(بَابٌ)
بالتنوينِ، أي: هذا بابٌ يُذكر فيه شيءٌ مِنْ أحكامِ التَّيمُّمِ (^١)
(التَّيَمُّمُ) لغةً: القصدُ.
وشرعًا: مسحُ وجهٍ ويَدَين بترابٍ طَهورٍ على وجهٍ مخصوصٍ.
وهو ثابتٌ بالإجماعِ (^٢)، وسندُه قولُه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا …﴾ الآيةَ، وحديثُ عمارٍ (^٣) وغيرِه.
وهو مِنْ خصائصِ هذه الأمَّةِ، لم يَجعله اللهُ تَعالى طَهورًا لغيرِها؛ توسعةً عليها، وإحسانًا إليها.
وهو (بَدَلٌ عَنْ طَهَارَةِ مَاءٍ)؛ لأنَّه لا يَجوز عندَ وجودِ الماءِ وتَمكُّنه مِنْ استعمالِه، بل (عِنْدَ عَجْزٍ عَنْهُ) أي: عن الماء (شَرْعًا) أي: مِنْ جهةِ الشَّرعِ، وإن لم يَعجِز عنه حِسًّا، كما سيَأتي، وهذا شأنُ البدلِ.
ويَجوز حضرًا وسفرًا، ولو غيرَ مباحٍ، أو قصيرًا؛ لأنَّه عزيمةٌ.
إذا عَلِمتَ ذلك؛ (فَ) إنَّه يَجوز التيمُّمُ بشَرطَين:
أَحدُهما: دخولُ وقتِ ما يَتيمَّم له، وإلى هذا أشارَ بقولِه: (إِذَا دَخَلَ وَقْتُ) صلاةِ (فَرْضٍ)، أو نفلٍ مقيَّدٍ بوقتٍ (^٤)، (أَوْ أُبِيحَ نَفْلٌ) مطلقٌ (^٥) بخروجِ وقتِ النَّهيِ.
_________________
(١) قوله: (أي هذا باب يذكر فيه شيء من أحكام التيمم) سقط من (س).
(٢) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٣٦، مراتب الإجماع ص ٢٢.
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨).
(٤) قوله: (مقيد بوقت) سقط من (س).
(٥) قوله: (مطلق) سقط من (أ) و(س).
[ ١٩٨ ]
فلا يصحُّ تيمُّمٌ لفرضٍ أو نفلٍ معيَّنٍ؛ كسُنَّةٍ راتبةٍ قبلَ وقتِهما نصًّا (^١)، ولا لنفلٍ في وقتِ نَهيٍ عنه (^٢)، بخلافِ رَكعتَي طوافٍ، فيصحُّ فِعلُهما كلَّ وقتٍ؛ لإباحتِهما إذَنْ.
ويصحُّ لفائتةٍ إذا ذَكرَها وأرادَ فِعلَها (^٣)، ولكسوفٍ عندَ وجودِه، ولاستسقاءٍ إذا اجتَمعُوا (^٤)، ولجنازةٍ إذا تمَّ تَغسيلُ مَيتٍ، أو يُمِّم لعُذرٍ (^٥)، ولعيدٍ إذا دخَل وقتُه، ولمَنذورةٍ بمعيَّنٍ (^٦) إذا دخَل، لا قبلَ ذلك في الكلِّ، ولمَنذورةٍ مطلَقةٍ كلَّ وقتٍ.
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٧٧، الإقناع ١/ ٥١.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (ولا لنفل في وقت نهي) أي: وقت نُهي عنه، كما في «الإقناع»، فيصحُّ التَّيمم لركعتي الفجر قبل الصُّبح؛ لأنَّه ليس وقت نهي عنهما، وكذا ركعتا طواف كل وقت نهي عنه. م خ. وكتب على هامش (ب): قوله: (نهيٍ عنه …) إلخ، عدلت عن عبارة (وقت نهي) إلى العبارة المذكورة في «الإقناع»، قال م خ: ليشمل صحَّة التَّيمم كركعتي الفجر قبل الصُّبح؛ لأنَّه ليس وقت نهي عنهما وإن كان ذلك الوقت وقت نهي. انتهى، فعلم من كلامه: أنَّ الضَّمير في (عنه) راجع إلى قوله: نفل؛ لا أنه راجع إلى وقت، فكأنَّه قال: ولا لنفل في وقت نهي عن النفل فيه، والله أعلم.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (وأراد فعلها) على الصَّحيح من المذهب، ومقابله: يكفي ذكرها. ا هـ. م خ.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (إذا اجتمعوا) أي: إذا كان يريد الصَّلاة معهم؛ إذ ليست الجماعة شرطًا فيها، أما لو أراد الصَّلاة وحده فإنَّه لا يتوقَّف على الاجتماع. ا هـ. م خ.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (أو يمم لعذر) ويعايا بها فيقال: شخص لا يصحُّ تيممه حتَّى يُيمِّم غيره. مسألة: لو يُمِّم الميِّتُ والمصلون، ثمَّ قبل الدُّخول في الصَّلاة وجد ما يكفيه فقط؛ بطل تيممه، وهل يبطل تيممهم؛ لأنَّه يصدق عليه حينئذ أنَّه وجد قبل طهارة الميت؟ الظَّاهر نعم، وعموم قوله: (إلَّا إذا غسَّل الميت) يشمل ذلك. م خ. وكتب على هامش (س): أو عند إرادة الصلاة عليه إذا تعذر الطَّهوران. انتهى تقرير المؤلف.
