(بَابٌ) بالتَّنوينِ وعَدمِه
(الحَيْضُ (^١» لغةً: السَّيَلانُ، مِنْ قولِهم: حاضَ الوادي: إذا سالَ، يُقال: حاضَت المرأةُ، تَحيض حَيضًا ومَحِيضًا، فهي حائضٌ وحائضةٌ: إذا جرَى دَمُها، وتَحيَّضَت: قعَدَت أيَّامَ حَيضِها عن الصَّلاةِ.
ويُسمَّى أيضًا: الطَّمْثَ، والعِراكَ، والضَّحِكَ.
وهو شرعًا: دَمُ طَبيعةٍ وجِبِلَّة، تُرخِيه الرَّحِمُ (^٢)، يَعتاد أُنثى إذا بلَغَت، في أوقاتٍ معلومةٍ (^٣).
والحيضُ (يَمْنَعُ) أشياءَ:
(الغُسْلَ لَهُ) أي: للحيضِ، فلا يصحُّ؛ لقيامِ مُوجِبه، ولا يَمنع الغُسلَ لجنابةٍ
_________________
(١) كتب على هامش (ب): فائدة: اللَّواتي يحضن أربع: الآدمي والأرنب والضبع والخفَّاش، فأخرج الجن، كذا في حاشية المصنِّف، و«شرح الوجيز»، وزاد بعضهم: الوزغة والكلبة والفرس والناقة، فبضمِّها إلى هذه تبلغ ثمانية. إنَّ اللَّواتي يَحِضْنَ الكلُّ قد جُمِعَت … في بيتِ شِعرٍ فكُنْ ممَّن لهنَّ يع امرأةٌ ناقةٌ مع أرنبٍ وَزَغٌ … وكلبةٌ فرسٌ خفاشُ مع ضَبُعِ ا هـ. والله أعلم.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (ترخيه الرَّحم) بفتح الرَّاء وكسرها مع كسر الحاء وسكونها فيهما، بيت منبت الولد ووعاؤه، ومخرجه من قعره. ا هـ «شرح منتهى».
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (في أوقات معلومة) قال المصنِّف في شرحه على «المنتهى»: في الغالب من كلِّ شهر ستَّة أيَّام أو سبعة إن لم تكن المرأة حاملًا ولا مرضعًا؛ لأنَّه لا مصرف له إذن، فإن حملت صرفه الله لغذاء الولد، ولذلك لا تحيض الحامل، فإذا أرضعت قلَبَه الله لبنًا يتغذَّى به الولد، ولذلك قلَّ أن تحيض [المرضع]. انتهى. وكتب على هامش (ع): قوله: (معلومة) كأول الشهر ووسطه وآخره. ح ع.
[ ٢٣٧ ]
أو نحوِ إحرامٍ، بل يُسنُّ.
(وَ) يَمنع (الوُضُوءَ)، فلا يصحُّ؛ لِما تَقدَّم.
(وَ) يَمنع فِعلَ (الصَّلَاةِ)، ولو سجدةَ تلاوةٍ لمُستمِعةِ قراءةِ آيةِ سجدةٍ؛ لِقيام المانعِ بها.
(وَ) يَمنع (وُجُوبَهَا (^١» أي: الصَّلاةِ إجماعًا (^٢).
(وَ) يَمنع (فِعْلَ صَوْمٍ) إجماعًا (^٣)؛ لقولِه ﷺ: «أَلَيسَتْ إِحداكُنَّ إذا حاضَتْ لَم تَصُمْ ولَم تُصَلِّ؟» قُلْن: بلَى. رَواه البخاريُّ (^٤)، وعُلِم منه: أنَّه لا يَمنع وجوبَه.
(وَ) يَمنع فِعلَ (طَوَافٍ)؛ لقولِه ﷺ لعائشةَ حينَ حاضَت: «افْعَلِي ما يَفعل الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفِي بالبيتِ حتى تَطهُري» متَّفق عليه (^٥)، وأمَّا وجوبُه فباقٍ، فتَفعله إذا طَهَرَت، لكن يَسقط عنها طوافُ الوداعِ، على ما يَأتي.
(وَ) يَمنع فِعلَ (اعْتِكَافٍ)؛ لأنَّه لُزومُ مسجدٍ على وجهٍ مخصوصٍ، وقد قال ﷺ: «لا أُحِلُّ المسجدَ لِحائضٍ ولا جُنُبٍ» رَواه أبو داودَ (^٦).
(وَ) يَمنع (وَطْئًا فِي فَرْجٍ (^٧»؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (وجوبها) أي: إلا ما استثني من صلاة انقطع الدم وبقي من وقتها ما يسع تكبيرة، فإنها تجب، وكذا ما قبلها إن كانت تجمع معها كما سيأتي. انتهى تقرير المؤلف.
(٢) ينظر: الأوسط ٢/ ٢٠٢.
(٣) ينظر: مراتب الإجماع ص ٣٩.
(٤) أخرجه البخاري (١٩٥١)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٥) أخرجه البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١).
(٦) سبق تخريجه ١/ ١٨٦.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (ويمنع …) إلخ، هو معطوف على قوله المتقدِّم: (ويمنع الغسل) أي: ويمنع كذلك وطئًا في فرج، كما قدَّره المصنِّف، قال المصنِّف في حاشيته نقلًا عن «الإقناع»: وليس بكبيرة. انتهى.
[ ٢٣٨ ]
وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، ولقولِه ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إلّا النِّكاحَ» رَواه مسلمٌ (^١).
(إِلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ) أي: شِدَّةُ شهوةِ النِّكاحِ، (بِشَرْطِهِ (^٢»، بأن يَخاف تَشقُّقَ أُنثَيَيه إن لم يَطَأ، ولا تَندفع شهوتُه بدُونِه في الفَرجِ، ولا يَجِد غيرَ الحائضِ مِنْ زوجةٍ أو سُرِّيَّةٍ، ولا يَقدِر على مَهرِ حُرَّةٍ أو ثَمنِ أَمَةٍ (^٣).
