خلافه؛ لأن الماءَ القليلَ ليس له قوَّةٌ يَدفعُ بها النجاسةَ عن نفسه، فاستوى فيه كثيرُ النجاسةِ وقليلُها، ولو غيرَ مشاهدة. دنوشري. وظاهر كلام الأصحاب: أنَّ ذلك إذا كان من نجاسةٍ لا يُعفَى عنها، [إذا سَقط على الثيابِ والبدن كالماء] (^٢). ويتوجَّهُ العفوُ عن ذلك في غيرِ الماء؛ لحصولِ الفَرقِ بين الماءِ وغيره من وجهين:
أحدهما: أنَّ صونَ الماء عن النَّجاسة بتغطيةِ الإناءِ يمكن، بخلاف الثوب، فإنَّه لا يمكنُ صَونُه عنه؛ لبروزه.
_________________
(١) "القاموس" (طرف).
(٢) وقع في الأصل في هذا الموضع تراكب في الكلمات والحروف. والمثبت استظهرناه من "مطالب أولي النهى" ١/ ٤٠ - ٤١.
[ ١ / ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَجِس يُمكنُ تطهيرُه، لا ينجُسُ بمجرَّدِ الملاقاةِ للنَّجاسةِ، وإلَّا لم يُمكن تطهيرُ نجاسةٍ بماء قليلٍ.
وها هنا مسألةٌ يغلَطُ فيها بعض حنابلةِ مصرَ، وهي: ما إذا نزلَ من نحوِ راويةٍ أو إبريقٍ ماءٌ
وثانيهما: أن الذبابَ إذا ارتفعَ عن النَّجاسة، جفَّ ما عَلِقَ به من النَّجاسةِ بالهواء فلا يُؤثِّر في الثوب، ولأنَّ ثبوتَ النَّجاسةِ فيه أخفُّ. أفاده شيشيني.
(أو لم يَمْضِ زمنٌ تسري فيه) النجاسةُ، فإنَّه لا ينجسُ بها فورًا؛ لأنَّه قليل، والقليلُ ضعيفٌ في نفسه.
(ولو كَثُرا) أي: المائع والطاهر. أي: يَنْجُس كلُّ مائعٍ، كزيتٍ، ولبنٍ، وسمنٍ، وكل طاهرٍ، كماء وردٍ ونحوه، بملاقاةِ نجاسةٍ، ولو مَغفوًّا عنها، ولو كانا كثيرين، ولو لم يتغيَّر بها. خلافًا لصاحب "الإقناع" في الماء الطاهر إذا صار كثيرًا قال: وان وقعت في مستعمَلٍ في رَفْعِ حدثٍ، أو في طاهرٍ غيرِه مِن الماء [لم] يَنجُس كثيرُه بدون تغيُّرٍ، كالطَّهُور (^١).
والصحيحُ خلافُه، وقد وردَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه سُئل عن الفأرة تَقَعُ في السَّمنِ فقال: "إنْ كان جامِدًا فألقُوها وما حولَها، وإنْ كان مائعًا، فلا تقربُوها". رواه الإمام أحمد (^٢)، فقد ثبت بهذا أنه ﷺ نَهى عن قُربانه إذا كان مائعًا، ولم يُفَرِّق بين كثيرِه وقليله، فدل على تنجُّسِه بمجرَّدِ الملاقاة؛ لأن المائعاتِ لا تُطَهِّر غيرَها، فلا تدفع النجاسةَ عن نفسها كالطَّاهر الكثير. دنوشري.
(لا ينجُس بمجردِ الملاقاة للنَّجاسة) أي: فإن الماءَ باقٍ على طهوريتَّه قبلَ انفصالِه عنه، ولو تغيَّر بالنجاسةِ؛ للمشقَّةِ والحرج، كلما تقدَّم (وإلا لم يمكن (^٣) … إلخ) أي: والَّا بأن
_________________
(١) في "الإقناع" ١/ ١١. وما بين حاصرتين منه.
(٢) في "مسنده" (٧٦٠١)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في الأصل: "يكن".
[ ١ / ١٣٣ ]
ويَطهُر
على نجاسةٍ، فينجِّسونَ بذلكَ ما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ منَ الماءِ، ولا وجهَ لتَنجِيسِه أصلًا، فإنَّ الأصحابَ قسموا النَّجِسَ إلى قسمينِ: متغيِّر بالنَّجاسةِ، وملاقٍ لها.
والتَّقسيمُ في موضعِ البيانِ يُفيدُ الحصرَ، وما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ منَ الماءِ في الصُّورةِ المذكورةِ ليسَ واحدًا منَ القسمين. وقد صرَّحَ بمعنى ذلكَ في "التَلخيصِ"، وأشارَ إليه في "الرِّعايةِ الكُبرى". وقد رأيتُ بخطِّ شيخِ شيخِنا الشيخِ عبدِ الرحمن البهوتي (^١)، شيخ المصنف أيضًا ما معناه: أنَّه لو صُبَّ من الإبريق على محلِّ الاستنجاءِ، لم ينجُس ما في الإبريقِ. انتهى. وهو مما لا يَشكُّ فيه مَن له أدنى اشتغالٌ بالفقهِ، فتأمل، والله أعلم.
ثم أشارَ إلى كيفيةِ تطهيرِ هذا الماء المتنجِّسِ فقال: (ويطهُر) الماءُ النجسُ، قليلًا
تنجس الماءُ اليسير بمحلِّ تطهير، لم تطهر نجاسته … إلخ؛ للمشقَّة والحرج. (ليس واحدًا من القسمين) لأنَّ الماءَ الذي في الراويةِ (^٢) ليس متغيرًا بالنجاسة، ولا ملاقٍ للنجاسة، ولا واردًا عليها فرضًا، ومن المعلوم أن حُكمَ الواردِ على الطهوريَّة كما تقدَّم.
(ويَطهُر الماءُ النجسُ … إلخ) أي: ويطهر الماءُ الذي تنجَّس. شرع في بيانِ تطهيرِ ما تنجَّس من الماء، فتارةَ يكونُ الماءُ المتنجِّس قليلًا، فيطهُر بإضافةِ ماء طهورٍ إليه كثيرٍ، مع زوال تغيُّره، إن كان متغيرًا، وإن كانت الإضافة شيئًا فشيئًا. قال محمد الخلوتيُّ: ولا ينجسُ المضافُ بالمضاف إليه؛ لأنَّه واردٌ بمحل التطهير. فتفطَّن، ولا تلتفت إلى ما في "المستوعب".
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن يوسف بن علي البهوتي المصري له: "حاشية على تفسير البيضاوي" كان حيًّا في سنة (١٠٤٠ هـ) وعاش نحو ١٣٠ سنة. "النعت الأكمل" ص ٢٠٤، "خلاصة الأثر" ٢/ ٤٠٥، "معجم المؤلفين" ٢/ ١٢٨.
(٢) فى الأصل: "الرواية" وهو خطأ.
[ ١ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتارةً يكونُ الماء المتنجِّسُ كثيرًا فيطهرُ بأحد أمورٍ ثلاثةٍ:
الأوَّل: إضافةُ ماء طهورٍ كثيرٍ إليه.
الثاني: بنزحٍ منه، بحيثُ يبقى بعد النزحِ كثيرٌ.
الثالثُ: زوالُ تغيُّره بنفسه.
يبقى الكلام في المنزوح به ومقتضى القول بطهوريَّةِ ما فيه، الحكمُ بطهارته على كلامِ ابن قندس، القائل: بأنَّ المرادَ بالمنزوح النزحةُ الأخيرةُ التي دون القُلَّتين، ولم تُضَفْ إلى ما قبلَها، فإنَّ الدَّلْوَ لو كان نجسًا، لتنجَّس الماءُ القليلُ بمجرَّدِ ملاقاتِه (^١).
وأما البَكَرة فيجبُ تطهيرُها وكذا الحبلُ، إلَّا رأسَه، إذا كان داخلًا في الدلو الذي حُكِمَ بطهارةِ ما فيهِ على ما فيه، فليُحرَّر، فإنِّي لم أرَ فيها نقلًا. أفاده البهوتي.
قال في "المنتهى" (^٢): ولا يجبُ غسلُ جوانبِ بئر نُزِحتْ.
قال المصنِّف (^٣): ضيِّقة كانت أو واسعة؛ دَفعًا للحرجِ والمشقَّة.
قال محمد الخلوتي: أي: يُعفَى عنه فقط، لا أنَّه محكومٌ بطهارته، فلو وُضِع فيها مائعٌ، حكمنَا بنجاستِه؛ للملاقاة، بخلافِ الماء اليسيرِ فلا ينجُس؛ لأنَّه وارد بمحلٌ التطهير، فإذا انفصلَ غير متغيِّرٍ، فهو طاهرٌ.
"تتمَّة": قال في "الإنصاف" (^٤): لو طَهُر ماءٌ كثيرٌ في إناءٍ [بمكثه]، لم يَطهُر الإناءُ معه، على الصحيح من المذهب. فإن انفصلَ الماءُ عنه، حُسبت غسلةٌ واحدة، ثمَّ يُكَمَّل. انتهى.
_________________
(١) الكلام بنحوه في "حاشية ابن قندس" على كتاب "الفروع" ١/ ٨٨.
(٢) ١/ ٧.
