. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﷽
وبه نستعين
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين) … (^١) في محله لإجابة إليه.
ومن ذلك تقديمها على الحمدلة؛ لأنَّ الأولى تدلُّ على الفعلِ، والثانيةَ تدلُّ على الوصفِ، وما دلَّ على فعلٍ مقدَّمٌ على ما دلَّ على الوصف.
وقال بعضُهم: قُدِّمت البسملةُ؛ لأنَّها جزءُ كلمةٍ لتعلُّقها بالمحذوفِ، والثانيةُ جملةٌ كاملة، والجزءُ مقدَّمٌ على الكلِّ، ولأنَّها موافقةٌ للكتابِ العزيزِ، وغير ذلك.
"بسم الله" محله نصب بـ … (^١) إذًا يكون عامله هو مبتدأ، أو هو فعل.
نظم (^١):
وإن يكن مع عامل هو الخبر … فالرفع في موضع هذين استقر
كأن يكن الجار والمجرور … واختار قوم نصبه لا غير
وإن يكن مخبر به جاز به … رفع ونصب يا به (^٢)
وقال (^١) بدل البيت الأخير:
والخلف في الرفع (^١) أن … يخبر بعامل له أمر زكن
وهذا أحسنُ مما قبلَه؛ لاقتضاءِ ما قبله جوازَ الرفعِ والنصبِ، فهذا تصريحٌ بالخلافِ فيه. أما (^٣) مقام عامله (^٤) الكوفيين.
_________________
(١) في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
(٢) أصاب النسخة الخطية في هذا الموضع تآكل وطمس شديد جعل من الصعوبة قراءته.
(٣) خرم بمقدار ثلاث كلمات.
(٤) خرم بمقدار سطر.
[ ١ / ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحمدُ للهِ الذي شرحَ صُدُورَنا للإسلامِ،
قولُه: (الحمدُ لله الذي … إلخ) "الذي" اسمٌ موصولٌ، صفةٌ "الله"، أو بدلٌ منه، و(شَرَحَ) صلتُه، و(صدورَنا) مفعولُه، و(للإسلام) متعلقٌ بـ "شرحَ"، وإنَّما جَعلَ اسمَ الموصول نعتًا؛ لأجلِ التوصُّلِ به إلى جَعل جملةِ الحمدلةِ وما عُطِف عليها نعتًا؛ إذْ بدونِه تكونُ الجملتانِ حالًا لا نعتًا؛ لأنَّ الجُمَلَ بعد المعارفِ المحضةِ أحوالٌ، و[لفظ] الجلالة أعرفُ المعارفِ.
فإنْ قلتَ: الحالُ وصفٌ في المعنى، فالتوصيفُ مُتأَتٍّ بدونِ الموصولِ أيضًا؟ فالجوابُ: أنَّ القصدَ التوصيفُ التصريحيُّ اللفظيُّ لا المعنويُّ، وفَرْقٌ بينهما.
فإنْ قلتَ: يَلْزمُ على جَعْلِ الموصولِ نعتًا محذورٌ، وهو أنَّ الموصولَ يؤوَّلُ مع صلتِه في قوَّة المشتقِّ، والتقديرُ: الحمدُ للهِ المتَّصفِ بكونِه شَرَحَ صدورَنا، والقاعدةُ الأصوليَّةُ أنَّ تعلُّقَ الحُكمِ على مشتقٍّ يُؤْذِنُ بعِليَّةِ مبدأ الاشتقاقِ (^١)، مثاله: أكْرِمْ زيدًا العالِمَ. فيه تعليقُ الحكمِ، وهو الإكرامُ المطلوبُ على العِلْم الذي هو مبدأ الاشتقاقِ، وما هنا من هذا القبيلِ، إذِ المعنى: الحمدُ ثابتٌ للهِ المتَّصفِ بشَرْحِ الصدورِ، أي: لأَجْلِ اتِّصافه بذلكَ، فيُشعر بأنَّ ثبوتَ الحمدِ لأَجْلِ هذا الوصفِ، مع أنه يستحقُّه لِذاتِه كما يستحقُّه لصفاتِه؟
قلتُ: قد أجاب ابنُ قاسمٍ (^٢) في "الآياتِ البيِّناتِ" عن نظيرِ هذا الإشكالِ؛ بأنَّ الجملةَ إنشائيَّةٌ، والمعنى هنا: إثباتُ الحمدِ للهِ؛ لأَجْلِ كونِه متعلِّقًا بما ذُكر، فهو علَّةُ إنشاءِ المؤلَّفِ، وليست الجملةُ خبريةً لفظًا ومعنًى حتى يتأتَّى المحذورُ، كذا أفاد بعضُ مشايخنا.
والشرحُ هنا مجازٌ لغويٌّ علاقتُه المشابهةُ؛ لأنَّه مِن صفاتِ الأجسامِ بمعنى: فَتَحَ، فشبَّه (^٣)
_________________
(١) "الإبهاج في شرح المنهاج" للسبكي ٣/ ٧٨.
(٢) هو: أحمد بن قاسم العبادي القاهري الشافعي، كان بارعًا في العربية والبلاغة والتفسير والكلام. له: "حاشية الآيات البينات على جمع الجوامع"، و"حاشية على شرح الورقات"، و"حاشية على شرح المنهج". (ت ٩٩٤ هـ)."الكواكب السائرة" لنجم الدين الغزي ٣/ ١٢٤، و"شذرات الذهب" لابن العماد ١٠/ ٦٣٦ - ٦٣٧، و"كشف الظنون" ١/ ٥٩٦، وأرَّخ الزركلي في "الأعلام" ١/ ١٩٨ سنة وفاته (٩٩٢ هـ).
(٣) صفات الله ذاتية أو خبرية تثبت على حقيقتها، وكما وردت في الكتاب والسنة، تليق بالله سبحانه، ولا تشابه صفات المخلوقين، ولا يقال: إنها مجاز.
[ ١ / ٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفتحَ بالشرحِ؛ بجامعِ مطلَق التوسيعِ، وطَوى ذِكْرَ المشبَّه، واستعارَ اسمَ المشبَّه به له على طريقِ الاستعارةِ التصريحيَّة، واشتقَّ من الشَّرْحِ: شَرَحَ بمعنى: فَتَح، فهي استعارةٌ تصريحيَّة تَبَعيَّةٌ، وأراد بالصدورِ القلوبَ؛ إذِ الصدورُ جَمْعُ صَدْرٍ، وهو ما حَوالي القلب، سُمِّيَ القلبُ هنا مجازًا، فإطلاقُ الصدور على القلوبِ مجازٌ مرسَلٌ؛ مِن تسميةِ الشيءِ باسمِ محلِّه أو مجاورِه، والمرادُ بالقلوبِ المعنى القائمُ لا المُضْغةُ، وقيل: هي حقيقة، كما جاءَ في الحديث: "أَلا وهيَ القلبُ" (^١). والمعنى: أنَّ اللهَ تعالى فَتَحَ قلوبَ المؤمنين بتسهيلِ الإيمانِ وتهييئها لهُ.