(٦) كتب على هامش (س): أي بوقت معين. انتهى تقرير مؤلفه. وكتب على هامش (ب): قوله: (بزمن معيَّن) كمن نذر صلاة ركعتين بعد الزوال بعشر [درجٍ] مثلًا. «شرح منتهى».
[ ١٩٩ ]
الشَّرطُ الثَّاني: عجزُه عن استعمالِ الماءِ حِسًّا؛ كأنْ عُدِم الماءُ، أو شرعًا كأنْ احتاجَ إلى الماء في نحوِ شُربٍ، وإلى هذا أشارَ بقولِه: (وَعُدِمَ المَاءُ) (^١)، حضرًا أو سفرًا، بحَبسٍ (^٢) لمُتيمِّمٍ عن الماء، أو عكِسه (^٣)، أو غيرِ الحبسِ؛ كقطعِ عدوٍّ ماءَ بلدِه؛ لعمومِ حديثِ أَبي ذرٍّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الصَّعيدُ الطَّيِّبُ طَهورُ المسلمِ وإن لم يَجِدِ الماءَ عَشرَ سِنينَ، فإذا وجدَه فلْيُمِسَّه بَشَرَتَه؛ فإنَّ ذلك خيرٌ» رَواه أحمدُ (^٤).
(أَوْ زَادَ) الماءُ (عَلَى ثَمَنِهِ) أي: ثمنِ مِثلِه قَدْرًا (كَثِيرًا) عرفًا (^٥)؛ فيصحُّ التيمُّمُ.
وعُلم منه: أنَّه يَلزمه شراءُ ماءٍ بثمنِ مِثلِه، أو زائدٍ (^٦) يسيرٍ عرفًا؛ لأنَّه قادرٌ على استعمالِه إذَنْ مِنْ غيرِ ضَررٍ.
فإن عجَز عن ثمنِ الماءِ، أو احتاجَه لنحوِ نَفقةٍ؛ تَيمَّم.
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (وعُدم): بالبناء للمفعول ونائب فاعل: الماء، والجملة حالية، والرابط الواو. انتهى.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (بحبس) أي: للماء عن المتيمم في مكان لا يصل إليه، أو حبس المتيمم عن الخروج في طلب الماء. ا هـ. م خ.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (أو عكسه) أي: حبس الماء عن المتيمم. انتهى تقرير مؤلفه.
(٤) أخرجه أحمد (٢١٣٣٧١)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (٣٢٢)، قال الترمذي: (حسن صحيح)، وصححه الدارقطني. ينظر: الإرواء ١/ ١٨١.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (كثيرًا …) إلخ، اعتبروا فيها الكثرة دون الإجحاف بالمال، وفي باب الكفَّارة اعتبروا الإجحاف دون الكثرة؛ إذ لا يلزم من الإجحاف الكثرة، فقد تجحف الزِّيادة اليسيرة بمال مُقِلٍّ، ولا يجحف الكثير بمال ذي كثرة، لكن قال شيخنا: مرادهم في الكفَّارة كون الزِّيادة كثيرة تجحف بماله، وفرَّق بين البابين نقلًا عنهم بأنَّهم لم يعتبروا الإجحاف لمشقَّة التَّكرُّر بخلاف الكفَّارة، فإنَّها قد لا تقع بالمرَّة. انتهى. م خ.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (زائد) صفة لمحذوف، أي: ثمن زائد، فهو معطوف على (ثمن مثله). انتهى.
[ ٢٠٠ ]
وكذا يَلزمه شراءُ (^١) حَبلٍ ودَلوٍ (^٢).
(أَوْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ) أي: الماءِ (ضَرَرَ بَدَنِهِ (^٣» بعطشٍ، ولو متوقَّعًا، أو بجُرحٍ، أو مرضٍ يَخشى (^٤) زيادتَه، أو تَطاوُلَه، أو بقاءَ أَثرِ (^٥) شَينٍ (^٦)؛ فيتَيمَّم (^٧)؛ لعمومِ قولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
(أَوْ) خافَ باستعمالِه ضررَ (رَفِيقِهِ) المحترَمِ بعَطَشِه؛ تَيمَّم؛ لأنَّ حُرمَتَه تُقدَّم على الصَّلاةِ، بدليلِ ما لو رأَى غَريقًا عندَ ضيقِ وقتِها، فيَتركها ويُنقِذه (^٨)، فتَقديمُها (^٩) على الطَّهارة بالماء أَولى.
_________________
(١) قوله: (وكذا يلزمه شراء) هو في (س): وكماء. وكتب على هامش (س): قوله: (وكماء): خبر مقدم، و(حبل ودلو) مبتدأ مؤخر أي: ومثل الماء فيما تقدم: الحبل والدلو. انتهى تقرير بعضه.
(٢) كتب على هامش (ع): ومن أمكنه أن يتوضأ به، ثم يجمعه ويشربه؛ لم يلزمه، ومن قدر على ماء بئر بثوب يبله، ثم يعصره؛ لزمه، ما لم تنقص قيمته أكثر من ثمن الماء، ولو خاف فوت الوقت. والله أعلم. متن «منتهى».
(٣) كتب على هامش (ب): تنبيه: لنا ميت عنده ماء طهور مباح، وليس غيره محتاجًا إليه في شرب ولا غيره، ومع ذلك وجب تيممه؟ وهو الرَّجل إذا مات بين نساء لا يباح لهنَّ غسله، أو الخنثى إذا مات ولم تحضره أمة؛ فإنه ييمم وجوبًا، كما سيذكره المصنِّف في غسل الميت. م خ.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (يخشى) أي: ولو من العادة، فلا يفتقر في ذلك إلى إخبار طبيب. انتهى تقرير مؤلفه.