(٣) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٤١.
(٤) ٢/ ٢٩٤ وما سيأتي بين حاصرتين استدركناه منه.
[ ١ / ١٣٥ ]
بإضافةِ كثيرٍ،
كان أو كثيرًا، أي: يصيرُ طهورًا (بإضافةِ) طهورٍ (كثيرٍ) أي: قُلَّتين فصاعدًا إليهِ، معَ زوالِ تَغَيُّره إن كان متغيرًا؛ لأنَّ الكثيرَ يَدفعُ النجاسةَ عن نفسه وعما اتصلَ به، ولا ينجُس إلا بالتغيُّرِ، وتكون الإضافةُ إمَّا بصبٍّ بحسَب الإمكان عُرفًا، ولو لم يتصل الصب، أو بإجراءِ ساقيةٍ إليه، أو ينَبع فيه. وعُلمَ منه أنَّه لا يطهرُ بإضافة غيرِ الماءِ مِن ترابٍ ونحوه، ولا (^١) بإضافةِ يسيرٍ ولو زالَ به التغيُّرُ.
وقال في "المنتهى" (^٢): وخمرةٌ انقلبَت بنفسها أو بنَقلٍ، لا لقصدِ تخليلٍ (^٣). ودَنُّها (^٤) مثلُها، كمحتَفَرٍ. لا إناءٌ طَهُر ماؤه.
وقال في "شرحه" (^٥): قوله: "كمحتفَر … إلخ" كمحتفرٍ من الأرضِ فيه ماءٌ حُكِم بنجاستِه بتغيُّرِه بها، ثم زَالَ تغيُّره بنفسِه، فإنه يحكَم بطهارته، وطهارةِ محلِّه من الارضِ تبعًا له، ويُلْحَقُ بذلك ما بني بالأرض كالصَّهارِيج (^٦) والبحرات، "لا إناءٌ طَهُر ماؤه" فإنَّ إناءَه لا يَطهُر؛ لأنَّ الأواني وإنْ كانت كبيرة، لا تَطهرُ إلَّا بسبعِ غَسَلات.
لكن سيأتي أنَّ الأجرِنَةَ، والأحواضَ الكبار، أو المبنيَّةَ ولو كانت صغارًا، يكفي فيها المكاثرةُ بالماء، حئى تذهبَ عينُ النجاسةِ أو ريحُها، كأرض؛ ولعلَّه لعدمِ إمكانِ تسبيعِها كالأواني، فإنه يمكنُ تَسبيعُها.
(ويطهرُ بإضافةِ كثيرٍ) فلا يَطهُر بإضافةِ ماءٍ قليل، ولو زَال تغيُّره، ولا يَطهُر أيضًا بوضعِ
_________________
(١) فى (ح): "ولو".
(٢) ١/ ٣١.
(٣) في الأصل: "تخلل".
(٤) فى الأصل: "ودونها".
(٥) "معونة أولي النهى" ١/ ٤٥٢.
(٦) الصهاريج: كالحياض التي يجتمع فيها الماء. "اللسان" (صهرج).
[ ١ / ١٣٦ ]
والكثيرُ بزوالِ تغيُّره بنفسِه، وبنزحٍ إن بقي بعدَه كثيرٌ.
فإن بلغَ الماءُ قُلَّتينِ،
(و) يطهرُ أيضًا (الكثيرُ) المتنجِّس بالتغيُّرِ (بزوال تغيُّره بنفسه) كالخمر تنقلب خلًّا (وبنَزْحٍ) أي: إخراج بعضِ الماء النجس، سواءٌ قلَّ النزحُ أو كثرَ فيصيرُ طَهورًا (إن بَقِيَ بعدَه) أي: النزحِ (كثيرٌ) غيرُ متغيِّرٍ.
والحاصلُ: أنَ النَّجسَ القليلَ يصيرُ طَهورًا بأمرٍ واحدٍ وهو الإضافةُ؛ بشرطِ زوالِ التَّغيُّرِ إن كان.
وأنَّ النجِسَ الكثيرَ يَطهرُ بأحدِ ثلاثةٍ: الإضافةِ، والنزحِ بشرطِهما، وزوالِ تغيُّرِه بنفسِه. ثمَّ أشارَ إلى بيانِ حد الكثيرِ وحكمِه فقالَ: (فإن بلَغ الماءُ) الطَّهورُ (قُلَّتينِ) فصاعدًا
شيءٍ فيه من تراب، أو مِسكٍ، أو جامدٍ، أو مائع، ونحوِ ذلك. حفيد.
(ويطهُر أيضًا الكثير …) أي: فتطهيرُه يحصلُ بأحدِ ثلاثةِ أمورٍ: بإضافةِ ماءٍ كثيرٍ إليه مع زوالِ تغيُّرِه، أخذًا من قولِ الشارح أيضًا، أي: بزوال تغيُّرِه بنفسه، بطولِ مُكثِه، أي: بغيرِ إضافةِ ماءٍ طهورٍ إليه. ومحل ذلك ما لم ينقص عن القُلَّتين قبلَ زوالِ التغيُّر، فإنْ نَقَصَ، ثمَّ زال التغيُّر، لم يَطهُر به؛ لأن علَّة التنجيس في القليل مجرَّدُ ملاقاةِ النجاسة. دنوشري.
(وبنزحٍ … إلخ) هذا الأمرُ الثالثُ، يعني: يطهرُ الماء المُتنجِّس، بزوالِ تغيُّره بالنزح المذكور، وعُلِمَ منه أنه لو لم يَزُل تغيُّره بالنْزحِ، حتَّى بقيَ الماء دون قُلَّتين، أنه لا يَطهر بذلك؛ لأنه لم يَبقَ التغيُّر علَّةَ للتنجيس، وإنَّما علَّته الملاقاةُ، فلا يطهرُ إلَّا بالإضافةِ. حفيد.
(غير متغير) في المسألتين؛ لزوال سببِ التنجيس، فيعودُ الماءُ إلى ما كان عليه من الطهوريَّة. دنوشري.
(بشرطهما) أي: شرط الإضافة والنَّزح، فشرطُ الإضافة: أن يُضاف إليه طهورٌ كثيرٌ، وشرطُ النَّزح: أن يُنزَحَ منه بحيث يبقى بعدَ النزح كثير.
(قُلَّتَين فصاعدًا) أي: فما فوقَهما وحكمُهما أنهما لا يَنجُسان إلَّا بالتغيُّر بالنجاسة،
[ ١ / ١٣٧ ]
وهما: أربع مئة رطْلٍ وستَّةٌ وأربعونَ وثلاثةُ أسباعِ رطلٍ مصريٍّ، لم ينجُس
(وهما) أي: القلَّتانِ (أربعُ مئةِ رِطلٍ وستةٌ وأربعون) رطلًا (وثلاثةُ أسباع رطلٍ مصريٍّ، لم يَنْجُس) بملاقاةِ النَّجاسةِ، ولو كانت بولَ آدميٍّ أو عَذِرَتَه
والمرادُ بالقلَّتَين أن يكونا من قِلالِ هَجَر -بفتح الهاء والجيم- وهي قرية كانت بالقُربِ من المدينة المنورة- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- تنسَبُ القلالُ إليها. و"القُلَّتَين": تثنيةُ قُلَّةِ، وهي اسمٌ لكلِّ ما علا وارتفع، ومنه قُلَّةُ الجبل، والمراد هنا الجرَّةُ الكبيرةُ، سمِّيت بذلك قُلَّة؛ لعلُّوِها وارتفاعها، وقيل: لأنَّ الرجلَ العظيمَ يُقِلُّها بيده، أي: يرفعها، والتحديدُ بقلالِ هَجَر. وفي حديث الإسراء أن النبيَّ ﷺ قال: "ثمَّ رُفعَت لي سِدْرةُ المنتهى، فإذا وَرَقُها مثلُ آذانِ الفِيَلة، وإذا نَبِقُها (^١) مثلُ قلال هجر". رواه البخاري (^٢). دنوشري.
(ولو … بولَ أدميٍّ أو عَذِرتَه) أشار بهذا ردًّا لما ذكره في "المنتهى" عن أكثرِ المتقدِّمين؛ لضعفِه. وعبارةُ "المنتهى" مع "شرحه" الصغير: وإنْ لم يتغيَّر الطَّهورُ الكثيرُ، لم ينجس بملاقاةِ النجاسة؛ لحديث القلَّتَين، إلَّا ببولِ آدميٍّ ولو صغيرًا، أو عَذرةٍ منه رطبةٍ مائعةٍ أو لا، أو يابسةٍ ذابت فيه، فينجسُ بهما دونَ سائر النجاسات عند أكثر المتقدِّمين من الأصحاب والمتوسِّطين (^٣).
قال حفيد: هو لأكثرِ المتقدِّمين والمتوسِّطين القائلين بنجاسةِ الماء الكثير بذلك بمجرَّدِ الملاقاة. ودليلُهم ما ذكره المصنف في "شرحه" من قوله: لحديث أبي هريرة … إلخ (^٤). ولا ينجسُ عند المتأخرين، كابنِ عقيل (^٥)،
_________________
(١) النَّبق: بفتح النون، وكسر الباء، وقد تسكَّن: ثمر السِّدر، واحدته: نبقة ونبْقة، وأشبه شيء به العناب قبل أن تشتد حمرته. "النهاية" (نبق).