اعلم أنَّ القلبَ سرٌّ لطيفٌ أودَعه اللهُ تعالى للإنسانِ في صدرِه مِن الجانبِ الأيسرِ، والقطعةُ اللحمُ التي هناك بمثابةِ المَرْكَب له، وكلُّ أعضاءِ الجسدِ عَسْكرُه وهو المَلِكُ، وله وجهتانِ؛ وجهةٌ يَنظر بها إلى نفسِه وعساكرِه، ووجهةٌ يَنظر بها إلى ربِّه، فالأوَّلُ هو المنطبعُ في مرآتِها صورُ الأكوانِ، ومرآةُ القلبِ العقلُ، وما دامَ العقلُ يُجِنُّهُ غطاءُ الكونِ، فالقلبُ أسيرُه ومعتقلٌ به، حتى إذا أُزيل عنه الغطاءُ، زال العقلُ المقيَّدُ، وظهرت الآثارُ، وأشرقتِ الأنوارُ، فينظر بنورِه المودَع في سويدائِه، وهو البصيرةُ، وجاء الحقُّ وزَهَق الباطل، قاله بعضُ شرَّاحِ "الحِكَم" لابنِ عطاءِ اللهِ السَّكَنْدَريِّ (^٢). قالَ ﷺ لمَّا سُئل عن قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]: "إذا أنزل اللهُ النورَ في القلبِ فتَحه ووسَّعه، وعلامتُه العملُ لدارِ الخلودِ، والتجافي عن دارِ الغُرور، والاستعدادُ للموتِ قبل
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأحمد (١٨٣٧٤)، من حديث النعمان بن بشير ﵁.
(٢) هو: أبو الفضل، أحمد بن محمد بن عبد الكريم، كان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه، وله عدة تصانيف منها: "التنوير في إسقاط التدبير"، و"تاج العروس" في الوصايا والعظات. (ت ٧٠٩ هـ). "طبقات الشافعية الكبرى" ٩/ ٢٣، و"شذرات الذهب" ٨/ ٣٦ - ٣٧. وما نقله صاحب "الفتح" عن ابن عطاء كلام فلسفي غير واضح، ولا حاجة له، وليس من عادة علماء السلف ﵏ مثل هذا الكلام.
[ ١ / ٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نزولِه" (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وهذه المشيئةُ الكونيَّةُ لا تتخلَّف أصلًا، وينبني عليها: مَنْ قال لزوجتِه: أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ. أو قال سيِّدٌ لعبدِه: عبدي حرٌّ إن شاءَ اللهُ. وقعا، الطلاقُ والعِتقُ؛ إذ لو لم يَشأِ اللهُ ذلك، لَما أتَى بصيغتِهما، فإنَّه ما شاء الله كان، وما لم يَشأُ لم يكن، بخلاف المشيئةِ الدينيَّة التي بمعنى المحبةِ والرضى والأمْرِ، فإنَّها قد تتخلَّف، وهي المذكورةُ في نحوِ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ثمَّ إنَّه آثَرَ الحمدَ المقيَّد على المطلَقِ؛ لأنَّ له مزيةً؛ لأنَّه إذا وقَع لا يقع إلا واجبًا، بخلاف المطلَقِ لا يَقع إلَّا مندوبًا، وجرى على خصوصِ التقييد؛ ليفيدَ براعةَ الاستهلالِ بالنسبة للشرحِ والفن، إذ قولُه: "شرح" يفيدُ الأوَّل، وقوله: "ومَنَّ علينا بمعرفة … إلخ" يفيدُ الثانيَ، وقوله: "شَرَحَ" هيَّأَ، وقوله: "صدورَنا" الضميرُ لمعشرِ العُلماءِ الراسخينَ، أي: قلوبَ العُلماء الثابتينَ، مِن: رَسَخَ في كَذَا، إذا ثبتَ فيه، ولا يَخفى ما فيهِ مِن المناسبةِ للمقام؛ وذلك أنَّ الإنسانَ على قسمين، عالمٍ وغيرِه، والأوَّلُ راسخٌ وغيرُه، والمناسبُ لهذا الشرحِ الراسخ هذا.
_________________
(١) أخرج هذا الطبري في "التفسير" ٩/ ٥٤٢ - ٥٤٣، والبيهقي في "الزهد الكبير" (٩٧٤) من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ مرفوعًا. وأخرجه عبد الرزاق في "التفسير" ٢/ ٢١٧ - ٢١٨، وابن أبي شيبة ١٣/ ٢٢١، والطبرى في "التفسير" ٩/ ٥٤١ - ٥٤٢ عن أبي جعفر عبد الله بن مسور، مرسلًا. قال الدارقطني في "العلل" ٥/ ١٨٩ - ١٩٠ - بعد أن ذكر له طرقًا متعددة-: وكلها وهم، والصواب: عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، مرسلًا … وابن المسور متروك. وقال الحافظ ابن كثير في "التفسير" ٣/ ٣٣٦: فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضًا، والله أعلم.
[ ١ / ٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإسلامُ معناهُ لغةً: الطاعةُ والانقيادُ.
وشرعًا: الانقيادُ لأَوامرِ اللهِ تعالى ونواهيهِ، ولا يتحقَّقُ ذلك إلا بقَبولِ الأحكامِ والإذعانِ.
وأركانُه خمسةٌ بنصِّ الرسولِ ﵊، فأوَّلها الشَّهادتانِ، وشرطُهما مع النُّطقِ بهما المحبةُ للهِ ولرسولِه ﵊، فلو نطَق بهما ولا محبةَ، لم يُفِدْه النطقُ بهما شيئًا غيرَ عِصْمةِ الدمِ والمالِ؛ لظاهرِ الحديثِ المذكورِ في "الأربعين" (^١): "أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَقولوا: أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ … " إلخ.
وأمَّا بقيَّةُ الأركانِ فهي كما في الحديث: "إقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصَومِ رمضانَ، وحَجِّ البيتِ على مَنِ استطاعَ إليه سبيلًا" (^٢).
وشروطه ستَّةٌ: العقلُ، والبلوغُ، ودعوةُ النبيِّ ﷺ (^٣).
الثالث: الإيمانُ باللهِ وَحْدَه وبملائكتِه وكتبِه ورسلِه.
الرابعُ: الإيمانُ بالقَدَر خيرِه وشرِّه، واليومِ الآخِر.
الخامس: سلامةُ كلِّ مسلم من يدِه ولسانِه في دمٍ أو عِرْضٍ أو مالٍ مع النصيحةِ له.
السادس: التصديقُ في القولِ والعملِ والاتِّباعُ والمحبةُ، فلو حصل منه شكٌّ في وجوبِ الإسلامِ، أو في شيءٍ من الأركانِ، أو حلَّل محرَّمًا، أو حرَّم حلالًا مجمَعًا عليه، عامدًا عالمًا، كفرَ.
_________________
(١) "الأربعون النووية" (٨)، وهو عند البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢)، من حديث ابن عمر رض الله عنهما.
(٢) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) فيما أورده من شروط تداخل بين الإسلام والإيمان وتكرار.
[ ١ / ٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإيمانُ لغةً: مُطلَق التصديقِ.
