﷽
﷽
"﵀" جملةٌ معترضةٌ بين القولِ والمقولِ، لا محلَّ لها مِن الإعراب، قصدَ بها الدعاءَ للمصنِّف؛ لما يستحقُّه عليه مِن أَجْلِ أنَّه وضَّح السبيلَ بالدواوين التي دوَّنها مِن العلومِ، وهي خبريَّة لفظًا، إنشائية معنًى، إلا أنَّ المعنى واضحٌ على أنَّ الرحمةَ صفةُ فِعْل بمعنى الإنعام، وإمَّا على أنَّها صفةُ ذاتٍ بمعنى إرادةِ الإنعام، فالدعاءُ باعتبار تعلُّقها التَّنْجيزيِّ الحادِث؛ لأنَّ لها تعلقاتٍ ثلاثةً: تنجيزيَّان قديمٌ وحادِثٌ، وصَلوحيٌّ قديمٌ، على ما هو مقرَّرٌ مشهورٌ، ثم ما ذكرَ مِن أنَّها بمعنى الإنعام أو إرادتِه، ليس على طريقِ الحقيقةِ، بل مجازٌ مرسَلٌ مِن استعمالِ اسمِ الملزومِ في اللازمِ، وذلك لأنَّ معناها الحقيقيَّ رِقَّةٌ في القلبِ وانعطافٌ، وهي مستحيلةٌ على اللهِ تعالى (^١)، كما يأتي التنبيهُ عليه، فيُراد منها لازمُها القريبُ، وهو إرادتُه، تأمَّل.
(بسم الله .. إلخ) فإنْ قيل: جَزْمُه بالبسملةِ مِن أينَ له؟ يَحتملُ أنَّ المصنِّفَ لم يَقُل ذلكَ، وأنَّه مِن زيادة الكَتَبة؟
أُجيب: بأنه إنَّما جزَم بذلك؛ إمَّا أنَّه رأى نسخةً بخطِّ المصنِّف فيها البسملةُ، أو بَلَغه بالتواترِ، أو أنَّه راعى الأكْملَ فجزَم بذلك، والصحيحُ الأوَّلُ أنَّه رأى نسخةً بخطِّ المصنِّف فيها البسملةُ، وهي عندي الآن، ثم إنَّ صنيعَه هنا مِن عدمِ الفَصْل بين أجزاء البسملةِ أَولى مِن صنيعِ غيرِه؛ لأنَّ "الرحمن الرحيم" صفتانِ للفظِ اسمِ اللهِ، والموصوفُ مع صفتِه كالشيءِ الواحدِ، وهو لا يَحسُن الفصلُ بين أجزائِه.
وحاصل ما ذكَره الشارحُ مِن الكلامِ على البسملةِ أوجهٌ:
الأوَّل: في الباء، وفيه بحثان:
_________________
(١) الرحمة صفة ثابتة لله، تليق بجلاله سبحانه، ولا تشابه صفات المخلوقين، كبقبة صفات الباري جلَّ وعلا.
[ ١ / ٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأوَّل: في متعلَّقها. الواجبِ لها؛ لأنَّ كلَّ جارٍّ ومجرورٍ ليس زائدًا ولا شبيهًا بالزَّائد لا بُدَّ له مِن متعلَّقٍ يتعلَّق به، وهذا العامل المتعلَّق تارةً يكون اسمًا أو فعلًا، وكلٌّ منهما يكون مقدَّمًا أو مؤخَّرًا، خاصًّا أو عامًّا، فالأقسامُ ثمانيةٌ، مِن ضَرْبِ اثنين في أربعةٍ، وبيَّن الشارحُ ما هو الجائزُ والأَولى مِن ذلك.
الثاني: في معناها هَل هِيَ للمصاحبَة، وهي في اللغةِ: التصاقُ جسمٍ لجسمٍ على وجهِ التَّضَامِّ، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، فكيف قال الشارحُ: "الباءُ للمصاحبَة"؟ أجاب الشارحُ بأنَّ المرادَ على وجهِ التبرُّك.
وحاصلُه أنَّ المرادَ بها التبرُّكُ لا بالذات حقيقتِها؛ لأنَّ مصاحبَةَ الذاتِ مستحيلٌ، والمعنى: أؤلِّف مصاحَبًا باسم اللهِ، متبرِّكًا بمدلولِه، أو المرادُ المصاحبةُ في النفوسِ؛ لأنَّ لفظَ الجلالةِ ينضمُّ ويلتصقُ بأوَّل الفعلِ، أو للاستعانة، واستظهر ابنُ عبدِ الحقِّ (^١) الأوَّلَ؛ لسلامتِه مِن الإخلالِ بالأدب المُشعِر به، مِن جَعْلِ اسمِ اللهِ آلةً لغيرهِ لا لذاتِه.
الوجه الثاني: اشتقاق الاسم.
الوجه الثالث: في لفظ الجلالة، وفيه أربعةُ مباحث: الأوَّل في عَلَميَّتِه. الثاني: هل هو عربيٌّ أو مُعَرَّب، واقتصر الشارحُ على الأوَّل؛ لأنَّه الأصلُ، ولذهابِ أكثرِ العلماءِ إليهِ، قال البُلْقيني: والقولُ بأنَّه أعجميٌّ لا يُلتَفت إليه، ولا دليلَ عليه؛ إذ لا يُصار إلى إثباتِ العجميَّة بلا دليلٍ.
الثالث: في اشتقاقِه.
الرابع: في أنَّه هل هو الاسمُ الأعظمُ أو غيرُه، ولم يصرِّح الشارحُ بذلك الخلافِ؛
_________________
(١) لعله: أبو المحاسن، عبد الله بن عبد الحق، نحوي، له: "شرح ملحة الإعراب للحريرى". (كان حيًا سنة ٧٣٥ هـ). "كشف الظنون" لحاجي خليفة ٢/ ١٨١٧، و"معجم المؤلفين" ٢/ ٢٤٩.
[ ١ / ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاختيارِه الأوَّلَ، إذ هو اختيارُ أكثرِ العلماءِ، قال الفَخْرُ الرازيُّ (^١): وهو الأقربُ عندي؛ لأعظميَّة (^٢) مدلولِه الذي هو الذاتُ الأَقْدس.
الوجه الرابع: في الرَّحمن الرحيم، وفيه بحثان: الأوَّل: نوعًا واشتقاقًا. الثاني: في حِكمة تقديمِ الرَّحمنِ على الرحيمِ، ثم إنَّ الشارحَ قد تكفَّل بشرح ذلك.
"تنبيه": إنْ قلتَ: لِمَ قدَّم البسملةَ على الحمدلةِ؟ ولمَ قال: بسمِ اللهِ، ولم يَقُل: باللهِ؟ ولمَ قدَّم لفظَ اللهِ على الرحمنِ؟ ولمَ قدَّم الرحمنَ على الرحيمِ؟ ولمَ حذَف الألِفَ مِن الرحمنِ؟ ولم يحذف الياءَ مِن الرحيمِ؟
الجواب عن ذلك: قُدِّمت البسملةُ على الحمدلةِ؛ اقتداءً بالكتاب العزيزِ والأحاديثِ المشهورَةِ (^٣). وقال: بسم الله، ولم يقل: بالله، تجوُّزًا مِن إيهامِ القسمِ.
وقدَّم اللهَ على الرحمنِ؛ لأنَّه اسمُ ذاتٍ؛ والرحمنُ اسمُ صفةٍ، واسمُ الذاتِ مقدَّمٌ على اسمِ الصفاتِ.
وقدَّم الرحمنَ على الرحيمِ؛ لأنَّ الرحمنَ خاصٌّ، والرحيمَ عامٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ.
_________________
(١) هو: فخر الدين، أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين، القرشي، الأصولي، المفسر، المتكلم، صاحب المصنفات المشهورة، منها: "التفسير الكبير"، و"المحصول"، و"لوامع البينات في تفسير الأسماء والصفات" ذكره في "تفسيره" ١٥/ ٦٦. (ت ٦٠٦ هـ). "سير أعلام النبلاء" ٢١/ ٥٠٠، و"طبقات المفسرين" للداودي ٢/ ٢١٣ - ٢١٤. ولم نقف على كللامه في "تفسيره" ولعله في كتابه: "لوامع البينات في تفسير الأسماء والصفات".
(٢) في الأصل: "لأعظميته".
(٣) منها قوله ﷺ: "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهر أبتر". أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١٢٣٢) عن أبي هريرة ﵁، وضعَّفه ابن حجر في "نتائج الأفكار" ٣/ ٢٨١. وسيأتي ص ٣٩ - ٤٠.
[ ١ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: أبْتَدئُ تأليفي، أو أُؤلِّف
وحُذفت الألِفُ مِن الرحمنِ، ولم تُحذف الياءُ من الرحيمِ؛ لئلَّا يَشتبِه الرحيمُ بالرَّحِمِ، أي: رَحِمِ المرأةِ، أو القرابةِ.
(أي: ابتدئ) أشارَ به إلى أنَّ استعمالَ المتعلق عامًّا جائزٌ، وإنْ كان الأَولى كونه خاصًّا، كما ذكَره الشارحُ، وألَّا يُفهم من عدمِ التصريحِ به عدمُ جوازِه، وأنَّهم أطبقوا على ذلك.
(أو أُؤلِّف) هذا هو الأَولى لتقديرِه فعلًا خاصًّا مقدَّمًا؛ لأنَّ بعضَهم اقتصَر على مادةِ التأليفِ دون الابتداءِ؛ لأنَّه نصٌّ بالمرادِ، وهو حاصلُ ما قاله المحقِّقون باختصارٍ، ومِن عباراتِهم: تقريرُ خصوصياتِ الأفعال أيسرُ بالمقامِ وأوْفى بتأديةِ المَرام، فإنَّك إذا قدَّرت: أولِّف، مثلًا، دلَّ ذلك على تلبُّس التأليف كلِّه بالتسميةِ على وجهِ الملابسة التبركيَّة أو الاستعانة، كما أَشار إلى ذلك الشارحُ، وإذا قدَّرتَ: أَبتدئُ، مثلًا، أفادَ تلبُّسَ ابتداءِ التأليفِ بها خاصَّةً، ومن قدَّم مادةَ الابتداءِ الشارحِ، نظَر الى أرجحيَّته، وعليها طائفةٌ كشيخِ الإسلامِ (^١)، واحتجُّوا بأنَّ الابتداءَ أعمُّ مِن خصوصياتِ تلك الأفعالِ، فكان الفعلُ منه أحقَّ بالتقديرِ والتقديمِ، كما في تقديرِ النُّحاة متعلَّق الظروف المستقرّة عامًّا كالمحصولِ والكونِ، وبموافقةِ الحديثِ في المادة، أَي: قوله فيه: "لا يُبدأ فيه ببِسْمِ الله" (^٢)، وبغيرِ
_________________
(١) لعله -والله أعلم-: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري الأزهري الشافعي، والذي سلفت ترجمته ص ٢٢.
(٢) سلف تخريجه ص ٢٥.
[ ١ / ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
متلبِّسًا ومصاحبًا، أو مستعينًا ومتبرِّكًا باسمِ اللهِ، فالباءُ للمصاحبةِ، أو الاستعانة متعلِّقة بمحذوفٍ، وتقديره فعلًا خاصًّا
ذلك مما هو مبسوطٌ في محلِّه، هذا والأوجَهُ والأرجح ما تقدَّم من تقديرِ الخاصِّ؛ لأنَّه أكثرُ فائدةً، وهذا هو مرادُ الشارحِ بذكْرهما؛ بدليلِ ما يأتي.
(متلبِّسًا) إشارة إلى أنَّ الباءَ للمُلابَسة على وجهِ التَبرُّك، وإلى أنَّ التسميةَ قَيْدٌ للتأليفِ، حالٌ مِن فاعِله، وكذا "الحمد لله" فكأنَّه قال: أُؤلِّف حالَ كوني متلبِّسًا ومتبرِّكًا ببسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، قائلًا: الحمدُ للهِ.
ثم إنَّ التبرُّكَ مِن عَرضيات الملابَسة، كالضاحكِ للإنسان، وأخصُّ منها؛ لأنَّها تكون على جهةِ التبرُّك وعلى غيرِها، وليس من جزئياتِها، كما تُوهِم، والملابَسة هي ما يعنيه النُّحاةُ بالمصاحبَة، وبقولِهم: الباء تكون بمعنى "مع" ومِن ثمَّ لَمْ يَقُل: فالباءُ للملابَسة، فعَطْفُ "أو" مصاحبًا على "متلبِّسًا" تفسيريٌّ، والأوَّل أَولى؛ لإساءة الأدبِ في جَعْل اسمِه آلةً.
(فالباءُ … إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "متلبِّسًا … إلخ".
(وتقديره فعلًا خاصًا … إلخ) أمَّا أَولويَّة كونه فِعْلًا؛ فلأنَّ الجارَّ والمجرورَ معمولٌ، والأصلُ في العاملِ أن يكون فِعلًا.
وكونه خاصًا؛ لأنَّه أيسرُ بالمقامِ وأوْفَى لتأديةِ المرَام، ولأنَّه يدلُّ على التبرك في جميعِ ذلك الشيءِ ولأنَّ كلَّ شارعٍ في فنٍّ يُضمِر ما كانت التسميةُ مبدأً له، بخلاف العامِّ فإنَّه لا يَدلُّ على ذلك إلَّا في ابتدائِه.
[ ١ / ٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مؤخَّرًا أوْلى (^١).
و"الاسمُ" مشتقٌّ من السموِّ
وكونه (مؤخَّرًا) ليفيدَ التعظيمَ والاختصاصَ والاهتمامَ، وإنَّ إفادةَ التأخيرِ الاختصاص بالفحوى وحكم الذوقِ، ومعنى الاختصاصِ جَعْلُ الفعلِ المبدوءِ بالبسملةِ كالتأليفِ مقصورًا على التبُّرك باسمِه تعالى لا يتجاوزُه الى غيره مِن الأسماءِ، وهو قَصْرُ إفرادٍ (^٢)، فإنَّ المشركين كانوا يبتدؤون في أفعالِهم بأسماءِ آلهتِهم، فيقولون: باسم اللَّاتِ، باسمِ العُزَّى، فوجَب على الموحِّد أن يقصِدَ بعبادتِه قَطْعَ شِرْكةِ الأصنامِ؛ كَيْلا يُتوهَّم تجويزُ الابتداءِ بأسمائِها، فيكون قصرَ إفرادٍ، كما في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥].
(والاسم مشتقٌّ مِن السُّمُوِّ) بدليل سَمَوتُ كعَلَوْت وزنًا ومعنًى، وبشهادةِ تصريفِه، وهو مِن العلوِّ، فأصله سَمَوَ، حُذفت لامُه تخفيفًا، وهو الواو، وعُوِّض عنها همزةُ الوصلِ. أو من السِّمَةِ، وهي العَلامةُ، وأصله وَسْمٌ، قُلبت الواوُ همزة، كإرث ثم وُصلت؛ لكثرةِ الاستعمالِ، فهو مِن الأسماء المحذوفةِ الأَعجاز -أي: الأَواخر- اعتباطًا، أي: لغيرِ علَّة تصريفيَّة، كيدٍ ودمٍ؛ لكثرةِ الاستعمالِ بُنيَت أوائلُها على السكون، وأُدخل عليها همزةُ الوصلِ؛ لتعذُّر الابتداءِ بالساكنِ ثَمَّ.
ثُمَّ إنَّ قول الشارحِ: "مشتقٌّ" هذا الاشتقاقُ الصغيرُ: وهو ردُّ لفظٍ إلى آخرَ ولو مجازًا؛ لمناسبةٍ بينهما في المعنى والحروفِ الأَصليَّة، بأَنْ تكون فيهما على ترتيبٍ واحدٍ، وهو
_________________
(١) تقديره: "بسم الله أؤلف أو أقرأ" وهذا قول الزمخشري. ينظر "الكشاف" ١/ ٢٦، و"مغني اللبيب" ص ٤٩٥.
(٢) القصر: لغةً: الحبس. واصطلاحًا: تخصيص شيء بشئ بطريق مخصوص، والشيء الأول: هو المقصور، والشيء الثاني: هو المقصور عليه. وقصرُ الإفراد: إذا اعتقد المخاطبُ الشركة نحو: إنما الله إله واحدٌ، ردًّا على مَن اعتقد أنَّ الله ثالثُ ثلاثة. "جواهر البلاغة" للهاشمي ص ١٧٩ و١٨٦.
[ ١ / ٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المرادُ عند الإطلاقِ، كما في الناطقِ مِن النُّطْق بمعنى التكَلُّم حقيقةً، وبمعنى الدلالة مجازًا، كما في قولك: الحالُ ناطقةٌ بكذا.
أمَّا الكبيرُ فليس فيه ترتيبٌ، كما في الـ: جبذ وجَذَب.
والأكبرُ ليس فيه جميعُ الأصولِ، كما في الـ: ثلم وثَلَب، "محلي على جمع الجوامع" (^١). قال الشبيخُ خالد (^٢) في "شرحه": فخرج بقوله: "لمناسبةٍ بينهما في المعنى" نحوُ الحلم والملح واللحم، فإنها متناسبةٌ في الحروفِ الأصليَّة لا في المعنى، فليس بعضُها مشتقًّا من بعضٍ. وخرج بقوله: "في الحروف" الألفاظُ المترادفةُ كبَشَر وإنسان، فإنَّ أحدَ اللفظين وإنْ وافقَ الآخرَ في المعنى، لم يوافِقْه في الحروفِ. وخرج بالأصليَّة، الحروفُ الزائدةُ فلا يحتاج للمناسبةِ فيها؛ لعدم الاعتدادِ بها في الاشتقاقِ. وهذا الاشتقاقُ عند البصريينَ، والثاني عند الكوفيينَ، واقتصر الشارحُ على الأوَّل دون الثاني؛ لأنَّه مبنيٌّ على قول المعتزِلة مِن أنَّ المولى جلَّ وعلا كان في الأزَل بلا أسماءٍ ولا صفاتٍ، فلما خَلَق الخَلْقَ وضَعوا له الأسماءَ، كما نقله القرطبيُّ (^٣). قال العلَّامة السَّمِينُ (^٤): وهذا القول أشدُّ
_________________
(١) مع "حاشية البناني" ١/ ٢٨٠ - ٢٨٢.
(٢) هو: زين الدين، خالد بن عبد الله بن أبي بكر، الأزهري، الشافعي، النحوي، ويعرف بالوقاد، له مصنفات منها: "المقدمة الأزهرية في علم العربية"، و"موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب"، و"التصريح بمضمون التوضيح". (ت ٩٠٥ هـ). "الضوء اللامع" ٣/ ١٧١، و"الأعلام" ٢/ ٢٩٧.
(٣) في "تفسيره" ١/ ١٥٦.
(٤) هو: شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم، ويعرف بالسمين الحلبي، مفسِّر، عالم بالعربية والقراآت، من كتبه: "تفسير القرآن"، و"الدر المصون" في إعراب القرآن، و"أحكام القرآن". (ت ٧٥٦ هـ). "طبقات المفسرين" للداودي ١/ ١٠٠، و"الأعلام" ١/ ٢٧٤. وكلامه في "الدر المصون" ١/ ٢٠.
[ ١ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو العلوُّ.
و"الله" علَمٌ
خطأً مِن القولِ بخَلْق القرآن.
(وهو العلوُّ) أي: لأنه يدلُّ على مسمَّاه فيُعليه ويُظهِره بعد خفائِه، أو لعلوِّه على قَسِيْمَيْه (^١)، أو لكونِه يُسنَد ولا يُسنَد إليه، أو لإمكانِ انعقادِ الكلامِ مِن نوعِه وَحْدَه.
ومعناه لغةً: العَلَامةُ. وعُرفًا: ما انتقلَ بالمفهوميَّة مجرَّدًا عن الزمانِ المعيَّن وَضْعًا. والله أعلم.
(و"الله، عَلَمٌ" أي: بالغلبةِ التقديريَّة لا التحقيقيَّة، والفرقُ بينهما؛ أنَّ الأولى استعمالُ اللفظِ في مفهومٍ كلِّيٍّ منحصرٍ في فردِ مع إمكانِ غيرِه، كالشمسِ من أنه كوكب نهاريٌّ ينسخ وجودُه وجودَ الليل، وليس المراد بالشمس هذا الكوكبَ الموجودَ، ولكن يُقدَّر استعمالُه في غيرِه ليصحَّ إطلاقُ الغَلبَة عليه، ولهذا سمِّيت تقديريَّةً، وهي في هذا الاسمِ كذلك، فإنَّه لم يَرِدْ إطلاقُه على فردٍ آخرَ، وأمَّا الثانية فهي استعمالُ اللفظِ في أفرادٍ كثيرةٍ لكن يغلبُ على فردٍ مِن تلك الأفرادِ، كالإِلَهِ فإنَّه في الأصلِ لكلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطل، ثم غلَبَ استعمالُه على المعبودِ بحقٍّ، وسمِّيت تحقيقيَّةً؛ لتحقُّق استعمالِه في تلك الأفرادِ، ونظيرُه النَّجْمُ، فهو في الأصلِ يُطلَق على كلِّ نجمٍ، ثم غلبَ على الثريا، قال حفيدُ السَّعْدِ (^٢): وليس هذا تعريفًا، إذ لو كان كذلك لَورَد عليه أنَّه غيرُ مانعٍ؛ لأنَّه يَدخل فيه حينئذٍ غيرُ لفظِ اللهِ مِن مرادفاتِه الفارسيَّةِ وغيرِها، إذ يَصدُق عليها أنَّها اسمٌ لما ذُكرَ؛ لأنَّ مِن شرطِ التعريفِ أن يكون جامعًا
_________________
(١) أي: الحرف والفعل. ينظر "تفسير القرطبي" ١/ ١٥٦.
(٢) هو: يحيى بن محمد بن مسعود، التفتازاني، الهروي، الشهير بالحفيد، مفسِّر، من آثاره: "حاشية على أوائل حاشية الكشاف لجده". (ت ٨٨٧ هـ). "هدية العارفين" للبغدادي ٢/ ٥٢٩، و"معجم المؤلفين" ٤/ ١١٥.
[ ١ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للذَّاتِ
مانعًا، إلا أن يُقال: إنَّه لبيانِ الموضوعِ، فلا انتقاضَ حينئذٍ بما ذُكر، وذكرُ الوصفين للإشارةِ إلى استجماعِ الذاتِ لجميعِ صفاتِ الكمالِ، وليسا داخلَين في الموضوعِ له، أمَّا الأول؛ فلكونِه أكملَ الصفاتِ وأشهرَها اختصاصًا بجنابِه تعالى، وأما الثاني؛ فلبيانِ سَببِ حصرِ الجنسِ المستفادِ مِن "الحمد لله".
"تنبيه": دلالةُ لفظِ اللهِ على الذاتِ العَليَّة مطابقيَّة لا تضمُّنٌ ولا التزامٌ، ويَرِدُ عليه أنَّ الدلالةَ المطابقيَّةَ تستلزمُ التصوُّر، وتصورُ ذاتِه مستحيلٌ، فلا تكون دلالتُه عليه مطابقيَّةً، وحيئنذٍ فتخرجُ عن الدلالاتِ الثلاثِ؟.
ويجابُ عنه: بأنَّ المرادَ بالتصوُّر هنا مجرَّدُ الشعورِ بوجودِ الذاتِ العليَّة المدلولِ عليها بهذا اللفظِ، لا حصولُها وانتقاشُها وانطباعُها وارتسامُها في الذهنِ، فالمطابقةُ تستلزمُ التصوُّرَ الأعمَّ مِن الحقيقيِّ والمجاز؛ إذ معنى التصوُّر حقيقةً: حصولُ صورةٍ في الذهن. ومجازًا: الشعور بوجود الشيء. فإطلاقُ التصوُّر على الشعورِ مجازٌ مرسَل، علاقتُه المجاوزة؛ لأنَّ الشعورَ وصولُ النفسِ إلى بعضِ المعنى، والتصورَ وصولٌ إلى المعنى بتمامه، والوصولان يتجاوزان، فافهمه. وفيه أنَّ الدلالةَ هي كونُ أمرٍ بحيث يُفهَم منه أمرٌ وإنْ لم يُفهَم بالفعل، فالدلالةُ لا تستلزمُ التصوُّرَ (^١).
(للذات) اللامُ بمعنى "على"، أي: على الذاتِ أي: عَلَمٌ على الفردِ الخالقِ للعالَم بقَطْع النظرِ عن الصفات، وإلَّا لَما أفادَ التوحيدَ؛ لأنَّ الصفاتِ كليَّةٌ، وهذا في أصل الوضْعِ، ثم صارَ دالًّا في الاستعمالِ على الصفات؛ نظرًا للوجودِ لا بالوضْع، وتاؤها ليست للتأنيثِ بل للوحدةِ، ولهذا وُصفتْ بالواجبِ الوجود على اللفظِ المذكور، والمراد بها الهويَّة الخارجيَّة لا الحقيقيَّةُ، ولا ما قابَل الصفةَ.
فإن قلتَ: ذاتُه تعالى لا تُدرَك بالعَقْل فكيفَ وُضِعَ لها العَلَمُ؟
_________________
(١) ينظر "مجموع الفتاوى" ١٣/ ٣٨٣.
[ ١ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواجبِ الوجود لذاتهِ، المستحِقِّ لجميعِ الكمالاتِ. وهو
أجيب: بأنَّه يكفي إدراكُها بتعقُّل صفاتِها، هذا إن قلنا: إنَّ الواضعَ غيرُ اللهِ تعالى، أمَّا إن قُلنا: إنَّ الواضعَ هو اللهُ تعالى -وهو الراجحُ- فلا إشكالَ.
(الواجب الوجود) أي: وجودُه واجبٌ، أي: واجبٌ عقلًا، أي: إنَّ العقلَ لا يُصوِّر عدَمَه، بل لا يُمكن إلا أنْ يُصوِّر وجودَه وجودًا لا أوَّلَ له ولا انقطاعَ، أي: يَحكم بأنَّه موجودٌ أزَلًا وأَبَدًا، ويَحكُم أنَّ وجودَه لا يفتقرُ إلى غيرِه، فلا يحتاجُ في وجودِه ولا إيجادِة إلى غيرِه. وقال بعضُهم: معنى واجبِ الوجودِ: هو الذي يكون وجودُه مِن ذاتِه، لكنْ ليس المرادُ أنَّه كان معدومًا وأوْجَدَتْه ذاتُه، بل المرادُ أنَّه موجودٌ بوجودٍ هو يَعْلمُ به، ليس مسبوقًا بالعَدمِ، وليس وجودُه ناشئًا عن شيءٍ، راجِع ما ذكره النُّور الشَّبْرامَلِّسِي (^١) في "حواشي الرَّمْلِي" عَبَّر فقال: واجبُ الوجودِ وهو الذي وجودُه مِن ذاتِه، لكن بالتأويلِ المتقدِّم. وبعضُهم عبَّر فقال: واجبُ الوجودِ هو الذي وجودُه ليس مِن غيره. تأمَّل شيخنا سجيني (^٢).
(لذاتِه) متعلِّق بـ "الواجِب" إشارةً إلى أنَّ وجوبَ وجودِه بالذاتِ لا بالغيرِ، فخرجَ واجبُ العَدَم لذاتِه، كشريكِ الباري وغيرِهما، ومُمْكِنُ الوجودِ والعَدَمِ، كالخلائقِ.
(وهو) أي: لفظُ "اللهِ" أعظمُ أسمائِه تعالى؛ لأنَّه مركزُها الذي عليه دورانُها، ومن ثَمَّ
_________________
(١) هو: نور الدين، أبو الضياء، علي بن علي، الشَّبْرَامَلِّسِي، القاهري، فقيه، أصولي، مؤرخ، من تصانيفه: "حاشية على نهاية المحتاج" في فروع الفقه الشافعي، و"حاشية على شرح ابن قاسم للورقات". (ت ١٠٨٧ هـ). "خلاصة الأثر" ٣/ ١٧٤، و"معجم المؤلفين" ٢/ ٤٧٨. وكلامه في "حاشيته على نهاية المحتاج" ١/ ١٧.
(٢) لعله: الشهاب، أحمد بن عبيد الله بن محمد، السجيني، الشافعي، الفرضي، اشتغل في الفقه على الشرف السبكي والجلال المحلي، عرت بالبراعة في الفرائض والحساب والتقدم في العمليات والمساحة، له: "شرح المجموع للكلائي"، و"شرح الرحبية" في الفرائض. (ت ٨٨٥ هـ). "الضوء اللامع" ١/ ٣٧٦، و"معجم المؤلفين" ١/ ١٩١.
[ ١ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عربيٌّ مشتقٌّ عند سيبَويْه (^١)، واشتقاقُه من أَلِهَ- كعَلِمَ- إذا تحيَّر؛ لتحيُّر الخلقِ في كُنْهِ ذاته تعالى وتقَدَّس. وهو الاسمُ الأعظَمُ عند أكثرِ أهلِ العلمِ. وعدمُ الاستجابةِ لأكثرِ النَّاسِ معَ الدعاءِ به؛ لعدمِ بعضِ شروطِهِ التي مِن أهمِّها: الإخلاصُ، وأكلُ الحلالِ.
حكى سيبويه الإجماعَ على أنَّه أعرفُ المعارفِ، وقد رُئيَ في المنامِ، فقيل: ما فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فقال: فعلَ بي خيرًا، وغفرَ لي وأدخلني الجنةَ، بجَعْلي اسمَه تعالى أعرفَ المعارفِ (^٢). وذُكر في القرآنِ العظيمِ في ألفينِ وثلاثِ مئةٍ وستينَ موضعًا (^٣)، ومن ثَمَّ لم يُشارَك فيه سبحانه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
(عربيٌّ) عند الأكثرِ مِن العلماءِ، أي: سُمِعَ مِن العربِ غيرَ مغيَّر عن أصْلٍ.
مِن ألَه، مصدرُ الألَه، بفتح الهمزة واللام، بمعنى التحيُّر، وهو أَولى مِن ألِه؛ لأنَّ الصحيحَ أنَّ الاشتقاقَ مِن المصدرِ عند البصريينَ، ومن الفعل عند الكوفيين ضعيف، فهو أصلُه حُذفت همزتُه مع حركتِها؛ اعتباطًا، وعُوِّض عنها حرفُ التعريفِ الذي هو "ألْ" فصار "ألْ لَاه"، ثُمَّ أُدغمت اللامُ في اللامِ، وفُخِّم، فصار: الله، فـ "ألْ" في الجلالةِ للتعريفِ بحسَب الأصل.
_________________
(١) "الكتاب" ٢/ ١٩٥، وسيبويه هو: أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، مولى بني الحارث بن كعب بن عمرو، أخذ عن الخليل، ولد بقرية من قرى شيراز يقال لها: البيضاء، من عَمل فارس، كان أعلم الناس باللغة. له: "كتاب سيبويه". وسيبويه اسم فارسي، فـ: السي: ثلاثون، وبويه: رائحة، فكأنه في المعنى: ثلاثون رائحة. (ت ١٨٠ هـ). "طبقات النحويين واللغويين" لليزيدي ص ٦٦ - ٧٢، و"الأعلام" ٥/ ٨١. وينظر "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" للرملي ١/ ٢١، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص ٢٦.
(٢) "حاشية عبد الحميد الشرواني على المنهاج للنووي" ١/ ٨، وعدد الآيات التي ذكر فيها لفظ الجلالة ألف وخمس مئة وسبع وستون آية.
(٣) "نهاية المحتاج الى شرح المنهاج" ١/ ٢٠.
[ ١ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و"الرحمنِ" صفةٌ في الأصل بمعنى كثيرِ الرَّحمةِ جدًّا، ثم غلبَ على البالغِ في الرَّحمة غايتَها؛ وهو اللهُ تعالى.
و"الرَّحيمِ" ذو الرَّحمةِ الكثيرةِ؛ فالرَّحمنُ أبلغُ منه، وأُتِيَ به؛ إشارةً إلى أنَّ [ما دَلَّ عليهِ] (^١) مِن دقائقِ الرَّحمةِ -وإنْ ذُكرَ بعدَ ما دلَّ على جلائلها الذي هو المقصود الأعظم (^٢) - مقصودٌ أيضًا؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّه غيرُ ملتَفَتٍ إليه.
وكِلاهُما مشتقٌّ من رَحمَ، بجعله لازمًا بنقلهِ إلى بابِ فعُل -بضم العين- أو بتنزيلهِ منزلةَ اللَّازمِ؛ إذ هما صفتان مشبَّهتان، وهي لا تُشتقُّ مِن متعدٍّ.
(ما دلَّ على جلائِلها) أي: الرحمة كمًّا وكَيفًا.
(من رَحِم) فإن قلتَ: الراجح في الاشتقاقِ أنَّ الفعلَ والصفةَ مشتقَّانِ من المصدرِ، فكيف وكلاهُما مشتقٌّ مِن "رَحِمَ"؟
أُجيب: بأنَّ المرادَ من مادةِ: رَحِمَ، أي: مصدره، دون نفسِه، وهو الرحمةُ، بكسر الحاءِ في الماضي، كغضبانَ مِن مصدرِ غَضِب الذي هو الغضب، صفةٌ مشبَّهةٌ، غايةُ الأمرِ أنَّه اختارَ صيغةَ الماضي على المصدرِ لحكمةِ التنبيه على الحروفِ المعتبَرة في الاشتقاقِ، إذ بعضُ المصادرِ كالخروج والقَبولِ قد تشتمل على حروفٍ لا تُعتبَر فيه، والحاصلُ أنَّ الصفةَ المشبَّهة إنما تُصاغ مِن المصدر أو الفعلِ اللازمِ، و"رحم" ليس واحدًا منها.
(أو بتنزِيله منزلةَ اللازمِ … إلخ) جوابٌ ثانٍ عن سؤال: إِنَّ الصفة المشبَّهة لا تُشتَقُّ إلا مِن لازمٍ، فكيف اشتُقَّتْ مِن متعدٍّ، أعني: رحم، وبذلك يُشعِر كلامُ جَمْعٍ؟ إذ هما صفتانِ مشبَّهتان، لم يقُل: بُنيتا للمبالغةِ، كما فعلَ غيرُه كالقاضي البيضاوي (^٣)
_________________
(١) فى (ح): "معنى".
(٢) بعدها فى (ح): "وهو".
(٣) هو: ناصر الدين، أبو الخير، عبد الله بن عمر بن محمد، البيضاوي، الشافعي، إمام مفسِّر، عارف =
[ ١ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورحمتُه تعالى: صفةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاتهِ تعالى تقتضي (^١) التفضيلَ والإنعامَ. وتفسيرُها برقَّةٍ في القلبِ تقتضي الإنعامَ -كما في "الكشاف" (^٢) - إنما يليق برحمةِ المخلوقِ.
ونظيرُ ذلك العلم؛ فإنَّ حقيقتَهُ القائمةَ باللهِ تعالى ليست مثلَ الحقيقةِ القائمةِ
وغيرِه؛ فرارًا مِن المحذورِ الذي ذكره الدَّماميني (^٣) عن بعضِ المتأخرينَ، بقوله: إنَّ صيغَ المبالغةِ في صفاتِ اللهِ، كغفور وغفَّار، مِن المجاز، وعلَّل ذلك بأنَّ المبالغةَ أَنْ تُثبِت للشيءِ أكثرَ ممَّا يَستحقُّه، وبأنَّ المبالغةَ إنَّما تكونُ في صفاتٍ تقبَل الزيادةَ والنقصَ، وصفاتُ اللهِ منزَّهةٌ عن ذلك، وادَّعى أنَّها فائدةٌ حسنةٌ، ويشبه أن تكون غَلَطًا مِن اشتباه المبالغةِ عند أهلِ البيانِ بالمبالغةِ النَّحْويةِ التي هي الكثرةُ عندهم، المذكورة في صيغِ المبالغةِ، أو يقال: المبالغةُ باعتبارِ متعلَّق الصفةِ. ياسين (^٤) وزيادة.
(وتفسيرُها برقَّةٍ في القلب … إلخ) هذا معناها لغةً، إنَّما يَليقُ هذا التفسيرُ برحمةِ المخلوقِ لا بالرحمةِ من حيث هي، ولا بالرحمةِ المقيَّدة بالخالِق، كما أنَّ العِلْم في حقِّ
_________________
(١) = بالفقه والأصلين والعربية والمنطق، صاحب مصنفات كثيرة، منها: "مختصر الكشاف"، و"المنهاج في الأصول"، و" شرح المطالع" في المنطق. (ت ٦٨٥ هـ). "طبقات المفسرين" للداودي ١/ ٢٤٢، و"معجم المؤلفين" ٢/ ٢٦٦. وكلامه في تفسيره " أنوار التنزيل وأسرار التأويل" ١/ ١٩.
(٢) في (ز) "تقضي".
(٣) للزمخشري ١/ ٤٤ - ٤٥.
(٤) هو: بدر الدين، محمد بن أبي بكر بن عمر، الإسكندراني، المالكي، المعروف بابن الدَّماميني، أديب، نائر، ناظم، نحوي، عروضي، فقيه، من تصانيفه: "تحفة الغريب في حاشية مغني اللبيب"، و"شرح البخاري"، و"شرح التسهيل". (ت ٨٣٧ هـ). "بغية الوعاة" للسيوطي ١/ ٦٦، و"معجم المؤلفين" ٣/ ١٧٠.
(٥) لعله: ياسين بن زين الدين بن أبي بكر العليمي، شيخ عصره في علوم العربية، له حواشٍ كثيرة، منها: "حاشية على ألفية ابن مالك"، و"حاشية على شرح التلخيص المختصر للسعد التفتازاني" وغيرها. (ت ١٠٦١ هـ). "خلاصة الأثر" ٤/ ٤٩١، "الأعلام" ٨/ ١٣٠.
[ ١ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالمخلوقِ، بل (^١) نفس الإرادةِ التي يردُّ بعضُهم الرَّحمةَ إليها، هي في حقِّه تعالى مخالفةٌ لإرادة المخلوقِ؛ إذ هي ميْلُ قلبهِ إلى الفعلِ، وإرادتهُ تعالى بخلافِ ذلك. وكذا ردُّ الزمخشري لها في حقه تعالى إلى الفعلِ بمعنى الإنعامِ مع أن فعل العبدِ الاختياري إنما يكونُ لجلْبِ نفعٍ للفاعلِ، أو دفعِ ضررٍ عنه، وفعلُه تعالى يخالف (^٢) ذلك، فما فرُّوا إليه فيه من المحذورِ نظيرُ ما فرُّوا منه، وبهذا يظهرُ أنَّه لا حاجةَ إلى دعوى المجازِ في رحمتِه تعالى، الذي هو خلافُ الأصلِ المقتضي لصحةِ نفيها عنه، وضَعفِ (^٣) المقصودِ منها فيه كما هو شأن المجاز؛ إذ يصحُّ أن تقولَ لمن قال: زيد أسد: ليس بأسد، وليست جرأته كجرأته.
والحاصل: أن الصفة تارةً تعتبر من حيث هي هي، وتارةً من حيثُ قيامُها به تعالى، وتارةً من حيثُ قيامُها بغيرهِ تعالى، وليست الاعتباراتُ الثلاثةُ متماثلةً؛ إذ ليس كمثلهِ تعالى شيءٌ، لا في ذاتهِ، ولا في شيء من صفاتهِ، ولا في شيء من
المخلوقِ عَرَضٌ ينكشف به بعضُ المعلوماتِ، بخلافِ العِلْم المطلَق، فإنَّه صفةٌ ينكشِفُ بها الشيءُ على ما هو عليه في الواقعِ، وبخلاف العِلْم المقيَّد باللهِ تعالى، فإنَّه صفةٌ قديمةٌ وجوديَّةٌ متعلِّقَةٌ بجميعِ الواجباتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ، فهكذا الرحمةُ.
والحاصل أن المَخلَص مِن الإشكالاتِ الحاملةِ على التأويلِ أَنْ تَعلمَ أنَّ الصفةَ لها اعتباراتٌ ثلاثةٌ:
تارةَ تُؤخَذ من حيث هي لا بِقَيْد قيامِها بالخالق، أو المخلوقِ، وتارةً تُؤخَذ من حيث قيامُها بالخالقِ، وهي في الاعتباراتِ الثلاثةِ حقيقةٌ مع اختلافِ تلك الاعتباراتِ، وذلك كما
_________________
(١) بعدها في هامش (ح): "تفسير".
(٢) في (ح) و(ز) و(م) "بخلاف".
(٣) في الأصل: "ضعفه".
[ ١ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أفعالهِ، وهو السَّميعُ البصيرُ. فاحفظ هذه القاعدةَ فإنَّها مهمةٌ جدًّا، بل هي التي أغنَت السلفَ الصالحَ عن تأويلِ آياتِ الصفاتِ وأحادِيثها، وهي العاصمةُ لهم من أن يفْهَمُوا من الكتابِ والسنةِ مُستحيلًا على اللهِ تعالى من تجسيمٍ أو غيره. ثم بعد إثباتي لهذه القاعدةِ، رأيتُها منصوصةً في كلامِ السيدِ معينِ الدينِ الصَّفَوي (^١)، ثم رأيتُه قد سبَقَه إليها العلَّامة ابنُ القيِّم (^٢) ﵀.
في الوجودِ والحياةِ، والعِلْم والإرادة، وغيرِها، كذا تلخَّص من مذاكرةِ الشارحِ (^٣) لقراءتِه البسملةَ.
لا حاجةَ لدعوى المجازِ، الذي هو إطلاقُ اسمِ السببِ أو الملزومِ -وهو الميلُ النَّفساني- على المسيِّبِ أو اللازمِ- وهو فِعْلُ الإنعامِ- فهي صفةُ فِعْلٍ، ويجوز أنْ يكونَ مجازًا عن إرادةِ الإنعامِ، مِن إطلاقِ اسمِ المسيَّب أو الملزومِ -وهو إرادةُ الإنعامِ- على سببِه أو لازمِه، فيكون صفةَ ذاتٍ، ويجوز أنْ يكون من بابِ الاستعارةِ التمثيليَّة، بأن يُشبِّه حالَه تعالى بحالَةِ مَلِكٍ عطَف على رعيَّتِه ورَقَّ لهم، فعمَّهُم معروفُه، فأُطلِق عليه، وأُريد غايتُها التي هي فِعْلٌ أو إرادةُ فِعلٍ، كما مرَّ، لا مبدؤُهما الذي هو انفعالٌ، وصحَّ كونُ ذلك استعارةً تمثيليَّة، لكن وجه الشَّبَه منتَزَعٌ مِن متعدِّد، ولا تختصُّ التمثيليَّةُ بالمجازِ المركَّب، والأَوْلى ترْكُ هذه الاستعارةِ؛ لأنَّها قلَّة أدبٍ مع اللهِ؛ لأنَّ فيها تشبيهَ الكاملِ -وهو إعطاءُ اللهِ- بالناقصِ -وهو إعطاءُ العبد- وقد قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، أي: لا تُشبِّهوا اللهَ بخَلْقه، وفيها إثباتُ نِعَمٍ لغيرهِ مجعولةٍ أصلًا، مقابِلةً لنعمةٍ مجعولةٍ
_________________
(١) هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد، الإيجي الشافعي، له "جوامع التبيان" في التفسير، وشرح "الأربعين النووية". (ت ٩٠٥ هـ). "الضوء اللامع" للسخاوي ٨/ ٣٧، "الأعلام" للزركلي ٦/ ١٩٥.
(٢) "مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم" اختصرها محمد بن الموصلي، والكلام المذكور أعلاه فيه ٢/ ٣٤٤.
(٣) يعني: عثمان النجدي في "هداية الراغب" المذكورة أعلاه.
[ ١ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابتدأَ المصنِّف -رحمه الله تعالى- بالبسمَلَةِ؛
فرعًا؛ وقد قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، فالملِكُ ونِعَمُه ورعيَّتُه مِن اللهِ، هذا وقال الإمام السَّكُوني (^١) في كتابه المسمَّى بـ "التمييز فيما وقَع للزمخشريِّ مِن الاعتزالِ في تفسيرِ القرآنِ العزيزِ": قوله: إِنَّ وصْفَه تعالى بالرحمةِ مجازٌ (^٢)، اعتزالٌ وضلالٌ بإجماعِ الأمةِ؛ لأنَّ الأمةَ أجمعت على أنَّ الله تعالى رحيمٌ على الحقيقةِ، وأنَّ مَن نفى عنه حقيقةَ الرحمةِ، فهو كافرٌ، وإنَّما قال الزمخشريُّ (^٣) ذلك؛ لأنَّ الرحمةَ عند المعتزلةِ: رقَّة وتغيُّر؛ لأنَّهم يُنكِرون الإرادةَ القديمةَ، ويَصرفون رحمتَه تعالى إلى الأفعال، أو إلى إرادةٍ حادثة، تَعالى اللهُ عن قولِهم، قالوا بخَلْقها لا في محلٍّ. ياسين. وبهذا يُعلم ما قرَّره الشارح في هذا المحلِّ.
(وابتدأَ المصنِّفُ -رحمه الله تعالى- بالبسملةِ)، أي: بمسمَّى هذا اللفظِ، أو بما هو منحوتٌ (^٤) منه، فهو جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّر، تقديرُه: كيف يقول: وابتدأَ بالبسملةِ. مع أنَّه لم يَبتدئ بلفظ بسمَلةٍ، ولا بلفظِ حَمْدَلة، بل ابتدأَ ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم، والحمدُ لله؟. أُجيب: بأنَّ كلامَه على حذفِ مضافٍ، أي: بمسمَّى البسمَلةِ والحمدَلةِ، وهو ما ذكر،
_________________
(١) هو: أبو علي، عمر بن محمد بن حمد، المالكي، من أهل إشبيلية، مقرئ من فقهاء المالكية، مفسِّر، له تصانيف منها: "لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام"، و"الأربعين مسألة في أصول الدين على مذهب أهل السنَّة"، و"جزء في البدع". (ت ٧١٧ هـ). "إيضاح المكنون" للبغدادي ٢/ ٤٠١، و"نيل الابتهاج" للتنبكتي ص ١٩٥، و"الأعلام" ٥/ ٦٣.
(٢) "الكشاف" ١/ ٤٥.
(٣) هو: جار الله، أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي، النحوي، اللغوي، المعتزلي، المفسِّر، كان واسع العلم، متفننًا في كل علم، معتزليًا مجاهرًا، داعية إلى مذهبه، حنفيًا، علَّامة في الأدب والنحو، وله تصانيف عديدة منها: "الكشاف" في التفسير، و"الفائق" في غريب الحديث، و"أساس البلاغة". (ت ٥٣٨ هـ). "طبقات المفسرين" ٢/ ٣١٤، و"الأعلام" ٧/ ١٧٨.
(٤) في الأصل: "منحوتًا".
[ ١ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تأسِّيًا بالكتابِ، وعملًا بحديث: "كُلُّ أمرٍ
أو أنَّ المعنى في البَسمَلِة والحمدَلةِ منحوتان، أي: مأخُوذان منه، ثم إنَّ تقديرَ المضافِ والتأويل المذكوران ليس ضروريًا؛ لأنَّ كلَّ حكمٍ وَرَد على اسمٍ فهو واردٌ على مدلولِه إلا بقرينةٍ.
(تأسِّيًا بالكتابِ) أي: اقتداءً، علَّةٌ للبدَاءةِ مع ذِكْر فائدتِها، وهي حصولُ البركةِ في الشيء. وقوله: "بالكتاب" المفتَتَحِ بهما.
(وعملًا) أي: لأَجل العملِ بحديث … إلخ، لمَّا لم يكن في الكتابِ العزيزِ أمرٌ بالإتيانِ بهما، قال: "اقتداء"، ولمَّا كان ذلك في الحديثِ قال: "عملًا"؛ لأنَّ الاقتداءَ معناه الاتِّباعُ في الفِعْل استحسانًا له مِن غير أن يُؤمَر التابع به، وأمَّا العمل فإنَّه الاتِّباع مع الأَمْرِ، أو ما معناه الأمر، وما هنا من الثاني.
(بحديث: "كلّ أمرٍ") بإضافة حديثٍ إلى ما بعدَه إضافةً بيانيَّة، أو إضافةَ أعمَّ لأخصَّ، وبالتنوين على إبدالِ ما بعدَه، و"كلُّ" بالحكاية على كلِّ حالٍ، وهذا الحديثُ دليلٌ لِكُبْرى قياس يُستدل به على طلبِ الابتداء في هذا التأليفِ، ونحوه، بأنْ نقولَ: هذا التأليفُ أَمْرٌ ذو بالٍ، وكلُّ أمرٍ ذي بالِ يُطلَب فيه الابتداء بالبسملةِ، ينتُج مِن الضَّرْب الأوَّل مِن الشكلِ الأوَّل أنَّ هذا التأليفَ يُطلب فيه الابتداءُ بالبَسمَلةِ، ودليلُ الصغرى المشاهدَة؛ لأنَّ ما في هذا التأليفِ من المسائلِ مشاهدَة الاهتمام به.
واستشكل بعضهم ههنا ما حاصلُه أنَّ الحديث قضيَّةٌ كليَّةٌ تقتضي العمومَ في أفرادِها، ومِن جملةِ أفرادِها البسملةُ، فتحتاج إلى بسملةٍ أُخرى، فيلزم التسلسلُ؟ وأُجيب: بأنَّ البسملة تحصَّل البركةَ لنفسِها ولغيرِها، كالشاةِ مِن الأربعينَ تزكِّي نفسَها وغيرَها، وبأنَّ المرادَ: كلُّ أمرٍ ذي بالٍ ليس وسيلةً إلى غيرهِ، والبسملهُ وسيلهٌ إلي غيرها، ونُقض بالوضوء والتيمم، فإنَّه وسيلةٌ إلى الصلاة مثلًا، ويُطلب الابتداءُ في أوَّله بالبسملة؟.
[ ١ / ٣٩ ]
الحمد للهِ
ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه ببسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فهو أَبترُ" أي: ذاهبُ البركةِ، رواه الخطيبُ بهذا اللفظِ في كتابهِ "الجامع" (^١).
(الحمدُ لله) أي: الوصفُ بالجميل الاختياريِّ
وأُجيب: بأنَّ الوضوءَ له اعتباران، فهو مقصودٌ في نفسِه، ووسيلةٌ إلى غيرِه، فطُلِبَ الابتداءُ فيه بالبسملةِ من حيث إنه مقصودٌ في نفسِه على أنَّ الوضوءَ ليس وسيلةً لنحوِ الصلاةِ دائمًا. شيخنا محمد الخلوتي.
(ذي بال … إلخ) البَالُ يُطلَق ويُراد به الحالُ والشأنُ، يقال: أمْرٌ ذو بالٍ، أي: ذو شرفٍ وشأنٍ يُهتَمُّ به شرعًا، ويُطلَق ويُراد به القلبُ، فعليه إنْ حُمِل على معنى ذي قلبٍ، فوجْهُ الكلامِ أنَّ الأمرَ لكونِه شاغلًا قَلْبَ صاحبِه عن سائرِ الأمورِ، كأنَّه كان صاحبًا له ومالكًا إيَّاه. وإن حُمِلَ على معنى ذي خطرٍ وشرفٍ، فتوجيهُ الكلامِ أنَّه شبَّه الأمرَ بشخصٍ ذي قلبٍ، وذكرَ المشبَّه -وهو الأمرُ- وحَذف المشبَّه به- الذي هو الشخصُ- فالأمرُ أو الشخصُ أو التشبيهُ المضمَرُ استعارةٌ بالكنايةِ على الخلاف، ولازمُ المشبَّه به -وهو ذو بالٍ- وإثباتُه للمشبَّه استعارةٌ تخييليَّة، وذِكرُ ما يُلائم المشبَّه به -وهو الأبتر والاجذَم- في التشبيهِ البليغِ ترشيحٌ، إما باقيًا على حقيقتِه، أو أنَّه مجازٌ عن نقصانِ البركةِ على طريقةِ الاستعارةِ التصريحيَّة؛ لأنَّه أطلق لفظَ المشبَّه بهِ -وهو الأجذَم مثلًا- على نقصانِ البركةِ، على الخلاف في التشبيهِ البليغِ، هكذا ينبغي أن يُحقَّق لفظُ هذا الحديثِ الشريفِ. ياسين.
(أي: الوصف) هو الذِّكْر باللسانِ.
(بالجميلِ الاختياريِّ) يُوهِم أنَّه يُشتَرط في المحمودِ به كونُه اختياريًّا، مع أنَّه مردودٌ، إذْ لا يُشتَرط فيه الاختيارُ إلا في المحمودِ عليه، فلو قال: الوصفُ بالجميلِ الاختياريّ، لَكان
_________________
(١) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١٢٣٢) من حديث أبي هريرة، وضعفه الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" ٣/ ٢٨١.
[ ١ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوْلى، فيصيرُ معنى التعريفِ: إنَّ الحمدَ هو الوصفُ بالجميلِ؛ لأَجْل الفعلِ الجميلِ الاختياريِّ، فيكون الحمدُ مختصًّا بالفاعلِ المختارِ، وعليه فالاختيارُ قَيْدٌ لمحذوفٍ، بخلافِ المَدْح، فإنَّه يعمُّ الاختياريَّ وغيرَه، ومِن ثَمَّ اختير الحمدُ على المدحِ؛ لشعورِه بالاختيارِ، أو أنَّ الباءَ في الجميلِ، بمعنى "على"، وأنَّه لم يتعرَّض للمحمودِ به؛ لاستلزامِ الوصفِ له، مثالُ المحمودِ به وعليهِ: زيدٌ عظيمٌ؛ لأنَّه أحْسَنَ إليَّ. فوَصْفك له بالعظمةِ محمودٌ به، وبالإحسان محمودٌ عليه؛ لأنَّ الأوَّلَ وصْفٌ قائمٌ به لا اختياريٌّ، ولذلك يُقال: مدحتُ اللؤلؤةَ على صفائِها، ولا يُقالُ: حَمدتُها على صفائِها؛ لأنَّ صفاءَها ليس اختياريًّا، فدخل في الذِّكْر باللسان المعرَّفُ وغيرُه؛ لأنَّه كالجنسِ؛ لاشتمالِه على الماهيَّاتِ الاعتباريَّة والحقيقيَّة، كالحيوانية، وخرَّج الثناءُ باللسانِ الثناءَ بغيرِه، كالثناء بالأركانِ والجَنَان، وذلك بعضُ أنواعِ الحمدِ العرفيِّ، وبالجميلِ الثناءَ باللسانِ على غيرِ الجميلِ كالقبيحِ، وبالاختياريِّ المدحَ؛ فإنَّه يعمُّ الاختياريَّ وغيرَه؛ لأنَّه لغةً: الثناءُ باللسانِ على الجميلِ مطلقًا اختياريًّا أو غيرَه، تقول بالنسبة لغيرِ الفعل الاختياريِّ: مَدَحتُ اللؤلؤةَ على حُسْنها، ومَدَحتُ زيدًا على رَشاقة قَدِّه، دون حمدتُهما؛ لأنَّ كلًّا من الحُسن واللَّطافة ليس فِعْلًا اختياريًّا، فلا تقول: حَمِدْتُ اللؤلؤةَ … إلخ؛ لأنَّ المحمودَ عليه -كما علمتَ- لا بُدَّ أن يكونَ فِعلًا اختياريًّا، وكلٌّ مِن ذلك غيرُ اختياريِّ، وهذا عند مَن قال: إنَّه غيرُ مرادفٍ للحمدِ، وعلى المرادَفةِ فقَيْدُ الاختياريِّ المقيَّد به الجميلُ المحمودُ عليه في تعريفِ الحمدِ بيانٌ لماهيَّة الحَمْد، لا للاحترازِ عن المدحِ، والراجحُ الأوَّلُ، على ما جزَم به ابنُ عبدِ الحقِّ.
وقوله: "الاختياري" منسوبٌ للاختيارِ، فلا يَقع إلا عن اختيارِ، فيكون حادثًا، ومن ثَمَّ أُورِد على قيدِ الاختياريِّ بأنَّه يَلزم عليه عدمُ صحَّة حَمْدِ اللهِ، أي: حمدِ ذاتِه على صفاتِه الذاتيَّة، كالعِلْم والقُدرة والإرادة؛ لأنَّ تلك الصفاتِ الشريفةَ المقدَّسةَ ليست أفعالًا، ولا يُوصف ثبوتُها باختيارٍ، أي: لا يصحُّ أن يكون الاختيارُ وصفًا لثبوتِها؟.
[ ١ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على قصدِ التعظيمِ ثابتٌ
وأُجيب: بأنَّا لا نُسلِّم أنَّها ليست مختارةً له تعالى، بل ندَّعي أنَّها مختارة، لا بمعنى أنَّه أوجدَها حتى يلزمَ المحذورُ، بل بمعنى أنَّ الذاتَ القديمةَ استلزمت وجودها على ما هِيَ عليه مِن صفاتِ الكمالِ، فنُزِّلت تلك الصفاتُ -بسببِ اقتصارِ الذاتِ لها واستلزامِها لها- منزلةَ أفعالٍ اختياريَّة، فأُطلِق عليها اختياريَّة مجازًا، أو بأنَّ تلك الصفاتِ الذاتيةَ لمَّا كانت مبدأ الأفعالِ اختياريَّةً ومنشأً لها، صار الثناءُ عليها باعتبار ما ترتَّب عليها مِن الأفعالِ الاختياريَّة حَمْدًا.
(على قَصْد التعظيمِ) فيه أنَّ أهلَ اللغةِ لم يَعتبروا في اصطلاحِهم التعظيمَ الظاهريَّ فضلًا عن قصدِه؟.
أجيب: بأن المقصودَ مِن التعريفِ الحمدُ المقيدُ به، لما قال صاحبُ "الكشافِ": إنَّما يُعتدُّ بالحمدِ إذا واطَأَ القلبَ، وإلا فهو كذبٌ واستهزاءٌ، أو بأنَّ الثقاتَ نَفَوا ذلك عن اللُّغويين وهم معتمَدونَ في النَّقْل، ويكفي في صحَّة ما ادَّعوا ثبوتُ ذلك في الجملةِ، ولا يُنافيه ثبوتُ الأعمِّ عن اللغويين -إن سَلِمَ- لجوازِ الاشتراكِ.
فقوله: لم يَعتبروا. لا موقعَ له في التحقيقِ؛ لأنَّه إنَّما يَرِدُ عليه إذا ثبتَ الاستقراءُ التامُّ لتصريحاتِهم وللأمورِ التي يُستنبَط منها ذلك، واستقراءُ الغالبِ ممتنعٌ، فضلًا عن التامِّ، وإنَّما لم يذكر في التعريف سوى تعلُّق بالفضائل … إلخ؛ لأنَّه ليس مِن التعريفِ، وإنَّما يُؤتَى بهذه الجملةِ للتعميمِ في التعريفِ بين المزايا المتعدَّية والقاصرةِ.
(ثابت) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الخبرَ محذوفٌ، وأمَّا لامُ التحليلِ فهي متعلِّقةٌ بالحمدِ الذي هو المبتدأُ، فالظرفُ لغويٌّ.
واعلَمْ أنَّ قولَهم: تقديرُ الحمدِ ثابثٌ للهِ. ليس معناه أنَّه قائمٌ به؛ لأنَّه حادثٌ قائمٌ بالحامدِ، بل معناه أنَّه مستحِقٌّ، بتقدير: أُثني على اللهِ، وبه يظهر قولُ بعضِهم: إنَّ مَنْ قدَّره
[ ١ / ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومملوكٌ ومستحَقٌّ لله تعالى، وهذا هو الحمدُ لغةً.
"ثابتٌ" ليس بشيءٍ؛ لأنَّ ثبوتَه لا يَقتضي قيامَه به، فثبوت الدار لا يَقتضي قيامَها بذاتِه، وإنما يَقتضي اختصاصَه بها وعدمَ المشارِك له فيها، إلى غيرِ ذلك مِن الأمثلةِ. وقال الكافِيجيّ (^١): المرادُ منه تعلُّق الحمدِ به، ولا يَلزمُ مِن التعلُّق القيامُ به، كتعلق العِلْم بالمعلوماتِ. قال الدَّوَانيُّ في "أنموذجه": ولا يلزم كونه تعالى محلَّ الحوادثِ؛ لأنَّ تلك الاختياراتِ أمورٌ اعتباريَّة إضافيَّة، ولا محذورَ في اتِّصافه تعالى بالإضافيَّات الغيرِ الأَزليَّة، فإنَّ له تعالى بالاضافةِ إلى كلِّ حادثٍ نسبةً.
قال العلَّامة ابنُ قاسمٍ: نستفيدُ مِن هذا الكلامِ أنَّه لا يَلزم مِن الاتِّصافِ بالصفاتِ الإضافيَّة الاعتباريَّة الحادثةِ قيامُ الحوادثِ بالذاتِ، وكونها محلًّا للحوادثِ. محمد الخلوتي، ومن خطه نقلت.
(ومملوك ومستحقٌّ) أشار بذلك الى الخلاف الواقعِ في "أل" في "لله" هل هي للتعليلِ أو للمِلك أو للاستحقاقِ؟ والمعنى على الأوَّل: جميعُ المحامدِ ثابتةٌ لأجل اللهِ تعالى، وعلى الثاني: جميعُ المحامدِ مملوكةٌ لله، أو مستحقَّةٌ له، كما يُرشِد لذلك ما سيأتي من قولِه: "واللام في لله".
لا يُقال: لا معنى لكونِ حَمْدِ العبادِ للهِ تعالى، لحدوثه، واللهُ تعالى قديمٌ، ولا يجوز قيامُ الحادثِ بالقديمِ؟ لأنَّا نقولُ: المرادُ منه تعلُّق الحمدِ، ولا يلزم مِن التعلُّق القيامُ، كتعلق العِلْم بالمعلومِ.
_________________
(١) هو: محيي الدين أبو عبد الله، محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي الحنفي الكافيجي، من كبار العلماء بالمعقولات، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، له تصانيف كثيرة منها: "مختصر في علم التاريخ"، و"نزهة المعرب"، و"التيسير في قواعد التفسير". (ت ٨٧٩ هـ)."الضوء اللامع" ٧/ ٢٥٩، "شذرات الذهب" ٩/ ٤٨٨.
[ ١ / ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا عُرفًا: فهو فعلٌ ينبئُ عن تعظيمِ المنعمِ من حيثُ إنَّه منعمٌ على الحامدِ أو غيرِه.
(وأما عُرفًا) أي: في عُرف الناسِ؛ أَخْذًا مِن عدمِ اختصاصِ متعلَّقه باللهِ، بأَنْ كانت وصلت النعمةُ إلى الحامدِ مِن اللهِ أو مِنْ غيرِه.
(فعل) المرادُ به الأمرُ والشأنُ على اصطلاحِ اللغةِ، فيشمل الاعتقادَ والأقوالَ، وإلا كان إطلاقُه على الاعتقادِ والأقوالِ مجازًا، فيكونُ استُعمل اللفظُ في حقيقتِه ومجازِه، وقد منَعه بعضُهم.
(ينبئ) أي: يُشعِر، إذ معنى يُنبِئ: يُخبِر، مِن أَنْبأ، أي: أَخْبَر.
أُوردَ أنَّ الإِنباء عن التعظيمِ لا يستلزمُ قَصْدَ التعظيمِ، مع أنَّه لا بُدَّ منه، فلو أَبدل الإِنباءَ بقَصْد التعظيمِ، كان أَولى، إذ لا يَلزم مِن إِنباء شيءٍ عن شيءٍ حصولُ ذلك الشيءِ المُنْبَأ عنه؟.
أُجيب: بعد تسليم اشتراطِ قصدِ التعظيمِ بأنَّه المتبادرُ مِن الإِنباء عن التعظيمِ، واكتفوا بالمتبادِر. ابن قاسم.
(عن تعظيم) متعلِّق بـ "فعل".
(مِنْ حيثُ إنَّه مُنعِم) أي: من أجلِ إنعامِه، فهي حيثيَّةُ تعليلٍ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ "فعل" هو الأظهرُ الأَحسنُ، واحتمالُ تعلُّقِهِ بـ "يُنبئ" أو "تعظيم" يَردُ عليه أنَّه يَلزمُ أن يُشترطَ في الشُّكر أن يَدلَّ ذلك الفعلُ على أنَّ الإِنباءَ عن التعظيمِ لأَجل الإنعامِ، أو على أنَّ التعظيمَ بسببِ الإنعامِ، واشتراطُ ذلك يحتاجُ إلى النَّقْل عن الأئمةِ. ابن قاسم.
"إِنَّه مُنعِمٌ" بكسر الهمزة، ويجوز فتحها، خلافًا لِمَنْ عدَّه لَحْنًا. ابنُ عبدِ الحقِّ.
(على الحامد أو غيره) لا على خصوصِ الحامدِ، فلا بدَّ أن يكونَ المحمودُ عليه خصوص الإِنعام مِن الأفعالِ الاختياريَّة، ولفظُ: "أو غيره" مِن زيادةِ شيخِ الإسلامِ ومَن
[ ١ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشكر لغةً: هو الحمد العُرفيُّ.
تبعه، وليس في كلامِ المتقدِّمين، كما يُعلم مِن كلامِ الغُنَيمي (^١) في بعضِ تعاليقه، وإنما لم يُذكَر في التعريف سواء كان ذِكْرًا باللسانِ، أو اعتقادًا بالجَنان، أم عَملًا بالأركان؛ لأنَّه ليس مِن التعريف، بل يُؤتَى بذلك لبيانِ التعظيمِ في المورد، فموردُه عامٌّ، ومتعلَّقُه خاصٌّ، أعني: النعمةَ الواصلةَ الى الشاكرِ أو غيرِه، وذاك بالعكسِ، فبينهما العمومُ والخصوصُ الوَجْهيُّ؛ لاجتماعِهما في ثناءٍ بلسانٍ على نعمةٍ، أي: الحمدُ اللغويُّ وانفرادُ الحمدِ اللغويِّ في ثناءٍ بلسانٍ لا على نعمة، وينفردُ الحمدُ العرفيُّ في ثناءٍ بغيرِ لسانٍ على نعمةٍ.
(هو الحمدُ العرفيُّ) أي: بعد إبدالِ الحامدِ بالشاكرِ، ويتحصَّل من ذلك ستَّةُ نِسَبٍ، وذلك بأنَّ الشُّكرَ الاصطلاحيَّ بينه وبين الحمْدَين والشكرِ اللغويِّ، عمومٌ وخصوصٌ مُطلَق، فهذه ثلاثُ نِسَبٍ، وبين الشكرِ اللغويِّ والحمدِ العرفيِّ التساوي، فهذه نسبةٌ رابعةٌ، وبين الحمدِ اللغويِّ والاصطلاحيِّ والحمدِ والشكرِ اللُّغوَييْن العمومُ والخصوصُ الوجهيُّ، فهاتان نِسْبتانِ، ونظَم ذلك على هذا المنوالِ العلَّامة الأُجْهوري (^٢) فقال:
إذا نُسبا للحمدِ والشكرِ رُمْتَها … بوجهٍ له عقلُ اللبيبِ يُوالفُ
فشكرٌ لِذي عُرفٍ أخصُّ جميعها … وفي لغةٍ للحمدِ عُرفًا يُرادفُ
عمومٌ لوجهٍ في سواهنَّ نسبةٌ … فذي نسبٌ ستٌّ لِمَن هو عارفُ
"تنبيه": النِّسبُ أربعٌ: التساوي، والتباينُ، والعمومُ والخصوصُ المُطلَق، والعمومُ
_________________
(١) هو: شهاب الدين، أحمد بن محمد بن عليّ، فقيه باحث من أهل مصر، له شروح وحواش في الأصول والعربية وفي الأدب والمنطق والتوحيد منها: "نقش تحقيق النسب"، "بهجة الناظرين في محاسن أم البراهين". (ت ١٠٤٤ هـ). "خلاصة الأثر" ١/ ٣١٢، و"الأعلام" ١/ ٢٣٧.
(٢) هو: عبد البر بن عبد الله بن محمد بن علي بن يوسف الأُجهوري، المصري، الشافعي، فقيه متكلم، من مؤلفاته: "حاشية على شرح المنهاج"، و"فتح القريب المجيد بشرح جوهرة التوحيد". (ت ١٠٧٠ هـ). "خلاصة الأثر" ٢/ ٢٩٨، و"معجم المؤلفين" ٢/ ٤٥.
[ ١ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعرفًا: صرفُ العبد جميعَ
والخصوصُ الوجهيُّ. فالتساوي: هو أن يَصدُق كلٌّ منهما على كلِّ ما صَدق عليه الآخرُ. والتباينُ: هو أنْ لا يَصدُق واحدٌ منهما على شيءٍ ممَّا صَدق عليه الآخرُ. والعموم والخصوصُ الوجهيُّ: هو أن يَصدُق كلٌّ منهما باعتبار تلك الجهةِ على ما يَصدُق عليه الآخرُ باعتبارِها وزيادةٍ. والعمومُ والخصوصُ المُطلَق: هو أن يَصدُق أحدُهما على كلِّ ما صدَق عليه الآخرُ وزيادة.
فإن قلتَ: لِمَ كان التعرُّض لِمَعنى الشُّكرِ بعد بيانِ الحمدِ كالمتفقِ عليه عند المصنِّفين، وإن كان الذي بُدئَ به الكتبُ هو الحمدَ خاصَّةً؟
أجابَ البُرُلُّسيُّ: بأنَّه لمَّا كان قريبًا مِن الحمدِ في المعنى، وقرينًا له في غالب كُتب المصنفين، كان المقامُ بعد بيانِ الحمدِ مَظِنَّة أنْ يقعَ في ذهنِ السامعِ أنَّ الشُّكرَ ماذا؟ وهل هو هذا؟ فسَّروه وبيَّنوا الفَرقَ بينهما؛ تخليصًا للسامعِ مِن وَرْطَة الحَيرةِ.
(صرف العبد جميع) أي: أن يستعمل العبدُ أعضاءَه ومعانيَه فيما طَلب الشارعُ استعمالَها فيه، مِن صلاةِ وصومٍ وسماعِ نحوِ عِلْمٍ وهكذا، سواءٌ كان ذلك في وقتٍ واحدٍ -إنْ أمكنَ- أو في أوقاتٍ متفرِّقة.
أُورد على التعريفِ: أنَّه إِنْ أُريد أنَّ صَرْف جميعِ ما أَنعم اللهُ تعالى به الى جميعِ ما خُلِق لأجلِه في جميع الأزمانِ، لزمَ أنْ لا يُوجدَ شكرٌ أبدًا؛ إذ لا يَقدِرُ أحدٌ على ذلك، مع أنَّه تعالى يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ [سبأ: ١٣] فأثبتَ وجودَ الشكرِ قليلًا، وإنْ أُريد إلى جنسِ ما خُلِقَ لأجلِه، فهذا أمرٌ سهلٌ لا يُوجِب قلَّةَ الشكرِ؛ لحصولِ المقصودِ بالصَّرْف إلى شيءٍ مما خُلِق لأَجله؟.
وأُجيب: بأن المرادَ صَرْفُ جميع ما أنعمَ اللهُ به عليه إلى جميع ما خُلِق لأَجله في جميع الأزمانِ، إلا أنَّ المرادَ بجميعِ ما خُلِقَ لأَجله جميعُ ما كُلِّف به وطُلب منه، وجوبًا أو
[ ١ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما أنعمَ الله عليه به إلى ما (^١) خُلقَ لأجلهِ.
ندبًا لا مُطلَقًا، وهذا ممكنٌ مقدورٌ، وإنْ كان قليلًا، قال ابنُ قاسمٍ: وأَقول: ينبغي أنَّه إذا صُرف الجميعُ إلى الجميعِ في وقتٍ، وتُرك في غيرِه، حصل الشكرُ في ذلك الوقتِ. وهذا معنى قولِهم: أو في أوقاتٍ متفرِّقة.
(جميع ما) أي: شيء.
وقوله: (أَنعم اللهُ عليه) أي: على ذلك العبدِ.
وقوله: (به) أي: بذلك الشيءِ، مِن السمعِ وغيرِه، كاللسان والجَنان وبقيَّةِ الأركان.
وقوله: "إلى جميعِ ما" أي: شيء (خُلق) ذلك السمعُ وغيرُه.
وقوله: (لأجله) من أنواع الطاعاتِ التي هي سببٌ في الجمعِ على اللهِ، المقصود منها أي: لأَجل إنعامِه بذلك عليه، كأنْ يَصرفَ السمعَ إلى تلقِّي ما ينبني على مرضاتِه مِن الأوامرِ، وما يَنبني على اجتناب مَساخطِه مِن النواهي، ثم يستعمل الآلاتِ في امتثالِ الأوامرِ والنواهي، ويُقاسُ على استعمالِ الآلاتِ سائرُ النِّعم الظاهرةِ والباطنةِ.
لا يقال: إنَّ استعمالَ الآلاتِ يقتضي أنَّه لا بُدَّ أن يَصدُرَ منه فعلٌ، وذلك غيرُ متأتٍّ في جانبِ النواهي؛ لأنَّ الحاصلَ فيه التركُ، هذا وقد أوردَ على ذلك القِيل ابنُ قاسمٍ أنَّ المكلَّف به في النهي كفُّ النفسِ، وهو فِعْل؟ قلنا: كفُّ النفسِ إنَّما يُحتاج إليه في ترتُّب الثواب، بخلافِ رَفْع الإثمِ، فإنَّه يحصُلُ بالتَّرْك مع الغَفْلة، وعدمِ حَبْس النفسِ، وقَصْد التركِ امتثالًا، فإنَّ مَن لم يتناولِ الخمرَ لا إثمَ عليه، وإنْ لم يُلاحِظ تَرْكَها امتثالًا، أو لَمْ يَخطر له شَأنُها بالكليَّة، وكأنَّ التقييدَ بالآلاتِ؛ لأنَّ غالبَ امتثالِ التكاليفِ بالآلاتِ، وإلَّا فقد يكونُ بالقلبِ أو آلتِه.
_________________
(١) في هامش (ح): "لما" نسخة، وجاءت في "فتح مولي المواهب": "إلى جميع ما".
[ ١ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و"أل" في "الحمدُ" للجنسِ، أو الاستغراقِ، أو العهدِ (^١). واللامُ في "لله" للملِكِ، أو الاستحقاقِ.
(و"أل" في "الحمد" … إلخ) بيانُ ذلك أنْ يصيرَ المعنى عليه: حقيقةُ المحامدِ ثابتةٌ لله تعالى، فالحكم على الحقيقةِ بالقصدِ الأوَّل والأفراد تابعةٌ، ومِن ثَمَّ كان حَمْلُها عليه أوَّلًا عند المحقِّقين، وعلى كونِها للاستغراقِ يصيرُ المعنى: إنَّ جميعَ المحامدِ، أي: كلَّ فردٍ ثابتٌ للهِ تعالى، فالحُكم فيه على الأفراد أوَّلًا، والحقيقةُ تابعةٌ للأَفراد؛ لدخولِها في ضمنِ الأَفراد، إذ فردُ الحقيقةِ هو الحقيقةُ مع الشخصِ، فهو الحقيقةُ بزيادةِ قيدٍ، والحكمُ على الوجهين ظاهرٌ في اختصاصِ جميع المحامدِ بالله تَعالى، إمَّا على الجنس؛ فلِما يأتي مِن توجيهِ الأَولويَّة، وإمَّا على الاستغراقِ؛ فظاهرٌ مِن ثبوتِ جميعِ أفرادِ المحامدِ للهِ تَعالى، وإيثارُه تقديمَ الجنسِ على الاستغراقِ وما بعده دليلُ أولويَّتِه عندَه أيضًا؛ لأنَّه كدعوى الشيءِ ببيِّنة، فإنَّه يُفيدُ الحكمَ بالبرهان العقليِّ، وبيانه أنَّ اختصاصَ الجنسِ به تعالى كما هو قضيةُ لامِه الدالَّة على الجنسِ يستلزم اختصاصَ أفرادِه، إذ لو وُجد فردٌ منه لغيرِه، لثبتَ الجنسُ له في ضمنِه، ولم يكن مختصًّا به تعالى، والحاصلُ كما ذكَره الشَّوبرى (^٢) في أنَّ التعريفَ باللامِ إمَّا أنْ يُلاحظ بها الأفراد أَمْ لا. الثاني؛ لتعيينِ الماهيَّة، كـ: الرجلُ خيرٌ من المرأةِ، وتُسمَّى لامَ الجنس، والأول؛ إمَّا أن يُلاحَظَ كلُّ الأفرادِ وهو الاستغراقُ، أو بعضُها، فإنْ كان معيَّنًا، فهو العهدُ الخارجيُّ نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أو غيرَ معيَّن فالعهدُ الذهنيُّ، نحو: اشترِ اللحمَ، وادخلِ السُّوقَ. لمَن ليس بينكَ وبينَه سوقٌ معهودٌ. أو العهدُ العلميُّ، لتقدُّمِ مرجعه في عِلْم المخاطب، والمعنى عليه: الحمدُ المعهودُ ثابتٌ للهِ
_________________
(١) في (ح): "أو للاستغراق أو للعهد".
(٢) هو: شمس الدين، محمد بن أحمد الشوبرى، الشافعي، المصرى، ولد في شوبر (من الغربية بمصر) له كتب منها: "فتاوى"، و"حاشية على المواهب اللدنية"، و"حاشية على شرح التحرير". (ت ١٠٦٩ هـ). "خلاصة الأثر" ٣/ ٣٨٥، "الأعلام" ٦/ ١١.
[ ١ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأردف البسملةَ بالحمدلةِ؛ اقتداءً بأسلوبِ الكتابِ، وعملًا بما صحَّ مِن قوله ﷺ: "كُلُّ أمرٍ ذِي بالٍ" أي: صاحبِ حال يُهتمُّ به شرعًا "لا يُبْدَأُ فيه بالحمدُ للهِ فهو
الذي حَمِدَ اللهُ به نفسَه، وحَمِدَه به أنبياؤُه وأولياؤُه، فالعبرةُ بحمدِ مَن ذكر، فلا فردَ منه لغيرِه (^١).
(اقتداء) علَّةٌ للجَمْعِ بين الأمرَيْن والترتيبِ بينهما.
(وعملًا) علَّةٌ للابتداءِ بالحَمْدلة فقط؛ بدليلِ ما بعدَه.
(أي: صاحب حالٍ يهتمُّ به شرعًا) وهو بيانٌ للمراد مِن البالِ في هذا المقامِ، وإلا ففي "المختار" (^٢): البَال: رَخَاء النَّفْسِ، يقال: فلانٌ رَخِيُّ البالِ، والبَال: الحالُ، يُقال: ما بَالُكَ. وفي "النهاية" (^٣): البال: الحالُ والشَّأْن. وأمرٌ ذو بالٍ: أي: شريفٌ يُحتَفل له ويُهتمُّ به. أي: يُقصد لذاته وليس محرَّمًا ولا مكروهًا، ولا ذِكْرًا محضًا، ولا جعَل الشارعُ له مبدأ بغيرِ البسملةِ، فخرج بِقَيد الأمْرِ بذي البالِ، وكونه يهتمُّ به شرعًا، الأمْرُ الحقيرُ الذي لا يهتمُّ به الشارعُ، وليس له خطرٌ ولا شَرفٌ، فلا يُبدأ فيه ببسمِ الله؛ تعظيمًا لاسمِه تعالى، حيث لا يُبدأ فيه إلَّا في الأمورِ العظيمةِ، وتسهيلًا على العبادِ حيثُ لم يُطلَب منهم التسميةُ في محقَّرات أمورِهم، ففي وصفِ الأمرِ بذي بالٍ وتقييدِه به فائدتان، الأُولى: رعايةُ تعظيمِ اسمِ اللهِ سبحانه، حيث يُبدأ به في الأمورِ التي لها شأنٌ وخَطَر. والثانية: التيسيرُ على الناسِ في محقَّرات الأمورِ (^٤).
("بالحمد لله") بالرَّفع، فإنَّ التعارضَ لا يحصُل إلَّا بشروطٍ ستَّة:
_________________
(١) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" ١/ ٨٤ بنحوه.
(٢) "مختار الصحاح" (بَوَلَ).
(٣) "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير ١/ ١٦٤.
(٤) "حاشية الجرجاني على الكشاف للزمخشري" ١/ ٣١ - ٣٢ بنحوه.
[ ١ / ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجْذَم" (^١)
الأول: رَفْعُ الحمد.
الثاني: كونُ البَدَاء حقيقيًّا، وأن معنى بدء الشيءِ بالشيءِ تصديرُه به، وجعله قَبْل كلِّ عمل يعمل فيه، ولا شكَّ أنَّ هذا المعنى إذا حصلَ في بداءةِ أمرٍ ذي بالٍ بشيءٍ مِن البسملةِ والحمدلة، لا يُمكن أنْ يَحصُلَ في تلك البداءةِ بالآخَر.
الثالث: أن يكونَ الابتداءُ المذكورُ أمرًا خاليًا عن الامتدادِ.
الرابع: أن تكونَ الباءُ فيها صلةً للبَداء.
الخامس: أنْ يكونَ المرادُ بالبَداءِ بتلك الأمورِ المذكورةِ تقديمُها في الذِّكْر اللسانيِّ الذي يُترجم عنه بلفظِ البسملةِ والحمدلةِ.
السادس: أن المرادَ مِن البسملةِ والحمدلة خصوصُ هذَيْن اللفظَيْن، وهل المرادُ بقوله: في الحديث: "لا يُبدأُ فيهِ بالحمد للهِ" (^١) الحمدُ اللغويُّ أو العرفيُّ؟ وحمَلَه ابنُ قاسمٍ على الأول، قال: حتى لو حَمد اللهَ تعالى بقلبِه كان محصِّلًا للافتتاحِ بالحمد. وقال الشيخُ العلقميُّ: اللفظُ الواردُ منه ﷺ يُحمل على حقيقتِه اللغويَّة، ما لم يكن هناك ما يَصرِفه عنها، نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ويَجري هذا الخلافُ في قولِهم: إنَّ الحمدَ في مقابلة النعمةِ واجبٌ.
_________________
(١) وتمامه: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أجذم" وهو عند أبي داود (٤٨٤٠)، وابن ماجه (١٨٩٤)، والنَّسائي في الكبرى (١٠٢٥٥) عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى (١٠٢٥٦) و(١٠٢٥٧) عن الزهري مرسلًا. ورجَّح الدارقطني في "سننه" (٨٨٣)، وفي "العلل" ٨/ ٣٠ الرواية المرسلة على الرواية الموصولة. وقد حَسَّن الرواية الموصولة النووي في "المجموع" ١/ ١١٧.
[ ١ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي روايةٍ: "أَقْطَعُ" (^١). وفي أخرى: "أَبْتَرُ" (^٢) أي: قليلُ البركةِ. وفي روايةٍ: "لا يُبْدَأُ فيه بذكرِ اللهِ" (^٣). وبها تبين أنَّ المرادَ البَداءةُ بأيِّ ذكرٍ كان،
(وفي رواية: "أقطع") من بابِ التشبيهِ البليغِ؛ بحَذْف أداةِ التشبيهِ وجَعْلِ المشبَّهِ به مخبرًا، أي: كأقطع، وقيل: مِن قَبيلِ الاستعارةِ المصرَّحة، والمختارُ منها الأَوّلُ، ويَجري ذلك في سابقِه مِن قوله: "أجذمُ" ولاحقِهِ مِن قوله: "أبترُ"، وهو في اللغةِ: ما كان من ذواتِ الذَّنَب، ولا ذَنَب له (^٤). والأَقطع: ما قُطعت يداه أو أحدُهما (^٥). والأجْذَم: هو فاقدُ الأصابعِ (^٦). قال البُهوتي: وهل يُقال: أو بعضِها؟
(أي: قليلُ البركةِ) وإنْ تمَّ حسًّا، فلا يَردُ على منطوقِ الحديث ومفهومِه.
(وفي رواية: " … بذِكْر الله") وهو حديثٌ حسنٌ. شيخُ الإسلامِ.
(وبها تبيَّن … إلخ) أي: بروايةِ: "بذكر الله" جوابٌ عن دَفْع التعارضِ بين روايتي البَسمَلَة والحَمْدلة، وهو أنَّ الحديثين أفادا طلبَ البَداءةِ بكلٍّ منهما، فالبَداءة بأحدِهما تُنافي البَداءَة بالآخر، وبيانُ ذلك الجوابِ: ليس المرادُ ببسم الله الرحمن الرحيم خصوصَ
_________________
(١) أخرجها النسائي في "الكبرى" (١٠٣٢٨)، وابن ماجه (١٨٩٤)، وابن حبان (١) و(٢)، والدارقطني (٨٨٣)، والبيهقي ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٢) هذه الرواية وردت بحديث: "كل أمر أو كلام ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر أو أقطع" ولم ترد برواية "الحمد لله" وينظر تفصيل الكلام على روايات هذا الحديث في "نتائج الأفكار" ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٢.
(٣) أخرجها أحمد (٨٧١٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٣٣٠)، والدارقطني (٨٨٤). وينظر "طبقات الشافعية، للسبكي ١/ ٧ وما بعدها.
(٤) "القاموس المحيط" (بتر).
(٥) "القاموس المحيط" (قطع).
(٦) "تهذيب اللغة" ١١/ ١٧ (جذم).
[ ١ / ٥١ ]
ربِّ العالَمِيْن،
على أنه يمكن حمل الابتداءِ في البسملةِ على الحقيقي، وهو كون الشيء قبلَ كلِّ شيءٍ، وفي الحمدلةِ على الإضافي، أي: بالنسبة لما بعدها، ولم يُعكسْ؛ لأن ما تقدَّم هو الموافقُ للكتابِ والإجماعِ.
(ربِّ العالمين)
هذا اللفظِ، ولا بالحمد لله خصوصَ هذا اللفظِ، بل مجرَّد الذِّكْر، وهو حاصلٌ بكلٍّ منهما وبغيرِهما، فهو مِن حَمْل المقيَّد على المُطلَق بإلغاءِ قَيْدِه، ومحلُّ حَمْلِ المُطلَق على المقيَّد إذا لم يكن المقيَّدُ مقيَّدًا بقيدَيْن متنافِيين، أمَّا إذا كان كذلك، حُمل المقيَّد على المُطلَق؛ لأنَّ القيدَيْن يتعارضان، فيتساقطان، ويُرجَع إلى المُطلَق، وهذا الجوابُ يُفيد أنَّ ذهابَ البركةِ لا يتوقَّف على إحدى الصِّيغتَيْن، فضلًا عن الجمعِ بينهما.
(على أنه يُمكن حملُ … إلخ) جوابٌ ثانٍ لدَفْع التعارضِ المذكورِ.
(على الحقيقي) أي: على الابتداءِ الحقيقيِّ، فحصل بالبسملةِ.
(ولم يعكس) للقرآنِ العزيزِ (لأنَّ ما تقدَّم) مِن حديثِ البسملةِ، وقوله: (هو الموافقُ للكتابِ) لأنَّه بيَّنَه، فهو مبيِّن لكيفيَّة البَداءةِ بها، وهذا الجوابُ يُفيدُ أنَّ ذهابَ الأجذميَّة يتوقف على الجَمْعِ بينَهما على هذا الوجهِ المذكورِ، فلا يكفي أحدُهما ولا غيرُهما ولا هما على غيرِ هذا الوجهِ. وبعضُهم وجَّه تقديمَ البسملةِ، بأنَّها تتضمَّن الحمدَ؛ لأنَّ فيها ثناءً على اللهِ بصفةِ الرحمةِ.
(ربِّ) بالجرِّ، ويجوز قطعُه إلى الرفْعِ والنصبِ في غيرِ القرآن، أى: عربيةً لا قرآنًا؛ لأنَّ القراءةَ سنَّةٌ متَّبعةٌ، وليس للقياسِ في القرآنِ مَدخلٌ، وهو صفةٌ مشبَّهةٌ مِن: ربَّه يَربُّه، بمعنى: ساسَه ودبَّره، فهو ربٌّ، كما يقال: نَمَّ يَنُمُّ، فهو نمٌّ (^١)، فعلى هذا وزنه فَعْلَ، وقيل: فاعل، حُذفت ألفُه؛ لكثرةِ الاستعمالِ، ورُدَّ بأنَّه خلافُ الأصلِ، وهو مِن أسماءِ اللهِ تعالى،
_________________
(١) "القاموس المحيط" (نمم) بنحوه.
[ ١ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: خالقِ جميعِ الخَلْقِ ومالكِهم ومربِّيهم. والربُّ في الأصلِ مصدرٌ بمعنى التربيةِ والملك.
ولا يُطلَق على غيرِه إلَّا مقيَّدًا كربِّ الدارِ، ومنه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] (^١).
(أي: خالق جميع الخلق … إلخ) أشار بهذا التفسيرِ إلى معناه في اصطلاحِ المتكلِّمين: مِن الإنسِ والجِنِّ والملائكةِ والدوابِّ وغيرِهم، إذ كلٌّ منها يُطلَق عليه عالَم الإنس، عالَم الجنِّ، إلى غيرِ ذلك.
وسُمِّي المالك بالربِّ؛ لأنَّه يَحفظ ما يَملِكه ويُربِّيه. والربُّ في الأصلِ مصدرٌ بمعنى التربيةِ، قال الزُّرقانيُّ: فهو مشترك بين الصفةِ المشبَّهة والمصدرِ. وفيه نظرٌ؛ لأن الشارحَ لم يُجوِّزِ الأمرين، كما هو قاعدةُ المشتَرك، وكان الأَولى ترك قولهِ في الأصل هنا، وذِكْره في الأوَّل أيضًا، والحاصلُ حكايةُ قولين، قولٌ في أصله، واختار البيضاوي (^٢) الثاني وقدَّمه، عكس ما فعَل الشارحُ، كـ: "الكشَّاف" (^٣)؛ لأنَّ جَعْله مصدرًا أَقوى، إمَّا معنًى؛ فلأنَّه أبلغُ، وإمَّا لفظًا؛ فلأنَّ جَعْلَه صفةً يُحوِجُ إلى تكلُّف جعلِ المتعدِّي لازمًا.
لا يقال: يَلزم مِن الوصفِ بالمصدرِ وصفُ الذاتِ بالحَدَث، وهي لا تُوصَف به؛ لأنَّا نقول: وصفُه بالمصدرِ للمبالغةِ، كما وُصف بالعدل.
والتربية: هي تبليغُ الشيءِ إلى كَماله شيئًا فشيئًا. ياسين، مع زيادةٍ.
قوله: (بمعنى التربية) أصلُ التربيةِ نَقْلُ الشيءِ مِن أمرٍ إلى آخرَ حتى يصلَ إلى غايةٍ أَرادها المربِّي، ثم نُقِل إلى المالِك والمُصلِح؛ للزومِ التربيةِ لهما غالبًا، وهو اسمُ جمعٍ،
_________________
(١) "الكشاف" للزمخشري ١/ ٥٣ بنحوه.
(٢) "تفسير البيضاوي" ١/ ٢٦.
(٣) للزمخشري ١/ ٥٣.
[ ١ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد يُراد بالعالمينَ جميعُ الخلقِ، كما في مقامِ الحمدِ. وقد يُراد بهم الإنسُ والجنُّ، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وهو اسم جمع لعالَم -بفتح اللام- لا جمعٌ له؛ لكونه يكون أخصَّ منه،
قال البدرُ ابنُ مالكٍ (^١): الاسمُ الدَّالُّ على أكثرَ مِن اثنين:
إمَّا أنْ يكونَ موضوعًا للآحادِ المجتمِعةِ دالًا عليها دلالةَ تَكرارِ الواحدِ بالعطفِ، وهو [الجمع] (^٢) سواءٌ كان له واحدٌ كرِجالٍ، أمْ لم يكن (^٣) كأبابيل.
وإمَّا أن يكون موضوعًا لمجموعِ الآحادِ دالًا عليها دلالةَ المفردِ على جملةِ أجزاء مسمَّاه، وهو اسمُ الجمعِ، سواء كان له واحدٌ مِن لفظِه، كرَكبٍ وصحبٍ، أوْلا، كقومٍ ورهطٍ.
وإنْ كان موضوعًا للحقيقةِ ملغًى فيه اعتبارُ الفردية إلَّا أنَّ الواحدَ يننفي بنفيه، وهو اسمُ الجنسِ، فاعرفه فإنَّه مهمٌّ، محمد الخلوتي.
(وقد يُراد بالعالَمين) أي: بهذه اللفظةِ؛ لأنَّ "العالَمين" جمعُ سلامة (^٤).
(لا جَمْعٌ له لكونِه … الخ) أي: جمع سلامة؛ لأنَّه لا يُجمع جَمْعٌ على سلامة إلَّا اسمٌ أو صفةٌ، فالاسمُ ما كان كعامرٍ عَلَمًا لمذكَّرٍ عاقلٍ، خاليًا مِن تاء التأنيث، ومِنَ التركيبِ،
_________________
(١) هو: بدر الدين، أبو عبد الله، محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك، الطائي الدمشقي الشافعي، النحوي ابن النحوي، إمامٌ في النحو والمعاني والبيان والبديع والعروض، جيد المشاركة في الفقه والأصول، له من التصانيف: "شرح ألفية والده"، و"شرح الكافية"، و"شرح اللامية"، و"مقدمة في العروض". (ت ٦٨٦ هـ). "بغية الوعاة" ١/ ٢٢٥، "الأعلام" ٧/ ٣١. وكلام البدر في "شرحه على ألفية ابن مالك" ص ١٤.
(٢) ما بين معقوفين من "شرح ألفية ابن مالك".
(٣) تكررت في الأصل.
(٤) "شرح شذور الذهب" لابن هشام ص ٧٢ بنحوه.
[ ١ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والعالَمُ (^١) يعمُّ كلَّ موجودٍ سوى اللهِ تعالى،
ومن الإعرابِ بحرفين، فلا يُجمع بهذا الجَمْع ما كان مِن الأسماءِ غيرَ عَلَم كـ: رجلٍ، أو علمًا لمؤنَّث كـ: زينبَ، أو لغيرِ عاقلٍ كـ: لاحقٍ -عَلَم لفرس- أو فيه تاءُ التأنيثِ كـ: طلحةَ، أو التركيبُ المزجيُّ كـ: مَعْدي كَرِب، وأجازَه بعضُهم، أو الإسناديُّ كَـ: بَرِقَ نحرُه، بالاتفاق، أو الإعراب بحرفين كـ: الزيدَين أو الزيدِيْن عَلَمًا، انظر الأشموني (^٢).
قوله (والعالَم يعمُّ كلَّ موجودٍ … إلخ) أي: والعالمَ في اللغة: كلُّ نوعٍ أو جنسٍ فيه علامةٌ يَمتاز بها عن سائر الأنواعِ والأجناسِ الحادثةِ، فيُقال في الأنواعِ: عالَمُ الإنسانِ، وعالَمُ الطيرِ، وعالَمُ الخيل، ويُقال في الأجناسِ: عالَمُ الحيوانِ، وعالَمُ الأجسامِ، وعالَمُ النباتِ، ويَحتمل أن تكون المناسبةُ في تسمية الجنسِ بالعالَم (^٣)؛ أنَّ لهما من الفُصول والخواصِّ ما يُعلَمان به، ونقلَهُ المتكلِّمون إلى كلِّ حادثٍ، والمناسبةُ في هذه التسميةِ أنَّ كلَّ حادثٍ فيه عَلَامة تميِّزه عن المُوجِد المولى القديم حتى لا يَلتبسَ بهِ أصلًا، ولهذا رَدَّ مولانا على الضالِّينَ الذين جَعلوا له شركاءَ مِن الحوادثِ فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: اذكُروا أوصافَهم حتى يُنظَرَ أفيها ما يَصلُح للأُلوهيَّة أوْ لا؟ ويَحتملُ أن تكونَ المناسبةُ أنَّ كُلَّ حادثٍ يَحصل العِلْم للناظرِ فيه بما يجب للمولى العظيم مِن عليِّ الصفاتِ، وتنزهُه عن سماتِ المحدَثات، ولهذا قال جلَّ مِن قائل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقال جلَّ وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، والآي في ذلك كثيرةٌ، فالمناسبةُ الأُولى في وضع اللغةِ والاصطلاحِ أنَّه مأخوذٌ مِن العلَامة، والمناسبةُ الثانيةُ تقتضي أنَّه مأخوذٌ مِن العلم، وذكرُ هذا الوصف وهو ربُّ العالمين بعدَ
_________________
(١) فى (س): "إذ العالم".
(٢) بهامش "حاشية الصبان" ١/ ٨٦.
(٣) "حاشية الجرجاني على الكشاف للزمخشري" ١/ ٥٤ بنحوه.
[ ١ / ٥٥ ]
والصَّلاةُ
واختاره ابنُ مالك.
(والصلاةُ)
الحمدِ شبهُ البرهانِ، انظرْ توضيحَ هذا في "حواشي الدليل" (^١).
وبالجملة فالعوالمُ بعد أنْ تقرَّر وجوبُ حدوثِها وافتقارِها إلى مَولانا جلَّ وعلا، شَهدت بأنَّ كلَّ كمالٍ قديمٍ وصفُه تعالى؛ لتوقُّف حدوثِها على اتصافِ مَولانا جلَّ وعلا بذلك الكمالِ، وشهدَت بأنَّ كلَّ كمالٍ حادثٍ فِعْلُه؛ لِما شهدَت به مِن وجوبِ الوحدانيَّة لمولانا جلَّ وعلا، فقد شَهدت إذَنْ بأنَّ المدحَ بكلِّ كمالٍ قديمٍ وحادثٍ إنَّما هو لمولانا جلَّ وعلا، وهو معنى الحمدِ، وهذا تقريرٌ يُعرِّفُك أنَّ تعقيبَه جملةَ "الحمدُ لله" في سورةِ الفاتحةِ بالوَصْف وبربِّ العالمين، هو في غايةِ الحُسن والإعجازِ.
(واختارَه ابنُ مالكٍ) (^٢) أي: اختارَ أنَّ العالمينَ اسمُ جمعٍ لا جمعٌ.
(والصلاة) فَعَلة على وزنِ شجرة؛ لأنَّ أصلَها صَلَوَةٌ، تحرَّكت الواو وانفتَح ما قبلها، قُلبت ألفًا، مشتقَّةٌ مِن: صَلِيَ إذا دعا بخيرٍ، وهذا معناها لغةً، وأتى بها مع الحمدِ؛ عملًا بقولِه في بعضِ طرق الحديثِ المارِّ: "بحمد الله والصلاة، فهو أبتر، ممحوقٌ مِن كلِّ بركةٍ" (^٣)، وإن كان سندُه ضعيفًا؛ لأنَّه في الفضائِل مع ما في إثباتِها مِن الفَضْل.
_________________
(١) لعلها: حاشية ابن عوض على "دليل الطالب" لمرعي الكرمي، كما ذكر ذلك ابن حميد في "السحب الوابلة" ١/ ٢٤٠، وابن بدران في "المدخل" ص ٤٤٤.
(٢) هو: جمال الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي، الجياني، نحوي، لغوي، مقرئ، مشارك في الفقه والأصول والحديث وغيرها، نزيل دمشق، من تصانيفه: "إكمال الأعلام بمثلث الكلام"، و"الكافية الشافية"، و"الألفية في النحو". (ت ٦٧٢ هـ). "بغية الوعاة" ١/ ١٣٠، "الوافي بالوفيات" ٣/ ٣٥٩ وما بعدها.
(٣) أخرجه الخليلي في "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" ١/ ٤٤٩ عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا، ومن طريقه السبكي في طبقات الشافعية ١/ ١١، لكن عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. ولعلَّ لفظة: قال رسول الله ﷺ. سقطت من مطبوع "الإرشاد". وفي إسناد الحديث: إسماعل بن أبي زياد، قال عنه الخليلي: لا يعتمد على روايته. رفال عنه الرهاوي كما في "فيض القدير" ٥/ ١٤: ضعيف جدًا، والراوي عنه حسين الزاهد مجهول.
[ ١ / ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهي من الله رحمةٌ، ومن الملائكة استغفار،
(وهي مِن اللهِ رحمةٌ) مقرونةٌ بِتعظيمٍ، أي: الصلاةُ مطلقًا، وأمَّا التي في خصوصِ هذا المقام، أعني الصادرةَ مِن المصنِّف، فهي بإحدى المعاني الثلاثة فقط؛ لأنَّها من آدميٍّ، واضح. فمعنى: صلِّ عليه، أي: ارحمْه رحمةً تَليقُ بمقامِه المنيفِ وجَنابِه الشريفِ؛ زيادةً في شَرَفِه، إذ الكاملُ يَقبَلُ الكمالَ، فاندفع ما يُقال: إنَّه ﷺ أُفرِغت عليه سائرُ الكمالات، فلا يَفتقرُ إلى رحمةٍ، فالجملةُ إنشائيَّةٌ معنًى، خبريَّةٌ لفظًا؛ لأنَّ القصْد بها إيجادُ الصلاةِ.
وأُورد على هذا التعبيرِ بأنَّ الرحمةَ فِعْلُها متعدٍّ، والصلاةَ فِعْلُها قاصرٌ، ولا يَحسُن تفسيرُ القاصرِ بالمتعدِّي؟.
وأُجيب: بأنَّه لا قُبح في تفسيرِ: مررتُ، بـ: جاوزتُ، مع أنَّ الأوَّلَ قاصرٌ، والثاني متعدٍّ.
وتُكرهُ الرحمةُ في حقِّه، وإن كانت بمعنى الصلاةِ، فلا يجوزُ إذا ذُكر النبيُّ ﷺ أنْ يُقال: ﵀؛ لأنَّ لفظَ الرحمةِ صار شِعارًا لغيرِ الأنبياءِ والملائكةِ ممَّن شَأْنُه أن يَرتكبَ الذنوبَ، فلا يُقالُ: لِمَ جازتِ الصلاةُ دون الرحمةِ، مع أنَّهما بمعنًى واحد (^١)؟.
وقوله: (ومن الملائكة استغفار) (^٢) أي: دعاءٌ بالمغفرةِ، وجمَع بين الصلاةِ والسلامِ؛ خروجًا مِن الخلاف في كراهةِ إفرادِ أحدِهما عن الآخَر، كالغزاليِّ (^٣) والنوويِّ (^٤)، وهو سائغٌ عند الإمامِ ابنِ حنبلٍ.
_________________
(١) "شرح النووي على صحيح مسلم" ٤/ ١٢٦ بنحوه.
(٢) في الأصل: "الاستغفار". وأخرج البخاري في "صحيحه" عقب الحديث (٤٧٩٦) -تعليقًا- قول أبي العالية: صلاةُ الله: ثناؤه عليه عند الملائكة. وصلاةُ الملائكة: الدعاءُ.
(٣) هو: أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الغزالي. لازم إمام الحرمين فبرع في الفقه في مدّة قريبة، وله مصنفات كثيرةٌ أهمها: "إحياه علوم الدين"، و"كيمياء السعادة"، و"إلجام العوام"، و"الغاية القصوى" إلى غير ذلك من المصنفات في مختلف العلوم. (ت ٥٠٥ هـ). "طبقات الشافعية الكبرى" ٦/ ١٩١، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٣٢٢.
(٤) "الأذكار" ص ١٥٧.
[ ١ / ٥٧ ]
والسَّلامُ على سيِّدِنا
ومن غيرهم تضرُّع ودعاءٌ.
(والسلامُ) بمعنى التحية، أو السلامةِ من النقائصِ والرذائلِ (على سيِّدِنا) أي: أشرفِنا وأكرمِنا على الله تعالى
(ومِن غيرِهم تضرُّعٌ ودعاءٌ) أي: غيرِ الملائكةِ، فشمَل الآدميينَ والجِنَّ -لأنَّهم مثلُهم في التكليفِ كما سيجيءُ- وباقي الحيوانات، ونقل ابنُ حجرٍ والحافظُ السيوطيُّ في "فتاويهما" (^١) أنَّه لم يَرد أنَّ الجماداتِ كانت تصلِّي على النبيِّ ﷺ، وإنَّما ورَد أنَّها كانت تُسلِّم عليه، وعَطْفُ "دعاء" مِن عَطْفِ العامِّ على الخاصِّ، إذ التضرُّعُ هو الدعاءُ بابتهالٍ.
(بمعنى التحية) أي: زيادتُها، أي: اتجاه السلام إلى النبيِّ ﷺ. و(السلامة) مِن كلِّ سُوءٍ، فـ "أو" في كلام الشارح بمعنى الواو.
(على سيِّدنا) الإضافةُ فيه لتعريف العهدِ الخارجيِّ، أي: السيِّد المعيَّن المعلومِ عند أهلِ الملَّةِ، أي: سيِّد خيرِ الأُممِ أو البشرِ، أو المخلوقاتِ، وعلى كلِّ تقديرٍ يُفيد سيادتَه لجميع المخلوقات، فعُلم مِن كلامِه أنَّه ﷺ أفضلُ الخَلْق مطلقًا، وأمَّا قوله: "لا تُفضِّلوا بينَ الأنبياءِ" (^٢)، وقوله: "لا تُفضِّلوني على يونس" (^٣) ونحوهما؟.
_________________
(١) "الحاوي للفتاوي" للسيوطي ١/ ٥٧٢ بنحوه.
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو عند البخاري (٢٤١٢) بلفظ: "لا تخيروا" من حديث أبي سعيد الخدرى ﵁.
(٣) أورد بهذا اللفظ ابن حجر في "الفتح" ٦/ ٤١٣، ولم نقف عليه مسندًا، وقال ابن القيم في "الصواعق المرسلة" ٤/ ١٥٣٣: حديث مكذوب موضوع. اهـ. وأخرج البخاري (٣٤١٣)، ومسلم (٢٣٧٧) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: انا خيرٌ من يونس بن متَّى". وأخرجه أيضًا البخاري (٣٤١٢) عن ابن مسعود ﵁ بنحوه.
[ ١ / ٥٨ ]
محمَّدٍ
(محمَّدٍ)
أُجيب عنها: بأنَّه نَهى عن تفضيلٍ يُؤدِّي إلى تنقيصِ بعضِهم، فإنَّ ذلك كفرٌ، أو تفضيلٍ في نَفْسِ النبوَّة التي لا تَتفاوتُ في ذواتِ الأنبياءِ المتفاوتِين في الخصائصِ، وقد قال تعالى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وبأنَّه نَهَى قَبْلَ عِلْمه بأنَّه أفضلُ الخَلْق، ولهذا لمَّا عَلِمَ قال: "أنا سيِّدُ وَلَدِ آدمَ ولا فخرَ" (^١) أو أنَّه نَهى؛ تأدُّبًا وتواضعًا؛ ولئلا يؤدِّيَ إلى الخصومةِ، قال ملَّا علي قاري (^٢): وتعديتُه بـ "على"؛ لحصولِ الاستعلاءِ، وتَوهَّم بعضُهم أنَّ "على" مطلقًا للضررِ، واللامَ للنفعِ، وليس كذلك، بل هو مختصٌّ بفعلٍ، تارةً يتعدَّى باللامِ، ومرَّةً بـ "على"، كدعا له ودعا عليه، وشَهد له وشَهد عليه، وحَكم له وعليه، لا يُقال: صلَّى بمعنى دعا، فإنَّه لا يَلزم توافقُ المترادفَيْن في التعديةِ، ألَا ترى أنَّه لا يُقال: صلَّى له، مع أنَّ الصلاةَ إنَّما وردتْ بمعنى الدعاءِ بالخيرِ، فزال الإشكالُ مِن أصله.
والسَّيِّدُ: مَن سادَ في قومِه، بمعنى يَفوق قومَه ويَرتفع قَدْرُه، أو مَن كَثُرَ سوادُه، أي: جيشُه، أو مَن تُسرع الناسُ إليه عند الشدائدِ، أو الحَليم الذي لا يَستفزُّه غضبٌ، وعلى الكريمِ، وعلى المالكِ، ولا خفاءَ أن هذه جُمعت فيه ﷺ.
(محمَّدٍ) بدلٌ مِن "سيِّدنا" مقصودٌ بالذاتِ، والأوَّل توطئةٌ، فاندفَع ما يُقال: إنَّ جَعْلَه بدلًا يقتضي أن يكون المبدَل منه في حُكم الطَّرْح، فيَلزم أن يكونَ إثباتُ السيادةِ غيرَ مقصودٍ أصلًا، إذِ المقصودُ بالذاتِ الصَّلاةُ والسلامُ على محمَّد ﷺ، ويجوزُ أن يكونَ عطفَ بيانٍ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٣.
(٢) هو: نور الدين، علي بن سلطان بن محمد الهروي الحنفي المعروف بالقاري، الفقيه المحدث الأصولي المفسِّر المقرئ، من مصنفاته: "شرح المشكاة"، و"شرح الشمائل"، و"شرح الشفا". (ت ١٠١٤ هـ). "خلاصة الأثر" ٣/ ١٨٥، "معجم المؤلفين" ٢/ ٤٤٦.
[ ١ / ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَمٌ منقولٌ من اسمِ مفعولِ المضعَّف، سُمِّي به نبيُّنا بإلهامٍ من الله تعالى؛ تفاؤُلًا بأنَّه يكثر حمدُ الخَلْقِ له؛
جِيْءَ به للمدحِ، كما يَجِيْءُ النعتُ، فذلك لا يُفسِدُه؛ لتصريحِهم بأنَّ العَلَم يُنعَت ولا يُنعتُ به، وتقديمُ "سيِّدِنا" على "محمد" أبلغُ؛ للدلالةِ على علميَّتِهِ في السيادةِ.
(عَلَم منقولٌ) وقيل: مُرتَجل، ومشى عليه ابنُ معطي (^١)، وعن الزجَّاجِ (^٢): الأعلامُ كلُّها مُرتجَلة؛ لأنَّ النَّقْلَ خلافُ الأصلِ، فلا يَثبُت إلَّا بدليلٍ، وهو التصريحُ بقَصْد النَّقْل مِن الوَضْع.
(مِن اسمِ مفعولِ المضعَّف) أي: حمَّد بالتشديد، فهو المرادُ بالفعلِ المضاعفِ في عبارة غيرِه، أي: الفعلِ المكرَّر العينِ لا المصطلحِ عليه.
(سُمِّي به نبيُّنا بإلهامٍ من اللهِ تعالى) أي: سمَّاه به جدُّه عبد المطلبِ في سابعِ وِلادتِه لموتِ أبيهِ قبلها، فقيل له: لِمَ سمَّيت ابنَك محمدًا، وليس مِن أسماءِ قومِك؟ قال: رجوتُ أن يُحمَد في السماءِ والأرضِ (^٣). وقد حقَّق اللهُ رجاءَه -كما سبق في علمه- لا سيما إنْ صحَّ ما نُقل عن جدِّه أنَّه رأى سِلسلةً بيضاءَ خرجتْ منه أَضاء لها العالَم، فأُوِّلت بوَلَدٍ يَخرجُ منه يكون كذلك (^٤). وليكونَ على وَفْق تسميتِه تعالى له قَبْل الخَلْق بألفي عامٍ، على ما ورد عن
_________________
(١) هو: زين الدين، أبو الحسين، يحيى بن معطي بن عبد النور الزواوي المغربي الحنفي النحوي، فقيه مقرئ أديب، نحوي، لغوي، عروضيٌّ، من مصنفانه: "الدرة الألفية في علم العربية"، و"البديع في صناعة الشعر"، و"شرح الجمل في النحو". (ت ٦٢٨ هـ). "بغية الوعاة" ٢/ ٣٤٤، "سير أعلام النبلاء" ٢٢/ ٣٢٤.
(٢) في الأصل: "ابن الزجاج". وهو خطأ، والزجَّاج ستأتي ترجمته ص ٩٧، وأورد ابن هشام قول الزجاج هذا في "أوضح المسالك" ١/ ١٢٧.
(٣) "السيرة النبوبة" لابن هشام ١/ ١٥٨، و"البداية والنهاية" ٣/ ٣٨٤، و"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني ١/ ٦.
(٤) "الروض الاُنف" للسهيلي ١/ ١٨٢ بنحوه.
[ ١ / ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي نُعيم (^١)، وروى ابنُ عساكرٍ (^٢) عن كعبِ الأحبارِ، أنَّ آدمَ رآهُ مكتوبًا على ساقِ العَرْش، وفي السماواتِ، وعلى كلِّ قصرٍ، وعلى نحورِ الحور العِين، وعلى ورق شجرةِ طُوبى، وسدرةِ المنتهى، وأطراف الحُجُب، وبينَ أعيُن الملائكةِ.
ولم يُسمَّ به أحدٌ قَبْله، لكن لمَّا قَرُبَ زمنُه، ونشَر أهلُ الكِتابِ نعتَه، سمَّى به قومٌ أولادَهم؛ رجاءَ النبوَّة لهم، واللهُ أعلم حيثُ يَجعلُ رسالاتِه، وعِدَّتُهم خمسةَ عشَر، وقيل: تسعةَ عشَر، وقيل: غير ذلك (^٣). ونقل المرداويُّ (^٤) شيخُ المصنِّف عن بعضِهم: وأمّا أحمدُ فلم يُسمَّ به قَبْلَ النبيِّ ﷺ أحدٌ، لكن لَمْ يكنْ محمَّدًا حتى كان أحمدَ، فنبَّأه وشرَّفه، فلذلك يُقدَّم اسمُ أحمدَ على اسمِ محمَّد، فذكَرَه عيسى ﵇، فقال: اسمُه أحمدُ، وذكَرَه ربُّه حين قال: تلك أمَّةُ أحمد، فقال: اللَّهمَّ اجعلني مِن أمَّة أحمدَ. فبأحمدَ ذُكر قبل أن يُذكر بمحمَّد، وكان قَبلَ حَمْدِ الناسِ له، فلما وُجد وبُعث، كان محمدًا بالفِعْل (^٥).
واشتُقَّ له ﷺ مِن الحمدِ اسمان، أحدهُما يُفيدُ المبالغةَ في المحموديَّة، والآخَرُ يُفيدُ
_________________
(١) هو: أبو نعيم المِهراني الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق، من تصانيفه "الحلية" و"المستخرج على الصحيحين"، و"تاريخ أصبهان"، و"صفة الجنة"، وكان أسندَ أهل الآفاق في زمانه. (ت ٤٣٠ هـ). "طبقات الشافعية" للسبكي ٤/ ١٨، "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٤٥٣، ولم نقف على كلامه في المطبوع من "دلائل النبوة".
(٢) هو: ثقة الدين، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، ابن عساكر الدمشقي الشافعي، وكان فَهمًا حافظًا متقنًا ذكيًا بصيرًا، من مصنفاته: "تاريخ دمشق"، و"عوالي مالك" و"غرائب مالك"، و"فضائل أصحاب الحديث". (ت ٥٧١ هـ). "طبقات الشافعية" للسبكي ٧/ ٢١٥، "سير أعلام النبلاء" ٢٠/ ٥٥٤، والأثر في "تاريخ مدينة دمشق" ٨/ ١٦٩ - ١٧٠، وما بين حاصرتين استدركناه منه.
(٣) "الشفاء" للقاضي عياض ١/ ٤٤٦، و"المواهب اللدنية مع شرح الزرقاني" للقسطلاني ٣/ ١٥٩ بنحوه.
(٤) لعله محمد بن أحمد المرداوي القاهري الحنبلي. (ت ١٠٢٦). "خلاصة الأثر" ٣/ ٣٥٦، و"تسهيل السابلة" ٢/ ١٥٤٦.
(٥) ينظر "الروض الأُنُف" ١/ ١٨٢ - ١٨٣ بنحوه.
[ ١ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المبالغةَ في الحامديَّة، وهو أحمد، واشتهر الأوَّل مِن بينِ الاسمينِ اشتهارًا أكثرَ، ولذا اختارَهُ المصنِّف من بين أسمائِه، وخصَّ به كلمة التوحيدِ؛ لأنَّه أنسبُ بما لَه مِن مناقبِ المحموديَّة، وذكَر ابنُ الحاج (^١) في "المدخل" (^٢) عن الحسنِ البصريِّ: إنَّ اللهَ تعالى ليُوقِف العبدَ بين يدَيْه، اسمُه أحمدُ أو محمَّد، فيقول: يا عبدي أمَا تَسْتحي وأنتَ تَعصيني، واسمُك اسمُ حبيبي؟ فيُنكِّسُ العبدُ رأسَه حياءً، ويقول: اللهمَّ إنِّي قد فعلتُ. فيقول اللهُ ﷿: يا جبريلُ، خُذْ بيدِ عبدي وأَدخله الجنةَ، فإنِّي أَستحي أَنْ أُعذِّب بالنارِ مَن اسمُه اسمُ حبيبي (^٣).
وأمَّا حروفُ اسمِه ومعانيها، فقال قومٌ: إنَّ معنى الميمِ: مَحْقُ الكفرِ بالإسلام، أو مَحْيُ سيئاتِ مَن اتَّبعه. وقيل: الميمُ: مَنُّ اللهِ على المؤمنين بمحمَّد ﷺ، دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقيل: الميمُ: مُنذِر ومبشِّر. وقبل الميم: مَلِكُ أمَّته. وقيل: المقامُ المحمودُ.
أما الحاءُ، فقيل: حُكمه بين الخَلْق بحكم اللهِ تعالى، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] وقيل: حياةُ أمَّته به.
وأما الميمُ الثانيةُ: فمغفرةُ اللهِ لأمَّته. وقيل: مُنادي الموحِّدين. وقيل: مَلِكُ أمَّته. وأما الدالُ: فهي الدَّاعي إلى اللهِ تعالى ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾
_________________
(١) هو: أبو عبد الله، محمد بن محمد العبدري، الفاسي الشهير بابن الحاج، عالم شارك في بعض العلوم، ولد بفاس وقَدِم مصر، وكُفَّ بصره في آخر عمره، ومن مصنفاته: "شموس الأنوار وكنوز الأسرار في علوم الحروف وماهيته"، و"مدخل الشرع الشريف على المذاهب الأربعة"، و"الأزهار الطيبة النشر". (ت ٧٣٧ هـ). "الديباج المذهب" ٢/ ٣٢١، "الدرر الكامنة" ٤/ ٢٣٧.
(٢) وهو: "مدخل الشرع الشريف على المذاهب الأربعة" قال ابن حجر: هو كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها، وأكثرها مما ينكر، وبعضها ممّا يحتمل. "كشف الظنون" ٢/ ١٦٤٣.
(٣) هذا كلام باطل؛ لقول النبي ﷺ: "ومن بطَّأَ به عمله، لم يُسرع به نسبُه"، ولقوله:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" رواهما مسلم (٢٦٩٩) و(٢٥٦٤) (٣٤).
[ ١ / ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الأحزاب: ٤٦] فهو دليلُهم في الدنيا، ودليلُهم في الآخرة إلى الجنَّة، ذكَره النيسابوريُّ (^١).
وأما وقوعُ الأحرفِ على الترتيبِ والشكلِ الخاصِّ، فقيل: لأنَّ اللهَ تعالى خلَق الخَلْق على صورةِ محمَّد ﷺ، فالميمُ بصورةِ رأس الإنسانِ، والحاءُ بمنزلةِ اليَدَيْن، وباطنُ الحاءِ كالبطن، وظاهرُها كالظَّهْر، والميمُ مجتمعُ الأَليتين والمخرج، وطرفا الدالِ كالرِّجْلَين (^٢).
وفي اسمِه عشرُ خصائصَ: أضاف اللهُ تعالى اسمَه إلى نفسِه. والثاني: خلَق الخَلْق على صورةِ اسمِه. والثالث: قرَنَ اسمَه مع اسمِه. الرابعُ: كتَب اسمَه على ساقِ العرْشِ، ويُروى أنَّ اللهَ تعالى لما خلَق العرشَ اضطربَ، فلما كتبَ عليه محمدًا، سكنَ، وفيه تنبيةٌ على أنَّ هذا المخلوقَ الأكبرَ لم يَسكُن حتى كُتب اسمُ هذا المكتوبِ الأكبرِ عليه. الخامس: اشتقاقُ اسمِه مِن اسمِه المحمودِ. السادس: جَرْيُ سفينةِ نوحٍ باسمِه. السابع: وافقَ اسمُه اسمَ اللهِ في عددِ الحروفِ. الثامن: سُخِّرت الشياطينُ لسليمانَ بذكر اسمِه. التاسع: تاب اللهُ على آدم باسمِه، قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] ورُوي أن آدمَ لما رأى اسمَ محمَّدٍ مكتوبًا في العرشِ، قال: اللهمَّ إنِّي أسألك بحقِّ محمدٍ أنْ تتوبَ عليَّ، فتاب عليه. والعاشر: كُني آدمُ بأبي محمَّد دونَ سائر أولادِه، فكُني بأشرفِ بَنيْه (^٣).
_________________
(١) هو: نظام الدين، الحسن بن محمد بن الحسين القُمِّي النيسابوري المفسِّر، له اشتغال بالحكمة والرياضيات، أصله من بلدة "قُم"، ومنشأهُ وسكنه بنيسابور، له كتب منها: "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" يعرف بـ "تفسير النيسابوري"، و"أوقاف القرآن"، و"لبّ التأويل"، و"شرح الشافية". (ت ٧٢٨ هـ). "بغية الوعاة" ١/ ٥٢٥، "الأعلام" ٢/ ٢١٦. والكلام في "تفسير النيسابوري" ٢٢/ ٢٢، و"سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي ١/ ٥٠٢ بنحوه.
(٢) في الأصل: "كالمخرج"، والتصحيح من "سبل الهدى" ١/ ٥٠٢، و"شرح المواهب اللدنية" ٣/ ١٥٤ - ١٥٥، وهذا الكلام لا يليق بمقام النبيِّ ﷺ.
(٣) "المواهب اللدنية مع شرح الزرقاني" للقسطلاني ٣/ ١٥٤ - ١٥٥، و"سبل الهدى والرشاد" ١/ ٥٠١ - ٥٠٢ بنحوه. وخبر اضطراب العرش أخرجه الحاكم ٢/ ٦١٥ عن ابن عباس ﵄ موقوفًا، وقال: هذا خبر صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقَّبه الذهبي بقوله: أظنه موضوعًا على سعيد. وخبر توبة آدم أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦٥٠٢)، والحاكم ٢/ ٦١٥ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وتعقَّبه الذهبي بقوله: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ. اهـ. وما ذُكر مبالغات لا يناسب إيرادها هنا، ومنزلته ﷺ الرفيعة ثابتة بنصوص واضحة ليست فيها هذه المبالغات.
[ ١ / ٦٣ ]
وعلى آلِهِ
لكثرةِ صفاتِه الجميلة.
(وعلى آله) أي: أتباعه على دينهِ
(لكثرة صفاته الجميلة) قال الدَّنوشري: قال بعضُهم: لو قال: لكثرةِ حَمْدِ الناسِ له، لكان أحسنَ؛ لأنَّه المناسبُ لكونِه اسمَ مفعولٍ، وقد يُقال: مَن كثُرت خصالُه الحميدةُ، حُمد بها، فكثرةُ الصفاتِ الجميلةِ يَلزمها كثرةُ الحمدِ، ولا يَلزم مِن كثرةِ الحمدِ كثرةُ الصفاتِ الجميلةِ. ياسين.
(وعلى آله) عطفٌ على الجارِّ والمجرورِ، لا على الجارِّ وحدَه؛ بدليل إعادتِه، ففي إعادتِه الإشارةُ إلى أنَّ الصلاةَ عليهم مطلوبةٌ بالنصِّ (^١)، بخلاف استحبابِها على الأصحابِ، فإنَّه بطريقِ الإلحاقِ بالأوَّل، ولهذا أسقطَها فيه، والرَّدُّ على الشيعةِ القائلينَ بمَنْعها، وأنَّه يَجبُ تركُ الفصلِ بينه وبين "آله" ويَنقلون في ذلك حديثًا موضوعًا (^٢)، وهي هنا مجرَّدة عن المضرَّة، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل: ٧٩] فَلا يَرد أنَّ الصلاةَ بمعنى الدعاءِ، وإذا استُعمل الدعاءُ مع كلمة "على" تكون للمضرَّة، مع أنّه يُمكن الفرقُ بين صلَّى عليه، ودعا عليه.
هذا وكلمةُ "آلِه" اسمُ جمعٍ لا واحدَ له مِن لفظِه، واختُلف في أَلفه، منقولة عن هاءٍ أو
_________________
(١) وهو ما أخرجه البخاري (٤٧٩٧)، ومسلم (٤٠٦) عن كعب بن عجرة ﵁: قيل: يا رسول الله، أمَّا السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد". لفظ البخاري.
(٢) لعله يريد ما أورده السخاوي في "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" ص ٧٠، وابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة" ٢/ ٤٣٠ قالا: ويروى: "لا تُصلوا عليَّ الصلاة البتراءَ" قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟ قال: "تقولون: اللهم صلِّ على محمد، وتُمسِكون، بل قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد". قال السخاوى: لم أقف على إسناده.
[ ١ / ٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن واوٍ؟ قال ياسين بالأوَّل، وأصلُه عنده أهل، قُلبت الهاءُ همزةً، والهمزةُ ألفًا (^١)، لا يُقال: هلَّا قلبت الهاء ابتداءً ألفًا؛ لأنَّ قلبَها ألفًا لم يَجِئ في موضعٍ آخرَ حتى يقاس (^٢) عليه، وأمَّا قَلْبُها همزةً، فشائعٌ، فإن قيل: القلبُ عندهم للتخفيف (^٣)، وفي قَلْب الهاءِ همزةً ثِقَلٌ؟.
أُجيب: بأنَّه إنَّما قَلبوها همزةً؛ للتوصل إلى قَلْبها ألفًا، وهي أخفُّ، واستدلَّ لذلكَ بتصغيرِه على أهيل (^٤)؛ لأنَّ التصغيرَ يَرُدُّ الأشياءَ إلى أُصولها. وفي "القاموس" (^٥): إنَّ تصغيرَه أُهيل، وأويل. فلا دلالةَ في التصغيرِ على تعيينِ أحدِهما، كما هو المشهور.
ونظَر فيه بعضُهم أيضًا بأنَّه يَجوز أنْ يكونَ أُهيل تصغير أهل لا آل، والدليلُ إذا طرقَه الاحتمالُ سقَط به الاستدلالُ؛ لما حكاه الكسائيُّ (^٦) أنَّه سَمع أعرابيًا فصيحًا يقول: أَهل وأُهيل، وآل وأويل.
أجاب شَنَواني (^٧): بأنَّ أئمَّة اللغةِ نَقلوا أنَّه تصغيرُ آل، ولعلهم فَهموا ذلك مِن كلامِ
_________________
(١) "لسان العرب" (أهل).
(٢) في الأصل: "يقال".
(٣) في الأصل: "للتحقيق".
(٤) "الكشاف" للزمخشري ١/ ٢٧٩ بنحوه.
(٥) مادة: (أَوَلَ).
(٦) هو: أبو الحسن، علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي الكوفي، المعروف بالكسائي، مقرئ مُجوِّد لغوي نحوي، أخذ اللغة من أعراب الحطيمة، وقرأ عليه خلقٌ كثير ببغداد وبالرقة وغيرهما من البلدان، من تصانيفه: "المختصر في النحو"، و"معاني القرآن"، و"القراءات". (ت ١٨٩ هـ) "بغية الوعاة" ٢/ ١٦٢، "طبقات المفسرين" ١/ ٣٩٩، "سير أعلام النبلاء" ٩/ ١٣١، وينظر كلامه في "لسان العرب" (أول).
(٧) هو: أبو بكر، إسماعيل بن عمر بن علي بن وفا الشنواني، له "حلية الكمال بأجوبة أسئلة الجلال"، و"منهاج الهدى إلى مجيب النوا إلى شرح قطر الندى" على "شرح الفاكهي". (ت ١٠١٩ هـ). "خلاصة الأثر" ١/ ٧٩، "معجم المؤلفين" ١/ ٣٦٦. ووقع في "خلاصة الأثر" ١/ ٧٩، و"الأعلام" ٢/ ٦٢: أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين عمر بن علي الشنواني.
[ ١ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العربِ بقرائن، وهُم ثقاةٌ في النقلِ جدًّا، وانظر ثمرةَ الخلافِ مع بلوغِ ذلك للكسائي، وما ورَد عنه. ويُمكن أن يُقال: إنَّما اشتَهر عنه القولُ بـ: أويل، وإنْ كان يقولُ بـ: أُهيل أيضًا؛ لمخالفتِه لسيبويه في أُهيل (^١). فإن قيل: لو كان أوَلٌ أصلًا لآل، لنطَق به العربيُّ، فقال: وأوَلٌ وأُوَيلٌ؟.
أُجيب: بأنَّه إنَّما لم يَنطق بذلكِ الأصلِ؛ لأنَّه مرفوضٌ في كلامِهم؛ لأنَّ كلَّ واوٍ متحركةٍ وَقعت إِثْرَ فتحةٍ، لا يُنطَق بها، فجاز أن يكونا عند الكسائيِّ [مادتين مختلفتين] (^٢)، كما قال الدمامينيُّ (^٣).
وجاز أن يكون: "آل" له أَصلان: أهل وأول، فصُغِّر على أُهيل؛ باعتبارِ الأول، وعلى أُويل؛ باعتبار الثانى، وقال بالثاني الكسائيُّ، وأَصله عنده أول، من: آل يؤول إلى كذا، إذا رجَع إليه بقرابةٍ ونحوِها، تحرَّكت الواوُ وانفتحَ ما قبلها، قُلبت ألفًا، واستدلَّ بتصغيرِه على أُويل (^٤).
فإن قيل: الاستدلالُ بالتصغيرِ فيه دَوْرٌ (^٥)؛ لأنَّ المصغَّر فرعُ المكبَّر، وقد توقَّف العِلْم بأصالة ذلك الحرفِ في المكبَّر على أصالته في المصغَّر؟.
قلت: الجوابُ بمَنْع الدورِ؛ لأنَّ تقُّفَ الفرعيَّةِ على ما ذُكر توقُّفُ وجودٍ لا توقُّف عِلْم، وتوقُّف أصالةِ الحرتِ على ما ذُكر توقُّفُ عِلْم لا توقُّفُ وجودٍ، فلم تتَّحدْ جهةُ التوقُّف.
_________________
(١) "الدر المصون" للسمين الحلبي ١/ ٣٤١ - ٣٤٢ بنحوه.
(٢) في (الأصل): "مادتان مختلفتان".
(٣) في "حاشيته على مغني اللبيب" ١/ ١١٨.
(٤) "الدر المصون" ١/ ٣٤٢ بنحوه.
(٥) الدور: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، كما يتوقف (أ) على (ب) وبالعكس. "التعريفات" للجرجاني ص ١٤٠.
[ ١ / ٦٦ ]
وصَحْبِه
(وصحبِه) اسم جمعٍ لصاحب
لا يقال: اختصاصُهُ بأُولي الخطرِ والشرفِ يَمنع من التصغيرِ؛ لأنَّ المعتَبر فيه الشرفُ باعتبار المضافِ إليه دونَ ذواتِهم، ولو سَلِمَ، فالتحقيرُ باعتبارٍ لا يُنافي الخطَر باعتبارٍ آخَرَ، مع أنَّ الخطرَ والشرفَ تتفاوتُ مراتبُه بحسَب الإضافاتِ. وأيضًا فالتصغيرُ يكون للتعظيمِ وهو مخصوصٌ بالإضافةِ إلى المعارفِ الناطقةِ دون النكراتِ ودون الأَزمنة والأمكنةِ، يقال: آلُ فلانٍ، ولا يُقال: آلُ رجلٍ، ولا آلُ زمانِ كذا، ولا موضعِ كذا، كما يُقال: أَهلُ زمانِ كذا، وبلدِ كذا، ومخصوصٌ أيضًا بالإضافةِ إلى مَن له خطرٌ في الدِّينِ أو الدنيا مِن الذُّكور، فلا يُقال: آل الإسكاف والحائِكِ، وآل فاطمة، بخلافِ "أَهل"، فإنَّه لَأعمّ مِن ذلك، وإنَّما قيل: آل فرعون؛ لتصوُّره بصورةِ الأَشراف، أو لأنَّ له شرفًا باعتبارِ الدنيا (^١). شَنَواني.
(وصحبه) بينَه وبينَ الآلِ -على المشهورِ- عمومٌ وخصوصٌ مِن وجهٍ، فالعطفُ مغايرٌ، يجتمعان في سيِّدنا الحسن والحسين، وينفردُ الصحب في سيِّدنا أبي بكر الصديق، وينفردُ "الآلُ" في الأَشراف الآن، وعلى إرادةِ جميع أمَّة الإجابةِ -على ما ذهبَ إليه إمامُنا ابنُ حنبلِ في مَقام الدعاءِ- فالعطفُ مِن عطفِ الخاصِّ على العامِّ (^٢)؛ لشرفِهم واستحقاقِهم مزيدَ الدعاءِ بكثرةِ نَقْلِهم الشرائعَ إلينا عن صاحبِ الشريعةِ، فلا جرم لهم الدعاءُ مرَّتين بالعمومِ والخصوص، وبهذا عُلم أن بينَ "الصَّحْبِ" و"الآلِ " [عمومًا وخصوصًا] (^٣) مطلقًا.
(اسمُ جمعٍ لصاحب) كَركْب اسمُ جمعٍ لراكبٍ؛ لأنَّ "فَعْلًا"، ليس من أَبنبة الجمعِ، خلافًا لأبي الحسن الأخفش (^٤)، واسمُ الجمعِ: هو ما وُضع لمجموعِ الآحادِ دالَّا عليها
_________________
(١) "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢٦٥، و"البحر المحيط" لأبي حيان ١/ ١٨٨ بنحو.
(٢) "شرح جوهرة التوحيد" للصاوى ص ٢٧ بنحوه.
(٣) في الأصل: "عمومٌ وخصوصٌ".
(٤) هو: سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي، نحوي لغوي عَرُوضي، أخذ عن سيبويه والخليل بن أحمد، من تصانيفه: "الأوسط في النحو"، و"معاني القرآن"، و"الاشتقاق". (ت ٢١٥ وقيل: ٢١٠ وقيل: ٢٢١ هـ). "بغية الوعاة" ١/ ٥٩٠، "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٢٠٦.
[ ١ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمعنى الصحابي، وهو مَن اجتمع بالنبيِّ ﷺ ولو لحظةً، وإن لم يَرَهُ ولم يرْوِ عنه، مؤمنًا
دلالةَ المفرَدِ على جملةِ أجزاءِ مسمَّاه. والجمعُ: ما وُضع لمجموعِ الآحادِ المجتمعةِ دالًّا عليها دلالةَ تَكرارِ الواحدِ بالعطفِ. أشموني في خاتمة جمع التكسير (^١).
(بمعنى الصحابي) أي: إنَّ "صاحبَ" ليس المرادُ به معناه الأَصلي مِن أنَّه مَن طالَتْ معاشرتُه واجتماعُه، وإنما المرادُ به الصَّحابيُّ الذي هو مَنِ اجتَمع … إلخ.
(وهو) أي: الصَّحابيُّ في مَقامِ الدعاءِ، بأَنْ أُريد تعريفُ حقيقةِ الصحابيِّ، أي: مَن يصحُّ أَنْ يُطلَق عليه اسمُ الصحابيِّ، فلا حاجةَ إلى زيادةِ: وماتَ على ذلك، فكان الأوْلى زيادةُ: "وهو هنا"، وإسقاط: وماتَ على ذلك.
(مَن اجتمعَ) في تعبيرِه بـ: "اجتمعَ" إشعارٌ باشتراطِ اتِّصافه بالتمييزِ حين اللقاءِ، والمعتمدُ أنَّه لا يُشتَرط التمييزُ، فالأَولى أنْ يعبِّر بالنفي؛ لأنَّه أقلُّ إيهامًا مِن هذا، ودفَع ذلك الشارحُ بقولِه: "ولو لحظة" فَلَم تُشتَرط الإطالةُ في اجتماعِه بالمصطفى ﷺ، هذا هو الصحيحُ مِن الخلافِ فيه، بخلافِ التابعيِّ وهو صاحبُ الصحابيِّ، فلا بُدَّ فيه من الطُّول من الأَخذِ.
والفرقُ أنَّ (^٢) الاجتماعَ به ﷺ ولو لحظةً يؤثِّر مِن النورِ القلبيِّ أضعافَ ما يُؤثِّرُه الاجتماعُ بالصحابيِّ، ولهذا كانَ الأعرابيُّ الجِلْفُ بمجرَّد اجتماعِه به ﷺ يَنطِق بالحكمةِ لوقتِه، ببركةِ طلْعتِه الشريفةِ ﷺ، ومن ذلك كانت تربيتُه ﷺ للصَّحابةِ، فكانوا يستغنونَ برؤيةِ طلعتِه الشريفةِ عن كلِّ رياضةٍ ومجاهَدةٍ، ويَنتفعون بأنوارِ طَلعته السعيدةِ أكثرَ ما يَنتفعون بالأذكارِ في مدَّة مديدةٍ، ولهذا كانت درجةُ الصُّحبةِ لا تُضاهى، والمرادُ بالاجتماعِ المتعارَفُ، وهو: أن يكونَ بالأبدانِ في عالَم الدنيا لا ما وَقَع على سبيلِ خَرْقِ
_________________
(١) في" شرحه على ألفية ابن مالك" ٤/ ١٢٧ (بهامش حاشية الصبان).
(٢) في الأصل: (و)، ولعل الصواب ما أُثبت.
[ ١ / ٦٨ ]
وتابِعيهم أجمعِين.
ومات مؤمنًا.
(وتابعيهم) أي: تابعي الصَّحْب؛ يقال: تبعه -من بابَيْ ضَرَبَ وسَلِمَ- إذا مشى خلفَه، وهو اصطلاحًا: من اجتمع بالصحابي. والمراد هنا مَن اقتدى بهم في أقوالهِ وأفعالهِ إلى يوم القيامة (أجمعين) تأكيد للآلِ والصحبِ والتابعين؛ مفيدٌ للإحاطةِ (^١) والشمولِ.
العادة، فيَخرجُ اجتماع الأنبياءِ بهِ ﷺ ليلةَ الإسراءِ في السماءِ (^٢)، ورؤيتُه في المنامِ أو اليقظةِ بعدَ موتِه (^٣)، والملائكة تلكَ الليلة أو غيرِها.
(ومات مؤمنًا) مفهومُه: أنَّه لو ارتدَّ أحدٌ مِن الصحابةِ ثُمَّ أسلم، ومات مؤمنًا، لم يَزُلْ عنه وصفُ الصُّحبةِ، وهو كذلك، على ما ذهبَ إليه المصنِّف في "شرحه للمنتهى" (^٤) وهو مبنيٌّ على أنَّ إحباطَ العملِ بالرِّدَّة مشروطٌ بالموتِ على الكُفر، لا بمجرِّد الرِّدَّة؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الآية [٢١٧ من سورة البقرة] وهو أحدُ قوليْن في المسألةِ، والثاني: أنَّ الرِّدَّةَ تُحبِط العملَ بمجرَّدها.
(والمراد) به (هنا) أي: والمرادُ بالتابعيَّ في مقامِ الدعاء.
(مَن اقتدى بهم) أي: تَبعَ الصحابةَ.
(في أقوالِه) الضميرُ راجعٌ لـ: "مَنْ"، ولذا أَفرده.
(مفيد للإحاطةِ والشُّمولِ) كان الأولى إسقاطُ: "مفيد"؛ لأنَّ هذا توكيدٌ للإحاطةِ والشمولِ المستفادَيْن مِن "آله وصحبه"؛ لأنَّ اسمَ الجمعِ المضاف يفيدُ العمومَ. أفاده ياسين.
_________________
(١) في (س): "لإفادة الإحاطة".
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤)، وأحمد (١٧٨٣٥) من حديث مالك بن صعصعة ﵁.
(٣) لا تصحُّ رؤية النبيَّ ﷺ في اليقظة بعد موته، وهي من تلاعب الشيطان بضُلَّال أهل القبلة، وبحسب قلَّة علم الرجل يضلُّه الشيطان. "مجموع الفتاوى" لابن تيمبة ٢٧/ ٣٩١ - ٣٩٢.
(٤) شرح منتهى "الإرادات" لمنصور البهوتي ١/ ١٠.
[ ١ / ٦٩ ]
وبَعْدُ:
(وبعدُ) كلمةٌ يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر،
(وبعدُ) حاصلُ ما ذَكره الشارحُ أنَّه تكلَّم عليها مِن ثلاثةِ أوجهٍ: الأول: فيما تُستَعمل فيه: (يُؤتَى بها للانتقالِ مِن أسلوبٍ الى آخَرَ) أي: بعدَ ما تقدَّم مِن البسملةِ والحمدلةِ والصلاةِ على من ذُكر، فهذا مختصرٌ، فلا يَسوغُ الإتيانُ بها في أوَّل الكلامِ، أي: لا يَليقُ ولا يُستحسنُ، ولا في آخرِه، بل بين كلامَيْن متغايرَيْن، ثمَّ إذا كان بين الكلامَيْن تناسبٌ، سُمِّيَ الانتقالُ مِن الكلامِ الأوَّل للثاني تخلُّصًا (^١)، وإذا كان بينهما نَوعُ مناسبةٍ، سُمِّيَ ذلك الانتقالُ اقتضابًا قريبًا من التخلُّص، كما هنا، وإذا لم يكن بينهما مناسبةٌ أصلًا، سُمَّيَ اقتضابًا (^٢)، وهو القَطْعُ، سُمِّيَ بذلك؛ لأن المتكلِّمَ قطَعَ الكلامَ الأوَّلَ وأتى بكلامٍ آخرَ مغايرٍ للأوَّل.
الثاني: في حُكمها: بأن الإتيان بها يُسَنُّ؛ للاقتداءِ، بالنبيِّ ﷺ؛ لأنَّه كان يَأتي بها في خُطَبه وكُتُبه، كلما ثبت في صحيح الأخبارِ عن الأئمة الأخيارِ، بل رواه عبد القادر الرُّهاويُّ (^٣) عن أربعين صحابيًّا، لكن الثابت إنَّما هو إتيانُه بأصلِها وهو "أما بعد" على ما مَشى عليه الشارحُ. وأما "وبعد" فهل الإتيانُ بها سنَّة أيضًا قياسًا؛ لأنَّ ما ثبتَ للأصلِ يثبت لفرعهِ، أو اقتصارًا على ما ورَد، لكن أَتى ابنُ عبدِ الحقِّ كالشارحِ بما يَقتضي التفرقةَ بينهما، حيث
_________________
(١) التخلُّص: هو الانتقال ممَّا افتتح به الكلام الى المقصود مع رعاية المناسبة. "موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم" للتهانوي ١/ ٢٩٨.
(٢) الاقتضاب: هو الانتقال ممَّا افتتح به الكلام إلى المقصود من غير مناسبة. "موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم" ١/ ٢٤٥.
(٣) هو: أبو محمد، عبد القادر بن عبد الله بن عبد الله الرُّهاوي الحنبلي، السفّار، من موالي بعض التجار، ولد بالرها، ونشأ بالموصل، كان ثقة حافظًا، راغبًا في الانفراد عن أرباب الدنيا، من مصنفاته: "أربعين البلدان" و"المادح والممدوح". (ت ٦١٢ هـ). "تذكرة الحفاظ" ٤/ ١٣٨٧، "سير أعلام النبلاء" ٢٢/ ٧١. وأورد ابن حجر في "فتح البارى"، ٢/ ٤٠٦ عن الرهاوي أنه أخرج الأحاديث التي وقع فيها: أما بعد. في خطبة كتابه الأربعين المتباينة عن اثنين وثلاثين صحابيًا.
[ ١ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال، عند قولِ شيخ الإسلامِ: وبعد: وأتى بها اقتداءً بغيرِه، وقد كان النبيُّ ﷺ يَأتي بأصلِها في خُطَبه، وهو: "أما بعد"؟
أُجيب: بأنَّ اقتصارَ بعضِ المصنِّفين كالمصنِّف على "وبعد"؛ إمّا للاختصارِ، أو لأنَّهم فَهموا أنَّ المدارَ على لفظِ "بعد" لا على لفظِ "أما"، فأَتوا بالواو مكانَها.
واختُلف في أوَّل مَن تكلَّم بها؟ فقيل: قسُّ بنُ سَاعِدة (^١)، وقيل: يَعرُبُ بنُ قَحطانَ (^٢)، وقيل: إنَّها فصلُ الخطابِ الذي أُوتيَه داودُ (^٣)، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، وقد نظم ذلك بعضُهم فقال:
جَرى الخُلْف أمَّا بعد مَن كان قائِلًا … لها خمسُ أقوالٍ وداود أقربُ
وكانت له فَصْلَ الخطابِ وبعدَه … فقُسٌّ فسحبانٌ فكعبٌ فيعربُ (^٤)
_________________
(١) هو: قُسُّ بنُ ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك، من بني إياد: أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم ويقال: إنه أولُ عربي خطب متوكئًا على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه: "أما بعد"، وأدركه النبي ﷺ قبل النبوة، وقال في شأنه: "يحشر أمّة وحدَه". (ت ٢٣ ق هـ). "خزانة الأدب" للبغدادي ٢/ ٨٩، "معجم الشعراء" للمرزباني ص ٢٢٢.
(٢) هو: يعرب بن قحطان بن عابر، أحد ملوك العرب في جاهليتهم الأولى، يوصف أنه من خطبائهم وحكمائهم وشجعانهم، وهو أبو قبائل اليمن كلها، وبنوه العرب العارية، وقيل: إنه أوّلُ من قال الشعر ومدح ووصف وقَصَّ وَشبّب، مات بصنعاء بعد أبيه بنحو ثلاثين عامًا. "تاريخ ابن خلدون" ٢/ ٤٧، "الأعلام" ٨/ ١٩٢.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في "الأوائل" (١٩١)، والطبراني في "الأوائل" (٤٠) عن أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا، قال ابن حجر في "فتح الباري" ٢/ ٤٠٤: وفي إسناده ضعف ا. هـ. وأخرج الطبري في "تفسيره" ٢٠/ ٥١ عن الشعبي في قوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] قال: قول الرجل: أمَّا بعدُ.
(٤) نسبها الرحيبانيُّ صاحب "مطالب أولي النهى" ١/ ١٨ الى الشمس الميداني، ولعله شمس الدين، محمد بن محمد بن يوسف الميداني، وهو فقيه، أصله من حماة، ومولده في الميدان بدمشق، له: "حاشية على شرح التحرير" في فقه الشافعية. (ت ١٠٣٣ هـ). "خلاصة الأثر" ٤/ ١٧٠، "الاعلام" =
[ ١ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: غيرُ ذلك.
ومن المعلوم أنَّ لها في العربية أربعَ حالاتٍ:
الأولى: أن يَذكُر ما تُضاف إليه.
الثانية: أنْ يَحذِف ما تُضاف إليه، ويَنوي ثبوتَ لفظِه.
الثالثة: أن يَحذِف ما تُضاف إليه، ويَنوي معناه دون لفظه.
الرابعة: أن يَحذِف ما تُضاف إليه، ولا يَنوي شيئًا، فإذا ذُكر ما تضافُ إليه فتعربُ نصبًا على الظَّرفيَّة أو خفضًا بـ "من" (^١)، تقول: جئتُ بعدَ زيدٍ ومِنْ بَعْدِ عمروٍ، فجئتُ: فعلٌ وفاعلٌ بعدَ: منصوب على الظرفيَّة، ونصبها الفتحةُ، وهي مضافٌ. وزيدٍ: مضافٌ إليه. ومِن بعدِ عمروٍ: جارٌّ ومجرورٌّ، ومضافٌ ومضافٌ إليه. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٦] الفاء: بحسب ما قَبْلها، وبأيِّ جارٌّ ومجرورٌّ. وأي: مضافٌ إليه. وحديثٍ: مضافٌ إليه. بَعْدَ: ظرفٌ منصوب على الظرفيَّة، ومضافٌ ومضافٌ إليه. وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣]، فمن بعد: جارٌّ ومجرورٌّ. ما: نافيةٌ. أهلكنا: فعلٌ وفاعلٌ. القرونَ: مفعولٌ، والأُولى: صفةٌ.
وإذا حذفَ ما تُضاف إليه ونوي ثبوت لفظِه، فتعربُ الإعرابَ المذكورَ، ولا تُنوَّنُ؛ لنيَّة الإضافةِ، تقول: جئتُ بَعْدُ. ومِنْ بَعْدُ، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد﴾ [الروم: ٤].
وإذا حُذف ما تُضاف إليه ولم يَنوِ شيئًا، أي: قُطعتْ عنِ الإضافةِ لفظًا ومعنًى، فتُعربُ أيضًا الإعرابَ المذكورَ، ولكنها تنوَّن، وتخرُج عن الظرفيَّة؛ لأنَّها حينئذٍ اسمٌ تامٌّ (^٢)، كسائرِ
_________________
(١) = ٧/ ٦٢. وروايتها في "المطالب" هكذا: جرى الخلف أما بعد من كان باديًا … بها عد أقوالًا وداود أقرب ويعقوب أيوب الصبور وآدم … وقسٌّ وسحبان وكعب ويعرب
(٢) ينظر "قطر الندى وبل الصدى" ص ٥١ - ٥٨.
(٣) في الأصل: "اسمًا تامًا".
[ ١ / ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكان ﷺ وأصحابُه يأتون بأصلها، وهو "أما بعد" في خُطَبهم (^١)
أسماءِ النكراتِ، فتقول: جئتُكَ بَعْدٌ، أو مِن بَعْدٍ.
وإذا حُذف ما تضاف إليه ونُوي معناه دون لفظه -أي: معنى ما تقدَّم بقَطْع النظرِ عن اللفظِ- فتبنى حينئذٍ على الضَّمِّ، كقراءةِ السبعةِ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (^٢) [الروم: ٤] فبعدُ: ظرفٌ مبنيٌّ على الضَّمِّ؛ لافتقارِه إلى لفظِ المضافِ إليه بنيَّةِ معناهُ دون لفظِه، والعاملُ فيها "يكن"، فهي من معمولاتِ الشرطِ على الصحيحِ، أي: عامل فيها، وقال ياسين: العاملُ فيها "أمَّا" المقدَّرةُ بعد الواوِ؛ لنيابتِها عن فعل واسمه، أي: العامل فيها "أمَّا"، التي نابت عنها الواوُ؛ لنيابتها عن فعلِ الشرطِ وهو "يكنْ" كما نابت عن أداة الشرط وهي "مهما"، والأصلُ: مهما يكن مِن شيءٍ بعدُ (^٣) إلى آخر ما تقدَّم.
وإذا بُنيت على الضمِّ، يُنال عنها ثلاثةُ أسئلةٍ؛ لأن الاسمَ إذا بُني على حركةٍ يُسْأَل ثلاثةُ أسئلةٍ، فيقال: لِمَ بُني، ولِمَ حُرِّكَ، ولِمَ كانت الحركةُ كذا؟
فيُجاب: إنَّما بُنيت "بعدُ"؛ لمشابهتِها الحرفَ في الافتقارِ، وإنما بُنيت على حركةٍ؛ تخلُّصًا من التقاءِ الساكنين، وإنَّما كانت الحركةُ ضمَّةً؛ جبرًا لها عمَّا فاتَها مِن الإضافةِ بأقوى الحركاتِ، وهو الضمُّ (^٤).
_________________
(١) أما ما روي عنه ﵁ فأخرجه البخارى (٩٢٢) و(٩٢٣) و(٩٢٤) و(٩٢٥) و(٩٢٦) و(٩٢٧)، ومسلم (٧٦١)، وينظر "فتح الباري" ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٦. وأما ما روي عن أصحابه فمنهم أبو بكر ﵁ وتنظر خطبته في فتوح الشام للواقدي ١/ ١٣، وعثمان ابن عفان ﵁ وتنظر خطبته في "تاريخ الطبري" ٥/ ١٤٩، وغيرهم كثير، ينظر "جمهرة خطب العرب"، لأحمد صفوت ١/ ١٤٧ وما بعدها.
(٢) في حين قرأ أبو السَّمَّال والجحدري وعون العقيلي: من قبلٍ، ومن بعدٍ، بالكسر والتنوين فيهما. "البحر المحيط" ٧/ ١٦٢.
(٣) "شرح الدماميني على مغني اللبيب" ١/ ١٢٣.
(٤) "شرح المفصل" لابن يعيش ٤/ ٨٦.
[ ١ / ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لذلك، ولكون أصلها ذلك، لزمتها الفاء في حيِّزها.
الثالث في أصلِها: أصلُها: "أمَّا بعدُ" بدليلِ لزومِ الفاءِ في حيِّزِها؛ لتضمُّن "أمَّا"، معنى الشرطِ "الأصل مهما يكن مِن شيء بعد"، لما ذكر ياسين في تفسير: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ: مهما يكن مِنْ شيءٍ بعدُ فزيدٌ ذاهب، فأفادَ بهذا التفسيرِ أنَّ "أمَّا" دالةٌ على الشرطِ والتأكيدِ، ولهذا قال الزمخشريُّ: فائدة "أمَّا" في الكلام أن تعطيه فضلَ توكيدٍ تقولُ: زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قصدتَ توكيدَه، قلت: أمَّا زيدٌ فذاهب. فـ "مهما" اسمُ شرطٍ جازمٍ يجزِمُ فعلين، الأولُ: فعلُ الشرطِ، والثاني: جوابُه وجزاؤُه، وهو في محل رفعِ مبتدأ، والاسميَّةُ لازمةٌ له، و"يكنْ"، فعلُ الشرطِ، وهو الخبرُ على الصحيحِ، واللازمُ له الفاءُ في الجواب غالبًا (^١).
ولمَّا تعذَّرَ وجودُ الاسميَّةِ في "أمَّا"؛ لتعيين حرفيَّتِها، أقاموا لُصوقَها للاسمِ الذي هو "بعد" -أي: وقوعُه بعدَها بلا فاصلٍ-مقامَ الوجودِ بالفعل، وهذا معنى قولهم في الجملة، واعترضَ على لصوقِ الاسمِ بقولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨]، وأجاب السعدُ: بأنَّ التقديرَ: فأمَّا المتوفَّى، فالاسمُ لاصق تقديرًا، ومعنى تضمُّنِ "أمَّا" معنى الشرطِ، دلالتُها عليه، وأما تضمُّنُها معنى الابتداءِ، فلم يظهرْ له معنًى، إلَّا أنْ يُرادَ به الوقوعُ موقعَه بعدَ جعل المصدرِ بمعنى اسمِ المفعول، والإضافةُ بيانيَّةُ أيِّ معنى هو الابتداء.
"يؤتى بها للانتقالِ من أسلوبٍ … إلخ" أي: مِنْ نَمطٍ وغرضٍ إلى نمطٍ وغرضٍ "آخرَ"، أي: مِنْ كلامٍ.
(لذلك) أي: للانتقال من أسلوبٍ إلى آخر.
(في حيِّزها) غالبًا، أي: في حيِّز قربِها؛ لعدم تأتِّي الشيءِ في حيِّز غيرِه مع وجوده فيه؛ لأنَّ حيِّزَ الشيءِ معناهُ: المكانُ الذي استقرَّ فيه ذلكَ الشيءُ وكان مشغولًا بهِ، والمشغولُ
_________________
(١) "الكشاف" للزمخشري ١/ ٢٦٦، و"مغني اللبيب" لابن هشام ص ٨٢، و"شرح المفصل"، لابن يعيش ٩/ ١١.
[ ١ / ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأصل الأصل: مهما يكن من شيء بعد الحمدِ والصلاةِ على النبي ﷺ.
بشيء لا يكونُ مشغولًا بغيره، أيْ: في لزومها "إنَّما" مكانَ "هو"؛ لتضمُّن "أمَّا" معنى الشرطِ، وإنَّما لزمت الفاء بعدَها، ولم تلزمْ بعدَ غيرها من الشروط؛ لأنَّ الشرطيةَ لمَّا كانت لها بالنيابةِ عنِ الشرطِ، لزمت الفاءُ؛ لتدلَّ عليها بخلافِ غيرِها، وإنمَّا لزمت الفاءُ أيضًا مع "أمَّا" دونَ "مهما"؛ لأنَّ "أمَّا"، لما كانتْ دلالتُها على الشرطِ بإنابتِها عن "مهما" و"يكن" ضعُفتْ فاحتاجوا للزومِ الفاءِ؛ لتدلَّ على الشرطيَّةِ.
(وأصل الأصل: مهما يكن من شيء بعد … الخ). فحُذفتْ "مهما"، و"يكنْ" وأقيمتْ "أمَّا" مقامَهما، فلزمَها ما لزمهما مِنْ لُصوقِ الاسميَّةِ والفاءِ في الجواب؛ إقامة للَّازمِ مقامَ الملزومِ، فاللازمُ الاسميَّةُ والفاءُ في الجواب غالبًا، والملزومُ "مهما، و"يكن"؛ لأن "مهما" مبتدأٌ، ومن لازمِ المبتدأ الاسميَّةُ، و"يكنْ" فعلُ الشرطِ، واللازمُ الفاءُ في الجوابِ غالبًا، فتلخَّص مِنْ هذا كلِّه أنَّ الأصلَ "مهما يكنْ من شيء بعدُ" فحُذفت "مهمَا" و"يكنْ"، وأقيمتْ "أمَّا" مقامَهما، وأنيبتِ الواوُ منابَها، فالواو نائبةٌ منابَ النائبِ، وقولُهم: "مِنْ شيء"، بيانٌ للضمير في "يكن"، إذِ القصدُ مِنْ ذلك تحقُّقُ مدخولِ الفاءِ وهو الجزاءُ، وأنَّه واقعٌ لا محالةَ؛ لأنَّه عُلِّقَ على ما هو محقَّقُ الوجودِ وهوَ وجودُ شيء ما أعمُّ عن الزمان والمكان وغيرِهما، وذلك محقَّقُ الحصولِ؛ لأنَّ الكونَ لا يَخلو عن وجودِ شيءٍ مِنْ ذلك، والمعلَّق على الموجودِ موجودٌ، والمقصودُ منها التأكيدُ، أي: والمقصودُ منها تعليقُ أوصافِ المؤلَّفِ على وجود شيءٍ في الكون المقتضي لوجودِها؛ لأن المعلَّق على الموجودِ حاصلٌ؛ لأن الكونَ لا يخلو عن وجودِ شيء.
وأمَّا قولُهم: "يكنْ" تامَّةٌ، وفاعلُها إمَّا "شيءٌ" على أنَّ "مِنْ" زائدةٌ في قول أبي عليٍّ، فهو مردود بلزوم خلوِّ خبرِ المبتدأ مِنْ عائدٍ ولزومِ زيادةِ "مِنْ"، في الإثباتِ، إلَّا أن يجابَ عن
[ ١ / ٧٥ ]
فهذا مختصرٌ
(فهذا) المؤلَّف الحاضرُ في الذهنِ (مختَصرٌ) قلَّ لفظُه، وكثُر معناه
الثاني بأنَّها زائدةٌ في شبهِ النفيِ وهو الشرطُ، وإمَّا ضميرٌ مستترٌ راجعٌ لاسم الشرط، و"مِنْ" لبيان الجنس، ويُشكِل عليه أنَّه لم يَجرِ على جنسٍ بعَيْنه، كذا قال الدماميني (^١).
وأقول: المقصودُ من البيان هنا التعميمُ ودَفْعُ توهُّم إرادةِ نوع بعَيْنه، قاله شيخُنا الشريف الشَّوْبري. وقولُه: المقصودُ من البيان … إلخ فلا يُقال: الأصلُ في البيان كونه معيَّنًا مبيِّنًا لجنس معيَّن. ا هـ. شيخنا مَدَابغي (^٢).
(فهذا … مختصر) الفاءُ رابطةٌ للجوابِ بالشرطِ، والهاء للتنبيه، و"ذا"، اسمُ إشارةٍ مبتدأٌ في محلِّ رفعٍ، و"مختصر" خبرٌ، وجملةُ "فهذا مختصر" من المبتدأ والخبرِ في محلِّ جزم جواب الشَّرطِ.
(المؤلَّفُ الحاضرُ في الذِّهن) فالإشارة إلى المصنَّفِ المرتَّب الحاضرِ في الذهن، وهو قوَّةٌ في النَّفْس معدَّةٌ لاكتساب المعاني، سواءٌ كان تصنيف الخطبة قبل أو بعدُ، إذ لا حضورَ للألفاظ المرتَّبة ولا لمعانيها في الخارج، فالإشارةُ ليست إلى محسوسٍ في الخارج ولو كان المؤلَّفُ وُضِع قبل الخُطبة؛ لأنَّ الألفاظ لا حضورَ ولا قرارَ لها في الخارج؛ لأنَّها عَرَضٌ وهو سيَّالٌ لا يبقى زمانين (^٣)، وإذا كانت الألفاظُ لا قرار لها، فالمعاني أوْلى؛ لأنَّ الألفاظ هي الدَّوَالُّ على المعاني، فإذا ذهب اللفظُ ذهب بمَدْلوله، هذا على المختارِ من أسامي الكُتب وتراجِمها، عبارةٌ عن الألفاظ المخصوصة الدالَّة على معانٍ مخصوصةٍ، فقَوْلُ مَنْ
_________________
(١) في "شرحه على مغني اللبيب" ١/ ١٢٣.
(٢) لعله: حسن بن علي بن أحمد، المنطاوي، الشافعي، الأزهري، المَدَابغي، درَّس بالجامع الأزهر، وأفتى وألَّف وأجاد، وله: "حاشية على شرح الخطيب على متن أبي شجاع"، وثلاثة شروح على "الأجرومية"، وغيرها. (ت ١١٧٠ هـ)." تاريخ عجائب الآثار" للجبرتي ١/ ٢٩٧، و"الأعلام" ٢/ ٢٠٥.
(٣) ينظر "مجموع الفتاوى" ٦/ ٤١ و١٢/ ٣١٨.
[ ١ / ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: إن كانت الخُطبةُ بعدُ، فالإشارةُ إلى ما في الخارج غيرُ ظاهر، إلا أن يريدَ النقوشَ لا الألفاظَ ولا المعاني، ولا المركَّبَ من الثلاثة أو من اثنينِ منها؛ لأنَّنا إذا أرَدْنا النقوشَ وحدَها، صحَّت الإشارة لِما في الخارج؛ لأنَّ النُّقوشَ لها وجودٌ في الخارج، بخلاف الألفاظِ والمعاني والمركَّب؛ لأنَّه إذا كان بعضُ المشارِ إليه غيرَ موجودٍ في الخارج، لا يصحُّ كونُ الإشارة لِما في الخارج؛ لانعدام بعضِه إذا كانت النُّقوش بعضَ المركَّب، وأمَّا إذا كان التركيب من غير النقوشِ، فجميعُ المشار إليه غيرُ موجود، وحاصلُ الاحتمالاتِ الإشارةُ أنَّها للنُّقوش أو الألفاظ أو المعاني، أو الثلاثةِ، أو النُّقوشِ مع الألفاظ، أو مع المعاني، أو الألفاظِ مع المعاني.
فإنْ قلتَ: ما المانعُ من جَعْل الإشارةِ للألفاظ على سبيل المجازِ، باعتبار أنَّها وُجِدَتْ وانقضَتْ، فالإشارةُ إلى ما وُجِد وانقضى، وإن لم يَدُم وجودُه؟.
أجيب: بأنّه بعيدٌ؛ لأنَّ الأصلَ وجودُ المشارِ إليه حالَ الإشارة إليه، والذي انقضى إنَّما يعبَّر عنه بـ: كان كذا، وجَعلُ الإشارة لِما في الخارج باعتبار النُّقوش غيرُ مناسبٍ أيضًا؛ لأنَّ النُّقوشُ هنا غيرُ مقصودةٍ لذاتها، بل لأجل الألفاظ الدالَّةِ على المعاني، وإنَّما تُقصَد النُّقوشُ لذاتها في نحو تصويرٍ وتزويقٍ.
وأيضًا الحاضرُ عند المصنِّف وقتَ الإشارة خصوصُ النُّقوش التي كتَبها بيده -إنْ كان بصيرًا- أو كُتبت عنه -إنْ كان أعمى مثلًا- وليس المقصودُ بالتسمية بالمختصر وبالكتاب الفلاني، ولا الموصوفِ بالأوصاف التي تذكَر خصوصَ شخصِ تلك النُّقوشِ المذكورةِ، بل المرادُ تسميتُها وتسميةُ ما شاكَلَها من جميع ما نُقِلَ منها إلى يوم القيامة، وذلك ليس حاضرًا عند المصنِّف وقتَ الإشارة.
فإنْ قيل: إنَّ ما في الذهن مجملٌ، والمختصَر المشارُ إليه بهذه أمورٌ مفضَّلةٌ، فيفوتُ ما
[ ١ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو الواجبُ في التفصيل والإجمال من مطابقةِ المبتدأ للخبر؟.
أُجيب -بعد تسليم أنَّ المفضَّل لا يقوم بالأذهانِ-: بأنَّ هناك مضافًا محذوفًا، أي: مفصَّلُ هذا مختصرٌ، فالإشارةُ إلى تلك الألفاظ المجملةِ والإخبار عن ذلك المحذوف.
لا يُقال: الألفاظُ التي وقعت الإشارةُ إليها وأخبر عن مفصَّلِها بالمختصر ليست الَّا الموجودة في ذهن المصنِّف، فيلزم على هذا لا يُسمَّى "عمدة الطالب" إلا هذا المفصَّلُ المخصوصُ، بل المرادُ تسميةُ نوعِ هذا المفصَّل الموجودِ في أي ذهنٍ، وفي أي عبارةٍ، وفي أيِّ نقوشٍ، وليسَ غرضُ المصنفِ تسميةَ هذا الفردِ.
حاصلُ هذا الإشكالِ أنَّ المبتدأ أخصُّ من الخبرِ، والواجبُ أن يكونَ عينَه كما مرَّ؛ لأنَّا نقولُ: لا يلزمُ ذلكَ إلَّا بناءً على أنَّ مسمَّى الكتبِ من حيِّزِ عَلَمِ الشخصِ، وعليه فيُقدَّر مضاف أي نوع مفصلِ هذا. والمختارُ أنَّه من حيّزِ عَلَمِ الجنسِ، فلا حاجةَ إلى تقديرِ مضافٍ.
فإن قيل: اسمُ الإشارةِ موضوعٌ لِأَنْ يُشارَ به إلى مُشاهدٍ مَحسوسٍ، والمُؤلَّفُ الحاضرُ في الذهنِ معقولٌ؟.
وحاصلُ الجوابِ أنَّه نَزَّلَ المعقولَ منزلةَ المشاهدِ المحسوسِ، بأن شبَّه (^١) الألفاظَ الذهنيَّة بأمرٍ مشاهدٍ محسوس؛ بجامعِ الحُضورِ وسهولةِ المأخذِ، واستُعير لها اسم المشبَّهِ به وهو كلمةُ "هذا"، ففي الكلامِ استعارةٌ تصريحيَّةٌ تحقيقيَّةٌ لتحققِ الألفاظِ ذهنًا، قلَّ لفظُه وكثُر معناهُ. في تفسيرِه هذا نظرٌ؛ لأنَّه تفسيرٌ للاختصارِ لا للمختَصرِ، بل الوجهُ حذفُه؛ للقطعِ بقلِّةِ معنى المختصرات كلفظهِ، بل هذا المختصرُ كذلك، وهو اسمُ مفعولٍ مشتقٌّ من الاختصارِ، وهو الإيجازُ والضمُّ. وقال القاضي حسين: مشتقٌّ من الخصرِ: وهو صورةُ الشيءِ
_________________
(١) تحرفت في الأصل إلى: "شهب".
[ ١ / ٧٨ ]
في الفِقْه
(في الفقه)
وخلاصتُه. وقال الخليلُ: يُبسطُ الكلامُ ليُفهمَ، ويُخصرُ ليُحفظَ (^١). وقدِ اختلفت عباراتُهم فيه (^٢)، فقيل: ردُّ الكلامِ إلى قليلِه استيفاء معناه وتحصيله. وقيل: الإقلالُ بلا إخلالٍ. وقيل: تكثيرُ المعاني مع تقليل المباني. وقيل: حذفُ الفضولِ مع استيفاءِ الأصولِ. وهو معنى قولِ المصنِّف في "شرحه للإقناع" (^٣): تجريدُ اللفظِ اليسير من اللفظِ الكثيرِ مع بقاءِ المعنى. وقيل: تقليلُ المستكثَرِ وضمُّ المنتشرِ. إلى غيرِ ذلك من العباراتِ الأنيقة، والتعبيراتِ الرَّشيقةِ. وقيل: سُمِّي الاختصارُ اختصارًا؛ لما فيه من الجمعِ، كما سمِّيت المخصَّرةُ (^٤) مُخَصَّرَةً؛ لاجتماعِ السُّيُورِ (^٥) فيها، وخَصْرُ الإنسانِ خصرًا؛ لاجتماعِه ودقَّنِه.
والإيجازُ: تجريدُ المعنى من غيرِ رعايةِ اللفظِ.
(في الفقه) صفة لـ: "مختصر". و"في" بمعنى "من"، أي: مختصر كائن من الفقه، أي: من مختصر دالٍّ على الفقه، أو بمعنى "على" متعلِّقة بمحذوف، أي: مختصر دالٍّ على الفقه.
إن قيل: كان يكفي أن يقول: مختصر على مذهبِ الإمامِ ابنِ حنبل، فلِمَ زادَ في الفقهِ؟.
_________________
(١) كتاب "الصناعتين الكتابة والشعر"، لأبي هلال العسكري ص ١٩٨. والخليل: هو أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، من أئمة اللغة والأدب، استنبط من العروض ومن علل النحو ما لم يستنبط أحد، وما لم يسبقه إلى مثله سابق. له "العين"، في اللغة، و"معاني الحروف" و"تفسير حروف اللغة". (ت ١٧٠ هـ، وقيل: ١٧٥)، وهو ابن أربع وسبعين سنة. "طبقات النحويين واللغوليين"، للزبيدي ص ٤٧ - ٥١، و"الأعلام" ٢/ ٣١٤.
(٢) ديوان المعاني، لأبي هلال العسكري ٢/ ٨٧ - ٨٩ بنحوه.
(٣) كشاف القناع" ١/ ١٩.
(٤) في الأصل: "المختصرة". والمثبت من "الصحاح" و"متن اللغة" (خصر)، والمخصَّرة من النعل: المستدقة الوسط.
(٥) السَّير: الذي يُقدُّ من الجلد طولًا، الجمع: سيور. "متن اللغة" (سير).
[ ١ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجيبَ: بأنَّه زادَه للإشارةِ إلى مدحِ مختصرِه من جهتين: عموم كونِه في الفقه، وخصوص كونه في المذهب، ولمدحِ عمومِ الفقه وخصوصِ مذهب الإمام أحمد، على أنَّ مذهبَ الإمام أحمدَ قد يكون في غيره.
اعلم أنَّه يجبُ وجوبًا صناعيًّا على كلِّ بادٍ في علمٍ من العلوم أن يعرفَ عشرةَ أشياءَ قد نَظَمها سيدي أحمدُ أبو العَبَّاس (^١) بن زِكْري في أُرجوزتِه المُسماة "محصل المقاصد" حيثُ قالَ:
فأولُ الأبوابِ في المبادي … وتلك عشرةٌ على المرادِ
الحدُّ والموضوعُ ثم الواضعُ … والاسمُ الاستمدادُ حكمُ الشارع
تصورُ المسائلِ الفضيلة … ونسبةٌ فائدةٌ جليلة
حقٌّ على طالبِ علمٍ أن يحيط … بفهم ذي العشرةِ فهمها ينيط
بسعيه قبلَ الشروع في الطلب … بها يصير مبصرًا لما طلب
وزاد بعضُهم: الغايةَ، فصارَ مجموعُ الأشياءِ أحدَ عشرَ شيئًا.
الأولُ: حدُّ الفقهِ لغةً واصطلاحًا، فقد تكفَّل بهما الشارحُ.
الثاني: موضوعُه: وهو فعلُ المكلَّفِ من حيثُ إنَّه معرَّضٌ للأحكامِ الخمسةِ.
الثالث: واضعُه: وهو النبي ﷺ، وأوَّلُ مَن صنَّف فيه أبو حنيفةَ النعمانُ رضي الله تعالى عنه (^٢).
_________________
(١) في الأصل: "القباس". وهو: أبو العباس أحمد بن محمد بن زِكْري التلمساني، فقيه أصولي بياني، له: "مسائل القضاه والفتيا"، و"بغية الطالب في شرح عقيدة ابن الحاجب" و"منظومة في علم الكلام" أكثر من ألف وخمس مئة بيت سمَّاها: "محصل المقاصد مما به تعتبر العقائد". (ت ٨٩٩ هـ). "شجرة النور الزكية" ص ٢٦٧، "الأعلام" ١/ ٢٣١.
(٢) "الوسائل الى معرفة الأوائل" للسيوطي ص ١١٦.
[ ١ / ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرابعُ: اسمُه: وهو الفقهُ.
الخامسُ: استمدادُه: وهو من الكتابِ والسنةِ والإجماعِ والقياسِ وباقي الأدلةِ.
السادسُ: حكمُه: وهو الوجوبُ العينيُّ على كل مكلَّفٍ بقدرِ ما يَعرِفُ به تصحيحَ عباداتِه، فإنْ زادَ عن ذلك صارَ واجبًا كفائيًّا إلى بلوغِ درجةِ الافتاء، فإن زادَ عن ذلك إلى أن بلغَ درجةَ الاجتهادِ، صار مندوبًا.
السابعُ: مسائلُه: وهي قضاياهُ التي تطلبُ نسبَ محمولاتِها إلى موضوعاتِها، كقولِنا: فروضُ الوضوءِ عند الإمامِ ابنِ حنبل ستَّةٌ.
الثامن: فضلُه على غيرِه: وهو أفضلُها؛ لأنه به يُعرفُ الحلالُ والحرام، والصحيحُ والفاسدُ وغيرُها من بقيَّة الأحكامِ.
التاسعُ: نسبتُه إلى غيرهِ: أنه من العلومِ الشرعيَّةِ، وأنَّه يعصمُ المكلَّفَ عن الخطأِ في فعلِه.
العاشر: فائدتُه: وهي الفوزُ بسعادةِ الدارين.
الحادي عشر: غايتُه: وهي امتثالُ الأوامرِ واجتنابُ النواهي.
وينبغي أن يُقدِّمَ قبلَ معرفة هذه الاشياء شروطَ تَعلُّمِ العلومِ وتعليمها وهي اثنا عشرَ شرطًا:
أحدُها: أن يقصدَ به ما وُضِع ذلك العلمُ له، فلا يقصد به غير ذلك، كاكتسابِ مالٍ أو جاهٍ أو مغالبةِ خصمٍ أو مكاثرةٍ.
ثانيها: أن يقصدَ العلمَ الذي يقبله طبعُه، إذ ليسَ كل واحدٍ يصلحُ لتعلُّمِ العلومِ، ولا كلُّ مَن يصلحُ لتعلُّمِها يصلحُ لتعلُّمِ جميعِها، بل كلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له.
ثالثُها: أن يعلمَ غايةَ ذلك العلمِ؛ ليكون على ثقةٍ من أمرِه.
[ ١ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رابعُها: أن يستوعبَ ذلك العلم من أوَّله إلى آخره تصوُّرًا وتصديقًا.
خامسها: أن يقصدَ فيه الكتبَ الجيّدةَ المستوعبة لجميعِ الفنِّ.
سادسها: أن يقرأ على شيخٍ مرشدٍ أمينٍ ناصحٍ، ولا يستبدَّ بنفسِه وذكائه.
سابعها: أن يذاكرَ به الأقرانَ والأنظار؛ طلبًا للتحقيق، لا للمغالبةِ، بل للمعاونة على الإفادةِ والاستفادةِ.
ثامنها: إذا حَصَّل ذلك لا يُضيعه بإهمالِه، ولا يمنعه مستحقَّه؛ لخبر: "مَن عَلِمَ علمًا وكتَمه، ألجمه الله تعالى بلجامٍ من نارٍ" (^١). ولا يُؤتيه غيرَ مستحقِّه، لما جاءَ فى كلامِ النبوةِ: "لا تُعلِّقوا الدُّرَّ في رقابِ الخنازير" (^٢) أي: لا تُؤتوا العلومَ غيرَ أهلها.
تاسعُها: أن لا يعتقدَ في علمٍ أنه حصَّلَ منه مقدارًا لا تمكنُ الزيادةُ عليه، فذلك نقصٌ وحرمان.
عاشرُها: أن يعلمَ أنَّ لكل علم حدًّا، فلا يتجاوزُه ولا يقصرُ عنه.
حادي عشرها: أن لا يُدخلَ علمًا في علمٍ آخر لا في تعلُّمٍ ولا في مناظرةٍ؛ لأنَّ ذلك يشوشُ الفكرَ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٥٧١)، وأبو داود (٣٦٥٨)، وابن ماجه (٢٦٦)، وابن حبان (٩٥)، من حديث أبي هريرة، بلفظ: "من سئل عن علم فكتمه، ألجم بلجام من نار يوم القيامة".
(٢) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" ٤/ ٢٤٨، وابن الجوزي في "الموضوعات" ١/ ٢٣٢ عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: "لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير" قال الدارقطني: تفرد به يحيى بن عقبة. وقال ابن الجوزي: وهو المتهم به. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات ا. هـ.
[ ١ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو لغةً: الفَهْم،
ثاني عشرها: أن يراعيَ كلُّ من المتعلِّمِ والمعلِّمِ الآخرَ خصوصًا الأوَّل؛ لأنَّ معلّمَه كالأبِ بل أعظمُ؛ لأنَّ أباه أخرجَه إلى دارِ الفناء، ومعلمَه دلَّه على دارِ البقاء؛ ولأن والدَه يُربي البدنَ، وأستاذَه يُربي الروحَ، ولذا قيل في هذا المعنى شعرٌ (^١):
أقدِّمُ أستاذي على فضلِ والدي … وإن كانَ من أهلِ الزيادةِ والشَّرفْ
فَذا مُربي الروحِ والروحُ جوهرٌ … وذا مُربي الجسمِ والجسمُ من صَدفْ
واعلم أنَّ الاشتغالَ بالعلمِ له آفات كثيرةٌ، عُدَّ منها في الحقيقة:
الوثوقُ بالزمنِ المستقبلِ، فيترك التعلُّ حالًا؛ إذ اليومُ في التعلُّمِ والتعليم أفضلُ من غدٍ، وأفضلُ منه أَمسُه، والإنسانُ كلَّما كبرَ، كبرت عوائقُه.
ومنها الوثوقُ بالذكاء، فكثيرٌ مَن فاتَه بركونِه إلى ذكائِه وتسويفِه أيامَ الاشتغالِ.
ومنها التنقلُ من علمٍ قبلَ إتقانِه إلى آخرَ، ومن شيخٍ إلى آخرَ قبل إتقانِ ما بدأ عليه، فإن ذلك هدمٌ لما قد بَنَى.
ومنها طلبُ الدنيا، والترُّدُ إلى أهلِها، والوقوفُ على أبوابِهم.
ومنها ولايةُ المناصبِ، فإنَّها شاغلةٌ مانعةٌ، كما أنَّ ضيقَ الحالِ مانعٌ قويٌّ.
(وهو لغةً) أي: في اللغةِ، فـ "لغة" منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، وقولُه: (الفهم) عند الأكثرِ؛ لأنَّ العلمَ يكونُ عنه. قال اللهُ تعالى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨].
_________________
(١) وهو لأبي الفتح النُطَنزي، محمد بن علي بن إبراهيم الكاتب، كان من البلغاء أهل النظم والنثر. توفي في حدود (٥٥٠ هـ) كما في "الوافي بالوفيات"، ٤/ ١٦١ - ١٦٢. والرواية عنده: أقدّم أستاذي على والدي وإن … تضاعف لي من والدي البر واللطف فهذا مُربِّي النفى والنفس جوهر … وذاك مربِّي الجسم وهو لها صدف
[ ١ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: إدراك معنى الكلام. وعرفًا:
وقوله: (أي: إدراك معنى الكلام)، تفسيرٌ للفهم لجَودةِ (^١) الذهنِ من جهةِ تهييئِه لاقتباسِ ما يَرِدُ عليه منَ المطالبِ.
والذهنُ: قوةُ النفسِ المستعدة لاكتسابِ الحدودِ والآراءِ. وقيل: إن الفقهَ هو العلمُ. وقيل: معرفةُ قصدِ المتكلمِ. وقيل: فهمُ ما يَدِقُّ. وقيل: استخراجُ الغوامضِ والاطَّلاعُ عليها. ا. هـ. "شرح مختصر التحرير" (^٢).
قوله: (وعرفًا) أي: في عرفِ الفقهاءِ، أي: اصطلاحِهم: معرفةُ الأحكامِ الشرعيَّةِ دونَ العقليَّةِ، الفرعيَّةِ لا الأصوليَّةِ، ومعرفتُها إمَّا بالفعلِ أي: بالاستدلالِ، أو بالقوَّةِ القريبةِ من الفعلِ أي: بالتهيؤ (^٣) لمعرفتِها بالاستدلالِ، قال صاحبُ "المنتهى" (^٤): هذا الحدُّ لأكثرِ أصحابِنا المتقدِّمين (^٥). وقيل: هو العلمُ بأفعالِ المكلفين الشرعيةِ دونَ العقليةِ من تحليلٍ أو تحريمٍ، وحظرٍ أو إباحةٍ. وقيل: هو العلمُ بالأحكام الشرعيةِ. وقيل: معرفةُ كثيرٍ من الأحكام عُرفًا. وقيل: معرفةُ أحكامِ جُملٍ كثيرةٍ عُرفًا من مسائلِ الفروعِ العلميَّةِ من أدلَّتِها الحاصلةِ بها. وقيل: العلمُ بها عن أدلتِها التفصيليَّةِ بالاستدلالِ.
_________________
(١) في الأصل: "لا جودة"، والمثبت من "شرح الكوكب المنير"، ١/ ٤٠ والكلام منه، وينظر "الإحكام"، للآمدي ١/ ٧.
(٢) المسمى بـ "شرح الكوكب المنير" لابن النجار ١/ ٤٠ - ٤١، حيث اختصر ابنُ النجار كتابَ "تحرير المنقول في تهذيب علم الأصول، لعلي بن سيمان المرداوي، ثم شَرَحَه.
(٣) رسمت في الاصل: "بالنهي"، والمثبت من "شرح الكوكب المنير" ١/ ٤١، والكلام منه.
(٤) هو: ابن النجار، وقد تقدَّمت ترجمته، وكتابه المسمَّى بـ "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات" من أهم الكتب الفقهية في المذهب الحنبلي، حيث عكف الناس عليه، وهجروا ما سواه من كتب المتقدمين، كما قاله ابن بدران في "المدخل" ص ٤٣٣.
(٥) "شرح الكوكب المنير" ١/ ٤١.
[ ١ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معرفةُ الأحكامِ
وكلُّ هذهِ الحدودِ لا تخلو عن مؤاخذةٍ وأجوبةٍ يطولُ الكتابُ بذكرِها من غيرِ طائلٍ.
فإن قيل: لِمَ عبَّر دون العلم، مع أن الصَّوابَ التعبيرُ به كما صنعَ ابنُ السُّبكي في "جمعِ الجوامع" (^١) قال: الفقهُ: العلمُ. بناءً على أنَّ المعرفةَ إنما تتعلَّقُ بالمفرداتِ، والعلمَ إنَّما يتعلُّقُ بالنِّسبِ التامَّةِ (^٢)، أي: المعرفةُ هي التصوُّرُ، والعلمُ هو التصديقُ، والفقهُ من قبيلِ التَّصديقات لا من قبيلِ التصوراتِ؟.
أُجيب: بأنَّ المرادَ بالمعرفةِ العلمُ بمعنى الظَّنِّ، أي: الإدراكِ الراجحِ لا بمعنى العلمِ المتبادرِ منه، وهو الإدراكُ الجازمُ؛ إذِ الاجتهادُ إنَّما هو طريقٌ للأولِ لا للثاني، فيرادُ بالمعرفةِ هنا العلمُ؛ ليوافقَ ما هو مقرَّرٌ عندهم.
و(الأحكامُ) جمعُ حكمٍ، وهو إثباتُ شيءٍ لشيءٍ إيجابًا أو سَلبًا، لغويًّا كانَ كرفع الفاعلِ، أو عقليًّا كعدمِ اجتماعِ الضِّدين (^٣)، أو شرعًا كوجوبِ الصلاةِ، فالمرادُ بالأحكامِ في التعريفِ ما يشملُ التكليفيَّةَ والوضعيَّةَ (^٤)، وأن كلًّا منهما لا فرقَ بين أن يكونَ مُتعلَّقُه
_________________
(١) "شرح جمع الجوامع" مع حاشية البناني ١/ ٤٢. وابن السبكي هو: تاج الدين، أبو نصر، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام، انتهت إليه رياسة القضاء والمناصب بالشام، وكان جوادًا مهيبًا. له تصانيف منها: "جمع الجوامع"، و"طبقات الشافعية". (ت ٧٧١ هـ). "الدرر الكامنة" ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٦، "الأعلام" ٤/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) التقييد بالتامة احتراز من الناقصة التي لا يحسن السكوت عليها كالنسبة الإضافية في قولنا: غلام زيد. والتوصيفية في قولنا: الحيوان الناطق. "حاشية البناني على شرح جمع الجوامع" ١/ ٤٢.
(٣) الضدان: صفتان وجوديَّتان يتعاقبان في موضع واحد يستحيل اجتماعهما، كالسواد والبياض. "التعريفات" للجرجاني ص ١٧٩.
(٤) في الأصل: "الوضيعية".
[ ١ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرعيةِ الفرعيةِ بالفعلِ أو القوةِ القريبة.
فعلَ الجوارحِ، كالعلمِ بأنَّ النية في الوضوءِ شرطٌ، أو القلبَ، وأنَّه لا فرقَ في الثاني بين المكلَّفِ وغيرِه، كالعلمِ بأنَّ الزكاةَ واجبةٌ في مالِ الصَّبي، وغيرُ واجبةٍ في الحَلْي المباحِ.
ولمَّا كانت الأحكامُ شاملة للشرعيَّةِ الفرعيَّةِ وغيرِها، والمقصودُ هو الشرعيَّةِ الفرعيَّةِ، أخرجَ غير الشرعيَّةِ بقولهِ:
(الشرعيَّةِ)، وخَرجَ بـ "الأحكامِ" غيرُها من الذواتِ والصفاتِ، كالمعرفةِ المتعلِّقةِ بالإنسانِ من تصوَّرِ ماهيَّتِه والبياض، وأخرجَ الأصليةَ بقوله: (بالفعلِ) كما إذا أجمِعَ عليها بعدَ استفادتِها بالاجتهادِ، إذِ الأصليَّةُ لا تنحصرُ طريقُها في ذلك.
وأُورِدَ على التعريفِ بأنَّ "أَل" في الأحكامِ إن كانت للعمومِ، خرجَ عن التعريفِ فقهُ الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم ممَّن سُئِل عن مسائلَ وقال فيها: لا أدري، مع أنهم فقهاءُ بالإجماعِ، وإن لم تكنْ للعمومِ، لزمَ أنَّ مَنْ عرفَ بعضَ مسائل عن أدلَّتِها يكون فقيهًا، وليس كذلك، فالتعريفُ غيرُ جامعٍ لأفرادِ المعرَّفِ، وغيرُ مانعٍ من دخولِ غيرِ أفرادِ المعرَّفِ فيه، وهو خطأٌ؟.
أُجيب: بأن المرادَ بمعرفةِ جميعِ الأحكامِ التهيؤ لها بمراجعةِ الأدلَّةِ، كما يُقال: فلانٌ يعرفُ الفقهَ، ولا يُراد أنَّ جميعَ مسائِله حاضرةٌ عندَه على التفصيلِ؛ لأنَّ ذلك ليس من مقدورِ البشرِ، بلِ المرادُ أنَّ عندَه تهيُّؤًا لذلك، وملكة يقتدرُ بها على الوقفِ على كلِّ مسألةٍ بمراجعةِ الأدلَّةِ.
والجوابُ عن الثاني: بأنْ نختاره، ولا محذورَ في تسليمِ اللازمِ؛ بناءَ على القولِ بجوازِ تجزي الاجتهادِ.
والفقيهُ: مَن عرفَ جملةً غالبةً ذلك بالاستدلالِ، يعني الفقيه في اصطلاحِ أهلِ الشرعِ.
[ ١ / ٨٦ ]
على مذهبِ الإمامِ الأمثلِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ بنِ حنبلٍ،
(على مذهَبِ) بفتح الميم، من ذهبَ يذهبُ: إذا مضى، بمعنى الذهابِ أو مكانِه أو زمانه، ثم نُقل إلى ما قاله المجتهدُ بدليلٍ، ومات قائلًا به، وكذا ما جرى مجراه.
(الإمامِ) المقتدَى به في الدين (الأمثلِ) أي: الأشبه بكلِّ خير، أبي عبد الله (أحمدَ بنِ محمد
وقوله: غالبة، أي: كثيرة. كذلك: أي: بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبةِ من الفعلِ، وهي التهيؤ لمعرفتِها عن أدلَّتِها التفصيليَّةِ، فلا يُطلَق الفقيهُ على مَن عرفَها على غيرِ هذه الصفةِ، كما لا يُطلقُ الفقيه على مُحدِّثٍ ولا مُفسِّرٍ ولا متكلِّمٍ ولا نَحويٍّ. وقيل: الفقيهُ: مَن له أهليَّةٌ تامَّةٌ يَعرفُ الحكمَ بها إذا شاءَ مع معرفتِه جملًا كثيرةً من الأحكامِ الفرعيَّةِ، وحضورِها عندَه بأدلِّتِها الخاصَّةِ والعامَّةِ.
(بفتح الميمِ) أي: والهاء، أي: معتقد. فقولُه: "على مذهبِ" أي: على ما ذهبَ اليه من الأحكامِ في المسائلِ، وأصلُه يصلحُ لمكانِ الذهابِ وزمانِه وللذهابِ نفسِه.
(ثم نقل … الخ) أشارَ بذلكَ إلى أنه صارَ حقيقةً عرفيّةً، وبهجرِ معناه الأصيِّ بمعنى أنَّه إذا أُطلِق المذهبُ لا ينصرفُ إلَّا إلى الأحكامِ القائلِ بها إمامٌ من الأئمةِ.
وقوله: (ما قالَه المجتهدُ) من الأحكامِ، فهو مجازٌ عن مكانِ الذهابِ، إذِ "المذهبُ" اسمٌ لمكاِنِ الذهابِ، ثم استُعمِل فيما صارَ من الأحكامِ مجازًا استعارةً تصريحيَّةً تبعيَّةً، وقالَ السَّعدُ: أصليَّة؛ لأنَّه لم يُجوِّز في أسماءِ الأمكنةِ التبعيَّةَ، فشُبِّهت الأحكامُ المعقولةُ بمكانِ الذهابِ الحسيِّ؛ لأنَّ الخواطرَ تذهبُ فيها كذهابِ الأجسامِ في الأمكنةِ بجامع التوصُّلِ، وأطلق اسمه عليهِ.
[ ١ / ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ حَنْبَل) الشيباني، المَرْوَزي (^١)، البغدادي، الزاهد الرباني، والصدِّيق الثاني.
(ابن حنبل) قال في "القاموس" (^٢): الحنبلُ: القصيرُ، والفَرْوُ، أو خَلَقُهُ، والخفُّ الخَلَق، والبَحرُ، كالحِنْبَالَةِ، والضَّخمُ البطن (^٣)، واللحيم كالحِنبال، ورَوضةٌ بديارِ تميمٍ، وأحمدُ بنُ عبدِ الله (^٤) بنِ حنبل: إمامُ السنةِ.
وبالضمِّ: طَلْعُ أُمِّ غَيلان، وثمرُ الغَدَفِ واللوبياء. وحَنْبلَ: لَبِسَ الحنبلَ، والحِنبالة، بالكسرةِ: كثيرُ الكلام، وتحنبَل: تَطأطأَ، ووَتَرٌ حُنابلٌ كعُلابطٍ: غليظٌ شديدٌ. وهذا باعتبارِ الأصلِ، والآن صارَ علمًا لأحدِ أَجدادِه ﵁.
(الشَّيبانيُّ) نسبةً لجدِّه شَيبان المذكور في نسبِه.
(الزاهد الرَّباني) الزُّهدُ: الإعراضُ بالقلبِ عن الدنيا. وقالَ الإمامُ أحمدُ: الزهدُ: قِصرُ الأملِ (^٥) والإياسُ عمَّا في أيدي الناس. وقالَ: الزهدُ على ثلاثةِ أوجهٍ: الأولُ: تركُ الحرامِ بالقلبِ، وهو زهدُ العوامِّ من المسلمين. الثاني: تركُ الفضولِ من الحلالِ بالقلبِ، وهو زهدُ الخواصِّ منهم. الثالث: تركُ ما يَشغَلُ العبدَ عن اللهِ تعالى بالقلبِ، وهو زهدُ العارفين، وهم خَواصُّ الخواصِّ. و"الرَّبانيُّ" المُتألِّهُ العارفُ باللهِ تعالى. مصنِّف على "الإقناع" (^٦). قالَ بعضُهم: الرَّبانيُّ: منسوب إلى الربِّ أي: المالكِ، وقال ابنُ حجر (^٧): الرَّبانيُّ: هو مَن أُفيضَت عليه المعارفُ الإلهيَّةُ، فعرَف ربَّه، ورَبَّى الناس بعلمِه. فما ذكرَه مبيِّنٌ للمرادِ من الربِّ.
(والصِّدِّيق الثاني) لُقِّبَ به؛ لنصرتِه للسنةِ وصبرِه على المحنةِ المشهورة. "والصِّدِّيق":
_________________
(١) في الأصل و(س) و(ز): "المرُّوذي".
(٢) "القاموس المحيط" (حنبل).
(٣) في الأصل: "البطين"، والمثبت من "القاموس المحيط" (حنبل).
(٤) كذا في الأصل تبعًا "للقاموس المحيط"، والصواب: أحمد بن محمد، كما في "السير" ١١/ ١٧٧ - ١٧٨، وغيره.
(٥) "الرسالة القشيرية" ٢/ ١٧١.
(٦) "كشاف القناع" ١/ ١٨.
(٧) نقله عنه الشبراملسي في "حاشيته على نهاية المحتاج" ١/ ١٠.
[ ١ / ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال عليُّ بن المديني (^١) شيخُ البخاري: أيّد اللهُ هذا الدِّين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يومَ الرِّدة، وأحمدُ بن حنبل يوم المحنة. انتهى.
والشيباني: نسبة إلى أحدِ أجداده، وهو شيبانُ بنُ ذُهْل بن ثَعلبَة بن عُكابَة، لا شيبان بن ثعلبة بن عُكابة.
حملت به ﵁ أمُّه بمروَ، وولد ببغدادَ في ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة، وتُوُفِّي ببغدادَ يوم الجمعة ثاني عشرَ ربيع الأول أو الآخر، سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة
البالغُ في الصدقِ الذي هو ضدُّ الكذبِ. مصنِّف (^٢). والصِّديقُ الأولُ أبو (^٣) بكر ﵁. قالَ في حقِّه إمامُ الحرمين: غسل وجهَ السنةِ من غبارِ البدعةِ، وكشفَ الغُمَّةَ عن عقيدةِ هذه الأمةِ، روى بعضُ الإخوان من ساداتِ اليمن، عن بعض طبقاتِ الحنابلةِ لبعضِ العلماء حاصلَ ما نصُّه: أن رجلًا من فقهاء الحنابلة أرادَ الانتقال إلى مذهبِ الإمامِ الشافعي ﵁ لسبب جرى، فرأى أن القيامةَ قامت، وإذا بالنبي ﷺ وبينَ يديهِ الأئمةُ الأربعةُ، فقالَ: يا رسولَ الله، أي مذهبٍ من المذاهبِ الأربعةِ أقلِّد؟ فأشارَ إلى الإمامِ أحمدَ ﵁، فانتبه من المنامِ ورجعَ عن قصده (^٤).
(ووُلد ببغداد) وفيها أربعُ لغاتٍ إحداها: بدالينِ مُهملتين، والثانية: بإهمالِ الأولى وإعجامِ الثانية، والثالثة: بغدان بالنون، والرابعة: مغدان بميمٍ أوَّلَها. وتُذكَّرُ وتُؤنثُ يقال لها: هذا بغدادُ، وهذه بغدادُ، ومعناها بالعربيةِ: عَطيةُ الصَّنمِ، وقيل:
_________________
(١) نقله عنه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص ١٥٠.
(٢) "كشاف القناع" ١/ ١٨.
(٣) في الأصل: "أبي".
(٤) ينظر "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٥٧٤، وفي هذا الكلام نظر، فالأحكام لا تؤخذ من المنامات؟!
[ ١ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأسلَمَ يومَ موتهِ عشرون ألفًا من اليهودِ والنصارى والمجوسِ (^١). ومِن مصنّفاته ﵁: "المسنَد" ثلاثون ألفًا، و"التفسير" مئة وخمسون ألفًا، وغير ذلك. وفضائله ومناقبه كثيرة شهيرة رضي الله تعالى عنه.
ومن أعيان أصحابه الذين نقلوا مذهبه: ولداه: عبد الله، وصالح، والمرُّوذي (^٢)، والأثرم (^٣)، والحربي (^٤).
بستانُ الصنمِ، ولذلك كرهَ العلماءُ تسميتَها بذلك، لكن يقال: مدينةُ السلام؛ لأنَّهم يُسمون نهرَ الدجلة نهرَ السلام، أي: نهرَ الله (^٥). ونقلَ الغزاليُّ ووجَّه ذلك أنَّها كانت محلَّ الخلافة، ووجَّه استحبابَ الخروجِ منها.
(وأسلم يوم موته …) وكان الإمامَ على جِنازته محمدُ بنُ عبدِ الله بن طاهر، فقال: انظُروا كَم صلَّى عليه ورائي؟ قالَ: فنَظروا، فكانوا ثمان مئة ألف رجلٍ وستِّين ألف امرأة. وفي رواية: حَزَروا كَم صلَّى على أحمد بن حنبل، فحُزِروا فبلغ ألفَ ألفٍ وثمانين ألفًا سوى مَن كان في السفن في الماء. وفي رواية أخرى: حَزرَ الحازرون المصلِّين على جنازته،
_________________
(١) أخرجه ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" ص/ ٥١٠، وأورد الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٣ في ترجمة الإمام أحمد، وقال: حكاية منكرة.
(٢) هو: الفقيه المحدث، شيخ الإسلام، أبو بكر، أحمد بن محمد بن الحجاج، وهو المقدَّم من أصحاب أحمد، وكان امامًا يأنس به، وينبسط إليه. (ت ٢٧٥ هـ). "طبقات الحنابلة" ١/ ٥٦، "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ١٧٣.
(٣) هو: الحافظ العلامة، أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وصنفها ورتبها أبوابًا، له "السنن"، وكتاب في علل الحديث. (ت ٢٦١ هـ) "طبقات الحنابلة" ١/ ٦٦، "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٦٢٣.
(٤) هو: الحافظ، شيخ الإسلام، أبو إسحاق، إبراهيم بن إسحاق بن بشير البغدادي، له "غريب الحديث"، و"إكرام الضيف". (ت ٢٨٥ هـ). "طبقات الحنابلة" ١/ ٨٦، "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٣٥٦.
(٥) "تاريخ بغداد" ١/ ٥٨ - ٦٢، و"معجم البلدان" ١/ ٤٥٦ - ٤٦٧.
[ ١ / ٩٠ ]
تشتدُّ إليهِ حاجةُ المبتدئينَ سأَلَنِيْه بعضُ المقصِّرين والعاجزِين.
جعلَه اللهُ خالصًا لوجهِه الكريمِ، وسببًا
ثم وصف المختصر أيضًا بأنه (تشتدُّ إليه) أي: إلى المختصرِ (حاجةُ المبتدئين) في الفقه. ثم ذكر السببَ الحاملَ له على تصنيفه فقال:
(سألنِيه) أي: طلب مني تأليفَه (بعضُ المقصِّرين) في طلبهم، مع قدرتهم على ما هو أطول منه (و) بعضُ (العاجرين) الذين لا قدرةَ لهم على [ما هو] (^١) أطول منه (جعله الله) أي: جعل الله جمعه من متفرقاتِ الكتب (خالصًا لوجهِهِ) أي: لطلب مرضاته سبحانه (^٢) غيرَ مرادٍ به سواه (الكريمِ) أي: المتفضِّلِ بجميعِ النِّعمِ (وسببًا)
فبلغ العدد بحزرهم ألف ألفٍ وسبع مئة ألف سوى الذين كانوا في السفنِ. نقلَه البيهقيُّ في "مناقبِه" (^٣).
(بجميع النِّعم) جمعُ نعمةٍ، قيل: هي بمعنى الرحمةِ، وقيل: أخصُّ منها وهي مُلائمٌ تُحمَدُ عاقبتُه، وعلى هذا فالكافرُ مرحومٌ غيرُ منعمٍ عليه نظرًا للمآلِ (^٤). والإنعامُ: الإعطاءُ من غيرِ مقابلةٍ، قال في "القاموس" (^٥) أنعَمها اللهُ، وأنعمَ بها: عطيَّتُه. مصنّف على "الإقناع" (^٦).
اعلمُ أنَّ الغرضَ من بعثةِ الرسل عليهم الصلاةُ والسلامُ انتظامُ أحوالِ الخلقِ في المعادِ والمعاشِ، فبانتظامِ أحوالِهم في المعادِ تتعلَّق قُواهم النطقيَّةُ وهي العباداتُ، وبانتظام أحوالِهم في المعاش تتعلَّقُ قُواهم الشَّهويَّة وهي المعاملاتُ والمناكحاتُ، والغَضَبيَّة وهي: الجناياتُ، ثم قدَّموا منها ما يتعلَّقُ بالقوى النطقيَّةِ؛ لتعلُّقِه بالخالقِ اعتبارًا بشرفِه؛ لأنَّ
_________________
(١) ليست في الأصل و(م).
(٢) بعدها في (ح): "أي".
(٣) وذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص ٥٠١ - ٥٠٥.
(٤) "حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج" ١/ ٢٩ بنحوه.
(٥) مادة: (نعم).
(٦) "كشاف القناع" ١/ ١٠.
[ ١ / ٩١ ]
للزلفى لديهِ في جنَّاتِ النَّعيمِ، ونفَع به، إنَّه هو الرؤوفُ الرَّحيمُ.
أي: وجعلَه سببًا (للزُّلْفَى) أي: القرب (لدَيْه) أي: عنده تعالى (في جنَّاتِ النعيم) المعَدَّة للمؤمنين (ونفعَ به) أي: بهذا المختصر المبتدئين وغيرَهم (إنَّه) أي: الله سُبحانَه (هو الرَّؤوفُ) أي: ذو الرَّأفةِ. وهي كما في "القاموس": أشدُّ الرحمةِ، أو أرقُّها (^١). (الرحيمُ) أي: ذو الرَّحمةِ العظيمةِ.
الشيءَ يشرفُ بشرفِ متبوعِه، ثم بَدؤوا منها بالصلاةِ؛ لأنَّها أفضلُ العباداتِ بعدَ الإيمانِ، ولم يذكُروا حكمَ الشهادتين؛ لأن التوحيدَ قد أفردوا له عِلْمًا مستقلًا وهو علمُ الكلامِ، وقدَّموا الطهارةَ عليها؛ لأنها شرطٌ، والشرطُ مقدَّم على المشروطِ طبعًا، وهو توقُّفُ شيءٍ على شيءٍ بحيثُ لا يقتضي أحدُهما انفكاكًا عنِ الآخر كالطهارةِ للصلاة، فقدِّم وضعًا، أي: ذِكرًا وكتابةً، وقَرنوها بالزكاةِ؛ لاقترانِها بها في كثيرٍ من الآياتِ كقولهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إلى غير ذلك، ثم قدَّموا الصَّومَ على الحجِّ؛ لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، والحجُّ مركَّبٌ من المالِ والبدنِ، فهو بمنزلةِ تقديمِ المفردِ على المركَّبِ، وهذا ما يتعلَّقُ بالخالقِ. وهذا الترتيبُ في الشهادتين على ترتيبِ خبرِ "الصحيحين"، (^٢): "بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ".
قال الشيخُ محمد الخلوتي: واختاروا هذه (^٣) الرواية على روايةِ تقديم الحجِّ على الصومِ، وإن ثبت في "الصحيحين" (^٤) أيضًا؛ لأن الصومَ أعم وجوبًا، متكرِّرٌ (^٥)، وأفرادُ مَن
_________________
(١) "القاموس المحيط": (رأف).
(٢) تقدم تخريجه ص ٨.
(٣) في الأصل: "هذا".
(٤) البخاري (٨)، ومسلم (١٦) (٢١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) "نهاية المحتاج" ١/ ٥٨ - ٥٩ بنحوه.
[ ١ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجبُ عليه أكثرُ، وأمَّا ما يتعلَّقُ بالخلائقِ، قدَّموا منه ما يتعلَّقُ بالقوى الشهويَّة وهي المعاملاتُ والمناكحات، ثم قدَّموا منها المعاملاتِ على المناكحاتِ؛ لأنَّ الناسَ يحتاجون إليها؛ لأنَّه لا غنى للإنسانِ عن مأكولٍ ومشروبٍ ولباسٍ، وهو ممَّا ينبغي أن يُهتمَّ به؛ لعمومِ البلوى، إذ لا يخلو مكلَّفٌ غالبًا من بيعٍ وشراءٍ، فيجب معرفةُ الحكمِ في ذلك قبلَ التلبُّسِ به، وقد حكى بعضُهم الإجماعَ على أنَّه لا يجوزُ لمكلَّفٍ أن يُقدِمَ على فعلٍ حتى يعلمَ حكمَ اللهِ فيه، ثم ثَنَّوا بالمناكحاتِ؛ لشدةِ تَوقانِ النفسِ إليها بعدَ معرفتِهم المعاملات، ثم ختموا الكلامَ بما يتعلَّقُ بالقوى الغَضَبيَّة وهي الجناياتُ؛ لأنَّها بعدَ معرفةِ ما تقدَّم من القوى النطقيَّة والشهويَّة تَبطرُ نفسُه الخبيثة، ربَّما يشتُم هذا ويضربُ هذا، فعَقدوا لذلك بابَ الجنايات وأتبعوها بالكلامِ على الأقضيةِ والأيمانِ؛ لأنَّها لا تخلو عنها غالبًا، وأخَّروا القضاءَ عن الأيمان؛ لأنَّها قد يتوقف القضاءِ عليها، وختموا كتبهم بالإقرار؛ رجاء أن يموتوا على ما أقرُّوا به من كلمةِ التوحيد.
[ ١ / ٩٣ ]