(٢) في "صحيحه" (٣٢٠٧) و(٣٨٨٧) مطولًا، وهو أيضًا عند أحمد (١٧٨٣٣) من حديث مالك بن صعصعة ﵁.
(٣) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٧.
(٤) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٨.
(٥) هو أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي، الفقيه الأصولي، أحد أئمة الحنابلة الأعلام، من مصنفاته: "الواضح" في أصول الفقه، "التذكرة" في الفقه، وغيرهما. (ت ٥١٣ هـ). "ذيل طبقات الحنابلة" ١/ ١٤٢.
[ ١ / ١٣٨ ]
إلا بالتغيُّر.
(إلا بالتغيُّرِ) لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: سُئلَ النَّبيُّ ﷺ عنِ الماءِ يكونُ بالفلاةِ وما يَنُوبُه منَ الدَّوابِّ والسِّباعِ؟ فقالَ: "إذا بَلَغَ الماءُ قلَّتَينِ، لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ". وفي روايةٍ: "لم يَحمِل الخبَثَ" رواهُ الخمسةُ والحاكمُ وقالَ: على شرطِ الشَّيخينِ، ولفظُه
وأبي الخطاب (^١)، وغيرهم، ولا عندَ قليلٍ من المتقدِّمين والمتوسِّطين. قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" عن "المنتهى": ومقابلُ قولِ أكثرِ المتقدِّمين والمتوسِّطين: أن حكمَ البولِ والعَذِرةِ حكمُ سائرِ النجاسات، فلا ينجسُ الكثيرُ بهما إلا بالتغيُّر. قال في "التنقيح": اختاره أكثرُ المتأخِّرين، وهو أظهر. قال في "شرحه" (^٢): لأن نجاسةَ بولِ الآدميِّ لا تزيدُ على نجاسةِ [بول] الكلب، وهو لا ينجِّسُ القلِّتين. انظره إن شئت (^٣).
(لحديث ابن عمر … إلخ) اللام متعلِّقةٌ بمحذوف، أي: لمفهومِ حديث ابن عمر … إلخ، لأنَّ خبرَ القلَّتين دلَّ بمنطوقِهِ على ما ذكره الشارح.
(وما ينوبه من السِّباع) أي: يَرِدُ عليه البهائمُ التي لا تُؤكل؛ للشُّرب منه. (رواه الخمسة) وهم الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"، وأبو عيسى الترمذيُّ في "جامعه"، وأبو عبد الرحمن النَّسَائي في "سننه"، وأبو داود السَّجِستاني في "سننه"، وابنُ ماجه القزوينيُّ في كتابه (السنن). وقوله: (وقال على شرط الشيخين) البخاري ومسلم، والمرادُ بالشرط: الرِّجالُ والرُّواةُ الذينَ رَوى عنهم البخاري ومسلم، ولم يوجد في الصحيحين. وهذا هو المراد كما هو صنيعُه من قوله: "ولفظه لأحمد". وأما تفسيرُ الشرط باللقيِّ والمعاصرةِ عند البخاري، وإمكانِ اللقي عند مسلم، فليس بمناسبٍ هنا.
_________________
(١) هو محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد، الكَلْوذاني، البغدادي، من مصنفاته: "الهداية" و"الانتصار" وغيرها. (ت ٥١٠ هـ). "المقصد الأرشد" ٣/ ٢٠.
(٢) "معونة أولي النهى" ١/ ١٨١.
(٣) في "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٨ - ٣٩، وما سلف ين حاصرتين منه.
[ ١ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأحمدَ (^١). فدلَّ بمنطوقِه على دفعِ (^٢) القُلَّتينِ للنَّجاسةِ عنهما، وبمفهومهِ على نجاسةِ ما لم يَبْلُغهما؛ فلذلك جعلناهُما حدَّ الكثيرِ (^٣).
(فدلَّ بمنطوقه على دَفْعِ القُلَّتين للنَّجاسة) فمعنى الدَّفْع: المنعُ قبل النزول. والرَّفْع معناهُ: إزالةُ موجود. ولذلك يُسَنُّ لمن دعا برَفْعِ ما وقع، جَعْلُ ظهورِ كفَّيْه للسماء، أو بدَفْعِ ما ينزل، بطونِهما، فالطلاقُ يرفعُ النكاحَ، ولا يدفعه؛ لحِلِّ ارتجاعِ المطلَّقة، وعكسُه الإحرامُ وعدَّة الشبهة، فإنَّهما لا يَرفعان النِّكاح، ويمنعان ابتداءَه، فعُلِمَ أنَّ الشيء قد يَدْفَعُ فقط كهذين، وقد يَرْفعُ فقط كالطلاق.
والماءُ ينقسم باعتبار الدَّفْع والرَّفْع إلى ثلاثة أقسام:
قسمٌ يَدفع وَيرفع، وهو الماءُ الكثير، فإنَّه يَرفعُ الحدثَ، ويدفعُ الخبثَ لو وَرَدَ عليه، حيثُ لم يتغيَّر به.
وقسمٌ لا يَدفع ولا يَرفع، كالماءِ المستعمَل.
وقسمٌ يرفعُ ولا يدفع، وهو الماءُ القليلُ، فإنَّه يرفعُ الحدثَ، ولا يدفعُ الخبثَ لو وَرَدَ عليه. وأمَّا القسمُ الرابع الذي تقتضيه القسمةُ العقليَّةُ، وهو الذي يَدفعُ ولا يَرفع، فلا يتأتَّى في الماء. فتأمَّل.
ومنطوقُ الروايةِ الثانية: "لم يحمل الخبث"، أي: لم ينجسْ، سواءٌ تغيَّر أم لا، وكذا الروايةُ الأولى.
_________________
(١) الرواية الأولى أخرجها أبو داود (٦٥)، وابن ماجه (٥١٧) و(٥١٨)، وأحمد (٤٧٥٣)، والحاكم ١/ ١٣٢. والرواية الثانية أخرجها أبو داود (٦٣) و(٦٤)، والترمذي (٦٧)، والنسائي ١/ ١٧٥، وأحمد (٤٦٠٥)، والحاكم ١/ ١٣٣، ولفظ الحديث: "إذا كان الماء قلتين … ". وينظر الكلام عليه في "التلخيص الحبير" لابن حجر ١/ ١٦ - ١٨.
(٢) فى (م) و(ز): "رفع".
(٣) فى (ز): "حدًا للكثير".
[ ١ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا حديثُ أبي أمامَةَ مرفوعًا: "الماءُ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ إلَّا ما غَلبَ على ريحِه وطعمِه ولونِه" -رواهُ ابنُ ماجَه والدارقطنيُّ (^١) - فمطلقٌ،
وقولُه: (وبمفهومه) وهو إذا لم يبلغ الماءُ قلَّتين، يحملُ الخبثَ، سواءٌ تغيَّر أم لا. وهو كذلك، فإنَّه ينجسُ بمجرَّدِ الملاقاة، كما تقدَّم. فلذلكَ جعلَها الفقهاءُ حدًّا للكثير الذي لا ينجس إلا بالتغيُّر. "كشاف القناع" (^٢).
(وأمَّا حديثُ أبي أمامة) مبتدأ (مرفوعًا) حالٌ منه على القول بجوازه، و(مطلَقٌ) خبر. محمد الخلوتي.
قال في "البيقونية":
وما أُضيفَ للنَّبِي المَرفوعُ (^٣)
قال شارحها الزرقانيُّ (^٤): أي: أضافَهُ صحابيُّ، أو تابعيٌّ، أو مَنْ بعدهُما ولو منَّا الآن، للنبيِّ ﷺ، قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، أو صفةً، تصريحًا أو حكمًا، هو في المرفوع سواءٌ، اتَّصل إسنادُه أم لا، فَدَخل فيه المتَّصِلُ، والمرسَلُ، والمنقطعُ، والمعضَلُ، والمعَلَّقُ، دونَ الموقوفِ والمقطوع، هذا هو المشهور. أي: القولُ الذي ذكره الناظمُ في تعريف المرفوع، هو المشهور من أقوالٍ ثلاثة، ذكرها الزرقانيُّ، والقولان الآخران مفترضان.
_________________
(١) ابن ماجه (٥٢١)، والدارقطني (٤٧). قال النووي في "خلاصة الأحكام" ١/ ٧٠: والضعف في الاستثناء فقط، وأوله صحيح. وينظر "التلخيص الحبير" ١/ ١٥.
(٢) ١/ ٤٣.
(٣) "شرح منظومة البيقونية" للشيخ عبد الله سراج الدين ص ٦٧.
(٤) هو محمد بن عبد الباقي بن يوسف الأزهري المالكي، المحدِّث، الناسك النحرير، الفقيه العلَّامة، من كتبه: "تلخيص المقاصد الحسنة" في الحديث، و"شرح المواهب اللدنية" في المصطلح، و"شرح موطأ الإمام مالك". (ت: ١١٢٢ هـ). "سلك الدرر" ٤/ ٣٢ - ٣٣، و"الأعلام" ٦/ ١٨٤.
[ ١ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُمِلَ على خبرِ القُلَّتينِ المقيَّدِ.
