البابُ في الأصل (^١): ما يُدخَل منه إلى المقصودِ، وقد يُطلَق على الصِّنف.
وهنا: اسمٌ لطائفةٍ مختصَّةٍ (^٢) مِنْ العلمِ، مشتمِلَةٍ على مسائلَ، وفصولٍ غالبًا (^٣)، كما تَقدَّمَت الإشارةُ إليه (^٤).
والاستنجاءُ: مِنْ نَجَوتُ الشجرةَ وأَنجَيتُها: إذا قَطعتها، كأنَّه يَقطع الأذَى عنه.
وعُرفًا: إزالةُ خارجٍ مِنْ سبيلٍ بماءٍ أو حجرٍ ونحوِه.
وأوَّلُ مَنْ اسْتَنجى بالماء إبراهيمُ ﵇ (^٥).
(يُسْتَحَبُّ) لِمُريدِ (^٦) قضاءِ حاجةٍ (عِنْدَ) أي: قبلَ (^٧) (دُخُولِ) نحوِ (خَلَاءٍ)، بالمدِّ، وهو المكانُ المُعَدُّ لقضاءِ الحاجةِ، (قَوْلُ)، بالرفعِ، نائبُ فاعلٍ «يُستحبُّ»: (بِاسْمِ اللهِ (^٨»؛ لحديثِ عليٍّ يَرفعه: «سَتْرُ ما بينَ الجِنِّ وعَوراتِ بَنِي
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (في الأصل) أي: اللغة. انتهى.
(٢) قوله: (مختصة) سقط من (س).
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (غالبًا) راجع لقوله: (فصول)؛ لأنه قد يكون خاليًا عنها، وأما المسائل فلا يخلو الباب عنها أصلًا، خلا الترجمة. انتهى، حرر بعضه مؤلفه.
(٤) قوله: (كما تقدمت الإشارة إليه) سقط من (س).
(٥) ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ٩٨.
(٦) في (ك): لمن يريد.
(٧) قوله: (أي قبل) سقط من (س).
(٨) كتب على هامش (ع): قال في «المبدع»: وشرطه: ألا يقصد ب «باسم الله» القرآن، فإن قصده حرم عليه، قاله بعضهم. انتهى. وقُدِّمت البسملة هنا؛ لأنه يبتدئ بها للتبرك، بخلاف القرآن؛ لأن البسملة من القرآن والاستعاذة [ليست] من القرآن. ا هـ.
[ ٩٧ ]
آدمَ إذا دخَل الكَنِيفَ أن يَقولَ: بِاسمِ اللهِ» رَواه ابنُ ماجَه والترمذيُّ، وقال: ليس إسنادُه بالقويِّ (^١).
ثمَّ يَقول: (أَعُوذُ بِاللهِ) أي: أَلجأُ إليه، (مِنْ الخُبْثِ)، بإسكانِ الباءِ، أي: الشَّرِّ، (وَالخَبَائِثِ) أي: الشَّياطينِ، هذا قولُ القاضي عِياضٍ (^٢)، وذكَر أنَّه أكثرُ رِواياتِ الشيوخِ؛ فكأنَّه استعاذَ مِنْ الشَّرِّ وأهلِه (^٣). وقال الخطَّابيُّ (^٤): الخُبُثُ بضمِّ الباءِ جمعُ «خبيثٍ»، والخبائثُ: جمعُ «خبيثةٍ»، فكأنَّه استعاذَ مِنْ ذُكرانِ الشَّياطينِ وإناثِهم (^٥)، وذلك لحديثِ أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دخَل الخلاءَ قال: «أَعوذُ بِاللهِ مِنْ الخُبثِ والخَبَائِثِ» (^٦).
(وَ) يُستحبُّ (عِنْدَ خُرُوجِهِ) أي: بعدَ خروجِ قاضي الحاجةِ مِنْ نحوِ خلاءٍ أن يَقول: (الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي)؛ لقولِ أنسٍ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خرَج مِنْ الخلاءِ قال: «الحمدُ للهِ الذي أَذهَب عنِّي الأَذَى وعافاني» رَواه ابنُ ماجَه مِنْ روايةِ إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، وقد ضعَّفه الأكثرُ (^٧).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧)، وصححه الألباني بشواهده. ينظر: إرواء الغليل ١/ ٨٧.
(٢) هو: عياض بن موسى بن عياض السبتي، أبو الفضل، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب، من مصنفاته: الإكمال في شرح كتاب مسلم، ومشارق الأنوار، مات سنة ٥٤٤ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٨٣.
(٣) ينظر: مشارق الأنوار ١/ ٢٢٨.
(٤) هو: حَمْد بن محمد بن إبراهيم البُسْتي، أبو سليمان، من نسل زيد بن الخطاب، فقيه محدث، قال عنه السمعاني: (إمام من أئمة السنة)، مات سنة ٣٨٨ هـ، من مصنفاته: معالم السنن في شرح أبي داود، وغريب الحديث، وشرح البخاري. ينظر: طبقات الشافعية ٢/ ٢١٨.
(٥) ينظر: إصلاح غلط المحدثين ص ٢٢.
(٦) أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (١٢٢).
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (وقد ضعفه الأكثر) أي: ضعف إسماعيل. انتهى تقرير مؤلفه. والحديث أخرجه ابن ماجه (٣٠١)، وله شاهد من حديث أبي ذر ﵁ عند النسائي في الكبرى (٩٨٢٥)، ورجح الدارقطنيُّ وقفه على أبي ذر ﵁. ينظر: العلل للدارقطني ٦/ ٢٣٥.
[ ٩٨ ]
(وَ) يُستحبُّ لداخلِ نحوِ خلاءٍ (تَقْدِيمُ يُسْرَى رِجْلَيْهِ دُخُولًا) أي: في حالةِ دخولهِ نحوَ الخلاءِ، فقولُه: «دخولًا» منصوبٌ على الحال، على تأويلِ «داخلًا»، كما في: جاءَ زيدٌ ركضًا، أي: راكضًا (^١).