وشرعًا: تصديقُ القلبِ (^١)، أي: إقبالُه وإذعانُه لِما عُلِم بالضرورةِ أنَّه من دينِ محمَّد ﷺ، المعبِّر عنه بعضُهم بقولِه: عَقْدٌ بالجَنانِ، ونُطقٌ باللسانِ، وعملٌ بالأركانِ (^٢).
وأركانُه وشروطُه مبسوطةٌ في المطوَّلات، وعليه: لا فَرْقَ بينهما، وعليه دَرَجَ أصحابُ الإمامِ ابنِ حنبلٍ.
"تنبيه": الفرقُ بينَ الإيمانِ والإسلامِ، وهل الإسلامُ وصفٌ لهذِه الأمَّة خاصةً، أَوْ لا؟ وهل الإيمانُ يَزيدُ وَينقصُ؟
حاصلُ ما في الفرق -كما يُؤخَذ مِن "شرحِ العقائدِ" (^٣) وحواشيها- أنَّ الإيمانَ والإسلامَ متباينان لغةً، متلازما المفهومِ، متَّحدا الماصَدَق (^٤) شرعًا، فإنَّه يَلزم مِن الانقيادِ الظاهريِّ شرعًا التصديقُ الباطنيُّ؛ لتوقُّف صحَّة الأعمالِ الشرعيَّة على التصديقِ؛ لأنَّه جَعل شرطًا لها النطقَ بالشهادتينِ مِنَ القادرِ المتمكِّن، فالإسلامُ موضوعٌ للانقيادِ الظاهريِّ، مشروطًا فيه القولُ عندَ الإمكانِ.
واختُلف هل الإسلامُ وصفٌ خاصٌّ بهذِه الأمَّة، أو وصفٌ مشتركٌ بين هذِه الأمَّة وغيرِها، مِن غيرِ فرقٍ بينَهما؟
_________________
(١) الإيمان شرعًا هو: قول وعمل: قول القلب أي تصديقه، وقول اللسان أي النطق بالشهادتين، وعمل القلب واللسان والجوارح بجميع شعب الإيمان. ينظر "العقيدة الواسطية" لابن تيمية ص ٢٤.
(٢) وهو قول مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة، وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين، كما في "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز ٢/ ٤٥٩.
(٣) للتفتازاني ص ١٥٩ - ١٦٠.
(٤) الماصدق: اصطلاح في علم المنطق، يقصدون به الفرد أو الأفراد التي ينطبق عليها اللفظ؛ إذ يتحقق فيها مفهومه الذهني. "ضوابط المعرفة" للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني ص ٤٥.
[ ١ / ٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رجَّح السيوطيُّ (^١) ومَن تبعَه الأوَّلَ (^٢)، وأفتى الرمليُّ (^٣) بالثاني، وهو المعتمدُ؛ لظاهر الآياتِ الدَّالَّة على ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم قومُ لوط ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] وغيرِها مِن الآياتِ.
وأما الإيمانُ هل هو مخلوقٌ (^٤)؟
نُقل عن جماعةٍ القولُ بخَلْق الإيمانِ (^٥)؛ لأنَّه عملٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] والحقُّ كما أجابَ به الشهابُ البُلْقينيُّ (^٦) بقوله: ما فيه مِن قولٍ وعملٍ، مخلوقٌ، وما فيه مِن الاعتقادِ، فيفصَّل فيه، فما كان باكتسابِ العبدِ تعلُّمًا، مخلوقٌ، وما كان مِن الفيض النوريِّ الإلهي المستقرِّ مِن عالَم الأَزَلِ إلى حينِ الوفاةِ، ليس بمخلوقٍ؛ لامتزاجِهِ بآثارِ الكلامِ النفسيِّ المقدَّس، كما أَلْهَمنا النطقَ بالقرآنِ وليس بمخلوقٍ.
وأما زيادةُ الإيمانِ ونقصانُه، فإنه يزيدُ بالطاعةِ، وَينقُص هو وثوابُه بالعِصيانِ، وَيقوى
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، السيوطي، الشافعي، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، منها: "الإتقان في علوم القرآن"، و"آداب الفتوى"، و"الإشباه والنظائر"، وغير ذلك كثير. (ت ٩١١ هـ). "الضوء اللامع" للسخاوي ٤/ ٦٥، و"شذرات الذهب" لابن العماد ١٠/ ٧٤.
(٢) "الحاوي للفتاوي" للسيوطي ٢/ ٢١٣.
(٣) هو: شمس الدين، محمد بن أحمد بن حمزة، الرملي، المنوفي، المصري، الشهير بالشافعي الصغير، ألَّف التآليف النافعة منها: "شرح المنهاج" و"شرح البهجة الوردية" وغيرهما. (ت ١٠٠٤ هـ). "خلاصة الأثر" للمحبي ٣/ ٣٤٢، و"الأعلام" للزركلي ٦/ ٧.
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: السلف والأئمة الإمام أحمد وغيره منعوا من إطلاق القول بأن الإيمان مخلوق "مجموع الفتاوى" ٨/ ٤٢٣، ونقل عن العلماء أن إطلاق القول في هذه المسألة بدعة. ٥/ ٧٨، ٨٥ و٧/ ٥١٠.
(٥) "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة ص ٧٨ مع شرحه لعلي القاري، و"شرح العقيدة الطحاوي" لابن أبي العز ٢/ ٦٣٩ وما بعدها.
(٦) هو: شهاب الدين، أحمد بن محمد بن أبي بكر، الشافعي، اشتغل بالقراآت والعربية. (ت ٨٣٨ هـ). "الضوء اللامع" للسخاوي ٢/ ١٠٢ و"شذرات الذهب" لابن العماد ٩/ ٣٢٨.
[ ١ / ١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومَنَّ علينا
بالعِلْمِ، وَيَضعفُ بالجهلِ والغفلةِ والنسيانِ.
(ومنَّ علينا) مضارعُه: يَمُنُّ مِنَّةً، وهي: الإفضالُ والعطيَّةُ، بمعنى النعمةِ، أو بمعنى الاعتدادِ بها، فهي على الأوَّل بمعنى الممنونِ به، وعلى الثاني بمعنى الامتنانِ، مصدرٌ ميميٌّ (^١) باقٍ على حالِه، وهو مِن اللهِ مَدْحٌ، ومِن الإنسانِ ذمٌّ، والامتنانُ جَمْعُ مِنَّة، والباري تعالى مانٌّ علينا، أي: منًّا منه لا وجوبًا عليه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، والمانُّ مِن أسمائه تعالى. قال القرطبيُّ (^٢) في "المقصد الأسنى" (^٣): واشتقاقُه مِن المَنِّ الذي هو العطاءُ، دون طلب عوضٍ، ومنه: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] في أحدِ وجوهِه، ويجوز أن يكونَ مشتقًّا من المِنَّة التي هي التفاخرُ بالعطيَّة على المُعطَى له، وتعديدُ النِّعَم عليه، والمعنيان في حقِّ الله تعالى صحيحانِ، وفي الإنسانِ الأوَّلُ مَدْحٌ، والثاني ذمٌّ، قال ابنُ الأعرابيِّ (^٤): المنَّانُ: المتفضِّلُ. وقال الحَلِيْميُّ (^٥): هو العظيمُ المواهِب. انتهى. "إشارات"،
_________________
(١) المصدر الميمي: هو ما بُدِئ بميم زائدة لغير المفاعلة كالمَضْرب والمقتل، وذلك لأنه مصدر في الحقيقة، ويُسمى المصدر الميمي، وإنما سموه اسم مصدر تجوزًا. "شرح شذور الذهب" ص ٥٢٦.