والقُلَّتانِ: تثنيةُ قُلَّةٍ، وهي: اسمٌ لكلِّ ما ارتفعَ وعلا؛ ومنه قُلَّةُ الجبلِ. والمرادُ بها هنا: الجرّةُ الكبيرةُ؛ سُمِّيت قلَّةً؛ لارتفاعِها وعلوِّها، أو لأنَّ الرَّجلَ العظيمَ يُقِلُّها بيدِه، أي: يرفعها، والتحديدُ وقَعَ بقلالِ هَجَرَ: قريةٌ قربَ المدينةِ؛ لما روَى الخطابيُّ (^١) بإسنادهِ إلى ابنِ جُرَيْجٍ، عن النبيِّ ﷺ مرسَلًا: "إذا كانَ الماءُ قُلَّتينِ بقلالِ هَجَر" ولأنَّها مشهورةُ الصِّفةِ، معلومةُ المِقدارِ لا تَختلفُ كالصِّيعانِ (^٢).
قالَ عبدُ الملكِ بنُ جُريجٍ: رأيتُ قلالَ هَجَر فرأيتُ القُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أو قِرْبَتَيْنِ وشيئًا (^٣). انتهى. والاحتياطُ إثباتُ الشَّيءِ وجَعْلهُ نِصفًا؛ لأنَّه أقصى ما يُطلقُ عليهِ اسمُ
(حُمِل على خبر القلَّتين) بمعنى أنْ يُقيَّد بالمقيَّد، والمعنى: إذا بلغَ الماءُ قلَّتينِ، لم ينجِّسه شيءٌ، إلَّا ما غَلَبَ على طعمِه وريحِه ولونِه، المقيَّدِ بقُلَّتين، وأمَّا حديثُ أبي أمامة فمطلقٌ؛ لإهمالِ القيدِ المذكورِ فيه.
(لارتفاعِها وعلوِّها) تعليلٌ لتسميتها بقُلَّةٍ، (أو) سُمِّيتْ قُلَّةً (لأنَّ الرجلَ العظيمَ … إلخ).
(والتحديدُ وقع بقلال هَجَر) أي: تقريبًا، فلا يضرُّ لو نَقَص رطلًا أو رطلين بالعراقيِّ، واستَدَلَّ لهذا بدليلين نقليٍّ وعقليٍّ، وعَضَدَ الدليلَ العقليَّ بقوله: (قال عبدُ الملك .. إلخ) (والاحتياطُ … إلخ) الاحتياطُ الأخذُ بأقوى الدليلين.
(لأنَّه أقصى ما يُطلَق عليه اسمُ شيء) أي: غايةُ ما يُطلَقُ عليه اسمُ شيءٍ … إلخ.
_________________
(١) في "معالم السنن" ١/ ٣٥. وأخرجه -أيضًا- الشافعي في "مسنده" ١/ ٢٢، وعبد الرزاق (٢٥٨) و(٢٥٩)، وابن المنذر في "الأوسط" ١/ ٢٧١، وابن عدي في"الكامل" ٦/ ٢٣٥٨، والبيهقي ١/ ٢٦٣. قال ابن المنذر: فالحديث في نفسه مرسل لا تقوم به حجة، وقد فصل ابن جريح بين الحديثين وبين من قال برأيه. وينظر "التلخيص الحبير" ١/ ١٨ - ١٩.
(٢) وهي جمع صاع. "المصباح": (صوع).
(٣) أخرجه الشافعي في "مسنده" ١/ ٢٢، وأورده ابن المنذر في "الأوسط" ١/ ٢٦١.
[ ١ / ١٤٢ ]
وإن شَكَّ في تنجُّس ماءٍ أو غيرِه، بنى على اليقين.
شيءٍ منكَّرًا؛ فيكونُ مجموعُهما (^١) خمسَ قِرَب بقِرَبِ الحجازِ، والقِربةُ: تسعُ مئةَ رِطلٍ عراقيٍّ باتِّفاقِ القائلينَ بتحديدِ الماءِ بالقربِ. فالقُلّتانِ بالرِّطلِ العِراقيِّ خمس مئةِ رطلٍ، وبالمصريِّ ما ذكَرَهُ المصنِّفُ.
وقدرُ القُلَّتينِ بالصَّاعِ: ثلاثةٌ وتسعونَ صاعًا وثلاثةُ أرباعِ صاعٍ، أي: ثلاثةُ أمدادٍ. والصَّاع: قَدَحانِ (^٢) [بالقَدَحِ المصريِّ] (^٣) تقريبًا. فالقُلّتانِ بالإِرْدَبِّ المصريِّ (^٤): إِرْدَبَّانِ إلَّا أربعةَ أقدَاحٍ ونصفَ قَدَح.
(وإن شَكّ في تنجُّسِ ماءٍ) أي: طروِّ نجاسةٍ عليه (أو) شكَّ في تنجُّسِ (غيرِه) أي: غيرِ الماءِ منَ الطَّاهرات، كثوب وإناء ولو مع تغيِّر الماء (^٥) (بَنَى على اليقينِ)
(فالقُلَّتان بالرطلِ العراقي خمسُ مئة … إلخ) عطف على قوله: (فيكون مجموعهما خمس قِرَب … إلخ) يتوجه بذلك أن القلتين تسع أربع قِرب من قِرب الحجاز والنصف قِربة بقِرَبِ الحجاز، فالجميعُ خمس.
(وبالمصريِّ ما ذكره المصنِّفُ) اقتصر المصنِّفُ على تحديد القُلَّتين بالمعيار للاختصار.
(أي: ثلاثة أمداد) بيَّن هذا التفسير أنَّ الصاعَ أربعةُ أمدادٍ.
(وإنْ شكَّ في تنجُّس ماءٍ أو غيره، بنى على اليقين) لمَّا كانَ من قواعد الفقهاءِ في جميع الأحكام طرحُ الشكِّ، والعملُ باليقين، قال رحمه الله تعالى: "بنى على اليقين" أي: بنى على ما تيقَّنَهُ باعتقادِه الجازم، فإذا تيقَّن طهارةَ الماء، وشكَّ في نجاسته، فهو على أصله،
_________________
(١) في (ح): "مجموعها".
(٢) القَدَح: مكيال مصرى يساوي تقريبًا اليوم ليترين. "المكاييل والأوزان الإسلامية" ص ٦٥.
(٣) في (ز): "بالمصري".
(٤) الإردب: مكيال ضخم بمصر، أو يضم أربعة وعشرين صاعًا. "القاموس المحيط" (ردب). ويساوي الإردب اليوم ١٥٠ كغ من القمح، وينظر "المكاييل والأوزان الإسلامية" لفالتر هنتس ص ٥٨ - ٥٩.
(٥) في (ح): "للماء".
[ ١ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: على أصلِهِ الذي كان عليهِ قبل الشكِّ. وكذا لو شكَّ في طهارتهِ بعدَ تيقنِ نجاستِه؛ لأنَّ الشَّيءَ إذا كانَ على حالٍ فانتقالُه عنها يفتقرُ إلى ثلاثةِ أمورٍ: عدمِها، ووجودِ أُخرى، واستمرارِ هذه الأُخرى، وأمَّا بقاءُ الأولى فإنَّه لا يفتقر إلّا إلى مُجَرَّدِ البقاءِ وهو أيسرُ من الحدوثِ وأكثرُ (^١)، والأصلُ إلحاقُ الفرد بالأعمِّ الأغلبِ، لكن
ويبني على ما تيقَّن من طهارته، ولا يزولُ الشكُّ، ولو مع تغيُّره؛ لأنَّه يحتملُ أنْ يكونَ بمُكْثِه، أو برائحةِ شيءٍ بجانبه.
وقوله: (وكذا لو شكَّ في طهارته) يعني إذا تيقَّن نجاسةَ الماء، وشكَّ في طهارته، بنى على يقينه، وهو الأصل؛ لأنَّ الشيءَ إذا كان على حالةٍ، فانتقالُه عنها يَفْتقرُ إلى عدمِها، ووجودِ الأُخرى، وليس هذا خاصًّا بالماء، بل يجري فيه وفي غيره، وحاصلُه أنَّ من تيقَّن أصلًا من طهارةٍ أو نجاسةٍ، بنى على أصله، ولا يَلْزَمُهُ السؤال. دنوشري.
(وأمَّا بقاءُ الأُولى) وهي الحالةُ التي كان الشيءُ عليها أوَّلًا قبل طريانِ الشكِّ. (فإنَّه لا يفتقرُ … إلخ) الأغلبُ: وإن احتمل … إلخ. قوله: (هو أيسر) أي: مجرَّدُ البقاء، وهو كونُ الشيء على صفته الأصليَّة، فهو من إضافة الصفةِ إلى موصوفها، أي: البقاءُ المجرَّدُ عن حدوث الشكِّ (أيسرُ من الحدوث)، أي: أسهلُ من العمل بطروِّ الشكِّ عملًا بقوله ﷺ: "إنَّ الدِّيْنَ يُسْرٌ"، وقوله [ﷺ: "يَسِّروا ولا تعسِّروا"﴾ (^٢).