(٥) قوله: (أثر) سقط من (س).
(٦) كتب على هامش (ب): أي: أثر قروح تفحش. اه
(٧) في (أ) و(س): تيمم.
(٨) كتب على هامش (ع): قوله: (بدليل ما لو رأى …) إلخ، قد يفرق بينهما بأن هذه الصورة أعني: إذا رأى غريقًا إلخ، تتضمن إنقاذ النفس المحترمة من التلف، وهذا الإنقاذ من الضرر، وليسا سواء كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٩) كتب على هامش (س): قوله: (فتقديمها) أي: حرمته. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٢٠١ ]
ولا فرقَ بينَ رفِيقِه (^١) المُزامِلِ له أو واحدٍ مِنْ أهلِ الرَّكبِ.
ويَلزمه بذلُ ماءٍ لعطشِ رَفيقِه، لا لطهارتِه بحالٍ.
وخرَج بقولنا: «المُحترَم» (^٢) زانٍ محصَنٌ، ومرتدٌّ، وحربيٌّ، فلا يَلزمه (^٣) بَذلُه له (^٤)، ولو خيفَ (^٥) تَلفُه.
(أَوْ) خاف باستعمالِه ضررَ (بَهِيمَةٍ مُحْتَرَمَةٍ)، له أو لغيرِه، بخلافِ نحوِ (^٦) عَقُورٍ وخِنزيرٍ.
وقولُه: (تَيَمَّمَ) جوابُ قولِه: «فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ فَرْضٍ» وما عُطف عليه، يَعني أنَّه إذا وُجِد الشَّرْطان المَذكُوران؛ وجَب التَّيمُّمُ لِما يَجب له الوضوءُ (^٧) أو الغُسلُ، وسُنَّ لما يُسنُّ له ذلك.
(وَمَنْ وَجَدَ مَاءً) طهورًا (يَكْفِي بَعْضَ طُهْرِهِ) في وضوءٍ أو غُسلٍ؛ (اسْتَعْمَلَهُ) وجوبًا، (ثُمَّ تَيَمَّمَ) للباقي؛ لقولِه ﷺ: «إذا أَمَرتُكُم بأمرٍ فَأتُوا مِنه ما
_________________
(١) قوله: (رفيقه) سقط من (أ) و(س).
(٢) قوله: (بقولنا المحترم) هو في (أ) و(س): بالمحترم.
(٣) في (أ) و(س) و(د): يلزم.
(٤) قوله: (له) سقط من (أ) و(س). كتب على هامش (ب): أي: سواء كان يجد غيره أو لا، طلبه بثمنه أو لا، كسائر الأموال لا يلزم بذلها إلَّا لضرورة، ولا ضرورة هنا. ا هـ. ش ق. كتب على هامش (ع): قوله: (فلا يلزم …) إلخ، مفهومه: أنه يجوز له بذله وعدوله إلى التيمم، أشبه ما إذا احتاج إلى استعمال الماء وأراقه، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٥) في (أ) و(س): خاف.
(٦) زيد في (ع): كلب.
(٧) كتب على هامش (ع): قوله: (لما يجب له الوضوء) سوى للبث بمسجد إذا احتاج إليه. [العلامة السفاريني].
[ ٢٠٢ ]
اسْتَطَعتُم» رَواه البخاريُّ (^١).
ولا يصحُّ أن يَتيمَّم قبلَ استعمالِ الماءِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فاعتُبر استعمالُه أوَّلًا؛ ليتحقَّقَ عدمُ الماءِ، وليَتميَّز (^٢) ما تَيمَّم له.
ويُقدِّم مُحدِثٌ على بَدنِه نجاسةٌ غَسْلَها (^٣)، ثمَّ يَتيمَّم، إلَّا أن تَكون في محلٍّ يُمكن تطهيرُه (^٤) مِنْ الحدثِ، فيَستعملُه فيه عنهما (^٥).
ويُقدِّم (^٦) على نجاسةِ بَدنٍ نجاسةُ ثوبٍ أو بُقعةٍ.
(وَالجَرِيحُ) في بعضِ بَدنِه (يَغْسِلُ الصَّحِيحَ) مِنْ بَدنِه، (وَيَتَيَمَّمُ لِمَا يَضُرُّهُ المَاءُ) مِنْ بَدنِه، حالَ كَونِ ما ذُكِر (مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا)، وجوبًا إن كان (^٧) (فَي حَدَثٍ أَصْغَرَ) (^٨)، فيَتيمَّم لجُرحِ بعضِ أعضاءِ وُضوئِه عندَ غَسلِه لو كان صحيحًا؛ لأنَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) كتب على هامش (ب): أي: المغسول عن غيره؛ ليعلم ما تيمم له. اه. ش ق.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (ويقدم محدث …) إلخ، أي: يجب ذلك لأجل إعدام الماء فيه، لا لأنه شرط في صحَّة التيمم. انتهى تقرير مؤلفه.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (يمكن تطهيره) أي: بأن يكون في أعضاء الوضوء أو في بدنه إن كان الحدث أكبر. ا هـ.
(٥) في (س): عنها.
(٦) في (أ): وتقدم.
(٧) قوله: (إن كان): سقط من (س).
(٨) كتب على هامش (ب): قوله: (مرتبًا متواليًا وجوبًا إن كان في حدث أصغر …) إلخ، قال عبد الحي في قطعته على «الغاية»: وما ذكره المصنِّف كصاحب «المنتهى» و«الإقناع» من وجوب التَّرتيب والموالاة في الوضوء على من جرحه ببعض أعضاء وضوئه هو الصَّحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقيل: لا يجب ترتيب ولا موالاة، اختاره المجد في «شرحه» وصاحب «الحاوي الكبير»، وقال ابن رزين في «شرحه»: وهو أصح. وقال الموفق: ويحتمل ألّا يجب هذا التَّرتيب، وعلَّله ومال إليه، وقال أيضًا: ويحتمل ألَّا تجب الموالاة قولًا واحدًا، وقال الشَّيخ تقي الدِّين: ينبغي ألَّا يرتِّب، وقال أيضًا: لا تلزمه مراعاة التَّرتيب، وهو الصَّحيح من مذهب أحمد وغيره، وقال: الفصل بين أبعاض الوضوء بتيممٍ بدعة. انتهى من «الإنصاف» ملخَّصًا.
[ ٢٠٣ ]
البدلَ يُعطى حُكمَ مُبدَلِه.
فإذا كان الجُرحُ في الوجهِ قد استَوعَبه؛ لَزِمه التَّيمُّمُ أوَّلًا، ثمَّ يُتِمُّ الوضوءَ، وإن كان في بعضِ الوجهِ؛ خُيِّر بينَ غَسلِ الصَّحيحِ منه ثمَّ يَتيمَّم، وبينَ التَّيمُّمِ ثمَّ يَغسل الصَّحيحَ (^١).
وإن كان الجُرحُ في عضوٍ غيرِ الوجهِ؛ لَزِمه غَسلُ ما قَبلَه، ثمَّ كان الحُكمُ فيه كما ذَكرْنا (^٢) في الوجهِ.
وإن كان في وجهِه ويَدَيه ورِجلَيه؛ احتاجَ في كلِّ عضوٍ إلى تَيمُّمٍ في محلِّ غَسلِه؛ ليَحصلَ التَّرتيبُ، فلَو غَسلَ صحيحَ وجهِه، ثمَّ تَيمَّم لجَريحِه وجَريحِ يَدَيه (^٣) تيمُّمًا واحدًا؛ لم يُجزِئه.
ويَبطُل وضوءُه هذا وتيمُّمُه بخروجِ الوقتِ؛ لاعتبارِ المُوالاةِ (^٤).
_________________
(١) زيد في (س): ثمَّ يتم الوضوء.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (كما ذكرنا): فإن كانت في الرأس وجب أن يقدم غسل الوجه واليدين، ثمَّ يخيَّر بين تقديم التيمم أو المسح، وانظر إذا كانت العمامة موضوعة بشرطها هل يكفي المسح عليها عن التيمم أو لا بدَّ من هذا التيمم؟
(٣) في (س): بدنه.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (يبطل وضوءُه) أي: حيث فاتت الموالاة، بدليل تعليله بقوله: (لاعتبار الموالاة)، فإذا لم تفت الموالاة، كما لو توضَّأ صاحب جبيرة وتيمم لها عند غسلها قبيل خروج الوقت بيسير بحيث لم تفت الموالاة، ثمَّ دخل الوقت؛ فإنَّه يبطل تيممه فقط؛ لأنَّ الموالاة لم تفت إذن، والحاصل: أنَّ خروج الوقت ليس بمبطل للطَّهارة بالماء، بل للتيمم فقط، ثمَّ بعد ذلك ينظر؛ فإن فاتت الموالاة بطلت الطَّهارة بالماء أيضًا، وإلَّا فلا، كما نقل معنى ذلك الشَّارح على حاشيته على «المنتهى» عن م ص، قال: وهو أخذ من كلام صاحب «المنتهى» في شرحه، قال م ص: وهذا بخلاف ما تقدَّم في مسح الخف من أنَّ القدم إذا وصل إلى ساق الخف استأنف الطهارة ولو لم تفت الموالاة، والفرق: أن مسح الخف يرفع الحدث، فإذا خلعه عاد الحدث، وهو لا يتبعَّض في الثُّبوت، بخلاف التيمم فإنَّه مبيح لا رافع، قال: فإذا بطل قبل فوات الموالاة؛ أعيد فقط. ا هـ، والله سبحانه أعلم. كتب على هامش (ع): قوله: (ويبطل وضوءُه …) إلخ، أي حيث كان بين زمن وضوئه وبين خروج الوقت زمن تفوت فيه الموالاة، كما يقتضيه قوله: (لاعتبار الموالاة)، أما إذا لم تفت الموالاة؛ بأن توضأ [قبل] خروج الوقت بيسير ثم خرج الوقت قبل فوات الموالاة؛ لم يبطل الوضوء، وإنما يبطل التيمم، فيعيده وحده إذن إن كان جرحه بأحد الرجلين، ويعيد التيمم مع غسل ما بعده من أعضاء الوضوء إن كان في غير الرجلين، فإذا كان الجرح في يد؛ وجب مع التيمم إعادة مسح الرأس وغسل الرجلين، وهكذا للمحافظة على الترتيب، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٢٠٤ ]
وعُلم مِنْ قولِه: «فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ» أنَّه لا تَرتيبَ ولا مُوالاةَ في حدثٍ أكبرَ، بل إن شاء غسَل الصَّحيحَ ثمَّ تَيمَّم لِما بَقي، وإن شاء عكَس، ولا تَبطل طَهارتُه بالماء إذَنْ بخروجِ الوقتِ، بل يَبطل (^١) التيمُّمُ فقط؛ لعدمِ اعتبارِ المُوالاةِ في الغُسلِ (^٢)، بخلافِ الوضوءِ.
(وَيَجِبُ) بدخولِ وقتِ كلِّ صلاةٍ (طَلَبُ مَاءٍ) على مَنْ عَدِمَه وظنَّ وُجودَه، أو شكَّ ولم يَتحقَّق عَدمَه؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ولا يُقال: لم يَجِد، إلَّا لمَن طلَب (^٣).
إذا عَلمتَ هذا: فيَلزمه طلبُ الماءِ (^٤) (فِي رَحْلِهِ) أي: ما يَسكُنه ويَستصحبُه (^٥) مِنْ الأثاثِ (^٦)، فيُفتِّش مِنْ رَحلِه ما يُمكن أن يَكون فيه.
(وَ) يَطلب الماءَ أيضًا في (قُرْبِهِ) أي: ما قَرُب منه عرفًا، فيَسعى في جِهاتِه الأربعِ إلى ما جرَت عادةُ القوافلِ بالسَّعي إليه.
_________________
(١) قوله: (يبطل): سقط من (س).
(٢) قوله: (في الغسل) سقط من (أ) و(س)، وهو في (د): في غسل.
(٣) زاد في (أ) و(س): الماء.
(٤) قوله: (فإذا علمت هذا فيلزمه طلب الماء) سقط من (س).
(٥) في (أ) و(س): وما يستصحبه.
(٦) كتب على هامش (س): أي: الأمتعة.
[ ٢٠٥ ]
(وَ) يَجب طلبُه (مِنْ رَفِيقِهِ)، بأن يَسأله عن مَواردِه، وعمَّا معه ليَبيعَه أو يَبذُلَه له.
وإن كان سائرًا؛ طلَبه أمامَه فقط.
(وَ) يَجب طلبُه (بِدلَالَةِ (^١» ثِقَةٍ عليه، فمتى (^٢) دلَّه ثقةٌ على الماء (^٣)، أو عَلِمه؛ لَزِمه قصدُه، فإن تَيمَّم قبلَ ذلكَ (^٤)؛ لم يصحَّ.
ولا أثرَ لطلبِه قبلَ الوقتِ.
لكن إنَّما يلزمُه الطَّلبُ (^٥): إذا كان (بِلَا ضَرَرٍ) عليه في ذلك، فلَو خافَ فَوتَ رُفقتِه، أو خافَ على نَفسِه أو مالِه في طلبِه خوفًا محقَّقًا، لا جُبنًا، وهو الخوفُ بلا سببٍ، والمحقَّقُ كما لو كان بينَه وبينَ الماءِ نحوُ سَبُعٍ، أو حريقٍ، أو لصٍّ، أو خافَ غَريمًا يُلازِمُه ويَعجِزُ عن أدائِه، أو خافَت امرأةٌ أو أَمردُ فُسَّاقًا؛ لم يَجب الطَّلبُ إذَنْ، بل يَحرم الطَّلبُ عليهما مع خوفِ المَحذورِ.
(قَبْلَهُ) أي: التيمُّمِ، والظرفُ متعلقٌ ب «طَلَب» أو ب «يَجِب» (^٦)، يَعني: أنَّه يَجب ما ذُكِر مِنْ الطَّلب قبلَ التيمُّمِ (^٧).
(فَإِنْ نَسِيَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ) أي: على الماء، أو جَهِله بمَوضعٍ يُمكنه استعمالُه، (وَتَيَمَّمَ؛ أَعَادَ)؛ لتَقصيرِه؛ كمصلٍّ عُريانًا ناسيًا أو جاهلًا للسُّترةِ، وذلك (^٨) كأن
_________________
(١) كتب على هامش (س): الدلالة مثلثة الدال. انتهى.
(٢) في (أ) و(س): فإن.
(٣) قوله: (دله ثقة على الماء) هو في (أ) و(س): دلَّه عليه ثقة.
(٤) قوله: (ذلك) هو في (أ) و(س): الطلب.
(٥) قوله: (لكن إنَّما يلزمه الطَّلب) هو في (أ) و(س): ومحلُّ وجوب طلبه.
(٦) في (ب): يجب.
(٧) في (س): أن يتيمم.
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (وذلك) أي: صورة ما ذكر من النسيان والجهل. انتهى تقرير.
[ ٢٠٦ ]
يَجِد الماءَ بعدَ التيمُّمِ في رَحله وهو في يَدِه (^١)، أو في (^٢) بئرٍ بقُربِه أَعلامُها ظاهرةٌ يَتمكَّن مِنْ تَناوله منها، فلا يصحُّ تيمُّمُه ولا صلاتُه إذَنْ (^٣).
فأمَّا إن ضلَّ عن رَحله وبه الماءُ، وقد طلَبه، أو كانت أَعلامُ البئرِ خفيَّةً ولم يَكُنْ يَعرفها، أو يَعرفها وضلَّ عنها، أو رأَى دونَ الماءِ سَوادًا بليلٍ ظنَّه عدوًّا، فتَبيَّن عَدمُه (^٤) بعدَ أن تَيمَّم وصلَّى؛ فإنَّه لا إعادةَ عليه في ذلك.
(وَيَتيَمَّم لِكُلِّ حَدَثٍ) أكبرَ أو أصغرَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، والملامسةُ: الجماعُ، ولقولِه تَعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
(وَ) يَتيمَّم (لِ) كُلِّ (نَجَاسَةٍ) لا يُعفى عنها (بِبَدَنٍ) فقط، (تَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا) أي: النَّجاسةِ، أو يَضرُّه الماءُ الذي يُزيلها به، (وَلَوْ) كان الضَّررُ مِنْ بَردٍ (حَضَرًا) لعدمِ ما يُسخِّن به الماءَ، (أَوْ عَدِمَ) مَنْ ببَدنِه نجاسةٌ (مَا يُزِيلُهَا) به، وذلك لعمومِ حديثِ أَبي ذرٍّ (^٥)، كما تَقدَّم.
وعُلم مِنْ كلامه: أنَّه لا يَتيمَّم لنجاسةِ ثَوبِه، ولا بُقعتِه (^٦)؛ لأنَّ البَدنَ له مدخلٌ في التيمُّمِ للحدث، فدخَل فيه التيمُّمُ للنَّجس، بخلافِ الثَّوبِ والبُقعةِ.
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (في يده): المراد في استيلائه. انتهى تقرير.
(٢) قوله: (في) سقط من (ب) و(د).
(٣) كتب على هامش (ع): قوله: (في بئر …) إلخ، اعلم أن الحاصل في مسألة البئر إذا بانت بقربه بعد التيمم منه ستة صور؛ لأنه إما أن يعرفها سابقًا أو لا، وعلى كل التقديرين: إما أن تكون أعلامها ظاهرة أو لا، وعلى تقديري معرفتها إما أن يضل عنها أو لا، فهذه ستة وجوه، فيجزئه التيمم بلا إعادة في صورتين؛ أحدها: أن تكون أعلامها خفية ولم يكن يعرفها، والثانية: أن تكون أعلامها خفية وكان عارفًا بها لكن ضل عنها، ولا يجزئه التيمم في الأصح. [العلامة السفاريني].
(٤) كتب على هامش (س): أي عدم العدو. انتهى تقرير المؤلف.
(٥) تقدم تخريجه ١/ ٢٠٠.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (بقعته) أي: مكان صلاته. انتهى.
[ ٢٠٧ ]
ولا يَتيمَّم لنجاسةٍ مَعفوٍّ عنها.
وإنَّما يَتيمَّم لنجاسةِ البَدنِ (بَعْدَ تَخْفِيفِهَا) أي: النَّجاسةِ عن بَدنِه (مَا أَمْكَنَ) أي: حسَب إمكانِه، بمَسحِ رَطبةٍ (^١)، وحَكِّ يابسةٍ وجوبًا، فلا يصحُّ التَّيمُّمُ لها قبلَ ذلك.
(وَ) حيثُ تَيمَّم للنَّجاسة كما تَقدَّم، وصلَّى، فإنَّه (لَا إِعَادَةَ) عليه، سواءٌ كانت بمحلٍّ صحيحٍ أو جَريحٍ (^٢).
(فَإِنْ عَدِمَ) مُريدُ الصَّلاةِ وهو مُحدِثٌ، أو ببَدنِه نجاسةٌ (المَاءَ وَالتُّرَابَ)؛ كمَن حُبِس بمحلٍّ لا ماءَ فيه ولا ترابَ، أو وجدَهُما ولم (^٣) يُمكنه استعمالُهما لمانعٍ؛ كمَن به قُروحٌ لا يَستطيع معها مسَّ البشرةِ بوضوءٍ ولا تيمُّمٍ، وكمريضٍ (^٤) عجَز عن استعمالِهما وعمَّن يُطهِّره بأَحدِهما؛ (صَلَّى الفَرْضَ) فقط (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) أي: على قَدْرِ حالِه، أي: على الصِّفةِ التي هو عليها وجوبًا؛ لقولِه ﵊: «إذا أَمَرتُكُم بأَمرٍ فَائتُوا مِنه ما اسْتَطعتُم» (^٥)، ولأنَّ العجزَ عن الشَّرط لا يُوجب تَرْكَ المشروطِ؛ كما لو عجَز عن السُّترةِ والاستقبالِ.
(وَلَا يَزِيدُ) عادمُ الماءِ والتُّرابِ (عَلَى مَا يُجْزِئُ) في الصَّلاةِ مِنْ قراءةٍ
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (بمسح رطبة …) إلخ، انظر لو كان عنده ما يعمُّ النَّجاسة التي على البدن مرَّة هل يلزمه استعماله، ثمَّ يتيم أم لا؟ قال س م: الظَّاهر يلزمه؛ لأنَّه يصدق عليه أنَّه يتيمم مع وجود الماء، وعموم قوله: (بعد تخفيفها ما أمكن) يتناوله؛ لأنَّ المرَّة تخفِّف النَّجاسة في الجملة. انتهى.
(٢) كتب على هامش (ع): فائدة: لا يجب التيمم عن غسل يدي قائم من نوم ليل، صرح به في الرعاية، وكذا من خرج منه مذي ولم يصبه لا يتيمم بدل غسل ذكره وأنثييه؛ لعدم ورود ذلك، ذكره في حاشية الإقناع ح ع.
(٣) في (س): أو لم.
(٤) في (س): أو مريض.
(٥) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٠٨ ]
وغيرِها، فلا يَستفتِح، ولا يَتعوَّذ، ولا يُبَسمِل، ولا يَقول «آمين»، ولا يَقرأ زائدًا على الفاتحةِ، ولا يُسبِّح ولا يَسأل المغفرةَ أكثرَ مِنْ مرَّةٍ (^١)، ولا يَزيد على ما يُجزِئ في طمأنينةِ ركوعٍ وسجودٍ وجلوسٍ بينَ السَّجدتَين، ولا يزيد (^٢) على ما يُجزِئ في تَشهُّدٍ، وإذا فرَغ مِنْ قراءةِ الفاتحةِ؛ ركَع في الحالِ، وإذا فرَغ ممَّا يُجزِئ في التَّشهُّدِ؛ نهَض أو سلَّم في الحالِ؛ لأنَّها صلاةُ ضرورةٍ، فتَقيَّدَت بالواجب؛ إذْ لا ضرورةَ للزائدِ.
وفي «تصحيحِ المحرَّرِ» لابنِ نَصرِ اللهِ الكِنَانيِّ (^٣): فإن زادَ على مُجزِئٍ مِنْ رُكنٍ أو واجبٍ؛ أَعادَ (^٤). انتهى.
ولا يَقرأ خارجَ الصَّلاةِ إن كان جُنبًا ونحوَه.
(وَلَمْ يُعِدْ) مُصلٍّ على حسَبِ حالِه عندَ عدمِ الماءِ والترابِ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخرَج مِنْ عُهدتِه.
وتَبطل صلاتُه بنحوِ حدثٍ فيها، فيَستأنفها على حسَبِ حالِه، لا بخروجِ الوقتِ فيها.
ولا يَؤمُّ عادمُ الماءِ والترابِ مُتطهِّرًا بأَحدِهما (^٥)، وله أن يَؤمَّ مِثلَه.
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (أكثر من مرة): راجع للسؤال والتسبيح. انتهى تقرير.
(٢) قوله: (يزيد) سقط من (أ) و(س).
(٣) هو عز الدين، أحمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكناني العسقلاني، أخذ العلم عن: أحمد ابن نصر الله البغدادي، وابن حجر، والعراقي، وولي التدريس في الأشرفية، من مصنفاته: تلخيص زاد المسير، وتصحيح المحرر للمجد، وبلغة الوصول، وغيرها، ومن تلاميذه: علاء الدين المرداوي، وابن المبرد، وغيرهما، توفي سنة ٨٧٦ هـ. ينظر: المقصد الأرشد ١/ ٧٥، الضوء اللامع ١/ ٢٠٥.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (أعاد …) إلخ، ظاهره: سواء كان جنبًا أو لا، وفي حاشية م خ على «المنتهى» ما نصُّه: قوله: (ولا يزيد)، قال في شرحه على ما في بعض النُّسخ: (إن كان جنبًا). قال: وتوقَّف شيخنا في فائدة هذا القيد إلى غير القراءة. انتهى.
(٥) كتب على هامش (ب): لا عكسه فيؤم متطهر بماء أو تراب عادمهما. «غاية».
[ ٢٠٩ ]
ولو صُلِّي (^١) على ميتٍ على حسَبِ حالِه؛ لعدمِ الماءِ والترابِ، ثمَّ إن (^٢) إن وُجد أَحدُهما؛ بطَلَت، ووجَب أن يُغسَّل أو يُيمَّم، ثمَّ يُصلَّى عليه.
ويَجوز نَبشُه لأَحدِهما مع أَمنِ تَفسُّخِه.
(وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمٌ إِلَّا بِتُرَابٍ طَهُورٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وما لا غبارَ عليه لا (^٣) يُمسح بشيءٍ منه، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «الصَّعيدُ: ترابُ الحَرثِ» (^٤)، والطَّيِّبُ: الطاهرُ، يُؤكِّده قولُه ﷺ: «وجُعِل لي التُّرابُ طَهورًا» رَواه الشافعيُّ وأحمدُ مِنْ حديثِ عليٍّ، وهو حديثٌ حسنٌ (^٥).
فلا يصحُّ التيمُّمُ (^٦) برَملٍ، ونُورةٍ، وجِصٍّ، ونَحتِ حِجارةٍ ونحوِه (^٧)، ولا بترابٍ زالَت طَهوريَّتُه؛ كالمُتناثِرِ مِنْ المُتيمِّمِ؛ لأنَّه كالماءِ المستعمَلِ في طهارةٍ واجبةٍ.
وإن تَيمَّم جماعةٌ مِنْ موضعٍ واحدٍ؛ صحَّ، كما لو توضَّؤُوا مِنْ حَوضٍ يَغتَرفون منه.
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (صُلِّي): مبني للمفعول، ونائبه (على ميت). انتهى.
(٢) قوله: (إن) سقطت من (أ) و(س).
(٣) في (س): له كالصخر ألّا.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨١٤)، وابن أبي شيبة (١٧٠٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥٣٧٤)، والبيهقي في الكبرى (١٠٢٥)، وحسنه ابن حجر.
(٥) أخرجه أحمد (٧٦٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠٢٤)، وأصله في الصحيح من حديث جابر وحذيفة وأبي هريرة ﵃. وينظر: علل ابن أبي حاتم (٢٧٠٥)، التلخيص الحبير ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
(٦) في (د) و(س) و(ك) و(ع): تيمم.
(٧) كتب على هامش (ب): قال العلَّامة مرعي في متن «الغاية»: ويتَّجه تيممه عند عدم تراب بكلِّ ما تصاعد على الأرض من نحو رمل وجصٍّ ونورة، أولى من صلاته على حسب حاله، خروجًا من خلاف من أوجبه. انتهى.
[ ٢١٠ ]
(مُبَاحٍ)، فلا يصحُّ بمَغصوبٍ (^١)، كالوضوء به (^٢).
قال في «الفروع»: (وظاهرُه ولو بترابِ مسجدٍ، ولعله غيرُ مُرادٍ؛ فإنَّه لا يُكره بترابِ زمزمَ (^٣) مع أنَّه مسجدٌ) (^٤).
ولا بدَّ أن يَكون غيرَ مُحترِقٍ؛ فلا يصحُّ بما دُقَّ مِنْ نحوِ خَزفٍ؛ لأنَّ الطَّبخَ (^٥) أَخرَجه عن أن يَقع عليه اسمُ الترابِ.
(لَهُ غُبَارٌ) يَعلَق باليَدِ أو غيرِها، لا بسَبْخَةٍ ونحوِها ممَّا ليسَ له غبارٌ، ولا بطِينٍ رَطبٍ، لكن إن أَمكَن تَجفيفُه والتيمُّمُ به (^٦) قبلَ خروجِ الوقتِ؛ جازَ (^٧)، لا بعدَه (^٨).
(لَمْ يُغَيِّرْهُ) أي: الترابَ الطَّهورَ (طَاهِرٌ غَيْرُهُ)؛ كجِصٍّ، ونُورةٍ، ودَقيقِ بُرٍّ، ونحوِه ممَّا له غُبارٌ.
_________________
(١) في (د) و(ك): من مغصوب.
(٢) كتب على هامش (ب): تتمة: لو تيمم بتراب غيره من غير غصب؛ جاز في ظاهر كلامهم للإذن فيه عادة وعرفًا، كالصَّلاة في أرضه. ذكر معناه في «المبدع» ا هـ. ح ق ع.
(٣) كتب على هامش (س): أي: من طينها بعد صيرورته ترابًا. انتهى تقرير المؤلف.
(٤) ينظر: الفروع ١/ ٢٦٩.
(٥) في (س): الطبع.
(٦) قوله: (والتَّيمم به) عليها سواد في (ب).
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (جاز) أي: وجب، فإن خشي خروج الوقت؛ صلى على حسب حاله. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): أي: لزمه؛ لأنَّ معنى قوله: (جاز) أي: غير ممتنع، فيشمل الواجب. ا هـ تقرير شيخنا غنام النجدي.
(٨) كتب على هامش (ب): قوله: (لا بعده) أي: لا يلزمه إذا علم أنَّه لا يجف إلّا بعد خروج الوقت، قال في «شرح الوجيز»: على الصَّحيح من المذهب، وقيل: يلزمه وإن خرج، وهو احتمال في «المغني». انتهى.
[ ٢١١ ]
فإن خالطَه شيءٌ ممَّا ذُكِر، وكانت الغَلبةُ لغيرِ الترابِ؛ لم يصحَّ التيمُّمُ به؛ كماءٍ خالطَه طاهرٌ غلَب على بعضِ أَوصافِه.
فإن كان المخالِطُ لا غبارَ له؛ لم يَمنع التيمُّمَ بالترابِ؛ كبُرٍّ وشَعيرٍ.
وإن خالطَتْه نجاسةٌ؛ لم يَجُز التيمُّمُ به وإن كَثُر (^١). ذكَرَه ابنُ عَقيلٍ (^٢).
ولا يَجوز التيمُّمُ بترابِ مَقبرةٍ تَكرَّر نَبشُها، وإلَّا (^٣) أو شُكَّ فيه؛ جازَ.
ويصحُّ التيمُّمُ بما له غبارٌ، (وَلَوْ عَلَى لِبْدٍ أَوْ نَحْوِهِ (^٤»؛ كثَوبٍ، وبِساطٍ، وحَصيرٍ، وحائطٍ، وصخرةٍ، وحيوانٍ، وبَرْذَعةِ حِمارٍ، وشجرٍ، وخشبٍ، وعِدلِ شَعيرٍ، ونحوِه ممَّا عليه غبارٌ طَهورٌ، حتَّى مع وجودِ تُرابٍ.
وأَعجَبَ الإمامَ (^٥) أحمدَ ﵀ حَملُ الترابِ للتَّيمُّم، وقال الشيخُ تقيُّ الدِّينِ ﵀: لا يَحمِله، وظهَّره في «الفروع» (^٦)، وصوَّبه في «الإنصاف» (^٧)؛ إذْ لم يُنقل عن أحدٍ (^٨) مِنْ الصَّحابةٍ ﵃ مع كثرةِ أَسفارِهم (^٩).
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (وإن كثر) أي: التراب الطاهر. انتهى تقرير.
(٢) هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي، أبو الوفاء، تفقه على القاضي وغيره، من مصنفاته: الفنون، والفصول في الفقه ويسمى كفاية المفتي، والمناظرات، والمفردات، وغيرها، توفي سنة ٥١٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٤٣، ذيل الطبقات ١/ ٣١٦.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (وإلا) أي: وإن لم يتكرر نبشها. انتهى تقرير.
(٤) في (س) و(د): ونحوه.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (وأعجب الإمام) أي: استحسن الإمام أحمد ذلك. انتهى تقرير.
(٦) ينظر: الفروع ١/ ٢٩٧.
(٧) ينظر: الإنصاف ٢/ ٢١٨.
(٨) في (د) و(ك): واحد.
(٩) كتب على هامش (ب): وفي «الغاية» وشرحها وتبعه في «الإقناع»: إذ لم ينقل عن الصَّحابة ولا غيرهم من السَّلف قبل ذلك مع كثرة أسفارهم، وما قاله الإمام أحمد أظهر وأصوب؛ خشية فعل صلاة يرى كثير من الأئمة لزوم إعادتها، فكان الخروج من خلافهم أولى. ا هـ.
[ ٢١٢ ]