(٢) هو: أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي بكر، القرطبي، المالكي، مصنف التفسير المشهور "الجامع لأحكام القرآن" وله أيضًا مصنفات منها: "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" وغيرهما. (ت ٦٧١ هـ). "الديباج المذهب" لابن فرحون ٢/ ٣٠٨، و"طبقات المفسرين" للداودي ٢/ ٦٥، و"شذرات الذهب" ٧/ ٥٨٤.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" وذكره الزجاجيُّ في "اشتقاق أسماء الله" ص ١٦٤ بنحوه.
(٤) هو: أبو عبد الله، محمد بن زياد، صاحب اللغة، كان أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب، من مصنفاته: "النوادر"، و"الخيل"، و"معاني الشعر" .. (ت ٢٣١ هـ). "معجم الأدباء" لياقوت الحموي ١٨/ ١٨٩، و"شذرات الذهب" ٣/ ١٤١.
(٥) هو: أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد، الشافعي، له عملٌ جيد في الحديث، له مصنفات منها: "المنهاج في شعب الايمان". (ت ٤٠٣ هـ). "طبقات الشافعية" للسبكي ٤/ ٣٣٣، و"سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٢٣١، وكلامه في "المنهاج" ١/ ٢٠٣.
[ ١ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمعرفةِ الحلالِ والحرامِ، والصلاةُ والسلامُ
قال الشيخُ البَابِلي (^١): المَنُّ مِن الوالدِ والمعلِّم ليس ذمًّا.
وقوله: "علينا" أي: المفاضَةُ علينا، و"على" تعليليَّةٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لهدايته وأثرِها؛ إيماءً الى أنَّ الحمدَ مازَجَ النِّعَمَ وتمكَّن منها كتمكُّن المستعلِي على الشيءِ.
وقوله: (بمعرفة) متعلِّقٌ بـ "مَنَّ".
(الحلال والحرام) الحلالُ لغةً وشرعًا: ضدُّ الحرامِ، فيعمُّ الواجبَ والمندوبَ والمكروهَ والمباحَ.
والحرامُ لغةً: المَنْعُ، أي: الممنوعُ مِن فِعْله شرعًا.
وشرعًا: ما يُثاب على تَرْكِه امتثالًا، ويُعاقَب على فِعْله.
وفي تصريحه بالحلالِ والحرامِ براعةُ استهلالٍ، وهي: أن يُورِدَ كلُّ شارعٍ في فنٍّ ما فيه إشارةٌ إلى ما سبَق الكلامُ لأجلِه مِن كونِ التأليفِ في فنِّ كذا، وكونِ الكلامِ في تهنئةٍ أو تعزيةٍ وما أشبهَ ذلك؛ مشعِرًا بالمقصود، دالًا عليه من أوَّل الأمرِ، وأصلُ البراعةِ التفوُّقُ، وأصلُ الاستهلال رَفْعُ المولودِ صوتَه عند الولادةِ المشعِرةُ بحياتِه، فسُمِّي كلُّ ما أشعر بشيءٍ في الابتداء براعةَ استهلالٍ، والإضافةُ على معنى اللام، أو "في"، أو "من".
(والصلاةُ والسَّلامُ) المشهور أنَّ الصلاةَ مِن الألفاظِ المشتركةِ، وُضِعت للدُّعاء بوضْعٍ، وللرَّحمةِ بوضْعٍ، وللاستغفارِ بوضْعٍ، فهو من قَبيلِ المُشتَرك اللفظي، وهو: ما اتَّحد لفظُه، واختلفَ معناه، وتعدَّد وصفُه بتعدُّد معانيه، كالعَينِ.
_________________
(١) هو: أبو عبد الله، محمد بن علاء الدين، فقيه شافعي وأحد الأعلام في الحديث والفقه، وهو أحفظ أهل عصره لمتون الأحاديث وأعرفهم بجرحها ورجالها، له: "الجهاد وفضائله". (ت ١٠٧٧ هـ). "خلاصة الأثر" ٤/ ٣٩، و"الأعلام" ٦/ ٢٧٠.
[ ١ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على سيدِنا
واعتُرض بأنَّ الاشراكَ خلافُ الأصلِ، ولا دليلَ عليه، ومِن ثَمَّ ذهبَ ابنُ هشامٍ (^١) في "مغنيه" إلى أنَّه موضوعٌ لشيءٍ واحدٍ، وهو العطفُ، فإذا أُضيف إلى شيءٍ، يُفسَّر بما يناسبُه، فإِن أُضيف إلى الله، يُفسَّر بالرحمةِ، وهكذا، فهو مُشتَرك اشتراكًا معنويًّا لا لفظيًّا، وتوجيه صاحب "المغني" إذا دارَ الأمْرُ بين الاشتراكِ المعنويِّ واللَّفظيِّ، عُدِل إلى المعنويِّ.
(على سيِّدِنا) أصله سَيْوِد، استُثقلت الكسرةُ على الواو فحُذفت، فالْتَقى ساكنانِ، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياءِ (^٢)، واشتقاقُه مِن السُّؤْدد والكمال، قال النوويُّ (^٣) في "أذكاره": يُطلَق السيِّد على الذي يَفوق قومَه ويَرتفعُ قَدْرُه، وعلى الحليمِ الذي لا يَستفِزُّه الغضبُ، وعلى الكريمِ، وعلى المالك، وعلى المتولِّي للسَّواد، أى: الجماعةِ الكثيرةِ، ولا شكَّ أنَّ جميعَ الخِصال الحميدةِ اجتمعت في نبيِّنا ﷺ.
ووصفُه بالسيادةِ تلويحٌ لِما ثبَت في الحديثِ أنَّه قال: "أَنَا سيِّد وَلَدِ آدمَ ولا فَخْرُ" (^٤). ولكن هذا في مقامِ الإخبار عن نفسِه لمرتبتِه، وأما في الصلاةِ عليه منَّا، فهل الأفضلُ ذِكْرُ السيِّد؛ مراعاةً للأدبِ، أو عدمُ ذِكْره؛ رعايةً للوارد في كيفيةِ الصلاة عليه لمَّا سألوه عنها،
_________________
(١) هو: جمال الدين أبو محمد، عبد الله بن يوسف بن أحمد الأنصاري، النحوي الفاضل، أتقن العربية ففاق الأقران بل الشيوخ، صاحب تصانيف كثيرة منها: "مغني اللبيب"، و"عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب"، و"شذور الذهب". (ت ٧٦١ هـ). "الدرر الكامنة" لابن حجر ٣/ ٩٣، و"بغية الوعاة" للسيوطي ٢/ ٦٨. وكلامه في "المغني" ص ٧٩١.