(والأصل … إلخ) أي: القاعدة الفقهية: (إلحاقُ الفرد) النادر، وهو طروُّ الشكِّ (بالأعمِّ الأغلب) وهو الطهوريَّة، عطفٌ على "إن احتمل" الأول، فالاستدراكُ بالنظرِ لهذا الاحتمال -لأنَّ المعطوفَ على الشيء يُعطَى حكمَه. هذا من قواعدهم. دَفَعَ به ما يُتوهَّم نفيهُ، وهو
_________________
(١) في الأصل و(س): "وإن كثر".
(٢) رسمت في الأصل هكذا: "الدين يسر يسيروا ولا تعسير"، والحديث الأول أخرجه البخاري (٣٩) عن أبي هريرة ﵁، والحديث الثاني أخرجه البخاري (٦٩)، ومسلم (١٧٣٤) عن أنس ﵁.
[ ١ / ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنِ احتُمِلَ تغيُّرُ الماءِ بشيءٍ فيه من نجسٍ أو غيرهِ، عُمِل به. وإن احتُمل التَّغيُّرُ بالطَّاهرِ والنّجسِ،
طرح احتمال الشكِّ، وهذا معنى كلام المصنِّف على "المنتهى" (^١): ومحلُّه إذا لم يكن تغيُّره لو فُرِض بالطاهر، يسلبُه الطهوريَّة. أي: محلُّ كون الأصل البقاء على الطهوريَّة: إنْ لم يكن … إلخ.
قال المصنِّفُ في "حاشية المنتهى": لكن الظاهر أنَّ المرادَ بالتغيُّر اليسيرُ الذي لا يَسلُبُ الطهوريَّة، وإلَّا لتنجَّسَ، ولو فرضنا التغيُّر بالطَّاهر؛ لملاقاتِه للنَّجاسة، إذ الطاهر لا يدفعُها عن نفسه، ولو كثر، على ما مرَّ توضيحُ هذا بالمثال كما أفاده. ح ف. كما لو وقع في ماءٍ كثير روثُ حمارٍ وروثُ فرسٍ، وتغيَّر لونُه تغيَّرًا يسيرًا، ولم يُعْلَم من أيِّهما تغيَّر، فإنَّا نحكمُ بطهارتِه. أمَّا إنْ تغيَّر تغيُّرًا كثيرًا، فإنَّه ينجُس بذلك، على تقدير أنَّه تغيَّر بالطَّاهر، فقد صار طاهرًا وقد لاقتهُ نجاسةٌ، فيصيرُ نجِسًا، فعُلِم منه أنَّه لو علِم أنَّ التغيُّر من النجاسة، بأنْ كان يصلحُ أنْ يكونَ منها، فهو نجس، وإن عُلِم أنَّه من الطاهر، فهو طاهرٌ، حيثُ كان التغيُّر يسيرًا، وكان من صفةٍ واحدة.
(وإن احتملَ التغيُّر بالطاهر … إلخ) عطفٌ على "إن احتمل" الأوَّل، هذا معنى قول صاحب "المنتهى" مع "شرح" للدنوشري: أو سقطَ في الماء الكثير طاهرٌ بيقين ونجسٌ بيقين، وتغيَّر بأحدِهما، ولم يُعْلَم هل تغيَّر بالطاهر أو بالنجس، فإنَّه باقٍ على طهوريَّته، حيث كانت الطهوريَّة متيقَّنةً قبل ذلك، ولا عبرةَ بما يطرؤ من الشكِّ.
فإنْ قلت: إنَّ تَغيُّرَ الماء في هذه المسألةِ لا يخلو إمَّا أنْ يكونَ بالطَّاهر، أو بالنَّجس، وإذا انتفى أنْ يكونَ التغيُّر بالنَّجس، فقد تغيَّر بالطاهر، والطاهرُ ينجُس بمجرَّدِ ملاقاةِ النجاسة، فهو نجس؟
_________________
(١) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٤٦.
[ ١ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: بأحدِهما فقط، فطهورٌ إن كانَ التَّغيُّرُ يسيرًا، وإلَّا فنجِسٌ ولو كثيرًا؛ لأنَّه طاهرٌ لاقى نجاسةً، وهو لا يدفعُها عن نفسِه.
قلت: هذا على التغيُّر بالمجاور الطاهر لا الممازج، وحيثُ لا يتحقَّق كونُه من النجس، فأصلُه الطَّهوريَّةُ.
فإن قلت: يحتملُ أنه تغيَّر بالنجس، فهو نجس.
قلت: ويحتملُ أنَّه إنَّما تغيَّر بالطاهر المجاور، فهو باقٍ على طهوريته، وإذا احتمل واحتمل، سقطَ التعليلُ به، كما أن الدليلَ إذا اعتراه الاحتمالُ، سقط به الاستدلال، فالتعليلُ من باب أولى، ومثله ذَرْقُ (^١) طائرٍ لم يُعلَم كونُه مأكولًا أو غيرَ مأكول.
"فرع": إذا أصابَه ماءُ ميزابٍ، ولا أمارة تدلُّ على النجاسة، كُرِهَ سؤالُه عنه. نقلَه صالحٌ (^٢)؛ لقولِ عمر: يا صاحبَ الحوض لا تخبرنا (^٣). فلا يلزمُ الجواب، وأوجب الأزَجيُّ (^٤) إجابته إن علم نجاسته، وهو حسن (^٥). قال المصنِّف: ولعلَّ كلام غيره لا يخالفه.
(أي: بأحدهما) أشار بهذا التفسير إلى أنَّ الواو في "الطاهر والنجس" بمعنى "أو".
(وإلَّا فنجسٌ) بأن احتملَ تغيُّره بالنجس فقط، فهو نجسٌ، ولو كانَ الماءُ كثيرًا.
_________________
(١) ذرْق الطائر: خُرْؤه. "اللسان" (ذرق).
(٢) هو أبو الفضل، صالح بن أحمد بن حنبل، وهو أكبر أولاده، سمع من أبيه مسائل كثيرة، وولي القضاء. (ت ٢٦٦ هـ) "طبقات الحنابلة" ١/ ١٧٣ - ١٧٦.
(٣) أخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٣ - ٢٤، وعبد الرزاق في "المصنف" ١/ ٧٧، والدارقطني في "سننه" (٦٢). قال النووي: وهذا الاثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن، لكنه مرسل منقطع، فإنَّ يحيى وإن كان ثقة، فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هذا هو الصواب. قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر باطل، وكذا قاله غير ابن معين، إلا أن هذا المرسل له شواهد تقويه. "المجموع" ١/ ٢٢٨.
(٤) هو يحيى بن يحيى الأزجي، صاحب كتاب "نهابة المطلب في علم المذهب"، يقول ابن رجب: وهو كتابٌ كبيرٌ جدًا ..، ويغلب على ظني أنه توفي بعد السِّت منة بقليل. "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ١٢٠.
(٥) قال المرداوي: وهو الصواب. "الإنصاف" ١/ ١٢٧.
[ ١ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يلزمُ سؤالٌ عمَّا لم تتيقِّن نجاستُه (^١)، ويلزمُ مَن عَلِمَ النَّجسَ إعلامُ من أرادَ استعمالَه في طهارةٍ أو شربٍ أو غيرِهما.
ومَن أخبرَه مكلَّفَ عدلٌ
(ولا يلزم سؤال عمَّا لم تتيقن نجاسته) بل يُكره سؤالُه عنه، كما تقدَّم في الفرع المذكور.
(ويلزمُ مَن) أي: إنسانًا مُكلَّفًا عَلِم النجاسة من ماءٍ أو غيره، أي: من عَلِمَ نجاستَهُ في مذهبِ المُستعمِل، أو كان غير الماء. وكذا يجب إعلام من أراد استعمال الحرام كما في "الرعاية". حفيد.
(إعلام من أراد) أنْ يستعملَه، ولم يسأله، فيَحرُمُ عليه تَرْكُ الإعلام؛ لأنه تَرَكَ ما يلزمُه شرعًا، مع قدرته عليه؛ لما يلزَمُ عليه من إيقاعِ غيره في التضمُّخ بالنجاسة. دنوشري.
(في طهارةٍ) ظاهرُه: ولو قيل (^٢): إزالِتُها ليست شرطًا لصحَّة الصلاة، خلافًا "للإقناع" (^٣). مصنِّف (^٤). (ومن أخبره مكلَّف عدل … إلخ) أي: ومن أخبره عدلٌ بنجاسةِ الماءِ ولو قِنًّا، أو امرأة، ولو مستورَ الحال، أو ضريرًا (^٥)؛ لأن للضَّرير طريقًا إلى العِلم بذلك بالخَبَر والحِسِّ. حيثُ كان المخبرِ مُكلَّفًا، وعيَّن سببَ تنجُّسِ الماء، وجبَ قبولُ إِخباره، ولم يُبحَ له است
عمالُه.
واحترز بقوله: "عدل" عن الكافرِ والفاسق، فإنَّ خبرَهُما غيرُ مقبول، وبقوله:"مكلَّف" عن الصغير والمجنون، فإن خبرَهُما لا يُقبَل.
_________________
(١) بعدها في (ح): "بل يكره سؤاله".
(٢) في الأصل: "قبل" وهو خطأ.
(٣) ١/ ١٤.
(٤) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٤٨.
(٥) في الأصل: "ضريرين"، والمثبت من "الإقناع" ١/ ١٤، و"كشاف القناع" ١/ ٤٦.