(وَيَجِبُ بِهِ) أي: بوطءِ الحائضِ في الفَرجِ قبلَ انقطاعِ الدَّمِ، سواءٌ كان في أوَّلِ الحيضِ أو آخرِه: (دِينَارٌ أَوْ نِصْفُهُ) أي: نِصفُ الدِّينارِ، (كفَّارةً) لذلك (^٤)، على التَّخييرِ، بشرطِ أن يَكون الواطئ (^٥) ممَّن يُجامِع مِثلُه، وهو ابنُ عَشرٍ وبنتُ تسعٍ (^٦)، وأن يُولِج الحَشَفةَ أو قَدْرَها، ولو بحائلٍ لَفَّه على ذَكرِه، وذلك لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا في الذي يَأتي امرأتَه وهي حائضٌ قال: «يَتصدَّق بدِينارٍ، أو نِصفِ دِينارٍ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (^٧).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٢)، من حديث أنس ﵁.
(٢) في (أ): بشرط
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (أو ثمن أمة) قال المصنِّف في حاشيته بحثًا: ولعلَّه: ولو بزيادة كثيرة لا تجحف بماله؛ لعدم تكرر ذلك. انتهى.
(٤) كتب على هامش (ع): فائدة: قرر شيخنا [وهو السفاريني] أنها إذا ادعت أن لها جنيًّا يطلبها، وقالت: جامَعَني وأنا حائض مطاوعة؛ فعليها الكفارة، قياسًا على وجوب الغسل عليها [إذا ادعت] أنه يجامعها، والله تعالى أعلم.
(٥) في (أ): الوطء.
(٦) قوله: (وبنت تسع) سقط من (أ) و(س) و(ع).
(٧) أخرجه أحمد (٢٠٢٣)، وأبو داود (٢٦٤)، والترمذي (١٣٦)، واختلف في رفعه ووقفه، ورجحه موقوفًا ابن السكن والنووي، ومال أحمد إلى تقويته واحتج به، وصححه مرفوعًا ابن حجر والألباني وغيرهم. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٢٧، صحيح أبي داود ٢/ ١٥.
[ ٢٣٩ ]
وتَخييرُه بينَ الشَّيءِ ونِصفِه؛ كتَخييرِ المسافِرِ بينَ القَصرِ والإتمامِ (^١).
والدِّينارُ هنا: المِثقالُ مِنْ الذَّهبِ، مضروبًا أو لا، وتُجزِئ قِيمتُه مِنْ الفضَّةِ فقط.
وتَجِب الكفَّارةُ ولو كان الواطئُ مُكرَهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا الحيضَ والتَّحريمَ.
وكذا هي إن طاوَعَتْه، فإن أَكرَهَها؛ فلا كفَّارة عليها، قال المصنِّفُ: (وقِياسُه لو كانت ناسيةً أو جاهلةً) (^٢).
ومَصرِفها إلى مَنْ له أخذُ زكاةٍ لحاجةٍ (^٣)؛ كبقيَّةِ الكفَّاراتِ ونَذرٍ (^٤) مُطلَقٍ، وتُجزِئ إلى واحدٍ، وتَسقط بعَجزٍ (^٥).
وإن كرَّر الوطءَ في حَيضةٍ أو حَيضتَين؛ فكالصومِ إذا كرَّر الوطءَ فيه في يومٍ أو يومَين، فلِكُلِّ حَيضةٍ كفَّارةٌ، كما أنَّ لكلِّ يومٍ كفَّارةً ولو لم يُكفِّر (^٦).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (وتخييره …) إلخ، أي: من جهة كون كلِّ منهما مجزئًا في الفضلة، فإنَّ القصر في السَّفر أولى من الإتمام، بخلاف ما هنا فإنَّ الدينار أفضل من نصف الدِّينار، فالمشبَّه لا يلزم أن يعطى أحكام المشبه به كلَّها. والله أعلم.
(٢) ينظر: شرح المنتهى ١/ ١١٣.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (لحاجة): خرج به: العامل عليها، والمؤلف قلبه، ونحوهما ممن يأخذ لا لحاجة نفسه. انتهى تقرير المؤلف.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (ونذر): معطوف على (بقية). انتهى تقرير المؤلف.
(٥) كتب على هامش (ع): قوله: (بعجز) العبرة بالعجز حال النزع، فإن كان عاجزًا سقطت، وإن كان غير عاجز فلا. [العلامة السفاريني].
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (ولو لم يكفر) يعني: وإذا كرَّر الوطء في حيضة واحدة؛ لم يلزمه سوى كفَّارة واحدة حيث لم يكفر، كما أنَّ الصَّوم كذلك إذا كرَّر الوطء في يوم لا يلزمه سوى كفَّارة واحدة حيث لم يكفر ثمَّ يجامع. وكتب على هامش (ع): قوله: (كما أن لكل يوم …) إلخ، يعني: وإذا كرر الوطء في حيضة واحدة فلا يخلو: إما أن يطأ ثانيًا بعد التكفير أو قبله، فإن كان قبل التكفير لم يجب إلا كفارة واحدة، ولو كرره مرات، وإن كان بعد التكفير وجب له كفارة ثانية، وهكذا كما هو تفصيل الوطء في الصوم كما يأتي في بابه، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٢٤٠ ]
وبَدنُ الحائضِ طاهرٌ، ولا يُكره عَجنُها ونحوُه، ولا وضعُ يَدِها في مائعٍ.
(وَيَسْتَمْتِعُ) جوازًا زوجٌ أو سيِّد (مِنْهَا) أي: مِنْ الحائضِ (بِمَا دُونَ فَرْجٍ) أي: بما سِوى الفَرجِ (^١)؛ كقُبلةٍ، ولَمسٍ، ووَطءٍ دونَ الفَرجِ، زادَ في «الاختيارات»: (والاستِمناء بيَدِها) (^٢)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «فاعْتَزِلُوا نِكاحَ فُرُوجِهنَّ» رَواه عبدُ بنُ حُميدٍ، وابنُ جَريرٍ (^٣)، ولأنَّ المَحِيضَ اسمٌ لمكانِ الحيضِ في ظاهرِ كلامِ الإمامِ أحمدَ، وقالَه ابنُ عقيلٍ؛ كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، فيَختصُّ التَّحريمُ بمكانِ الحيضِ (^٤) وهو الفَرجُ، ويُسنُّ سَترُه إذَنْ.
(وَإِذَا انْقَطَعَ) دَمُ الحيضِ؛ (لَمْ يُبَحْ) ممَّا يَحرُم على الحائضِ (قَبْلَ غُسْلِ) هَا أو تيمُّمِها (^٥) لعَدمِ الماءِ (^٦) (غَيْرُ صَوْمٍ)، فإن (^٧) انقطَع دَمُها (^٨) قبلَ الفجرِ؛ جازَ
_________________
(١) قوله: (أي: بما سوى فرج) سقط من (س).
(٢) ينظر: الاختيارات ص ٤٤.
(٣) أخرجه ابن جرير في التفسير (٣/ ٧٢٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢١١٥)، والبيهقي في الكبرى (١٤٨١)، ولا بأس بإسناده.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (فيختص التحريم بمكان الحيض)، أي: فيجوز في غيره ما عدا الدبر، فلا يجوز فيه. انتهى تقرير المؤلف.
(٥) في (أ): غسلٍ أو تيممٍ.
(٦) قوله: (لعدم الماء) هي في (أ) و(س): لعدم. وكتب على هامش (س): قوله: (لعدم) أي: عدم الماء. انتهى تقرير مؤلفه.
(٧) كذا في (ب)، وفي باقي النسخ: فإذا.
(٨) قوله: (فإن انقطع دمها) سقط من (أ).
[ ٢٤١ ]
لها أن تَنوي الصَّوم (^١)؛ لأنَّ وجوبَ الغُسلِ لا يَمنع فِعلَ (^٢) الصَّومِ؛ كالجنابةِ.
(وَ) غيرُ (طَلَاقٍ)، فبِانقطاعِ الدَّمِ يُباح لزوجِها تَطليقُها؛ لأنَّ تحريمَه لتطويلِ العِدَّةِ بالحيض، وقد زالَ ذلك.
وعُلِم منه: أنَّ الحيضَ يَمنع أيضًا سُنَّةَ طلاقٍ، فيَكون بِدعةً محرَّمةً، كما سيَأتي، لكنْ مَحلُّه ما لم تَسأله خُلعًا، أو طلاقًا على عِوَضٍ (^٣).
ويُباح أيضًا بعدَ انقطاعِه: لُبثٌ بمسجدٍ بوضوءٍ، كما تَقدَّم في الغُسل، فالحَصرُ إضافيٌّ (^٤).
(وَتَقْضِي) الحائضُ (الصَّوْمَ) الواجبَ إجماعًا، قالَه في «المبدِع» (^٥)؛ لأنَّ الحيضَ إنَّما يَمنع فِعلَه، لا وجوبَه.
_________________
(١) كتب على هامش (ع): قوله: (جاز لها …) إلخ، أي غير رمضان، وأما فيه فيجب عليها تبييت النية، أو يقال المراد بالجواز: ما ليس ممنوعًا منه، فيدخل الواجب لصدق ذلك عليه، أو أن المراد مع فرض كونها برمضان: إذا أمكن أن تغتسل وتنوي الصوم قبل الفجر؛ أبيح لها المبادرة إلى النية قبل الغسل، والخطب سهل، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٢) في (س): فعله.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (على عوض) قال العلَّامة م ع في «غايته»: ويتَّجه: ولو بلا عوض، خلافًا لهما كما يأتي، والعلَّة تقتضيه. انتهى ﵀.
(٤) كتب على هامش (ع): قوله: (فالحصر إضافي) أي: ليس بحقيقي، وهو ما لا يخرج منه شيء من أنواع المحصور، والحصر الإضافي ما كان بالنسبة إلى شيء وأشياء، ففي مسألتنا: قول المصنف: (لم يبح غير صوم وطلاق) أي بالنسبة إلى الممنوع منه كالصلاة والطواف ومس المصحف، فالحصر بالإضافة إليها فهو إضافي، وليس بحقيقي؛ لأنه يباح لها أيضًا لبثها في المسجد بوضوء، أو خارج عما ذكره في المتن، ويحتمل أن مراد الشيخ بقوله: (الحصر إضافي) أن الذي في المتن محصور فيه الإباحة بالنسبة إلي ما يفتقر إلى شيء آخر، كالوضوء، فإن إباحة اللبث متوقفة على الوضوء، وأما الصوم والطلاق فغير متوقف، فيكون الحصر بالإضافة إلى الجواز المطلق والمقيد به، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٥) ينظر: المبدع ١/ ٣٨٥.
[ ٢٤٢ ]
و(لَا) تَقضي (الصَّلَاةَ) إجماعًا (^١)، بل يَحرُم عليها؛ لحديثِ مُعاذةَ قالت: سألتُ عائشةَ فقلتُ: ما بالُ الحائضِ تَقضي الصَّومَ ولا تَقضي الصَّلاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ فقلتُ: لستُ بحَرُورِيَّةٍ، ولكنِّي أسألُ، فقالت: «كنَّا نَحيض على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فنُؤمَر بقضاءِ الصَّومِ، ولا نُؤمَر بقضاءِ الصَّلاةِ» متَّفق عليه (^٢)، ومعنى قولِها: «أَحَرُورِيَّةٌ؟» الإنكارُ عليها أن تَكون مِنْ أهلِ حَرُورَاءَ (^٣)، مكانٍ تُنسَب إليه الخوارجُ، لأنَّهم يَرون قضاءَ الحائضِ الصَّلاةَ كالصَّوم؛ لفَرطِ تَعمُّقِهم في الدِّين حتى مَرَقُوا منه.
قال في «الفروع»: (ولعلَّ المرادَ: إلّا ركعتَي الطَّوافِ؛ لأنَّهما نُسكٌ لا آخرَ لوقتِه، فيُعايا بها) (^٤) انتهى. يَعني: لو حاضَت بعدَ الطَّوافِ قبلَ صلاةِ ركعتَيه؛ فإنَّها تُصلِّيهما (^٥) إذا طهَرَت، وتسميةُ ذلك قضاءً تَجوُّزٌ؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِها.
(وَلَا حَيْضَ قَبْلَ) تَمامِ (تِسْعِ سِنِينَ) هِلاليَّةٍ، فمَتى رأَت دَمًا قبلَ بلوغِ التِّسعِ؛ لم يَكُنْ حَيضًا؛ لأنَّه لم يُوجَد مِنْ النِّساءِ مَنْ تَحيض قَبلَها، قال التِّرمذيُّ: قالت عائشةُ: «إذا بلَغَت الجاريةُ تِسعَ سِنين فهي امرأةٌ» (^٦).
(وَلَا) حَيضَ (بَعْدَ) تَمامِ (خَمْسِينَ سَنَةً)؛ لقولِ عائشةَ: «إذا بلَغَت المرأةُ
_________________
(١) ينظر: الأوسط ٢/ ٢٠٢.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥).
(٣) قال النووي في شرح مسلم ٤/ ٢٧: (قرية بقرب الكوفة، قال السمعاني: هو موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به، قال الهروي: تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها).
(٤) ينظر: الفروع ١/ ٣٥٣.
(٥) في (س): تصليها.
(٦) أخرجه حرب الكرماني في مسائله (١٢٨٩)، عن حبيب بن أبي مرزوق عنها، ورجاله ثقات، وقد احتج به إسحاق، وعلقه الترمذي في الجامع (٣/ ٤٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٤٧٦)، إلا أنه يبعُد سماع حبيب منها، فإنه يروي عن نحو عروة وعطاء ونافع. ينظر: تهذيب الكمال ٥/ ٣٩٥.
[ ٢٤٣ ]
خَمسين سنةً خرَجَت مِنْ حَدِّ الحيضِ» ذكَرَه الإمامُ أحمدُ (^١).
ولا فرقَ بينَ نساءِ العربِ وغيرِهنَّ.
(وَلَا) حَيضَ (مَعَ حَمْلٍ) (^٢) نصًّا (^٣)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ مرفوعًا في سَبْيِ أوْطاسٍ: «لا تُوطَأُ حاملٌ حتَّى تضَع، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتَّى تَحيضَ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ (^٤)، فجعَل الحيضَ عَلَمًا على بَراءةِ الرَّحِمِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَجتمع معه.
فإذا رأَت الحاملُ دَمًا؛ فهُو دَمُ فسادٍ، لا تَترك له الصَّلاةَ، ولا يُمنع زوجُها مِنْ وَطئِها، ويُستحبُّ أن تَغتسل بعدَ انقطاعِه نصًّا (^٥).
(وَأَقَلُّهُ) أي: أقلُّ زمنٍ يَصلح أن يَكون دَمُه حَيضًا: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)؛ لقولِ عليٍّ ﵁ (^٦)، والمرادُ مِقدارُ ذلك، أي: أربعٌ وعِشرون ساعةً، فلَو انقطَع لأقلَّ منه؛
_________________
(١) أخرجه حرب الكرماني في مسائله (٧٣١)، عن أم رزين عن عائشة، بلفظ: «ما أتى على امرأة خمسون سنة قط فخرج من بطنها ولد»، ولا بأس برواته إلا أم رَزين فلم نقف لها على ترجمة.
(٢) كتب على هامش (ح): وعنه: بلى، اختاره الشيخ وصاحب «الفائق»، قال في «الفروع»: هذا أظهر وفاقًا للشافعي، وصوبه في «الإنصاف». انتهى من خط الشيخ علي ابن عبد الله بن عيسى على هامش «المنتهى».
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٣/ ١٣١٧، مسائل أبي داود ص ٣٨.
(٤) أخرجه أحمد (١١٢٢٨)، وأبو داود (٢١٥٧)، وحسن إسناده ابن حجر، وصححه الألباني. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٤١، الإرواء ١/ ٢٠٠.
(٥) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٨.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (لقول علي …) إلخ: مَقولُه ما قبله. انتهى تقرير المؤلف. قال ابن حجر في التعليق على قول الرافعي: (حديث علي: أقل الحيض يوم وليلة)، قال: (كأنه يشير إلى ما ذكره البخاري تعليقًا عن علي وشريح أنهما جوَّزا ثلاث حيض في شهر). ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٤٢. والمراد ما أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٢٩٦)، وسعيد بن منصور (١٣١٠)، والدارمي (٨٨٣)، والبيهقي في الكبرى (١٥٤٠٥)، عن الشعبي، قال: جاءت امرأة إلى عليٍّ طلَّقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، وطهرت عند كل قُرءٍ وصلَّت، فقال علي لشريح: «قُلْ فيها»، فقال شريح: إن جاءت بينة من بطانة أهلها ممن يُرضى بدينه وأمانته، يشهدون أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، وطهرت عند كل قرء، وصلت فهي صادقة، وإلا فهي كاذبة، فقال علي: «قالون»، يعني بالرومية: أصبت. وذكره البخاري معلقًا بصيغة التمريض (١/ ٧٢)، قال ابن حجر: (رجاله ثقات، وإنما لم يجزم به للتردد في سماع الشعبي من علي، ولم يقل إنه سمعه من شريح فيكون موصولًا)، واحتج أحمد بالأثر كما ذكر ابن رجب. ينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ١٤٩، فتح الباري لابن حجر ١/ ٤٢٥.
[ ٢٤٤ ]
فدَمُ فسادٍ.
(وَأَكْثَرُهُ) أي: الحَيضِ: (خَمْسَةَ عَشَرَ) يومًا بلَياليها؛ لقولِ عليٍّ ﵁: «ما زادَ على خمسةَ عشرَ استِحاضةٌ، وأقلُّ الحَيضِ يومٌ وليلةٌ» (^١).
(وَغَالِبُهُ) أي: الحَيضِ: (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ)؛ لقولِه ﵇ لِحَمْنَةَ: «تَحيَّضي في عِلمِ اللهِ ستَّةَ أيَّامٍ أو سبعةً، ثمَّ اغْتَسِلي وصَلِّي أربعةً وعِشرينَ يومًا أو ثلاثةً وعِشرينَ يومًا، كما تَحِيضُ النِّساءُ وكما يَطْهُرْنَ لمِيقات» (^٢).
وأقلُّ طُهرٍ بينَ حَيضتَين: ثلاثةَ عشرَ (^٣)، وغالبُه بقيَّةُ الشَّهرِ؛ كما في حديثِ حَمْنَةَ، ولا حدَّ لأَكثرِه.
واعْلَم: أنَّ المبتدَأةَ بدَمٍ أو صُفرةٍ أو كُدرةٍ (^٤) وهي التي ابتدأَ بها شيءٌ مِنْ
_________________
(١) قال ابن الملقن في البدر المنير ٣/ ١٤٥: (ولا يحضرني من خرَّجها)، وقال الحافظ في التلخيص ١/ ٤٤٢: (هذا اللفظ لم أجده عن علي، لكنه يخرج من قصة علي وشريح التي تقدمت).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٧)، قال الترمذي: (حسن صحيح)، ونقل عن البخاري تحسينه وعن أحمد تصحيحه. ينظر: العلل الكبير للترمذي (٧٤).
(٣) زيد في (ك) و(ع): يومًا.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (صفرة أو كدرة) الصُّفرة والكدرة: هما شيء كالصَديد تعلوه صفرة وكدرة، وليسا بدم، بل ماء صديد الجرح، ماؤه الرَّقيق المختلط بالدَّم قبل أن تغلظ المدَّة. قاله الجوهريُّ. من خطِّ الشَّيخ موسى الحجاوي نفعنا الله به. عثمان.
[ ٢٤٥ ]
ذلك بعدَ تِسعِ سِنينَ فأكثرَ تَجلس بمجرَّدِ ما تَراه (^١) أَقلَّه (^٢)، ثمَّ تَغتسل وتُصلِّي، فإذا انقطَع ولم يُجاوِز أكثرَه؛ اغْتَسلَت أيضًا، تَفعله ثلاثًا، فإن لم يَختلف؛ صارَ عادةً تَنتقل إليه، وتُعيد صَومَ فَرضٍ ونحوه فيه (^٣).
(وَإِنِ اسْتُحِيضَتْ مَنْ) أي: امرأةٌ (لَهَا عَادَةٌ) مستقِرَّةٌ، واستِحاضتُها (بِأَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الحَيْضِ)، وهو خمسةَ عشرَ كما تَقدَّم؛ (جَلَسَتْهَا) أي: عادَتَها، ولو كان لها تَمييزٌ صالحٌ؛ لعمومِ قولِه ﷺ لأمِّ حَبيبةَ إذْ سألَتْه (^٤) عن الدَّمِ: «امْكُثِي قَدْرَ ما كانت تَحبِسُك حَيضتُكِ، ثمَّ اغْتَسلي وصَلِّي» رَواه مسلمٌ (^٥)، ولأنَّ العادةَ أَقوى؛ لكَونِها لا تَبطل دَلالتُها، بخلافِ نحوِ اللَّونِ إذا زادَ على أكثرِ الحيضِ بطَلَت دَلالتُه (^٦).
ولا فرقَ بينَ أن تَكون العادةُ متَّفِقةً (^٧) أو مختلِفةً (^٨)، لكن إنَّما تَجلس
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (تجلس بمجرَّد ما تراه) أي: تدع نحو صلاة وصوم وطواف وقراءة. ا هـ. وكتب أيضًا: قوله: (بمجرَّد ما تراه) أي: ما ذكر من دم أو صفرة أو كدرة؛ لأنَّ الحيض جبلَّة، والأصل عدم الفساد، فإن انقطع قبل بلوغ أقل الحيض؛ لم يجب له غسل؛ لأنَّه لا يصلح حيضًا. اه.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (أقله): منصوب على الظرفية أي: أقل مدة الحيض. انتهى.
(٣) كتب على هامش (س): (صوم فرض) أي: أصْلِيٍّ كرمضان، وقوله: (ونحوه): كنذر. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): قوله: (وتعيد صوم فرض ونحوه فيه) كرمضان وقضائه ونذر. وقوله: (أو نحوه) كطواف واعتكاف واجبين. وقوله: (فيه) أي: لأنَّا تبيَّنَّا فساده لكونه في الحيض. اه «شرح منتهى».
(٤) في (س): سألت.
(٥) أخرجه مسلم (٣٣٤).
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (بطلت دلالته) والدَّلالة مثلَّثة الدَّال، والفتح أفصح. ح ق.
(٧) كتب على هامش (ب): بأن يأتي الحيض في كلِّ شهرٍ مثلًا ثلاثة أيَّام فقط.
(٨) كتب على هامش (ب): بأن تأتي بأوَّل شهر ثلاثة أيَّام، والثَّاني أربعة أيَّام، والثَّالث خمسة أيَّام، ثمَّ يرجع الأوَّل.
[ ٢٤٦ ]
المُستحاضةُ عادَتَها (إِنْ عَلِمَتْهَا)، بأن تَعرف شَهرَها (^١)، وهو ما يَجتمع لها فيه حَيضٌ وطُهرٌ صَحيحان، وأقلُّه أربعةَ عشرَ يومًا، وتَعرف وقتَ حَيضِها منه ووقتَ طُهرِها، وعددَ أيَّامِها.
فإن لم تَعلم عادَتَها؛ بأن جَهِلَت شيئًا ممَّا ذُكر؛ عَمِلَت (^٢) بتَمييزٍ صالحٍ، بأن يَكون بعضُ دَمِها أسودَ أو ثَخينًا أو مُنتِنًا، ولم يَنقص عن أقلِّه، ولم يُجاوِز أكثرَه، فتَجلسه وتَترك ما عَداه.
(وَصُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ) أي: شيءٌ كالصديدِ يَعلوه صُفرةٌ وكُدرةٌ (^٣)، (زَمَنَ عَادَةٍ) أي: في أيَّامِ عادةِ حَيضِها: (حَيْضٌ) تَجلسه؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وهو يَتناولُهما، ولأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَبعَثن إلى عائشةَ بالدّرَجَةِ (^٤) فيها الصُّفرةُ والكُدرةُ، فتَقول: «لا تَعْجَلنَ حتَّى ترَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ» (^٥)، تُريد بذلك الطُّهرَ مِنْ الحيضِ.
قال في «المصباح» ما مَعناه: والقَصَّةُ بفتحِ القافِ في الأصل (^٦):
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (بأن تعرف شهرها) أي: الزمن الذي يجتمع لها فيه حيض وطهر، فإطلاق الشهر على هذا اصطلاحي. انتهى تقرير.
(٢) كتب فوقها في (ب): أي: وجوبًا. م ص.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (صفرة وكدرة): راجع لهما في المتن على اللف والنشر المرتب. انتهى تقرير.
(٤) كتب على هامش (ع): قوله: (بالدرجة) قال في القاموس: الدرجة بالضم، شيء يدرج فيدخل في حياء الناقة، إلى قوله: وخرقة يوضع فيها دواء فيدخل في حياها إذا اشتكت منه، الجمع كصرد، وفي الحديث: «يبعثن بالدرجة» شبهوا الخرق تحتشي بها الحائض محشوة بالكرسف بدرجة الناقة، وروي: بالدِّرَجة، كعنبة. [العلامة السفاريني].
(٥) أخرجه مالك (١/ ٥٩)، وعبد الرزاق (١١٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (٨١٤)، والبيهقي في الكبرى (١٥٨٩)، وعلقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ٧١)، وصححه النووي والألباني. ينظر: الخلاصة ١/ ٢٣٣، الإرواء ١/ ٢١٩.
(٦) قوله: (في الأصل) سقط من (أ).
[ ٢٤٧ ]
الجِصُّ، وجاء هذا على التَّشبيهِ، قال أبو عُبيدٍ (^١): معناه أن تَخرج القُطنةُ أو الخِرقةُ التي تَحتَشي بها المرأةُ كأنها قَصَّةٌ لا تُخالطُها صُفرةٌ. انتهى (^٢).
وفي «الكافي» (^٣): قال مالكٌ وأحمدُ: هي ماءٌ أبيضُ يَتبع الحَيضةَ (^٤).
وعُلِم مِنْ قولِه: «زَمَنَ عَادَةٍ» أنَّها لو رأَت صُفرةً أو كُدرةً في غيرِ زمنِ العادةِ؛ لم يَكُنْ حَيضًا ولو تَكرَّر، فلا تَجلِسُه.
(وَمَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ)؛ كمُستَحاضةٍ، ومَن به سَلَسُ بولٍ، أو مَذْيٍ، أو رِيحٍ، أو جُرحٌ لا يَرقأُ دَمُه، أو رُعافٌ دائمٌ، (يَغْسِلُ) وجوبًا (مَحَلَّهُ) أي: محلَّ الحدثِ الملوَّثِ به؛ لإزالةِ ما عليه مِنْ النَّجاسةِ، ويَحشِي المحلَّ بنحوِ قُطنةٍ طاهرةٍ.
(وَيَشُدُّهُ (^٥» أي: المحلَّ، أي: يَعصِبه بطاهرٍ يَمنع النَّجاسةَ حسَبَ الإمكانِ إن لم يمتنع بالحَشوِ (^٦).
فإن كَثُر دَمُ المُستَحاضةِ؛ اسْتَثْفَرَت بخِرقةٍ (^٧) عريضةٍ مَشقوقةِ الطَّرَفَين، تَتلجَّم بها، وتُوثِق طَرفَيها (^٨) في شيءٍ آخَرَ قد شَدَّته على وَسَطِها، فإن غلَب وقطَر
_________________
(١) هو القاسم بن سلَّام بن عبد الله الهروي، من كبار العلماء في الحديث والفقه، من مصنفاته: غريب الحديث، فضائل القرآن، أدب القاضي، الناسخ والمنسوخ، توفي سنة ٢٢٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦٦٠، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥.
(٢) ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٠٥، غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ٢٧٨.
(٣) ينظر: الكافي ١/ ١٤٣.
(٤) ينظر: النوادر والزيادات ١/ ١٢٨، مسائل حرب ١/ ٥٨٥.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (ويشده) قال المصنِّف في «شرح المنتهى»: فإن لم يمكن شدَّه؛ كباسور وناصور وجرح لا يمكن شدُّه؛ صلَّى على حسب حاله. ا هـ.
(٦) في (أ): الحشو.
(٧) قوله: (بخرقة) سقط من (د). وكتب على هامش (س): قوله: (استثفرت) بالثاء المثلثة، انتهى.
(٨) في (د) و(ك) و(ع): طرفها.
[ ٢٤٨ ]
بعدَ ذلك؛ لم تَبطل طهارتُها.
(وَيَتَوَضَّأُ) مَنْ حدثُه دائمٌ (لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) إن خرَج شيءٌ؛ لقولِه ﵊ لفاطمةَ بنتِ أَبي حُبَيْشٍ: «وتَوضَّئِي لِكُلِّ صلاةٍ حتَّى يَجِيءَ ذلكَ الوقتُ» رَواه أحمدُ (^١).
وتَتعيَّن نيَّةُ الاستِباحةِ لدائمِ الحدثِ (^٢) ولو قُلنا إنَّ طهارتَه تَرفع الحدثَ.
وظاهرُ ما تَقدَّم: أنَّه لا تَبطل الطَّهارةُ بخروجِ الوقتِ؛ كما لو تَوضَّأ قبلَ طلوعِ الشمسِ، فلا تَبطل طهارتُه إذا طلَعَت، قال المجدُ (^٣) وغيرُه: وهو أَولى، وجزَم به ناظمُ «المفرَداتِ» فقال (^٤):
وبدخولِ الوقتِ طُهرٌ يَبطلُ … لِمَنْ بها استحاضةٌ قد نَقلُوا
لا بالخروجِ منه لو تطهَّرَتْ … للفجرِ لم يَبطل بشمسٍ ظَهرَتْ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٤١٤٥)، وأبو داود (٢٩٨)، والترمذي (١٢٥)، وفي البخاري (٢٢٨)، من قول عروة: «ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت»، وأشار مسلم إلى أن هذه الزيادة وهي الأمر بالوضوء لكل صلاة معلولة، وكذا رجح البيهقي وابن رجب بأنها غير محفوظة وهي مدرجة من قول عروة، ورجح ثبوتها ابن حجر والألباني. ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (١٦٢٤، ١٦٢٣)، فتح الباري لابن رجب ٢/ ٧١ - ٧٢، فتح الباري لابن حجر ١/ ٣٣٢، ٤٠٩، صحيح أبي داود ٢/ ٥١.
(٢) قوله: (لدائم الحدث) سقط من (أ) و(س).
(٣) هو عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن عبد الله الخضر، ابن تيمية الحراني، مجد الدين، أبو البركات، تفقه على الفخر ابن المني والحلاوي وغيرهما، من مصنفاته: المحرر، وشرح الهداية، توفي سنة ٦٥٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٩١، ذيل الطبقات ٤/ ١.
(٤) ينظر: المنح الشافيات في شرح نظم المفردات ١/ ١٩٨. وناظم المفردات: هو محمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد، المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي، عز الدين، خطيب الجامع المظفري، من مصنفاته: النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد، مات سنة ٨٢٠ هـ. ينظر: المقصد الأرشد ٢/ ٤٧٩.
[ ٢٤٩ ]
وقال أبو يَعلَى (^١): تَبطل بكلِّ واحدٍ منهما. أي: بخروجِ الوقتِ ودخولِه، وجزَم به في «الإقناع» (^٢).
ولا تَلزم إعادةُ غَسلٍ وعَصْبٍ لكلِّ صلاةٍ إن لم يُفرِّط.
فإن لم يَخرج شيءٌ أصلًا؛ لم يَلزم أن يتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ.
ويُصلِّي دائمُ الحدثِ عَقِب طُهْرِهِ (^٣) ندبًا.
(وَلَا تُوطَأُ مُسْتَحَاضَةٌ)، بل يَحرُم، (إِلَّا لِخَوْفِ عَنَتٍ) أي: زِنًى منه أو منها؛ لقولِ عائشةَ: «المُستَحاضَةُ لا يَغشاها زوجُها» (^٤).
فإن خافَ العَنتَ أَحدُهما؛ أُبيح وَطؤُها، ولو لواجدِ الطَّولِ (^٥).
وكذا إن كان به شَبَقٌ شديدٌ؛ لأنَّه أخفُّ مِنْ الحيضِ، ومدَّتُه تَطول، بخلافِ الحيضِ، ولأنَّ وطءَ الحائضِ يَتعدَّى إلى الولدِ، فيَكون مجذومًا.
وحيثُ حَرُم وطءُ مُستَحاضةٍ؛ فلا كفَّارةَ فيه.
(وَيُسْتَحَبُّ غُسْلُهَا) أي: المُستَحاضةِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لأنَّ «أمَّ حَبيبةَ
_________________
(١) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، القاضي أبو يعلى، فقيه الحنابلة، تفقه على الحسن بن حامد وغيره، من مصنفاته: شرح المذهب، والتعليقة وتسمى أحيانًا بالخلاف أو الخلاف الكبير، والأحكام السلطانية، وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣.
(٢) ينظر: الإقناع ١/ ٧١.
(٣) في (أ) و(س): طهارته، وفي (ك): طهارة.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٩٦٠)، والدارقطني (٨٥١)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٣)، وإسناده صحيح.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (ولو لواجد الطَّول)، قال م ص في «شرح المنتهى»: خلافًا لابن عقيل، يعني: فإنَّ ابن عقيل لا يبيح وطأها إلَّا لعادم الطَّول. ا هـ.
[ ٢٥٠ ]
استُحِيضَت، فسألَتِ النبيَّ ﷺ عن ذلك، فأَمرَها أن تَغتسل عندَ كلِّ صلاةٍ» متَّفق عليه (^١).
(وَأَكْثَرُ) مدَّةِ (النِّفَاسِ)، وهو دَمٌ تُرخِيه الرَّحِمُ مع وِلادةٍ، وقَبلَها بيَومَين أو ثلاثةٍ، مع أَمارةٍ على الولادةِ؛ كتألُّمٍ، وهو بقيَّةُ الدَّمِ المُحتبِسِ في مدَّةِ الحَملِ لأجلِه (^٢)، وهو بِكسْرِ النُّونِ في الأصلِ، مصدرُ (^٣) نفِستِ المرأةُ، بضمِّ النُّونِ وفتحِها مع كسرِ الفاءِ فيهما، وسمِّيت الولادةُ نفاسًا مِنَ التَّنفُّسِ، وهو التَّشقُّقُ والانصداعُ، يقال: تنفَّستِ القوسُ إذا تشقَّقت، ثمَّ سمِّي الدَّمُ الخارجُ نفسه نفاسًا؛ لكونه خارجًا بسبب الولادة، تسميةً للمسبَّب باسم السَّبب. قاله في «المطلع» (^٤).
(أَرْبَعُونَ يَومًا) مِنْ ابتِداءِ خروجِ بعضِ الولدِ، (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) أي: النِّفاسِ؛ لأنَّه لم يَرِد تَحديدُه، فرُجِع فيه إلى الوجودِ.
ويَثبت حُكمُ النِّفاسِ بوضعِ ما يَتبيَّنُ (^٥) فيه خَلقُ إنسانٍ (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤).
(٢) كتب فوقها في (ب): أي الحمل.
(٣) قوله: (مصدر) سقط من (ب) و(د).
(٤) ينظر: المطلع ص ٥٨. قوله: (وهو بكسر النُّون في الأصل، مصدر نفست المرأة) إلى هنا هو في (أ): (وأصله لغةً: من التنفُّس، وهو الخروج من الجوف، أو من: نفَّس الله كُربته أي: فرَّجها). وعبارة (أ) ضرب عليها في (س) وصححت كما في الأصل.
(٥) في (س): تبيَّن.
(٦) كتب على هامش (ب) و(ع): ولو خفيفًا؛ لأنَّه ولادة، لا علقة أو مضغة لا تخطيط فيها، وأقلّ ما يتبيَّن فيه خلق: أحد وثمانون يومًا، ويأتي، وغالبه كما قال المجد وابن تميم وابن حمدان وغيرهم: ثلاثة أشهر. ا هـ «شرح منتهى». زاد في (ع): وأما زمن نفخ الروح فأقله مائة وعشرون يومًا كما هو مشهور.
[ ٢٥١ ]
(فَإِنْ طَهَرَتِ) النَّفَساءُ بأن انقَطَع دَمُها (فِيهَا) أي: في الأربعينَ؛ (تَطَهَّرَتْ) وجوبًا، أي: اغتَسلَت وتَوضَّأَت، أو تَيمَّمَت، (وَصَلَّتْ) وصامَت، كسائرِ الطَّاهراتِ (^١).
(وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا) زمنَ الطُّهرِ (فِيهَا) أي: في الأربعينَ بعدَ الغُسلِ، قال أحمدُ: ما يُعجبني أن يأتيَها زوجُها، على حديثِ (^٢) عثمانَ بنِ أَبي العاصِ: «أنَّها أَتَته قبلَ الأربعينَ، فقال: لا تَقرَبِيني» (^٣)، ولأنَّه لا يَأمن عَودَ الدَّمِ زمنَ (^٤) الوطءِ.
(فَإِنْ عَادَ الدَّمُ) بعدَ انقطاعِه (فِيهَا) أي: في الأربعينَ؛ (فَ) ذلك الدَّمُ العائدُ (مَشْكُوكٌ فِيهِ) أي: في كَونِه نِفاسًا أو فسادًا؛ لتَعارُضِ الأَمارتَين فيه؛ كما لو لم تَرَه مع الولادةِ، ثمَّ رأَتْه في الأربعينَ، (فَتَصُومُ وَتُصَلِّي) معه؛ لأنَّ سببَ الوجوبِ (^٥) مُتيقَّنٌ، وسُقوطُه بهذا الدَّمِ مَشكوكٌ فيه، (وَتَقْضِي الصَّوْمَ المَفْرُوضَ) ونحوَه (^٦) ممَّا فَعلَته مع الدَّمِ العائدِ احتياطًا؛ لأنَّها تَيقَّنَت شَغلَ ذِمَّتِها به، فلا تَبرأُ إلّا بيَقينٍ، ولا تُوطأ (^٧) في هذا الدَّمِ.
_________________
(١) في (س): الطهارات.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (على حديث): معمول لمحذوف، أي: اعتمادًا على. انتهى تقرير المؤلف.
(٣) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٣٤. وأثر عثمان بن أبي العاص ﵁: أخرجه عبد الرزاق (١٢٠١)، وابن أبي شيبة (١٧٤٥٠)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٨)، والدارقطني (٨٥٣)، والبيهقي في الكبرى (١٦١١)، عن الحسن عنه، قال ابن حجر: (والحسن عن عثمان بن أبي العاص منقطع)، وقد صرح الحسن بعدم سماعه ذلك من عثمان عند عبد الرزاق (١٢٠٢). ينظر: التلخيص ١/ ٤٤١، الإرواء ١/ ٢٢٦.
(٤) في (د): بعد.
(٥) في (ب): الوجود.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (ونحوه) أي: كالنذر. انتهى تقرير المؤلف.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (ولا توطأ) أي: في الدَّم العائد في الأربعين، والظَّاهر وجوب الكفَّارة، وقياسًا على وجوب قضاء نحو الصَّوم. ع ن. ا هـ.
[ ٢٥٢ ]
(وَهُوَ) أي: النِّفاسُ (كَحَيْضٍ فِيمَا تَقَدَّمَ) ممَّا يَحرُم كصلاةٍ، وصومٍ، ووَطءٍ في فَرجٍ، ويَجب كغسلٍ وكفَّارةٍ بوطءٍ فيه، ويَسقط كقضاءِ صلاةٍ، ويحلُّ كاستمتاعٍ بما دونَ فَرجٍ.
إلّا في اعتِدادٍ (^١)، وكَونِه لا يُوجِب بلوغًا، ولا يُحتَسب به في مدَّةِ إيلاءٍ (^٢).
وإن وَلدَت تَوأمَين؛ فأوَّلُ نِفاسٍ وآخرُه مِنْ الأوَّلِ، فلَو كان بينَهما أربعونَ يومًا (^٣)؛ فلا نِفاسَ للثَّاني (^٤).
ومَن صارَت نُفَساءَ بتَعدِّيها بضربِ بَطنِها، أو شربِ دواءٍ؛ لم تَقضِ (^٥).
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (إلا في اعتداد) أي: في حسبان العدة، وهو مستثنى من قول المتن: (كحيض). انتهى.
(٢) كتب على هامش (ع) حاشية: قوله: (ولا يحتسب …) إلخ، أي: لا يحتسب النفاس في مدة الإيلاء، بخلاف الحيض فيحسب من مدة الإيلاء، والفرق: أن النفاس تطول مدته بخلاف الحيض، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٣) قوله: (يومًا) سقط من (أ) و(س).
(٤) كتب على هامش (ع): أي: بل هو دم فساد.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (لم تقض) أي: لم تقض الصَّلاة زمن نفاسها، كما لو كان التَّعدي من غيرها؛ لأنَّ وجود الدَّم ليس معصية من جهتها، ولا يمكنها قطعه، بخلاف سفر المعصية يمكن قطعه بالتَّوبة، وأمَّا السُّكر فجعل شرعًا كمعصية مستدامة يُفعل شيئًا فشيئًا بدليل جريان الإثم والتَّكليف، والشَّراب أيضًا يسكر غالبًا، فأضيف إليه؛ كالقتل بجرح معه خروج الرُّوح فأضيف إليه. ا هـ «شرح منتهى».
[ ٢٥٣ ]