(٢) "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٥٣ و٢/ ٥٨٥، و"أسرار العربية" لابن الأنباري ص ٣٠.
(٣) هو: محيي الدين، أبو زكريا، يحيي بن شرف بن مُرِّي الشافعي، علامة بالفقه والحديث، له تصانيف كثيرة منها: "شرح مسلم" و"الروضة" و"المنهاج". (ت ٦٧٦ هـ). "طبقات الشافعية الكبري" للسبكي ٨/ ٣٩٥، و"الأعلام" ٨/ ١٤٩. وكلامه في "الأذكار" ص ٤٤٨.
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁، وهو عند البخاري (٣٣٤٠)، بلفظ: "أنا سيد القوم يوم القيامة".
[ ١ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محمدٍ خيرِ الأنامِ، وعلى آلهِ وأصحابهِ (^١)
وهو قوله ﷺ: "اللهم صلِّ على محمد" (^٢) … إلخ، فلم يَذكر لفظَ: سيِّد؟
تردَّد نَظَرُ الشيخِ عزِّ الدين (^٣) في ذلك؛ بناءً على أنَّ الأفضلَ سلوكُ الأدب، أو امتثالُ الأمرِ، فعلى الأوَّل يستحبُّ، دونَ الثاني.
(محمد) بالجرِّ بدلٌ مِن "سيِّدنا" إذِ المقصودُ بالذاتِ الشهادةُ برسالتِه ﷺ، وذِكْرُ السيِّد توطئةٌ لذِكْر اسمِه الشريفِ، فإثباتُ السيادةِ له مقصودٌ، لكن لا بالذاتِ بل توطئةً وتمهيدًا، فلا يَرِدُ أنَّ قولَهم: المبدلُ منه في نيَّة الطَّرحِ، يستلزمُ عدمَ جوازِ البدليَّة هنا لا يلزم مِن أن يكونَ إثباتُ السيادةِ له غيرَ مقصودٍ أصلًا؟ لأنَّا نقول: معنى الطَّرْح أنْ لا يكونَ المبدَلُ منه مقصودًا بالذات، ولكن ذُكِرَ توطئةً للبدلِ، ويجوز أن يكون عَطْفَ بيانٍ جِيْءَ به للمدحِ، فيكون إثباتُ السيادةِ [له] (^٤) ﷺ مقصودًا بالذاتِ، ويجوز رَفْعه على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والتقديرُ: هو محمَّدٌ.
وقوله: (خيرِ الأنامِ) صفتُه ﷺ.
(وعلى آلِه) أي: والصلاةُ والسلامُ على آلِه: وهم أتباعُه على دينِه، على الصحيح عند إمامِنا أحمدَ، والصحيحُ إضافةُ آلٍ إلى مضمَر كما فَعَله المؤلِّف، نعم الأوْلى إضافتُه، كـ:
_________________
(١) في (ز) و(ح): "وصحبه".
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦)، من حديث كعب بن عجرة ﵁.
(٣) هو: عز الدين، أبو محمد، عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم، المغربي الأصل، الدمشقي المولد، المصري المآل والمدفن، سلطان العلماء، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه، الفقيه الأصولي، من تصانيفه: "القواعد الكبرى"، و"مختصر صحيح مسلم"، وغيرها. (ت ٦٦٠ هـ). "طبقات الشافعية الكبرى" ٨/ ٢٠٩، وشذرات الذهب" ٧/ ٥٢٢.
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البرَرَةِ الكرامِ.
وبعدُ:
"حَمَلةُ القرآنِ آلُ اللهِ" (^١). وإنَّما قِيل: آلُ فرعونَ؛ لتصوُّره بصورةِ العظماءِ، ولا يُضاف إلَّا إلى عاقلٍ، فلا يُقال: آلُ القريةِ، وأمَّا ما وردَ مِن قولِ الشاعرِ (^٢):
وانْصُرْ على آلِ الصَّليـ … ـبِ آلَك
فهو شاذٌّ، ويَدخُل على المضافِ إليه، كـ: فَعَلَ آلُ فلانٍ كذا بقريةٍ، ومنه قوله ﷺ للحسين: "إنَّا آلَ محمَّد لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ … " (^٣) الحديث.
(البَررةِ الكرامِ) جمع بارٍّ، وهو: مَنْ غَلب عليه أعمالُ الخير. و"الكرام" جمع كريمٍ، والمرادُ به هنا مَنْ خَرج من نفسِه ومالِه للهِ تعالى، وكلُّ الصحابةِ كذلك منه.
(وبَعْدُ) يصحُّ في هذه الواو أن تكونَ عاطفةَ لقصَّة الثناءِ على الشرحِ على قصةِ الحمدِ والصلاةِ والسلامِ، والعامل في "بَعْدُ" محذوفٌ، أي: وأقولُ: وبَعْدُ، ويصحُّ أن تكونَ للاستئنافِ، وتكون الواو حينئذٍ نائبةً عن "أمَّا" فيكون الشارح آتيًا بالسُّنةِ.
وهي ظرفُ زمانٍ، أي: وبعدَ ما تقدَّم في الزمن، أو ظرفُ مكانٍ، أي: وبعدَ ما تقدَّم
_________________
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وذكر نحوه السيوطي في "الجامع الصغير -مع الفيض-" ١/ ٥٦ من حديث أنس ﵁ بلفظ: "آلُ القرآن آلُ الله". وعزاه للخطيب البغدادى في "رواة مالك". قال المناوي في "فيض القدير": من رواية محمد بن بزيع، عن مالك، عن الزهرى، عن أنس بن مالك، ثم قال مخرجه الخطيب: وبزيع مجهول. وفي الميزان: خبر باطل، وأقره عليه المؤلف في الأصل، وقال غيره: موضوع.
(٢) الرجز لعبد المطلب جدِّ النبي ﷺ، وهو في "الروض الأُنُف" للسهيلي ١/ ٧٠ وروايته فيه: وانصُرْ على آلِ الصَّليـ … ـبِ وعابِدِيْهِ اليومَ آلَكْ
(٣) أخرجه أحمد (١٦٣٩٩)، من حديث ميمون -أو مهران- مولى النبي ﷺ. وهو عند البخارى (١٤٨٥)، من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "أما علمتَ أن آلَ محمد لا يأكلون الصدقة؟ ".
[ ١ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهذا شرْحٌ
في المكان، والعاملُ فيه الفعلُ المحذوفُ. وأيضًا بُنِيَتْ؛ لتضمُّنها حرفَ الشرطِ، وسيأتي توضيحٌ لها أتمَّ مِن هذا.
(فهذا) الإشارةُ به إنْ كانت قَبل التأليفِ، فإلى ما في الذِّهنِ، وفيه إشكالٌ؛ لأنَّ الحاضرَ في الذهنِ حقيقةً هو المجملُ، ومسمَّى الكتاب هو المفضَّل، وهو غيرُ حاضرٍ في الذهن حقيقةً، والمشارُ إليه يجب حضورُه، فالمشارُ إليهِ هو المجملُ، فلا يصحُّ الإخبارُ عنه بما مسمَّاه المفضَّلُ، وهو قوله: "شرح".