[ ١ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ولو مستورًا أو امرأةٌ أو قِنًّا أو أعمى- بنجاسة شيءٍ، وجبَ قَبُولُه إنْ عَيَّنَ السَّببَ، وإلَّا لم يلزمْ (^١)، ولو كانَ المُخبِرُ فقيهًا موافقًا، كما نُقِلَ عن إملاءِ التَّقيِّ الفُتُوحي (^٢).
وفُهِم من قوله: [وعيَّن السببَ] (^٣). أنَّ العدلَ إذا لم يُعيِّن السببَ، لم يُقْبَل إخبارُه؛ لأنَّ المخبِر قد يعتقدُ نجاسةَ الماء بسببٍ لا يعتقدِه الآخَر؛ لكون مذهبِه مخالفًا لمذهبه، كسقوط روثِ ما أكِل لحمُه في الماء، إذا تغيَّر به تغيُّرًا يسيرًا، فإن المخبِرَ يعتقدُ نجاستَه، والمُخْبَرَ لا يعتقدُ نجاستَه، أشبه التخريحَ في الشاهد، إن بيَّنَ سبَبَه قُبِلَ، وإلَّا فلا، ونقل حربٌ (^٤) فيمن وطئ روثةٌ، فرخَّصَ فيه إذا لم يعرف ما هي. دنوشري.
(ولو مستورًا) أي: ولو كان المخبِرُ مستورَ الحال -فالتنوين عوضٌ عن المضاف إليه- لأنَّه خبرٌ لا شهادةٌ.
(أو امرأة … إلخ) عطف على "مستورًا" وكذا فيما بعده أخذَ التعميمَ من قول المصنِّف: "عدل"؛ لأنه يستوي فيه المذكر والمؤئث.
(إنْ عيَّن السببَ) شرطٌ في وجوب القَبول، أي: سببَ ما أخبرَ به من نجاسة الماء (وإلَّا لم يلزم) أي: وإنْ لم يعيِّن السببَ، لم يلزم قَبول خبره. (ولو … فقيهًا) فهو غايةٌ لقوله: "وإلا لم يلزم"، وقوله: (موافقًا) لاحتمالِ نحو وسوسةٍ.
_________________
(١) بعدها في (ح): "لاحتمال وسوسة".
(٢) هو: القاضي تقي الدين، أبو بكر، محمد بن أحمد بن عبد العزيز، الفتوحي المعروف بابن النجار، العالم العلامة الفقيه الحنبلي، له: "منتهى الإرادات" وشرحه "معونة أولي النهي" وغيرها. (ت ٩٧٢ هـ). "النعت الأكمل" ص ١٤١، "السحب الوابلة" ٢/ ٨٥٤.
(٣) هذه عبارة "منتهى الإرادات" ١/ ٨، ولعلَّ صاحب الحاشية نقلها عن الدنوشري في "حاشيتة على المنتهى"؛ لأنه يكثر النقل عنه، وسيتكرر هذا في أماكن عديدة، ولأن عبارة "الهداية" ستأتي بتمامها قريبًا.
(٤) هو أبو محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي، تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، رحل وطلب العلم، قال الذهبي: مائل حرب من أنفس كتب الحنابلة وهو كبير في مجلدين. (ت ٢٨٠ هـ). "طبقات الحنابلة" ١/ ١٤٥، و"سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ١ / ١٤٨ ]
وإن اشتبهَ طَهورٌ بنجِس، لم يتحرَّ
قالَ المصنِّفُ (^١): قلتُ: وكذا إذا أخبَرَه بما يسلُبُ الطَّهورَيَّةَ مع بقاءِ الطَّهارةِ؛ فيعملُ المخبَر بمذهبهِ فيه.
(وإن اشتَبَهَ) أي: التبسَ عليهِ ماءٌ (طهورٌ بنَجس) ولم يُمكن تطهيرُه بهِ، وإلَّا بأن كان الطَّهورُ قُلتينِ وعنده إناءٌ يسعُهما، وجبَ عليه ذلك (لم يَتحرَّ) أي: لم يجب عليهِ أن ينظرَ أيهما يغلبُ على ظنِّهِ أنَّه الطَّهورُ فيستعملُه، بل لا يجوزُ له التحري للطَّهارةِ؛
(ولم يُمكِن تطهيره به) أي: لمَّا اشتبهَ على المستعمِل الماءَ في الطهارة الماءُ الطهور بالماء النَّجِس، ولا يمكنُ تطهيرُ الماء النجسِ بالماءِ الطهور، بأن كان الطَّهور دونَ قلَّتين، لما تقدَّمَ أنَّه يُشترط في تطهير الماءِ القليل إضافةُ كثيرٍ إليه، مع زوال التغيُّر، وكذا إن كانَ الطَّهورُ قُلَّتين، وليس عنده ما يَسَعُ الماءَين، وإلَّا وجبَ عليه تطهيره بالإضافة، إذا زالَ التغيُّر واستعملَه، لأنَّ من شرط التيمُّم العجزُ عن الماء، ومتى أمكنَ تطهيرُه، كان قادرًا عليه، فلزمه استعمالُه، ولم يصحَّ تيمُّمُه. حفيد بإيضاح. (وإلا) بأنْ كانَ يُمكِن تطهيرُه (بأن كانَ الطهورُ … إلخ) فهو تصويرٌ لإمكانِ تطهيرِ الماءِ المشتبِه بالماء النَّجِس.
وقوله: (وجب عليه ذلك) أي: وجبَ عليه تطهيرُه، أي: يلزمه خلطُهما واستعماله (لم يتحرَّ) قَيْدٌ في عدم إمكان تطهيره، يعني أنه إذا اشتبه الماءُ الطهورُ بالماء النجِسِ، ولم يُمكن تطهيرُ النجِس بالطهور، ولا مباحٌ طهورٌ موجود بيقين، لم يتحرَّ في هذين الماءين المشتَبهين، ولو لم يكن هناك ماءٌ مباحٌ طهورٌ بيقين، ولا يكون فَقْده الطهور بيقين عذرًا في الإِقدام على التحرِّي والاجتهاد؛ لأنه قد اشتبهَ عليه المحظورُ بالمباح في موضع لا تبيحه الضرورةُ، فلم يَجُزْ له أن يجتهدَ فيها، ويجب الكفُّ عنهما. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) "كشاف القناع" ١/ ٤٦.
[ ١ / ١٤٩ ]
ويتيمَّم لعدمِ غيرِهما.
لأنَّه قد اشتبهَ المباحُ بالمحظورِ في موضع لا تُبيحُهُ الضَّرورةُ فيتركُهما وجوبًا.
(ويَتيمَّمُ لعدمِ غيرِهما) أي: المُشْتَبِهَيْنِ، ولا يلزمُه إراقتُهما ولا خلطُهما.
وعُلم منه أنَّه لو وجدَ طَهورًا بيقينٍ، تعيَّنَ استعمالُه، وكذا يتركُ مباحًا اشتبهَ بمحرَّم، ويتيمَّمُ من غيرِ تحرٍّ؛ لعدمِ غيرِهما.
ثمَّ إن عَلِمَ الطَّهورَ أو المباحَ بعدَ فعلِ ما تيمَّمَ له، لم يُعِد،
(لأنَّه قد اشتبه المباحُ بالمحظور) أي: مباح الاستعمال، تعليل لتَركِ التحرِّي. (ويتيمَّم لعدمِ غيرِهما) قال في "المنتهى" (^١): بلا إعدامٍ. قال في "شرحه" للدنوشري: أي: بلا إراقةِ؛ لأنَه عادمٌ للماء الطهورِ حكمًا. وعنه: يشترط لصحَّة التيمَّم إعدامُ الماءَين. واختاره الخرقيُّ؛ ليصير عادمًا للطهور بيقين. والمذهب الأوَّل؛ لأن الفَقدَ الشرعيَّ كالفقد الحسيِّ، وعلى الصحيح من المذهب لا يعيد الصلاة التي صلاها بهذا التيمم مع وجود الماء المشتبه بالنَّجِس، لو عَلِمَه بعد الصلاةِ بهذا التيمُّم كان فاقدًا للماء الطهور شرعًا، فلا إعادةَ عليه، ولا يلزم مَن أراد استعمال الماء السؤالُ عن كونه طاهرًا أو طهورًا أو نجسًا؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ. (ولا خلطُهما) لأنَّ الطهورَ إذا كان قليلًا كان خلطُهما لا يطهِّرهما، فلا فائدةَ في الخلط. ح ف.
(وكذا يترك مباحًا اشتبه بمحرَّم) أي: يترك استعمالَ ماءٍ مباحٍ اشتبه بماء محرَّم، كمغصوب، ومسروق، وما ثمنه المعيَّن حرام، وهو يريد رَفْعَ الحدث. (ثم إن عَلِم … إلخ) هذا تفصيلٌ لمن اشبهَ عليه الماءُ المباحُ بالمحرَّم، والطهور بالنَّجِس؛ أخذًا من قوله: "أو المباح" فالظرفُ متعلِّقٌ بعَلِم وكذا قوله: "وقَبل" أي: وأثم "إنْ عَلِم الطهور … إلخ" قبلَ فراغه. (لم يُعِد) أي: لم يُعِد الصلاةَ إذا تيمَّم وصلَّى إذن، وعُلِم منه: إذا عَلِم وهو فيها
_________________
(١) ١/ ٨.