(وَ) يُستحبُّ (اعْتِمَادُهُ) أي: قاضِي الحاجةِ، أي: اتِّكاؤُه (عَلَيْهَا) أي: على يُسرى (^٢) رِجلَيه حالَ كَونِه (جَالِسًا) لقضاءِ حاجتِه، ويَنصِب اليُمنى، فيَضع أصابعَها على الأرضِ ويَرفع قدمَها؛ لحديثِ سُراقةَ بنِ مالكٍ قال: «أَمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَتَّكِئَ على اليُسرَى، وأن نَنصِبَ اليُمنَى» رَواه الطَّبَرانيُّ والبَيهَقيُّ (^٣)، ولأنَّه أَسهلُ لخروجِ الخارجِ.
(وَ) يُستحبُّ لقاضِي الحاجةِ تَقديمُ رِجلِه (اليُمْنَى خُرُوجًا) أي: خارجًا مِنْ نحوِ خلاءٍ؛ لِما روَى الحكيمُ الترمذيُّ عن أَبي هريرةَ: «مَنْ بدأَ برِجلِه اليُمنَى قبلَ يَسارِه إذا دخَل الخلاءِ ابتُلِيَ بالفقرِ» (^٤)، ولأنَّ اليُسرى للأَذَى، واليُمنى لِما سِواه.
_________________
(١) كتب على هامش (ح): بل «دخولًا» منصوب على نزع الخافض؛ أي: في الدخول كما عندهم فتأمل. ا هـ.
(٢) في (س): أي يسرى.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٦٠٥)، والبيهقي في الكبرى (٤٥٧)، وفي إسناده زمعة بن صالح وهو ضعيف، وفيه راوٍ مجهول، وضعَّف الحديثَ الحازميُّ والنوويُّ وابنُ دقيق العيد. ينظر: البدر المنير (٢/ ٣٣١)، الضعيفة (٥٦١٦).
(٤) لم نقف عليه في كتب الحكيم الترمذي المطبوعة، ولا في غيرها من الكتب الحديثية المسندة. كتب على هامش (ع): قوله: (لما روى الحكيم …) إلخ، تعليل لقول المتن السابق: (ويستحب تقديم يسرى رجليه دخولًا) فلو ذكر الشيخ الحديث هناك لكان أنسب، إذ دلالته لذلك أوضح من الاستدلال به على استحباب تقديم اليمنى خروجًا كما لا يخفى. والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٩٩ ]
ومِثلُ خلاءٍ: حمَّامٌ، ومغتسَلٌ، ونحوُهما مِنْ أماكنِ الأَذَى.
وذلك (عَكْسُ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمنزِلٍ؛ فيُقدِّم فيهما يُمناه دخولًا، ويُسراه خروجًا، ومِثلُه: لُبسُ ثَوبٍ ونَعلٍ، فيُدخل يُمنى (^١) يَدَيه قبلَ اليُسرى في اللُّبسِ، ويُمنى رِجلَيه قبلَ اليُسرى في الانتِعالِ، ويَعكس في الخَلعِ.
(وَ) يُستحبُّ لمريدِ قضاءِ الحاجةِ (بُعْدُهُ)، بضمِّ الباءِ، أي: إبعادُه عن العُيون إذا كان (^٢) (فِي فَضَاءٍ)؛ كصحراءَ؛ لحديثِ جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أرادَ البَرازَ انطلَق حتَّى لا يَراه أَحدٌ» رَواه أبو داودَ (^٣)، والبَرازُ بفتحِ الباءِ، والكسرُ قليلٌ: الفَضاءُ الواسعُ الخالِي مِنْ الشَّجرِ، وهو في الحديث (^٤) كِنايةٌ عن التغوُّطِ.
(وَ) يُستحبُّ (اسْتِتَارُهُ) عن ناظرٍ (^٥)؛ لخبرِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ أَتى الغائطَ فَلْيَستَتِر، فإن لم يَجِد إلَّا أن يَجمع كَثِيبًا مِنْ رملٍ فَلْيَستَتِر به؛ فإنَّ الشيطانَ يَلعب بمقاعدِ بَنِي آدمَ، مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، ومَن لا فلا حرجَ (^٦)» رَواه أبو داودَ (^٧).
(وَ) يُستحبُّ لمريدِ قضاءِ الحاجةِ (طَلَبُ مَكَانٍ رِخْوٍ)، بتَثليثِ الراءِ، والكسرُ أشهرُ، أي: ليِّنٍ هَشٍّ، و«طلبُ»: مضافٌ مرفوعٌ، و«مكانٍ»: مضافٌ إليه،
_________________
(١) في (د): يمين.
(٢) قوله: (عن العيون إذا كان) سقط من (س).
(٣) أخرجه أبو داود (٢)، وابن ماجه (٣٣٥)، وفي سنده إسماعيل بن عبد الملك الأسدي وأغلب الأئمة على تضعيفه، وللحديث شواهد أخرى. ينظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٤١، الصحيحة (١١٥٩).
(٤) قوله: (في الحديث) سقط من (س).
(٥) في (ب): ناظره.
(٦) في (ب) و(ع): فلا حرج عليه.
(٧) أخرجه أحمد (٨٨٣٨)، وأبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧)، وابن حبان (١٤١٠)، وضعفه ابن عبد البر والألباني، وصححه النووي وابن الملقن. ينظر: التمهيد ١١/ ٢١، البدر المنير ٢/ ٢٩٩، التلخيص الحبير ١/ ٣٠١، الضعيفة (١٠٢٨).
[ ١٠٠ ]
و«رخوٍ» بالجرِّ: صفةٌ ل «مكانٍ»، (لِبَوْلِهِ)؛ لخبرِ أَبي مُوسى قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ ذاتَ يومٍ، فأرادَ أن يَبول، فأَتى دَمِثًا في أصلِ جدارٍ فبالَ، ثمَّ قال: «إذا بالَ أَحدُكم فَلْيَرْتَدْ لِبَولِه» رَواه أحمدُ وأبو داود (^١)، والمكانُ الدَّمِثُ بفتحِ الدَّالِ المهمَلةِ وكسرِ الميمِ: اللَّيِّنُ السَّهلُ، ومعنى «فَلْيَرْتَدْ لِبَولِه»: لِيَطْلُب له مكانًا ليِّنًا؛ ليَأمنَ مِنْ رَشاشِ البولِ، زادَ في «التَّبصِرَةِ»: ويَقصد مكانًا عُلْوًا. انتهى، أي: لِيَنحَدِرَ عنه البولُ.
فإن لم يَجِد رخوًا؛ أَلصقَ ذكَرَه بصُلبٍ بضمِّ الصادِ المهمَلةِ، أي: شديدٍ، بمعنى وَضَع رأسَ ذكَرِه على الأرضِ برِفقٍ.
(وَ) يُستحبُّ لقاضِي الحاجةِ (مَسْحُ ذَكَرِهِ بِيُسْرَى يَدَيْهِ إِذَا فَرَغَ) أي: انقطَع بَولُه، ويَبتدئُ المسحَ (مِنْ) (^٢) حَلْقةِ (دُبُرِهِ إِلَى رَأْسِهِ) أي: رأسِ الذَّكَرِ، فيَضع إِصبَعَه الوُسطَى تحتَ الذَّكَرِ والإبهامَ فوقَه، ثمَّ يُمِرُّهما (^٣) إلى رأسِ الذَّكَرِ، يَفعل ذلك (^٤) (ثَلَاثًا) أي: ثلاثَ مرَّاتٍ (^٥)؛ لِئلَّا يَبقى شيءٌ مِنْ البللِ في ذلك المحلِّ.
(وَ) يُستحبُّ (نَتْرُهُ)، بالمثنَّاة الفَوقيَّةِ (^٦)، أي: نَتْرُ ذكَرِه، (كَذَلِكَ) أي: ثلاثَ مراتٍ (^٧)، قال في «القاموسِ»: اسْتَنْتَرَ مِنْ بولِه: اجْتذَبَه، واستخرَج بَقيَّتَه
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩٥٣٧)، وأبو داود (٣)، فيه راو مبهم، وضعف الحديثَ البغويُّ والعراقيُّ. ينظر: الضعيفة (٢٣٢).
(٢) قوله: (ويبتدئ المسح من) سقط من (س).
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (يمرهما) بضم الياء من أمرَّ؛ لأنه لا يتعدى إلا بالهمزة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٤) قوله: (فيضع إصبعه الوسطى …) إلخ، كتب في (س) بعد قوله: (في ذلك المحل) بدون قوله: (يفعل ذلك).
(٥) قوله: (أي ثلاث مرات) سقط من (س).
(٦) قوله: (الفوقية) سقط من (س).
(٧) في (س): أي ثلاثًا.
[ ١٠١ ]
مِنْ الذَّكَرِ عند الاستنجاءِ، حريصًا عليه مهتمًّا به. انتهى (^١).
وإذا استَنجَى في دُبُرِهِ اسْتَرخَى قليلًا، ويُواصل صَبَّ الماءَ حتَّى يَنقَى ويَتنظَّف (^٢).
(وَ) يُستحبُّ (تَحَوُّلُهُ) أي: انتقالُه عن محلِّ قضاءِ الحاجةِ إلى موضعٍ آخَرَ (لِيَسْتَنْجِيَ) فيه (إِنْ خَشِيَ) أي: خافَ (تَلُوُّثًا) أي: تنجُّسًا باستنجائِه بمحلِّ قضاءِ الحاجةِ.
(وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ) أي: نحوِ الخلاءِ (بِمَا فِيهِ ذِكْرُ اللهِ) تَعالى، غيرَ مُصحَفٍ فيَحرم.
قال المصنِّفُ: قلتُ: وبعضُ المُصحفِ كالمُصحفِ. انتهى (^٣). لأنَّه (^٤) حُكمُه في حرمةِ مسِّ المحدِثِ له، كما سيَأتي.
فيَحرم أن يَصحَبه معه عند قضاءِ الحاجةِ، ولو ملفوفًا بحائلٍ إذا كان
_________________
(١) ينظر: القاموس المحيط ص ٤٧٩.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (وإذا استنجى في دبره استرخى قليلًا …) إلخ، قال في «شرح المختصر»: ويجب استرخاؤه قليلًا بحيث ينقى، من باب ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب؛ لحديث: «تنزهوا من البول، فإنَّ عامة عذاب القبر منه»، قال المناوي: فعدم التنزه منه كبيرة؛ لاستلزامه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة. انتهى. وقال ابن حجر في كتابه «الزواجر» في الكبيرة الحادية والسبعين بعد سياقه صفة الاستبراء من البول: وكذلك يتعيَّن على الإنسان في غائطه أن يبالغ في غسله في محلِّه، وأن يسترخي قليلًا حتى يغسل ما في تضاعيف شرج حلقة دبره، فإنَّ كثيرين ممَّن لا يسترخون ولا يبالغون في غسل ذلك المحل يصلُّون بالنَّجاسة، فيحصل لهم ذلك الوعيد الشديد المذكور في تلك الأحاديث؛ لأنَّه إذا ترتَّب على البول فلأن يترتَّب على الغائط من باب أولى؛ لأنَّه أقذر وأفحش. انتهى.
(٣) ينظر: كشاف القناع ١/ ١٠٩.
(٤) في (د): لأنَّ.
[ ١٠٢ ]
ذلك (^١) (بِلَا حَاجَةٍ) (^٢)؛ لحديثِ أنسٍ: «كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دخَل الخلاءَ نزَع خاتَمَه» رَواه الخمسةُ إلَّا أحمدَ، وصحَّحه الترمذيُّ (^٣)، وقد صحَّ: «أنَّ نقشَ خاتَمِه: محمَّدٌ رسولُ اللهِ» (^٤).
فإن احتاجَ إلى حملِ ما فيه ذِكرُ اللهِ تَعالى (^٥)، بأن لم يَجِد مَنْ يَحفظه، وخافَ ضَياعَه؛ فلا بأسَ، قال في «المبدعِ»: حيثُ أَخفَاه. انتهى (^٦).
ويُؤيِّده قولُهم: ويَجعل (^٧) فَصَّ خاتمٍ عليه اسمُ اللهِ احتاجَ (^٨) إلى الدخول به؛ في باطنِ كفِّه اليُمنى، أي: لِئلَّا يُلاقيَ النَّجاسةَ أو يُقابلَها.
قال في «المبدعِ»: ويَتوجَّه أنَّ اسمَ الرَّسولِ كذلك، وأنَّه لا يَختصُّ بالبُنيانِ (^٩). انتهى (^١٠).
ويُستثنى مِنْ ذلك: نحو دراهمَ وحِرْزٍ فيها ذِكرُ اللهِ، فلا بأسَ به؛ للمشقَّةِ (^١١).
(وَ) يُكره (رَفْعُ ثَوْبِهِ) إن بالَ قاعدًا (قَبْلَ دُنُوِّهِ) أي: قُربِه (مِنْ أَرْضٍ) بلا
_________________
(١) قوله: (انتهى. لأنَّه حُكمُه) إلى هنا هو في (س): أي فيحرم.
(٢) زيد في (س): إلى ذلك.
(٣) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (٥٢١٣)، وابن ماجه (٣٠٣)، قال أبو داود: (حديث منكر)، وقال الترمذي: (حسن صحيح غريب)، وأعله النسائي والدارقطني وغيرهما. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٣١٤.
(٤) أخرجه البخاري (٣١٠٦)، من حديث أنس ﵁.
(٥) قوله: (إلى حمل ما فيه ذكر الله تعالى) سقط من (س).
(٦) ينظر: المبدع ١/ ١٠٢.
(٧) في (س): يجعل.
(٨) في (س): واحتاج.
(٩) كتب على هامش (ب): قوله: (لا يختصُّ …) إلخ، أي: كراهة دخول بما فيه ذكر الله تعالى، بل البنيان والصَّحراء فيه سواء. ا هـ.
(١٠) ينظر: المبدع ١/ ١٠٢.
(١١) قوله: (انتهى ويستثنى من ذلك …) إلخ، مكانه في (س): لا نحو دراهم وحرز، فلا بأس به.
[ ١٠٣ ]
حاجةٍ، بأن لم يَخَف أن يَسبِقه البولُ (^١)، فيَرفع ثوبَه شيئًا فشيئًا، فإذا قامَ أَسبَله عليه قبلَ انتصابِه.
قال في «المبدعِ»: (ولعلَّه يَجب إن كان ثَمَّ مَنْ يَنظره) (^٢) أي: لا نحوُ زوجةٍ.
ولا بأسَ ببَوله قائمًا، ولو بلا حاجةٍ، إن أَمِن تَلويثًا وناظرًا (^٣).
(وَ) يكره لداخلِ نحوِ خلاءٍ (كَلَامٌ فِيهِ) مطلقًا، أي: سواءٌ كان ذلك الكلامُ (^٤) مباحًا خارجَه، أو مندوبًا؛ كذِكرِ اللهِ تَعالى، ولو سلامًا أو رَدَّه؛ لِما روَى ابنُ عمرَ قال: «مرَّ بالنبيِّ ﷺ رجلٌ فسلَّم عليه وهو يَبول، فلم يَرُدَّ عليه» رَواه مسلمٌ وأبو داودَ (^٥)، وقال: يُروى أنَّ النبيَّ ﷺ تَيمَّم ثمَّ ردَّ على الرَّجُل السَّلامَ (^٦).
لكنْ يَجب على داخلِ نحوِ الخلاءِ تَحذيرُ معصومٍ عن هلَكةٍ؛ كأعمَى وغافلٍ يُحذِّرهما عن نحوِ بئرٍ أو حيَّةٍ؛ لأنَّ مراعاةَ حِفظِ المعصومِ أهمُّ.
فإن عطَس أو سَمِع أذانًا؛ حَمِد اللهَ، وأجابَ بقَلبِه، ثمَّ يَقضي الأذانَ بلِسانِه إذا فرَغ.
_________________
(١) قوله: (بأن لم يخف أن يسبقه البول) سقط من (س).
(٢) ينظر: المبدع ١/ ١٠٢.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (أمن …) إلخ، أي: وإلا حرم. انتهى تقرير مؤلفه.
(٤) قوله: (ذلك الكلام) سقط من (س).
(٥) أخرجه مسلم (٣٧٠)، وأبو داود (١٦).
(٦) أخرجه أبو داود (٣٣١)، وابن حبان (١٣١٦)، والبيهقي في الكبرى (٩٩٤)، من حديث ابن عمر ﵄ قال: «أقبل رسول الله ﷺ من الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ حتى أقبل على الحائط فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله ﷺ على الرجل السلام»، حسنه المنذري، وصححه ابن حبان والألباني. ينظر: صحيح أبي داود الأم ٢/ ١٤٧.
[ ١٠٤ ]
وتَحرم القراءةُ وهو متوجِّهٌ على حاجتِه (^١).
(وَ) يكره (بَوْلُهُ (^٢) فِي نَحْوِ شَقٍّ (^٣»، بفتحِ الشِّينِ المُعجَمةِ، ونحوه: سَرَبٌ (^٤)، بفتح السِّين والراء المهملتين، وهو ما يتَّخذه الدَّبيب والهوامُّ بيتًا في الأرض؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس قال: «نهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُبال في الجُحْر»، قالوا لقتادةَ: ما يُكره مِنْ البول في الجُحْرِ؟ قال: يُقال إنَّها (^٥) مَساكنُ الجنِّ. رَواه أحمدُ وأبو داودَ (^٦).
ومِثلُ السَّرَبِ: ما يُشبهه، ولو فمَ بالوعةٍ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (وهو متوجِّه على حاجته) واعلم أنَّ في المسألة أربعة أقوال: الأوَّل قول صاحب «النظم»: بالحرمة مطلقًا. الثاني قول صاحب «المحرَّر» ومن تبعه: يكره مطلقًا. الثالث قول صاحب «الفروع»: تحرم حال قضاء الحاجة فقط. الرابع قول صاحب «الإنصاف»: تحرم في الحش مطلقًا. ومفهومه: أنَّها لا تحرم على سطحه، والمعروف عند مشايخنا: أنَّها تحرم مطلقًا، والله أعلم. انتهى، قاله إبراهيم النجدي. كتب على هامش (ع): قوله: (وهو متوجه على حاجته) أي: تحريم القراءة وهو على حاجة متجه، والاتجاه لصاحب «الفروع»، قال في «الإنصاف» بعد نقل صاحب «الفروع»: قلت الصواب تحريمه في نفس الخلاء. [العلامة السفاريني]. وكتب على هامش (س): قوله: (وهو متوجه) أي: جالس لقضاء الحاجة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٢) في (ب): بول.
(٣) كتب على هامش (ع): قوله: (في شقٍّ) واحد الشقوق، وذلك لأنه لا يؤمن أن يكون فيه حيوان يلسعه، أو يرد بوله عليه فينجسه، أو يكون مسكنًا للجن فيتأذى بهم، وحكي أن سعد بن عبادة بال في جحر، فاستلقى ميتًا، فسمع بعد موته هاتفٌ بالمدينة يقول: نحن قتلنا سيد الخَزْ … رج [سعد] بن عباده ورميناه بسهمي … ن فلم [نخط فؤاده] [العلامة السفاريني].
(٤) في (ب): كسرب.
(٥) في (ب): إنه.
(٦) أخرجه أحمد (٢٠٧٧٥)، وأبو داود (٢٩) وصححه، وصححه ابن خزيمة وابن الملقن. ينظر: البدر المنير ٢/ ٣٢٠.
[ ١٠٥ ]
(وَ) يكره (مَسُّ فَرْجِهِ بِيَمِينِهِ)، في حالِ البولِ وغيرِه؛ لخبرِ أَبي قتادةَ يَرفعه: «لا يُمسِكنَّ أَحدُكم ذَكَرَه بِيَمينِه وهو يَبول، ولا يَتمسَّحْ مِنْ الخلاءِ بِيَمينِه» متَّفق عليه (^١)، وغيرُ حالِ البولِ مِثلُه وأَولى (^٢)؛ لأنَّ وقتَ البولِ مَظِنَّةُ الحاجةِ، فغيرُه أَولى.
وكذا يُكره مسُّ فَرْجٍ أُبيح له مَسُّه بيَمينِه؛ كزوجتِه وأَمَتِه ومَن دونَ سبعٍ؛ تشريفًا لليُمنى.
(وَ) يُكره أيضًا (اسْتِنْجَاؤُهُ بِهَا) أي: بيَمينِه (بِلَا عُذْرٍ)؛ كما لو قُطِعَت يُسراه، أو شَلَّت، أو جُرِحَت.
فإن عجَز عن الاستنجاءِ بيَدَيه وأَمكَنه برِجلِه أو غيرِها؛ فعَل، وإلَّا فإن أَمكَنه بنحوِ زوجةٍ؛ لَزِمَه، وإلَّا تَمسَّح بأرضٍ أو خشبةٍ ما أَمكَن، فإن عجَز صلَّى على حسَبِ حالِه، وإن (^٣) قدَر على شيءٍ مِنْ ذلك بعدُ لم يُعِد. ذكَرَه ابنُ عبدِ الهادي في «مُغنِيه» بمَعناه (^٤).
قال المصنِّفُ: قلتُ: بل متى قَدَر عليه ولو بأجرةٍ يَقدِر عليها؛ لَزِمَه، ولو مِمَّنْ لا يَجوز له نظرُه؛ لأنَّه محلُّ حاجتِه. انتهى (^٥). وهو معنى كلامِ «الإقناعِ» حيثُ كانَت الأجرةُ التي يَقدر عليها مِنْ غيرِ إضرارٍ، لكنْ لم يَذكر في «الإقناع» جوازَ النَّظرِ (^٦).
(وَ) يُكره حالَ قضاءِ الحاجةِ (اسْتِقْبَالُ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ) بلا حائلٍ (^٧)؛ لِما
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧).
(٢) في (س): أو أولى.
(٣) في (س): فإن.
(٤) ينظر: مغني ذوي الأفهام ١/ ٧٥.
(٥) ينظر: كشاف القناع ١/ ١١٥.
(٦) قوله: (وهو معنى كلام الإقناع) إلى هنا سقط من (س).
(٧) في (د): عذر.
[ ١٠٦ ]
فيهما مِنْ نورِ اللهِ تَعالى، وقد رُوي: أنَّ معهما ملائكةً، وأنَّ أسماءَ اللهِ تَعالى مكتوبةٌ عليهما (^١).
(وَحَرُمَ) على قاضي الحاجةِ (^٢) (لُبْثُهُ) في نحوِ خلاءٍ زمنًا (فَوْقَ حَاجَتِهِ) أي: زائدًا عليها، ولو في ظُلمةٍ؛ لأنَّه كشفُ عورةٍ بلا حاجةٍ، ومُضرٌّ عندَ الأطباءِ، حتى قيل: إنَّه يُدمي الكبدَ، ويُورِث الباسورَ.
(وَ) حَرُم (بَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ بِطَرِيقٍ) مسلوكٍ (^٣)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّاعِنَينِ» قالوا: وما اللَّاعنان؟ قال: «الذي يَتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو ظِلِّهم» رَواه مسلمٌ (^٤).
(أَوْ) أي: وحَرُم بولُه وتغوُّطُه ب (ظِلٍّ نَافِعٍ)؛ لِما تَقدَّم، وإضافةُ الظِّلِّ في الحديثِ إليهم دليلٌ على إرادةِ المُنتفَعِ به.
ومِثلُه: مُتشمَّسٌ (^٥) زمنَ الشِّتاءِ، ومُتحدَّثٌ، لا بنحوِ غيبةٍ، وإلَّا فيفرِّقهم بما يَستطيع.
(أَوْ) أي: وحَرُم بولُه وتغوُّطُه ب (مَوْرِدِ مَاءٍ) أي: محلِّ وُرُودِ النَّاسِ للماء؛ لحديثِ معاذٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَ (^٦): البَراز في المَوارد، وقارعةِ الطَّريقِ، والظِّلِّ» رَواه أبو داودَ وابنُ ماجَه (^٧).
_________________
(١) قال الألباني في الضعيفة ٢/ ٣٥٠: (وهذا التعليل مما لا أعرف له أصلًا في السنة).
(٢) قوله: (على قاضي الحاجة) سقط من (س).
(٣) زيد في (س): أي فيه.
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٩).
(٥) في (د) و(س) و(ع): مشمس.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (الملاعن الثلاث) سمِّيت بذلك؛ لجلبها اللعن؛ لأنَّه أماكن راحة الناس، فإذا وجدوا ذلك فيها قالوا: لعن الله من فعله، أو بمعنى: الملعونات؛ لأنَّ الحالات ملعونات، أي: صاحبها، ك ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي: مرضية هي منه. انتهى.
(٧) أخرجه أبو داود (٢٦)، وابن ماجه (٣٢٨)، والبيهقي في الكبرى (٤٦٩)، وصححه ابن السكن والحاكم، وحسنه الألباني، وأعله ابن القطان وابن حجر بالانقطاع. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٣٠٨، صحيح سنن أبي داود ١/ ٥٥.
[ ١٠٧ ]
(وَ) حَرُم بولُه وتغوُّطُه (تَحْتَ شَجَرٍ) أي: جِنسِه، إن كان الشجرُ (^١) (عَلَيْهِ ثَمَرٌ) يُقصد، ولو غيرَ مأكولٍ كالقُطنِ؛ لأنَّه يُفسده (^٢)، فإن لم يَكُنْ عليه ثمرٌ؛ جازَ إن لم يَكُنْ له ظلٌّ نافعٌ؛ لأنَّ أثرَه يَزول بمَجيءِ المطرِ قبلَ مَجيءِ الثَّمرِ.
وأجابَ بعضُهم عن بولِه ﵇ تحتَ الأشجارِ والنَّخلِ (^٣): بأنَّ الأرضَ تَبلَع فَضْلَتَه ﷺ (^٤).
قلت: بل علَّةُ المنعِ (^٥) مفقودةٌ مِنْ أصلِها؛ لطهارةِ فَضَلاتِه ﷺ (^٦).
وحَرُم حالَ بولٍ وغائطٍ استقبالُ قِبلةٍ واستِدبارُها في فضاءٍ، ويَكفي انحرافُه، وحائلٌ ولو كمُؤْخِرَةِ رَحْلٍ (^٧)، وإرخاءُ ذَيلِه، واستِتارٌ بدابَّةٍ.
_________________
(١) قوله: (إن كان الشجر) سقط من (س).
(٢) كتب على هامش (ب) و(س): قوله: (لأنه يفسده): أي ينجسه، فالمراد بالإفساد التنجيس. انتهى تقرير مؤلفه.
(٣) أخرجه مسلم (٣٤٢)، من حديث عبد الله بن جعفر ﵁: «كان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته، هدف أو حائش نخل».
(٤) ورد في ذلك أحاديث وأخبار ضعيفة، سئل الحافظ عبد الغني المقدسي: هل روي أنه ﷺ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال: قد رُوي ذلك من وجه غريب، والظاهر يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه ولا ذكره، وأما البول فقد شاهده غير واحد. ينظر: دلائل النبوة ٦/ ٧٠، المواهب اللدنية ٢/ ٩١، إمتاع الأسماع ٥/ ٣٠٢.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (علة المنع) هي قوله: (لأنه يفسده). انتهى تقرير مؤلفه.
(٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى ٢١/ ٩٩: (ثبت أن النبي ﷺ أعطى شعره لما حلق رأسه للمسلمين، وكان ﷺ يستنجي ويستجمر، فمن سوّى بين الشعر والبول والعذرة فقد أخطأ خطأ بينًا).
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (كمؤخِرة رحل) بضمِّ الميم وسكون الهمزة، ومنهم من يثقِّل الخاء، وهي الخشبة التي يتسند إليها الراكب. ا هـ. ش «إقناع».
[ ١٠٨ ]
(وَ) إذا انقطع بولُه ومسَح ذَكرَه كما تَقدَّم؛ فإنَّه (يَسْتَجْمِرُ) ندبًا بنحوِ حجرٍ، (ثُمَّ يَسْتَنْجِي (^١» بالماءِ بعدَه؛ لقولِ عائشةَ للنساءِ: «مُرْنَ أزواجَكنَّ أن يُتبِعوا الحجارةَ الماءَ؛ فإنِّي أَستَحيِيهم (^٢)، وإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَفعلُه» رَواه أحمدُ، والنَّسائيُّ، والترمذيُّ وصحَّحه (^٣)، ولأنَّه أبلغُ في الإنقاءِ، فإن عكَس؛ بأن استَنجى، ثم استَجمر؛ كُرِه (^٤).
وإن استَجمر في فَرْجٍ، واستَنجى في آخَرَ؛ فلا بأسَ.
ولا يُجزِئ استجمارٌ في قُبُلَي خُنثَى مشكِلٍ، ومَخرجٍ غيرِ فرجٍ (^٥).
(وَيُجْزِئُ) المتخلِّيَ (أَحَدُهُمَا) أي: الاستجمارُ أو الاستنجاءُ، فيَكفي استجمارٌ ولو مع قدرةٍ على ماءٍ؛ لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: «إذا ذهَب أَحدُكم إلى الغائطِ فَلْيَسْتَطِبْ بثلاثةِ أحجارٍ؛ فإنَّها تُجزِئُ عنه» رَواه أحمدُ وأبو داود (^٦).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (يستجمر ثمَّ يستنجي) قال في «شرح الوجيز»: هذا هو الأفضل وعليه علماؤنا؛ لأن الحجر يزيل ما غلظ من النجاسة، فلا تباشرها يده، والماء يزيل ما بقي، قال الإمام أحمد: أن يجمعهما أحبُّ إليَّ؛ للخبر الَّذي روته عائشة. انتهى.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (أستحييهم) أي: أستحيي أن أقول لهم ذلك. انتهى تقرير مؤلفه.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٦٢٣)، والترمذي (١٩)، والنسائي (٤٦)، قال الترمذي: (حسن صحيح).
(٤) قوله: (كره) سقط من (س).
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (ومخرج غير فرج) تنجَّس بخارج منه أو بغيره، فلا يجزئ فيه إلا الماء، ولو استدَّ المخرج المعتاد؛ لأنَّه نادر فلا يثبت له أحكام الفرج، ولمسه لا ينقض الوضوء، ولا يتعلَّق بالإيلاج فيه حكم الوطء، أشبه سائر البدن. «شرح منتهى». تتمة: قال المصنِّف في «شرح المنتهى»: يستحبُّ لمن استنجى بالماء أن ينضح فرجه وسراويله، ومن ظنَّ خروج شيء فقال أحمد: لا يلتفت حتَّى يتيقَّن زواله عنه، فإنَّه من الشَّيطان، فإنَّه يذهب إن شاء الله، ولم ير حشو الذكر في ظاهر ما نقله عبد الله، وإنَّه لو فعل فصلَّى، ثمَّ أخرجه وبه بلل؛ فلا بأس، ما لم يظهر خارجًا، وكره الصَّلاة فيما أصابه الاستنجاء حتَّى يغسله، ونقل صالح: أو يمسحه، ونقل عبد الله: لا يلتفت إليه. انتهى.
(٦) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد (٢٥٠١٢)، وأبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤)، والدارقطني (١٤٧)، من حديث عائشة ﵂، قال الدارقطني: (متصل صحيح)، وصححه الألباني. وأما حديث جابر ﵁، فلفظه: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا»، وأخرجه أحمد (١٥٢٩٦)، وابن خزيمة (٧٦)، وهو في مسلم (١٣٠٠) أيضًا بلفظ: «وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتوٍّ». ينظر: علل الدارقطني ١٤/ ٢٠٥، الإرواء ١٨٤.
[ ١٠٩ ]
والماءُ أفضلُ مِنْ الحجرِ، وجَمعُهما أفضلُ مِنْ الماء.
(إِلَّا إِذَا جَاوَزَ) أي: تَعدَّى (الخَارِجُ)، بالرفعِ، الموضعَ (المُعْتَادَ)، بالنَّصب، كأنْ يَنتشر الخارجُ على شيءٍ مِنْ الصَّفحةِ، أو يَمتدَّ إلى الحَشَفةِ امتدادًا غيرَ معتادٍ؛ (فَيَجِبُ المَاءُ) للمُتعدِّي فقَط؛ لأنَّ الاستجمارَ في المعتادِ رخصةٌ؛ لمشقَّةِ غَسلِه؛ لتكرُّرِ نَجاستِه، فما لا يَتكرَّر لا يُجزِئ فيه إلّا الماءُ.
ويُجزِئ استجمارٌ في محلِّ العادةِ، كما لو لم يَكُنْ غيرُه (^١).
(وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ إِلَّا بِطَاهِرٍ)، جامدٍ، (مُبَاحٍ، مُنْقٍ (^٢»؛ كحَجرٍ وخَشبٍ وخِرَقٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن الاستِطابةِ فقال: «بثلاثةِ أحجارٍ ليس فيها رَجيعٌ» (^٣)، فلَولا أنَّه أرادَ الحجرَ وما في مَعناه لم يَسْتَثْن الرَّجيعَ، ولِمشارَكةِ غيرِ الحجرِ الحجرَ (^٤) في الإزالةِ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (كما لو لم يكن غيره)، أي: كما لو لم يوجد غير ما يجزئ الاستجمار به، ف (يكون) هنا تامة. ا هـ.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (منق) قال م ص: فلا يجزئ بأملس، ولا شيء رخو، ويجزئ الاستجمار بعده بمنق. ا هـ. والفرق بينه وبين غير المباح حيث قالوا: لا يجزئ بعده أي: بعد غير المباح إلَّا الماء: أن غير المنقي لا يمتنع استعماله في تخفيف النجاسة، بخلاف المغصوب، فإنَّه ممنوع منه؛ كالاستجمار بطعام بهيمة، فإنَّه لا يجزئ بعده إلا الماء، فكذا المغصوب، بجامع النهي فيهما، والله أعلم. ا هـ. ع ن.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٨٥٦)، وأبو داود (٤١)، وابن ماجه (٣١٥)، من حديث خزيمة بن ثابت ﵁، وصححه الألباني. ينظر: صحيح أبي داود ١/ ٧٢.
(٤) في (أ) و(س) (ع): للحجر.
[ ١١٠ ]
وفُهِم منه: أنَّه لا يصحُّ استجمارٌ بنَجسٍ، ولا بغيرِ جامدٍ؛ كرِخوٍ ونَديٍّ (^١)؛ لأنَّه لا يَحصل به المقصودُ، ولا بما لا يُنقِي (^٢)؛ كالأَملَسِ مِنْ نحوِ زجاجٍ، ولا بمغصوبٍ.
(غَيْرَ عَظْمٍ وَرَوْثٍ)، فلا يُجزِئ استجمارٌ بهما؛ لقولِه ﵇: «لا تَسْتَنجُوا (^٣) بالرَّوثِ ولا بالعظامِ؛ فإنَّه زادُ إخوانكُم الجنِّ» رَواه مسلمٌ (^٤).
(وَ) غيرَ (طَعَامٍ) ولو لبَهيمةٍ، فلا يُجزِئ استجمارٌ به؛ لأنَّه ﵇ علَّل المنعَ مِنْ الرَّوثِ والعظامِ: بأنَّه زادُ الجنِّ، فزادنُا وزادُ بَهائمِنا أَولى.
وغيرَ (^٥) ما له حرمةٌ؛ ككُتبِ علمٍ، وما فيه ذِكرُ اللهِ تَعالى.
وغيرَ متَّصلٍ بحيوانٍ؛ كيَدِه وجِلدِه وصُوفِه؛ لحُرمةِ الحيوانِ.
وغيرَ جِلدِ سمكٍ وحيوانٍ مُذكًّى.
(وَيُشْتَرَطُ) لصحَّةِ استجمارٍ: (ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ)، فلا يُجزِئ أقلُّ منها؛ لقولِه ﵇: «فَلْيَذهب معه بثلاثةِ أحجارٍ» رَواه أبو داودَ (^٦)، ولقولِ سلمانَ: «نَهانا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَستنجيَ بأقلَّ مِنْ ثلاثةِ أحجارٍ» رَواه مسلمٌ (^٧).
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (وندي) أي كالطين. انتهى تقرير مؤلفه.
(٢) قوله: (ولا بما لا ينقي) سقط من (س).
(٣) في (س): لا تستجمروا.
(٤) أخرجه مسلم (٤٥٠) في حديث طويل بنحو لفظ المصنف، وأخرجه الترمذي (١٨)، والنسائي في الكبرى (٣٩)، بلفظ المصنف.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (وغير) معطوف على (غير عظم) في المتن، وكذا ما بعده. انتهى تقرير مؤلفه.
(٦) أخرجه أحمد (٢٥٠١٢)، وأبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤)، والدارقطني (١٤٧)، من حديث عائشة ﵂، قال الدارقطني: (متصل صحيح)، وصححه الألباني.
(٧) أخرجه مسلم (٢٦٢).
[ ١١١ ]
(مُنْقِيَةٍ) أي: مُزيلةٍ لعينِ الخارجِ، حتَّى لا يَبقى إلّا أثرٌ لا يُزيله إلّا الماءُ، فهذا (^١) هو الإنقاءُ بنحوِ الأحجارِ.
وأمَّا الإنقاءُ بالماء: فعَوْدُ خُشونةِ المحلِّ كما كان، وظنُّه (^٢) كافٍ.
ويَكون الاستجمارُ إمَّا بحجرٍ ذي شُعَبٍ، أو بثلاثةِ أحجارٍ، (تَعُمُّ كُلُّ مَسْحَةٍ) مِنْ الثلاثِ وجوبًا جميعَ (المَحَلِّ) أي: الدُّبُرِ والصَّفحتَين، (فَإِنْ لَمْ تُنْقِ) المَسَحاتُ الثلاثُ؛ (زَادَ) وجوبًا حتى يَنْقَى المحلُّ.
(وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُهُ) أي: الاستجمارِ (عَلَى وِتْرٍ) إن زادَ على الثلاثِ، فلَو أَنقَى برابعةٍ؛ زادَ خامسةً، أو أَنقَى بسادسةٍ؛ زادَ سابعةً، وهكذا؛ لقولِه ﵇: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» متَّفق عليه (^٣).
(وَيَجِبُ) استنجاءٌ أو استجمارٌ (لِكُلِّ خَارِجٍ) مِنْ سبيلٍ، معتادًا كان الخارج
_________________
(١) في (س): هذا.
(٢) كتب على هامش (ب) و(ع): قوله: (وظنُّه)، أي: الإنقاء، فالضَّمير فيه راجع للإنقاء لا للشَّخص، كما قد يُتوهَّم، ويصحُّ إرجاعه للشَّخص بتكلُّف لا حاجة إليه. ا هـ. [العلامة السفاريني].
(٣) أخرجه البخاري (١٦١)، ومسلم (٢٣٧)، من حديث أبي هريرة ﵁. كتب على هامش (ع): تتمة: قال م. ص في «شرح المنتهى»: يستحب لمن استنجى بالماء أن ينضح فرجه وسراويله، ومن ظنَّ خروج شيءٍ فقال أحمد: لا يلتفت [إليه] حتى يتيقن، والْهَ عنه فإنه من الشيطان، فإنه يذهب إن شاء الله، ولم ير حشو الذكر [في] ظاهر ما نقل عبد الله، وأنه لو فعل فصلَّى ثم أخرجه وبه بلل؛ فلا بأس، ما لم يظهر خارجًا، وكره الصلاة فيما أصابه الاستنجاء حتى يغسله، ونقل صالح: أو يمسحه، ونقل عبد الله: لا يلتفت إليه. قال ابن نصرالله: وظاهر كلامهم جواز الاستنجاء بالحرير للذكر والأنثى، ولم أجده في كلامهم. قال في المبدع: قال ابن عقيل: ولو مسح بالأرض أو بالحائط في ثلاث مواضع فهي كالحجر الكبير. ولو استجمر في الحائط الوقف لم يصح استجماره، وحرم ذلك، ولا يجزئه إلا الماء، نُقِل عن القضاة، قال شيخنا التقي: ولو كان المستجمر مستأجرًا للوقف أو مستأجرًا لحائط ملك. انتهى من حفظ الشيخ العلامة عبد الرحمن البهوتي الحنبلي عفا الله عنه.
[ ١١٢ ]
كالبولِ، أو لا كالمَذيِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، لأنَّه يَعمُّ كلَّ مكانٍ ومحلٍّ مِنْ ثوبٍ وبدنٍ، ولقولِه ﵇: «إذا ذهَب أَحدُكم إلى الغائطِ فَلْيَذهب بثلاثةِ أحجارٍ فإنَّها تُجزِئُ عنه» رَواه أبو داودَ (^١)، والأمرُ للوجوبِ، وقال: «إنَّها تُجزِئُ»، ولفظُ: «الإجزاءِ» ظاهرٌ فيما يَجب.
(غَيْرَ رِيحٍ)؛ لقولِه ﵇: «مَنْ اسْتَنجَى مِنْ ريحٍ فلَيس مِنَّا» رَواه الطَّبرانيُّ في «مُعجَمِه الصَّغيرِ» (^٢)، قال الإمامُ أحمدُ ﵀: (ليس في الرِّيح استنجاءٌ في كتابِ اللهِ، ولا في سنَّةِ رسولِه) (^٣).
وهي طاهرةٌ، فلا تنجِّس ماءً يسيرًا لاقَتْه.
(وَ) غيرَ خارجٍ (طَاهِرٍ)؛ كمَنيٍّ، ووَلدٍ بلا دَمٍ.
(وَ) غيرَ (مَا) أي: خارجٍ (لَا يُلَوِّثُ) أي: لا يَنفصل منه أثرٌ في المحلِّ يُزيله الحجرُ؛ كالبَعْرِ النَّاشفِ، فلا يَجب الاستنجاءُ مِنْ ذلك (^٤).
(وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُ) مَنْ لَزِمَه استنجاءٌ قَبلَه، (وَلَا) يصحُّ (تَيَمُّمٌ) عن حدثٍ أو نجاسةٍ مِمَّنْ لَزِمَه استنجاءٌ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ الاستنجاءِ (^٥) أو الاستجمارِ، وذلك لقولِه ﵇ في حديثِ المِقدادِ المتَّفَقِ عليه: «يَغسِلُ ذَكَرَه ثُمَّ يَتوضَّأ» (^٦)، فأتَى ب «ثُمَّ» المفيدةِ للتَّرتيبِ.
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) ذكر الألباني في الإرواء ١/ ٨٦ أن نسبته إلى الطبراني وهم. وقد أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٥٥)، والخطيب في المتفق (٣/ ١٨٨٢)، من حديث جابر ﵁. وهو ضعيف جدًّا، فيه شرقي بن قطامي، يروي المناكير. ينظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٢٦٨.
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٠، مسائل عبد الله ص ٣١.
(٤) قوله: (فلا يجب الاستنجاء من ذلك) سقط من (س).
(٥) زيد في (س): يعني.
(٦) أخرجه النسائي باللفظ المذكور (٤٣٩)، عن سليمان بن يسار مرسلًا، وأصله عند البخاري (٢٦٩) بلفظ: «توضأ واغسل ذكرك»، ومسلم (٣٠٣) بلفظ: «يغسل ذكره ويتوضأ».
[ ١١٣ ]
(بَابٌ)