وجوابه: أنَّ المخبَرَ عنه مضافٌ محذوفٌ، أي: مفصَّل هذا المجملِ، فالمشار إليه المجملُ الحاضرُ في الذهنِ، والمخبَرُ عنه المفصَّل، وإن كانت الإشارةُ به بعد التأليفِ، فإمَّا إلى ما في الذهنِ، وقد عُلم ما فيه، وإمَّا إلى ما في الخارجِ، إن جُعل مسمَّى الكتابِ أمرًا خارجيًّا كالنقوشِ المخصوصة، أو الألفاظِ المخصوصةِ، وهي الصادرةُ مِن الشارح في الوقت المخصوصِ على الوجه المخصوصِ، وفيه أيضًا إشكالٌ؛ لأنَّ الموجودَ في الخارج منها ليس إلا الشخصُ، وليس الغرضُ تسميتَه ذلك الشخص، ولا وصفَه بالأوصافِ الآتية، وإنما الغرضُ تسميةُ نوعهِ ووصفِه؟
وجوابه: أنَّه على حَذْفِ مضافٍ، أي: نوع هذا اللفظِ أو النَّقْش. (شَرْحٌ) الشَّرْح في اللغةِ: الشَّقُّ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ويُطلق على الكشْف والإيضاحِ.
وعرفًا: اسمٌ لألفاظٍ مرتَّبة ترتيبًا خاصًّا باعتبار دِلالتها على المعاني، على المختار عند سيِّد المحقِّقين (^١) من أنَّ أسماءَ الكُتب وما فيها مِن التراجمِ عبارةٌ عن الألفاظِ المخصوصةِ
_________________
(١) يعني: أبا السَّعادات، منصور بن يونس بن صلاح الدين، البهوتي صاحب المتن المذكور أعلاه، وسلفت ترجمته في مقدمة الكتاب، وكلامه في كتابه "كشاف القناع" ١/ ١٧.
[ ١ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَطيفٌ، وتَعليقٌ شريفٌ، على المختصرِ الموسُومِ بـ "عمدةِ الطالبِ لنيلِ المآربِ" للإمامِ
من حيث دلالتُها على المعاني المخصوصة.
(لطيفٌ) صفةٌ لـ "شرح" أي: صغيرُ الحجم، يُقال: لطَفه بمعنى: وصَفه، ولَطُفَ لطافةً: صَغُرَ ودَقَّ، وإنَّما عبَّر به دونَ الصغيرِ؛ لِما فيهِ مِن تضمُّن المَدْح بالصفاتِ الحسنةِ، ولأنَّه مأخوذٌ مِن اللَّطافة وهي دِقَّةُ القِوام -بالكسرِ أفصحُ- أو كون الشيء شفَّافًا لا يَحجُب البصرَ عن إدْراكِ ما وراءَه، فالمرادُ أنَّه مختصرٌ حَسَنُ الوضْعِ، بديعُ الصُّنع، وعلى الثاني أنَّه ظاهرُ المعنى لا خفاءَ فيه، شبَّه هذا الشرحَ لسهولةِ أَخذ المعنى منه بجِسْمٍ لطيفٍ لا يَحْجُب إدراكَ ما وراءَه؛ بجامِع مُطْلَقِ السُّهولةِ في كلٍّ، تشبيهًا مضمرًا في النَّفْس على طريقِ الاستعارةِ بالكِناية، وإثباتِ اسمِ اللطيفِ تخييلًا، وأيضًا إنَّ اللطيفَ اسمٌ مِن أسمائِه ﷿ معناه الرؤوفُ، أي: الشديدُ الرحمةِ بعبادِه، فذكَره إشارةً إلى أنَّه رَؤُفَ -بوزن فَعُلَ- بالمبتدئين حيثُ جعلَه لهم شرحًا.
(وتعليقٌ شريفٌ) أَشارَ بذلك إلى أنَّه لم يَقتصر على مجرَّد حَلِّ الألفاظِ، بل ضمَّ إليه فوائدَ مِن الإتيانِ ببعضِ شروطٍ ومسائلَ زائدةٍ على المتنِ أهْملها المصنِّف، صار بها الأصلُ تعليقًا، أي: مجموعًا.
(على المختصر) العلاوةُ معنويَّةٌ مجازيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ "شرح" على تقديرِ نعتٍ محذوفٍ، أي: مشتمل على المختصرِ … إلخ. وفيه استعارةٌ مكنيةٌ، حيث شبَّه الشرحَ بِجسْم اسْتَعلى على جسمٍ آخرَ؛ بجامعِ شِدَّة التمكُّن، تشبيهًا مُضمرًا في النَّفْس، وأَثبتَ "على"؛ تخييلًا.
(الموسوم) أي: المسمَّى (بـ: عمدة … إلخ) "سمَّى" يتعدى إلى المفعولِ الثاني بالباءِ وبنفسه، وما هنا مِن الأوَّل.
(للإمام) حال من "المختصر"، والإمامُ في اللغةِ: المتَّبَع، ويُطلَق على الكتابِ المُقتَدى
[ ١ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العلامةِ، والحبرِ البحرِ الفهَّامةِ، شيخِ شيوخِنا،
به، الذي هو حجَّة، ويُطلَق على اللوحِ المحفوظِ، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، يعني: اللوحَ المحفوظَ، وقد يُراد به صحائفُ الأعمالِ، وقد يُطلَق على الإمامِ الأعظمِ، كما يأتي.
وفي الشَّرع: مَن يصحُّ الاقتداءُ به. والإمامةُ كُبرى وصُغرى، فالكُبرى: خلافةُ الرسولِ ﷺ في إقامةِ الدِّينِ، وحِفْظِ صورةِ الملَّة، بحيث يجبُ اتِّباعه على كافةِ الأمةِ. والصُّغرى ما تقدَّم. وجَمْعُ إمامٍ: إمامٌ أيضًا، كما في "القاموس" (^١)، فيكون مفردًا وجَمْعًا، ونظيرُه: هِجَانٌ، وكثيرًا ما يُجمَع على أئمة، والأئمَّةُ أَيْمِمَة على وزن أَفْعِلَة.
(العلَّامةِ) هو صيغةُ مبالغةٍ كنسَّابة، وهو مَن حازَ المعقولَ والمنقولَ بأنْ حصَّل مِن كلِّ فنٍّ طرفًا يَهتدي به إلى باقيه، وتاؤه؛ للمبالغة والوحدةِ لا للتأنيثِ.
(والحبْرِ) بفتح الحاءِ وكسرِها: العالِم. وفي الأصلِ: واحدُ أحبارِ اليهودِ، والكسرُ أفصحُ، وكعبٌ الْحِبْر-بالكسر- منسوبٌ إلى الحِبر الذي يُكتَب به؛ لأنَّه كان صاحبَ كتب. محمد الخلوتي (^٢).
(شيخِ شيوخِنا) إضافةُ شيخٍ لشيوخِنا؛ إمَّا أن تكونَ على معنى اللامِ، أي: شيخ لشيوخِنا، أو على معنى "من"، أي: شيخ مِن شيوخِنا، أو على معنى "في"، أي: شيخ في شيوخِنا، والمرادُ الأوَّلُ كما قرَّره الوالدُ (^٣).