[ ١ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقبلَ فراغِه، يتطهَّرُ ويستأنفُ.
وعُلم من قولِنا: لا يَتَحَرَّى للطَّهارةِ، أنَّه يتحرَّى لحاجةِ أكل وشربٍ، بل يلزمُه ذلك،
يجبُ القطعُ والطهارةُ والاستئنافُ وكذا الطواف."كشاف القناع" (^١) وحاشيته (^٢).
قوله: (وقبل فراغه) أي: من التيمُّم، أو من الصلاة أخذًا من قولهم: حذف المعمولِ يُؤذِن بالعموم، يجري فيه ما يجري في الماءِ الطَّهورِ المشتبهِ بماء نجسٍ سواء بسواء. ح ف.
(من قولنا) أي: من قولِ الشارح: "بل لا يجوز له التحرِّي للطَّهارةِ"، المأخوذ من قول المصنف: "لم يتحرَّ".
(أنَّه يتحرَّى لحاجةِ أكلٍ وشربٍ … إلخ) يعني: أنَّه يلزم من اشتبهَ عليه ماءٌ طهورٌ بماءٍ نجسٍ، أو ميتةٌ بمذكَّاةٍ، الاجتهادُ في قِرب الطهور والمذكَّاة لحاجةِ شرب وأكل حيثُ اضطُّر، واحتاجَ إلى استعمالهما وليس عندَه ماءٌ طهورٌ، أو طعامٌ طاهرٌ بيقينٍ، واحترز بقوله: "لحاجةِ أكلٍ وشربٍ" عمَّا إذا احتاجَ إليه للطَّهارة، فإنَّه لا يتحرَّى فيهما، كما تقدَّم، ويعدِلُ عنهما إلى التيمُّم.
وإذا اشتبهَ طاهرٌ بنجسٍ غيرِ الماء، كالمائعات ونحوها، واضطر إلى استعماله، جازَ التحرِّي لحاجةِ أكلٍ وشربٍ، ويحرُم التحرِّي في ذلك بلا ضرورةٍ، وإذا تحرَّى للضرورةِ، فأكلَ أو شربَ، فإنَّه لا يلزمهُ غسلُ فمِه بعدَ أكله أو شربه؛ لوجود الطَّهور في نفسِ الأمر بيقين، والنَّجِس مشكوكٌ فيه، والأصلُ الطهارة، فلا ينجُس فمُه بالاستعمال بمجرَّدِ الشكِّ، فلا يلزمُه غسلُ فمه، وقيل: يلزمُه بذلك غسلُ فمه، كما لو عَلِم أن النجِس هو الذي استعملَه. دنوشري. والمذهبُ الأوَّل.
_________________
(١) ١/ ٤٨.
(٢) رسمت في الأصل هكذا: "وح أن".
[ ١ / ١٥١ ]
وإن اشتبهَ بطاهرٍ، توضَّأ وضوءًا واحدًا من كلٍّ غَرفةً.
لا غَسل فمهِ بعدَه؛ لعدمِ تيقُّنِ نجاسةِ ما استعملَه.
(وإن اشتبهَ) طهورٌ (بطاهرٍ، توضَّأ) منهما (وضوءًا واحدًا) يأخذُ (من كلِّ) واحدٍ منَ الماءينِ (غرْفةً) يَعُمُّ بكل غَرفةٍ المحل من محالِّ الوضوءِ؛ ليؤدّيَ الغرضَ بيقينٍ، ويجوزُ له ذلك بلا تحرٍّ ولو كان عندَه طهورٌ بيقينٍ، ويُصلِّي صلاة واحدةٌ.
(لا غسل فمِه بعدَه) أي: لا يلزمُه إذا استعملَ أحدهما غَسلُ فمِه بعدَ الأكلِ أو الشرب، إذا وجدَ طهورًا؛ استصحابًا لأصلِ الطهارة، وكذا لو تطهَّر من أحدِهما، لا يلزمُه غسلُ أعضائِه وثيابه؛ استصحابًا للأصل، وقال ابنُ حمدان (^١): يجبُ، وعُلِم منه أنه لا يجوزُ أنْ يأكلَ أو يشربَ بلا تحرٍّ. "كشاف القناع" (^٢).
(من كل واحدٍ) بتنوين "كلّ" بالنظر للمتن، فقوله: "واحد" عوضٌ عن المضافِ إليه.
(وإن اشتبهَ طهورٌ بطاهر) يعني: إذا اشتبهَ ماءٌ طهورٌ بماءٍ طاهرٍ، سواءٌ أمكنَ جعلُ الطاهر طهورًا بإضافته إلى الطاهر، بأنْ كان طهورٌ قلَّتينِ فأكثر، وعنده إناءٌ يضمُّهمَا، أو لم يمكنْ جعلُه طهورًا به، بأنْ لم يكن عندَه إناءٌ يضمُّهمَا، وكانَ الطَّهور دون قلَّتين، وكان الطاهرُ بحيث لو خالطه (^٣) صفة لغيَّره، فإنه لا يخلطهما. فلمَّا لم يكن في التقييد فائدةٌ حذفَه الشارحُ. بخلاف التقييد في سابقه من كونه إذا أمكنَ تطهيرُه وجب ذلك، فاندفع سابقه (^٤) الشارح في جانب اشتباه الطهور بالنجس بإمكانِ الطهارة، وحذفَه في جانبِ اشتباهِ الطَّهور بالطاهر. ويتوضَّأُ ويغتسلُ مرَّة، أي: وضوءًا واحدًا أو غسلًا، يغترفُ لكلِّ عُضوٍ من أعضاءِ الطهارة من ذا غرفةً بنيَّةٍ جازمةٍ، ومن ذا غرفة بنيَّةٍ جازمةٍ (يعمُّ بكلِّ غرْفةٍ) من كل من الماءين المُشتَبهين (المحل) إلى تمام الوضوء.
_________________
(١) هو أبو عبد الله، نجم الدين، أحمد بن حمدان بن شيب، النميري الحراني، الفقيه الأصولي القاضي. من مصنفانه: "الرعاية الكبرى"، و"الرعابة الصغرى"، و"الوافي". (ت: ٦٩٥ هـ). "الدر المنضد" ١/ ٤٣٦.
(٢) ١/ ٤٨.
(٣) في الأصل: "خالفه".
(٤) طمس بمقدار كلمتين.
[ ١ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال المصنِّفُ (^١): قلتُ: والغسلُ فيما تقدَّم كالوضوء، وكذا إزالةُ النَجاسةِ. انتهى. لكن لو غَسلَ النَّجاسةَ من أحدِ الماءينِ سبعًا، ثم غسلَها من الآخرِ سبعًا، جازَ؛ لعدمِ افتقارها إلى نيَّةٍ. وكذا لو اغتسلَ غسلًا (^٢) كاملًا من أحدِ الماءينِ، ثم اغتسلَ كاملًا من الآخرِ بنيَّةٍ واحدةٍ، جازَ؛ لأنَّ بدنَ المغتسلِ كعضوٍ واحدٍ، ففي إطلاقِهِ نظرٌ.
وقيل: يتوضَّأ من كل واحدٍ من الماءين وضوءًا واحدًا.
والأوَّل المذهب؛ لأن الوضوءَ الواحدَ، ولو بغرفتَيْنِ لكلٍّ عضوِ بنيَّةٍ جازمةٍ، وموالاةٍ، بخلافِ الوضوءِ من كلٍّ من الماءين وضوءًا مستقلًا؛ للتردُّدِ في النيَّة، وفواتِ الموالاة.
وإذا توضَّأ منهما مرَّةً من ذا غرفة ومن ذا غرفة، فإنَّه يصلِّي صلاة واحدة من غير إعادةٍ لتلكَ الصلاة التي صلَّاها بهذا الوضوءِ؛ وذلك لارتفاع حَدَثه بيقينٍ.
ويصحُّ ذلك الوضوءُ الواحدُ الذي على هذه الصفة، ولو مع وجودِ ماءٍ طهورٍ بيقين، أي: غيرِ مشكوكٍ فيه، ولا مُشتَبِه بغيره؛ وذلك لوجودِ الطَّهور في أحدهما بيقين، وقد أتى بنيَّةٍ جازمةٍ، فصحَّت طهارتُه منهما، ولو مع وجودِ الطَّهور بيقينٍ؛ لاستوائهما في الحكم. دنوشري مع زيادة.
(لكن لو غسَل … إلخ) استدراك على قول المصنف: "قلت … إلخ" دفعَ به ما يُتَوهَّم ثبوتُه من أنَّه لا يجوزُ إلا غسلٌ واحدٌ من الماءين.
(نفي إطلاقه نظرٌ) مفرَّعٌ على الاستدراك، إذ الإطلاق في محل التقييد خطأٌ، إذ المصنف في المتن قال في جانبِ الوضوء: "من كلٍّ غرفة"، وأهملَ هنا، ولم يقيِّد بأن يقول: من كل ماءٍ غرفة، أو غُسلٌ مستقلٌّ. لعلَّهُ قاصدٌ بذلك الجواز.
_________________
(١) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٤٩، وينظر "كشاف القناع" ١/ ٤٩.
(٢) زيادة من (ح).