_________________
(١) "القاموس المحيط" (أمم).
(٢) هو: محمد بن أحمد بن علي، البهوتي، المصري، الحنبلي، له الكثير من التحريرات، منها: تحريراته على "الإقناع" وعلى "المنتهى"، و"حاشية على شرح العقائد النسفية" للسعد. (ت ١٠٨٨ هـ). "السحب الوابلة" لابن حميد ٢/ ٨٦٩، و"تسهيل السابلة" لابن عثيمين ٢/ ١٥٧٠. وكعب الحبر هو: كعب بن ماتع الحِمْيري اليماني الحبْر، الذي كان يهوديًا، فأسلم بعد وفاة النبي ﷺ، وقدم المدينةَ من اليمن في أيام عمر ﵁ فجالس الصحابة، وكان يُحدِّثهم عن الكتب الإسرائيلية وكان خبيرًا بها. توفي في أواخر خلافة عثمان. "طبقات ابن سعد" ٧/ ٤٤٥، و"السير" ٣/ ٤٨٩.
(٣) أي: أحمد بن محمد بن عوض، والكلام لابنه أحمد بن أحمد.
[ ١ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشيخِ منصورِ بنِ يونسَ البُهُوتي رحمه الله تعالى.
وسمَّيتُه: "هِدايةَ الرَّاغبِ لشرحِ عمدةِ الطالبِ".
(الشيخ منصور) وهو في اللغةِ: مَن جاوزَ الأربعينَ. وفي الاصطلاح: مَن بلَغ رتبةَ أهلِ الفَضْل، ولو صبيًا.
(وسمَّيته: "هدايةَ الراغِب … إلخ") قال الدَّوَاني (^١): يعني سمَّيته بمجموعِ الموصوفِ والصفةِ وما أُضيف إليهما.
فإنْ قِيل: الهدايةُ هي: الدلالةُ الموصِلَةُ إلى المطلوبِ، حصل الوصولُ أَوْلا، عند معاشرِ أهلِ السنةِ، فَلِمَ سمَّى كتابَه بـ "هداية" مع أنَّ الهدايةَ مِن أوصافِ العَقَلةِ، ولا كذلك الكتابُ؟
يُجاب: بأنَّ تسميتَه بهذا مجازٌ عقليٌّ مِن إسنادِ الفعلِ إلى غيرِ مَن هو له، وهو الموقن، أو مجازٌ لغويٌّ، علاقتُه المشابهةُ على طريقِ الاستعارةِ بالكناية، بأَنْ شبَّه الكتابَ بشخصٍ ذي (^٢) هدايةٍ؛ تشبيهًا مضمرًا في النَّفْسِ، وإثباتُ الهدايةِ تخييلٌ.
وقيل: إنَّ الهدايةَ الإرشادُ والبيانُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. أي: بيَّنَّا له طريقَي الخيرِ والشَّرِّ، فتسميةُ الشَّرِّ بذلك مِن تسميةِ المسبَّب بسببِه؛ لأنَّ الراغبَ يتبيَّن له بسببِه الأحكامُ الشرعيَّة مِن حلالٍ وحرامٍ، هذا كلُّه بحَسب الأصلِ، وأما الآن جُعل عَلَمًا، فلا يُنظر لذلك.
_________________
(١) هو: جلال الدين، محمد بن أسعد، الصديقي، الدَّواني -بفتح المهملة وتخفيف النون، نسبة لقربة من كازرون- الشافعي، القاضي، تقدم في العلوم ولا سيما العقليات، صاحب مصنفات منها: "شرح هياكل النور للسهروردي في الحكمة"، و"الأربعون السلطانية في الأحكام الربانية". (ت ٩٢٨ هـ). "الضوء اللامع، ٧/ ١٣٣، و"معجم المؤلفين" ٣/ ١٢٦.
(٢) في الأصل: "ذو".
[ ١ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واللهَ أسألُ أنْ يَنْفعَ بهِ النَّفْعَ العميمَ،
(واللهَ أسألُ أن ينفعَ به) قدَّم اسمَ البارِي ﷻ؛ للقَصْر والاهتمامِ باسمِ الذاتِ، أي: قصَر سؤالَه وطلبَه على اللهِ لا يتجاوزُه إلى غيرِه، أو مبتدأٌ و"أسأل" خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ، أي: واللهُ أسأَله، والجملةُ على الأوَّل فعليَّة تفيدُ التجدُّدَ والحدوثَ، وعلى الثاني اسميَّة تفيدُ ما ذُكرَ؛ لأنَّ الخبرَ فيها جملة فعليَّة، فإذن الأفضلُ الوجهُ الأوَّل؛ لدلالتِه على الحَصْر، مع إفادةِ التجدُّد والحدوثِ المتحقِّق في الأمرين، وخلوِّ الثاني منه، فقولهم: الاسميَّةُ تدلُّ على الدوامِ والثباتِ، ما لم يكنِ الخبرُ فيها جملة فعليَّة.
والسؤالُ في اللغةِ: الطَّلبُ. واصطلاحًا: طَلَبُ الأَدنى من الأعلى.
وقوله: "أن ينفع" مؤول بالنَّفْع، وحقيقتُه كما قال الراغبُ (^١) في "مفرداته": ما يُستعان به في الوصولِ إلى الخيرِ، وكلُّ ما يتوصَّل به إلى الخيرِ فهو خيرٌ، فالنفعُ خيرٌ. وهو مفعولٌ ثانٍ لـ "أسأل"، والتقدير: أسألُ اللهَ النفعَ به، أي: يُوصل للناسِ خيرًا بسببِه، أو أنَّ الباء للتعديةِ بجَعْل الشرحِ آلةً للنفعِ.
فإنْ قيل: هلَّا عبَّر بتلكَ العبارةِ؛ لأنَّها أَخْصرُ؟
أُجيب: بأنَّه عَدَل عنها الى ما قالَه لأمْرين: الأوَّل: أنَّ هذا مقامُ دعاءٍ فينبغي فيه الإطنابُ. الثاني: تحصيلُ البركةِ بوجودِ الضميرِ الراجعِ إلى اسمِ اللهِ المتقرِّر في الفعلِ دونَ المصدرِ، والشارحُ حذَف مفعولَ "ينفع" إيذانًا بالعمومِ، أي: كلَّ أحدٍ، لكنَّ ذلك العامَّ لم يَبْقَ على عمومِه، بل هو مخصوصٌ، أو أُريد به الخصوصُ، أي: كلَّ مَن قرأه وحصَّله، لا كلَّ أحدٍ ممَّن ليس كذلك، وانظر الفَرْق بين العامِّ المخصوصِ والعامِّ الذي أُريد به الخصوصُ فيما كتبناهُ على "شرح المنتهى".
_________________
(١) هو: أبو القاسم، الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني، من أذكياء المتكلمين، أديب، صاحب تصانيف منها: "مفردات القرآن"، و"أفانين البلاغة"، و"المحاضرات". (ت ٥٠٢ هـ). "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ١٢٠، و"بغية الوعاة" ٢/ ٢٩٧، و"الأعلام" ٢/ ٢٥٥. وكلامه في "المفردات" ص ٨١٩.
[ ١ / ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأنْ يجعَلَه خالِصًا لوجهِهِ الكريمِ؛ إنَّه وليُّ ذلك وهو حسْبي ونعمَ الوكيلُ.
(وأن يجمله) عطفٌ على قوله: "أن ينفع"، والضميرُ راجعٌ للشرحِ.
(خالصًا لوجهه) أي: لا يَشُوبُه رياءٌ ونحوُه مما يُحبِط الثوابَ، والوجهُ: الذاتُ (^١)، مِن إطلاقِ الجزءِ وإرادةِ الكُلِّ مجازًا، بقرينةِ وَصْفه بالكريمِ، وهو مِن المتشابِه الذي اختَلف فيه السلفُ والخَلَفُ، كما قال البرهان اللقاني (^٢):
وكلَّ نصٍّ أوْهَم التَّشْبِيهَا … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ وَرُمْ تَنْزِيْها
(الكريمُ) مأخوذٌ مِن الكَرَم، وهو إعطاءُ مَا ينبغي، لمن ينبغي، على وجهٍ ينبغي، لا لغرضٍ ولا لعلَّة. قوله: "لا لغرض ولا لعلَّة" هكذا اشتهر زيادةُ ذلك، وهو مستغنًى عنه بقوله: "على وجهٍ ينبغي"، ويُمكن أن يُقال: هو بيانٌ للوجه.
(وهو حسبي ونِعْمُ الوكيل) معنى حسبي، أي: كافيَّ عن أنْ أطلُب العرنَ والتوفيقَ مِن غيرِه، و"الوكيلُ" فعيلٌ بمعنى فاعل، معناه: الحافظُ، ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: الحافظُ، وهذه الجملةُ- أعني قولَه: "ونِعْمَ الوكيل"- جملةٌ قُصِدَ بها المدحُ للهِ تعالى، وهي معطوفةٌ إمَّا على "حسبي" فلا يَلزم عطفُ الإنشاءِ على الخبرِ، أي: الجملةِ الخبريَّة؛ لأنَّ "حسبي" مُفرَدٌ ولا يُوصَف بشيءٍ مِن ذلك، وإمَّا على الجملةِ "وهو حسبي"، وحينئذٍ يُقدَّر القولُ أي: وقول: فنِعْمَ الوكيل، معمولٌ لقولٍ محذوفٍ معطوفٍ على "حسبي"، أي: ومقولٌ فيه: نِعْمَ الوكيل، فالعطفُ في الحقيقةِ يكون مِن عَطْفِ جملةِ اسميَّة على اسميَّة، والإنشاءُ إنَّما هو في متعلَّق خبرِ الجملةِ، وهو لا يضرُّ في صحَّةِ العطفِ، أو أنَّ الواوَ اعتراضيَّةٌ؛ بناءً على جوازِ الاعتراضِ مِن الأواخرِ، أو أنَّ الواوَ استئنافيَّةٌ.
_________________
(١) الصحيح إثبات الوجه لله سبحانه إثباتًا حقيقيًا يليق بجلاله، ولا يشبه المخلوقين، وهذا ما استقر عليه علماء السلف المحققين، وصفات الله وأسماؤه ليست من المتشابه.
(٢) هو: برهان الدين، أبو الإمداد، إبراهيم بن إبراهيم بن حسن، اللقَاني، نسبة إلى لقانة من البحيرة بمصر، له كتب منها: "جوهرة التوحيد" منظومة في العقائد، و"بهجة المحافل في التعريف برواة الشمائل". (ت ١٠٤١ هـ). "خلاصة الأثر" ١/ ٦، و"الأعلام" ١/ ٢٨. والرجز من "جوهرة التوحيد"، وينظر "شرح الصاوي على جوهرة التوحيد" ص ١٢٨ - ١٣٠.
[ ١ / ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(قال المصنِّف رحمه الله تعالى): يعني: أنَّ مجموعَ البسملةِ وما بعدَها مقولٌ لهما، فالبسملةُ للمصنِّف مثلًا خاصَّة، كبقيةِ ألفاظِ المتنِ، والذي للشارح هو ما شَرَح به المتنَ، مما هو مميَّز عنه، وعليه فَلِمَ يَبدأُ الشارحُ بالبسملة؟ وأُجيب: بجَعْل البسملةِ مقولةً لهما معًا، فللمُصنِّف من حيثُ الابتداءُ بها لفظًا، وكتابةً تحقيقًا، وللشارحِ من حيثُ نَقْلُ ما كتبَه المصنِّف تبرُّكًا به.
إِنْ قيل: الواقعُ مِن المصنِّف إنَّما هو مجرَّدُ الكتابةِ؟
أُجيب: بأنَّه بلغَه أنَّه تلفَّظ حقيقةً بأَنْ أمْلاهُ، أوْ مع الكتابةِ إن لم يُمْلِها، أو بناهُ على الغالِبِ مِن أنَّ مَن كتبَ شيئًا تلفَّظ به، أو لأنَّها في قوَّة اللفظِ، فهو من قَبيلِ: القَلَمُ أحَدُ اللسانَيْن (^١). أو باعتبارِ أنَّ اللفظَ مدلولُها؛ لِما تقرَّر أنَّ الكتابةَ تدلُّ على العبارةِ، والعبارةَ على ما في الذهنِ، وما في الذهنِ على ما في الخارج، وقد عَلمتَ مما ذُكر أنَّ القولَ يُطلَق على اللفظ وعلى الكتابةِ، فيقالُ: قال المصنِّف، أي: تلفَّظ أو كتبَ، ويُطلَق على معانٍ أُخَرَ أيضًا، يُقال: قال به، أي: حكَم به، وقال عنه، أي: رَوى عنه، وقال له، أي: خاطَبَه، وقال عليه: أي: افْتَأتَ عليه، وقال فيه، أي: اجتهدَ فيه.
وقوله: "المصنِّف" مِن التصنيفِ وهو: جَعْل كلِّ صِنْف على حِدَتِه. فهو أخصُّ من التأليفِ الذي هو مُطلَق الضمِّ، كذا لشيخِ الإسلامِ زكريّا (^٢) في بعضِ كتبِه، وذكر الناصهري (^٣) أنَّ التصنيفَ والتأليفَ مترادفان، وهو المتعارف.
_________________
(١) أورده بهذا اللفظ ابن قتية في "عيون الأخبار" ١/ ٤٧، وأورده الميداني في "مجمع الأمثال" ٢/ ١٣٠، بلفظ: القلم أحد الكاتبين.
(٢) هو: أبو يحيى، زكريا بن محمد بن أحمد، الأنصاري، المصري، الشافعي، قاضٍ مفسر، من حفاظ الحديث، صاحب تصانيف، منها: "فتح الرحمن" في التفسير، و"تحفة الباري على صحيح البخاري"، و"شرح ألفية العراقي" … (ت ٩٢٥ هـ - وقيل: ٩٢٦ هـ). "النور السافر" للعيدروسي ص ١٢٠، و"الأعلام" ٣/ ٤٦.
(٣) كذا في الأصل الخطي، ولم نهتدٍ إليه.
[ ١ / ٢٢ ]