[ ١ / ١٥٣ ]
وإنِ اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بنجِسة، صلَّى في كلٍّ ثوبٍ
(وإن اشْتَبَهَت) عليه (ثيابٌ) أي: ثوبانِ فأكثَر (طاهرةٌ بـ) ثيابٍ (نجسةٍ) ولم يكن عندَه ثوبٌ طاهرٌ بيقينٍ (صلَّى في كل ثوبٍ) صلاة واحدةً يُكَرِّرُها
(وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ .. إلخ) أي: إن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بثيابٍ نجسةٍ، أو مباحةٌ بثيابٍ محرَّمةٍ، والحالُ أنه لا طاهر ولا مباح موجودين عنده بيقينٍ، لم يتحرَّ، كما لا يجوزُ له التحرِّي في الثياب المتنجِّسَةِ المشتبهةِ بالطَّاهرة، أو الثيابِ المباحةِ المشتبهةِ بالمحرَّمةِ، فتارة يعلمُ عددَ الثياب النجسة والمحرَّمة، وتارة لا يعلم، فإنْ عَلِم عددَ ثيابٍ نجسةٍ أو محرَّمةٍ، صلَّى في كل ثوب صلاةً بعددِ النَّجسَةِ أو المحرَّمة، وزادَ صلاة، ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ. وإنْ لم يَعلم عددَ النَّجسةِ أو المحرَّمةِ، فإنه يَستمرُّ يصلِّي في كل ثوب صلاة حتى يتيقَّنَ صحَّةَ صلاته، وأنَّه صلَّى في ثوب طاهرٍ مباحٍ بيقين، ولو كثرت الثياب، كلما صرَّح به الأصحاب. وقال ابن عقيل: إذا كَثُر ذلكَ وشقَّت صلاتُه في الكلِّ، فإنه يتحرَّى في أصحِّ الوجهين؛ دفعًا للمشقة والحَرَج.
وفَهِم من قوله: ولا طاهر مباح بيقين، أنَّه إذا كان عنده ثوبٌ طاهرٌ مباحٌ بيقين، فإنَّه يلزمُه أنْ يصلِّي فيه ويتركَ المشتبهاتِ من الثياب. كما ذكره في "الفروع" (^١). دنوشري مع زيادة. (ولم يكن عندَه ثوبٌ طاهرٌ) أو مباحٌ (بيقين) أمَّا لو كان عندَه ثوبٌ مباحٌ أو طاهرٌ بيقين، فإنَّه يجبُ عليه استعمالُه، ولا يجوزُ له أنْ يصلِّيَ في هذه الثياب؛ لما في الصلاة فيها من عدم الجزمِ بالنيَّةِ من غير حاجَةٍ، كما في "النكت"، وزاد في "الرِّعايةِ": لاشتراط جوازِ الصَّلاة في الثياب بعدِد النجسة وزيادةِ صلاة.
والواو في قوله: "ولم يكن … إلخ" واو الحال، أي: والحال أنه لا طاهر. ح ف وإيضاح.
(صلَّى في كلِّ ثوب صلاةً) ولا يجوز له التحرِّي، وهو من مفردات المذهب. ح ف.
_________________
(١) ١/ ١٠١.
[ ١ / ١٥٤ ]
بعددِ النَّجِسة، وزادَ صلاةً،
(بعددِ) الثيابِ (النَّجسَةِ، وزادَ) على عددِ النَّجِسَةِ (صلاةً) فلو كانت النَّجسةُ خمسةً مثلًا، صلَّى في ستَّةِ ثياب ستَّ صلواتٍ، في كل ثوبٍ صلاة؛ بأن يلبَسَ واحدًا ويصلِّي صلاةً، ثم ينزعَه ويلبَسَ الآخر ويصلِّي، وهكذا إلى آخرِ السِّتَّة، ليُصلِّيَ في ثوب طاهر يقينًا، ينوي بكلِّ صلاةٍ الفرضَ، كَمَن نسي صلاةً من يومٍ.
والفرقُ بين الثِّيابِ والمياهِ أنَّ الماءَ يلصَقُ ببدنِه فينجسُه، وأنَّ الصلاةَ في النَّجسِ جائزةٌ عندَ العدمِ، بخلافِ الماءِ.
والفرقُ بين الثِّيابِ وبين القِبلةِ أيضًا -حيث لم نوجب تَعدُّدَ الصَّلاةِ بحسبِ الجهاتِ- كثرةُ الاشتباهِ فيها، بخلافِ الثِّيابِ.
(بعدد الثياب النجسة) أو المحرَّمة. مصنِّف (^١).
(فلو كانت النجسةُ خمسةً … إلخ) هذا مثالٌ يوضِّح به المقام. (ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ) أي: لا أنَّها معادةٌ، والظاهر أنَّه يكفي نيَّتُها ظهرًا مثلًا، إذ لا تتعيَّن الفرضيَّةُ، كما يأتي في باب النيَّة. مصنِّف (^٢). كمن نسي صلاةً من يومٍ وجهلَها؛ لأنه أمكنه أداءُ فرضٍ بيقين، فلزمه بنيَّة الفرضية كما [لو] (^٣) لم تشتبه، فإنَّه يصلِّي الخمسةَ أوقاتٍ، ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ غيرَ معادةٍ، ولا تصحُّ الزيادةُ على المفروضة، بخلافِ الماء النجس، فإنه لم يُعهَد جوازُ استعماله بحالٍ إلَّا لضرورةِ لقمةٍ غصَّ بها، ولا طاهر ولا طهور.
(كثرةُ) خبرٌ عن قوله: (والفرق … إلخ) إذْ هو محطُّ الفائدة، فالفرقُ: (كثرةُ الاشتباه فيها) والتفريط هنا حصل منه، بخلافها، وبأنَّ عليها أمارة تدلُّ عليها بخلاف الثياب. والحاصلُ أنَّ الفرقَ بينهما من ثلاثةِ أوجه؛ اثنين للإمام، الأول: أنَّ للقبلةِ أدلَّةٌ تدلُّ عليها،
_________________
(١) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٤٩.
(٢) "كشاف القناع" ١/ ٤٩.
(٣) ما بين حاصرتين من "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٥٠.
[ ١ / ١٥٥ ]
وكذا أمكنةٌ ضيِّقةٌ، ويصلِّي في واسعةٍ بلا تحرٍّ.
(وكذا أَمكِنَةٌ) جمعُ مكانٍ؛ كزمانٍ وأزمنةٍ (ضيقةٌ) تَنَجَّسَ بعضُها واشتبهَتْ، ولا بُقعةَ طاهرةٌ بيقينٍ، فإذا تنجَّسَتْ زاويةٌ من بيتٍ وتَعَذَّرَ خروجُه منه وما يفرشُه عليه، صلَّى الفرضَ مرَّتينِ في زاويتيْنِ. وإن تنجَّسَت (^١) زاويتانِ، صلّى ثلاثَ صلواتٍ في ثلاثِ زوايا وهكذا، هذا مع ضيقِ المكانِ.
(ويُصَلِّي في) بقعةٍ (واسعةٍ) تنجَّسَ بعضُها واشتبَهَ، كصحراءَ وحَوشٍ (^٢) كبيرٍ حيثُ شاءَ (بلا تَحَرٍّ) للحرجِ والمشقَّةِ.
بخلاف الثياب، ولا بدلَ لها يُرجَعُ إليه، والثالثُ للقاضي، وهو الذي اقتصرَ عليه الشارح للاختصار. انظر وجه الاقتصار.
(وكذا أمكنةٌ ضيقة) أي: وكالثيابِ الطاهرةِ المباحةِ المشتبهةِ بالنجسة في الحكمِ، إذا اشتبهَت أمكنةٌ ضيِّقَةٌ تنجَّس بعضُها وجُهِل، ولم يُمكِنه الصلاةُ إلَّا فيها، فإنْ عَلِم عدد الأمكنة المتنجِّسَة صلَّى في كل مكانٍ صلاةً بعددِ النجسة، وزادَ صلاةً، وإلَّا، فإنه يستمرُّ يصلِّي في الأمكنةِ الضيِّقةِ المشتبهةِ كلِّها حتى يتيقَّن صحَّتها. دنوشري مع زيادة.
(وهكذا) فإذا تنجَّست ثلاثُ زوايا، فإنَّه يصلِّي في أربعٍ، هذا في الأمكنةِ الضيِّقَةِ، ولا يثبتُ هذا الحكمُ في صحراء ونحوها، كالفضاءِ الواسع، والمساجد الكبيرة، ويصلِّي فيها حيثُ شاء بلا تحرٍّ.
ولا مدخلَ للتحرِّي في العتقِ والطلاق، ويتَّجِهُ: صحَّةُ تيمُّمين حيثُ اشتبهَ ترابٌ طهورٌ مباحٌ بضدِّه.
ولا تصحُّ إمامةُ من اشتبهَت عليه الثيابُ الطاهرةُ بالنجسة إذا صلَّى فيها. والله أعلم. دنوشري.
_________________
(١) في الأصل و(س): "تنجس".
(٢) الحَوْش: شبه الخطيرة. "القاموس": (حوش).
[ ١ / ١٥٦ ]
فصل
ولمَّا كانَ الماءُ جوهرًا سيَّالًا احتاجَ إلى بيانِ أحكامِ أوانيه عَقِبه (^١) فقال: