أي: ما يُوجِبه، أو يُسنُّ له، وصِفَتِه، وغيرِ ذلك.
وهو بالضَّمِّ: بمَعنى الاغتسالِ، كما قال ابنُ مالكٍ، ويَكون بمَعنى الماءِ الذي يُغتسل به (^١).
وقال الجوهريُّ: غَسلتُ الشيءَ غَسلًا بالفتح، والاسمُ الغُسلُ بالضَّمِّ، وبالكسرِ: ما يُغسل به الرَّأسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وغيرِه. انتهى (^٢).
وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ في جميعِ بَدنِه على وجهٍ مَخصوصٍ.
والأصلُ فيه قولُه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
يُقال: رَجلٌ ورَجُلان ورِجالٌ جُنُبٌ، وقد يُقال: جُنُبان وجُنُبُون. قاله الجوهريُّ (^٣)، وفي «صحيحِ مسلمٍ»: «ونحن جُنُبان» (^٤)، سُمِّي به؛ لأنَّه نُهِي أن يَقرَب مواضعَ الصَّلاةِ، أو لمُجانبتِه (^٥) النَّاسَ حتى يَتطهَّر، أو لأنَّ الماءَ جانبَ أي: باعدَ مَحلَّه.
(يُوجِبُهُ) أي: الغُسلَ، يَعني: أنَّ الحدثَ الذي هو سببُ وجوبِ الغُسلِ
_________________
(١) ينظر: إكمال الإعلام بتثليث الكلام ٢/ ٤٦٧.
(٢) ينظر: الصحاح ٥/ ١٨٧١. والجوهري هو: إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر، من أئمة اللغة، توفي سنة ٣٩٣ هـ، من أشهر مصنفاته: الصحاح، وله كتاب في العروض. ينظر: معجم الأدباء ٢/ ٦٥٦، الأعلام ١/ ٣١٢.
(٣) ينظر: الصحاح ١/ ١٠٣، وفيه: (وربما قالوا في جمعه: أجناب وجنبون)، ولم يذكر جنبان.
(٤) أخرجه مسلم (٣٢١)، من حديث عائشة ﵂.
(٥) في (أ) و(س): لمجانبة.
[ ١٧٧ ]
باعتبارِ أنواعِه: ستَّةُ أشياءَ، أيُّها وُجِد وجَب الغُسلُ.
أَحدُها: ما أشارَ إليه بقولِه: (خُرُوجُ مَنِيٍّ (^١»، بتشديدِ الياءِ، على وزنِ «غَنِيٍّ»: وهو ماءٌ غليظٌ دافقٌ، يَخرج عند اشتدادِ الشَّهوةِ، ومَنِيُّ المرأةِ أصفرُ رَقيقٌ.
ولا بدَّ أن يَكون دَفْقًا (بِلَذَّةٍ)؛ لقولِ عليٍّ: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا فَضَخْتَ (^٢) الماءَ فاغْتَسِلْ، وإن لم تَكُنْ فاضِخًا فلا تَغْتَسلْ» رَواه أحمدُ (^٣)، والفَضْخُ: خروجُه بالغلبةِ. قاله إبراهيمُ الحربيُّ (^٤).
فلَو خرَج بلا لذَّةٍ مِنْ غيرِ نائمٍ ونحوِه؛ كمجنونٍ، ومُغمًى عليه، وسكرانَ؛ لم يُوجِب غُسلًا، فيَكون نجسًا، وليس منِيًّا، كما في «الرِّعاية».
ولا بدَّ أن يَخرج المنيُّ مِنْ مَخرجِه أيضًا، فلَو انكسرَ صُلبُه فخرَج مِنه مَنيٌّ؛ لم يَجب بِه (^٥) غُسلٌ، بَلْ حُكمُه (^٦) كنجاسةٍ معتادةٍ.
(وَ) يُوجِبه خروجُ المنيِّ (^٧) (مِنْ نَائِمٍ) ونحوِه (مُطْلَقًا) أي: بلذَّةٍ أو لا؛ لتعذُّرِها إذَنْ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (منيٍّ) سمِّي منيًّا؛ لأنَّه يُمنَى، أي: يُراق. ا هـ. م خ. كتب على هامش (ع): قوله: (خروج مني …) إلخ، هذا مبني على عدم وجود اللذة، وإلا فقد وجب الغسل في الانتقال. [العلامة السفاريني].
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (إذا فضخت) هو بالخاء المعجمة، كما في «النِّهاية».
(٣) أخرجه أحمد (٨٦٨)، وأبو داود (٢٠٦)، وابن خزيمة (٢٠)، وابن حبان (١١٠٧)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والألباني. ينظر: صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٧٢.
(٤) ينظر: شرح الزركشي ١/ ٢٧٣.
(٥) في (أ): فخرج منيُّه؛ لم يجب. وفي (د) و(ك) و(ع): فخرج منه لم يجب به غسل.
(٦) في (أ) و(س): وحكمه.
(٧) كتب على هامش (ع): المني يخلق منه الحيوان بخروجه من جميع البدن، وينقص به جزء منه، ولهذا يضعف بكثرته، فجبر بالغسل. ق ن ع.
[ ١٧٨ ]
فلَو انتبَه بالغٌ أو مَنْ يُمكن بُلوغُه؛ كابنِ عَشرٍ وبنتِ تِسعٍ، ووجَد بَللًا ببَدنِه أو ثَوبِه، وجَهِل كَونَه مَنيًّا، بلا سببٍ تَقدَّم نومَه؛ مِنْ بَردٍ، أو نَظرٍ، أو فِكرٍ، أو مُلاعَبةٍ، أو انتشارٍ؛ وجَب الغُسلُ؛ كتيقُّنِه مَنيًّا، ووجَب أيضًا غَسلُ ما أَصابَه (^١) مِنْ بَدنٍ وثوبٍ (^٢).
فإن تَقدَّمه (^٣) سببٌ؛ لم يَجب الغُسلُ؛ لعدمِ تيقُّنِ الحدثِ.
قال المصنِّفُ: قلتُ: والظَّاهرُ وجوبُ غَسلِ ما أصابَه مِنْ بَدنٍ وثوبٍ (^٤)؛ لرُجحانِ كَونِه مَذيًا بقِيامِ سَببِه؛ إقامةً للظَّنِّ مقامَ اليقينِ. انتهى (^٥).
وأمَّا لو تَيقَّن البللَ مَذيًا؛ فنجاسةٌ لا غيرُ.
وإن وجَد مَنيًّا في ثوبٍ لا يَنام فيه غيرُه (^٦)
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (وغسل ما أصابه) أي: مع الغسل، قال شيخنا: وإذا أدرج [الوضوء في هذا الغسل] لا يسقط التَّرتيب ولا الموالاة؛ لأنَّه ليس واجبًا تحقيقًا، وتقدَّم التَّنبيه عليه. م خ.
(٢) كتب على هامش (ع): وإن رأى في نومه أنه احتلم، فانتبه ولم يجد بللًا؛ فلا غسل عليه، فإن خرج بعدما انتبه؛ لزمه الغسل، نص عليه، لكن إن وجد شهوة عند خروجه؛ لزمه الغسل في الحال، وإن لم يجد تبيَّنا وجوبه من حين الاحتلام؛ لأنه يجب بالانتقال، فيلزمه أنه يعيد ما صلى بعد الانتباه وقبل الخروج؛ لأنه كان جنبًا ولم يعلم، قاله المجد في «شرحه». ح م ص.
(٣) في (ك) و(ع): تقدم نومه.
(٤) كتب على هامش (ع): قوله: (والظاهر) فيه وجوب الغسل للبدن والثوب في هذه الصورة، أولى من التي قبلها كما لا يخفى، فلا ينبغي التوقف في إيجاب الغسل لما أصابه، إذ إيجاب الغسل مع [تقدم] السبب يقتضي إيجابه به بالأولى والأحرى، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٥) ينظر: كشاف القناع ١/ ٣٢٥.
(٦) كتب على هامش (ع): قوله: (لا ينام فيه) ظاهره: قيد، فيفهم منه: أنه لو كان يلبسه الغير ولا ينام فيه؛ لم يسقط وجوب الغسل عن الواجد والحالة هذه مع تطرق احتمال كونه من الغير، والظاهر أنه إنما يجب الغسل مع انتفاء الاحتمال بنوم أو غيره، إذ الأصل عدم وجوب الغسل، فلا انتقال عن هذا الأصل إلا بيقين وهو مع تطرق الاحتمال مفقود، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ١٧٩ ]
قال أبو المَعالي (^١) والأَزَجيُّ: لا بظاهرِه (^٢)؛ لجوازِ كَونِه (^٣) مِنْ غيرِه. قال في «الإنصاف»: (وهو صحيحٌ، وهو مرادُ الأصحابِ فيما يَظهر) (^٤)؛ فعلَيه (^٥) الغُسلُ، وإعادةُ المتيقَّنِ مِنْ الصَّلاةِ.
وإن كان يَنام هو وغيرُه فيه، وكان الغيرُ مِنْ أهلِ الاحتلامِ؛ فلا غُسلَ عليهما، بل على واحدٍ لا بعينِه (^٦).
ولا غُسلَ بحُلمٍ بلا بَللٍ، فإن انتبَه، ثمَّ خرَج بلا لذَّةٍ؛ وجَب مِنْ حينِ الاحتلامِ، وبها (^٧)؛ فمِن خروجِه.
(وَإِنْ انْتَقَلَ) المَنيُّ مِنْ رَجلٍ أو امرأةٍ، (وَلَمْ يَخْرُجْ)؛ بأن أحسَّ به فحَبَسه، أو انحَبَس بنَفسِه؛ (اغْتَسَلَ) وجوبًا (^٨) (لَهُ) أي: للانتقالِ؛ لأنَّ أصلَ الجَنابةِ: البُعدُ، ومع الانتقالِ قد باعدَ الماءُ مَحلَّه.
_________________
(١) هو أسعد، ويسمى محمد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخي الدمشقي، القاضي وجيه الدين أبو المعالي، أخذ الفقه عن الشيخ عبد القادر الجيلي، وعن عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج، من مصنفاته: الخلاصة في الفقه، والنهاية في شرح الهداية، توفي سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: ذيل الطبقات ٣/ ٩٨.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (لا بظاهره) أي: لا بظاهر الثوب، بل بباطنه؛ إذ ما بظاهر الثوب ليس منيًّا له. انتهى تقرير المؤلف.
(٣) قوله: (لجواز كونه): هو في (س): لجوازه من غيره.
(٤) ينظر: الإنصاف ٢/ ٨٢.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (فعليه): هو جواب الشرط الذي هو (إن). انتهى تقرير المؤلف.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (بل على واحد)، أي: على واحد مبهمًا، لكن لا يجب على واحد منهما الغسل، وفائدته: أن كل واحد يعامل الآخر معاملة المحدث؛ كأنْ لا يأتمَّ به. انتهى تقرير المؤلف.
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (وبها) أي: اللذة. انتهى تقرير المؤلف.
(٨) كتب على هامش (ح): وعن أحمد: لا يجب الغسل بالانتقال، وهو قول أكثر الفقهاء، اختاره الموفق والشارح وجماعة. ا هـ من خطه.
[ ١٨٠ ]
ويَثبت بانتقالِ مَنيٍّ ومِثلُه حَيضٌ (^١) حُكْمُ بلوغٍ (^٢)، مِنْ وجوبِ نحوِ صلاةٍ، وحُكمُ فِطرٍ مِنْ صومٍ بنحوِ قُبلةٍ، وغيرُهما؛ كوجوبِ بَدنةٍ في الحجِّ حيثُ وجَبَت لخروجِ مَنيٍّ.
وفي «شرحِ المنتهى»: (كفسادِ نُسكٍ) (^٣)، وهو كما قال المصنِّفُ مبنيٌّ على القولِ بفسادِ النُّسكِ بخروجِ المنيِّ (^٤) بالمباشَرةِ.
(وَلَا يُعَادُ) الغُسلُ (بِخُرُوجِهِ) أي: المَنيِّ (بَعْدُ)، بالبناءِ على الضمِّ؛ لحذفِ المضافِ إليه ونيَّةِ مَعناه، أي: بعدَ الاغتِسالِ مِنْ الانتِقالِ، وكذا لو خرَج المَنيُّ بعدَ غُسلِه مِنْ جماعٍ لم يُنزِل فيه، أو خرَجَت بقيَّةُ مَنيٍّ اغتسلَ له؛ لِما روَى سعيدٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه سُئِل عن الجُنبِ يَخرج منه الشَّيءُ بعدَ الغُسلِ، قال: «يَتوضَّأ» (^٥)، وكذا ذكَرَه الإمامُ أحمدُ عن عليٍّ (^٦).
لكن يُشترط في الصُّوَرِ الثلاثِ: أن يَكون ما خرَج (بِلَا لَذَّةٍ)، فلَو خرَج بلذَّةٍ؛ اغتسلَ؛ لأنَّه مَنيٌّ جديدٌ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (ومثله حيض) أي: ومثل انتقال منيٍّ انتقالُ حيضٍ، قاله الشَّيخ تقي الدِّين، فيثبت بانتقاله ما يثبت بخروجه، فإذا أحسَّت بانتقال حيضها قبيل الغروب وهي صائمة؛ أفطرت ولو لم يخرج الدَّم إلَّا بعده. انتهى «شرح منتهى».
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (حكم): هو فاعل يثبت. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): قوله: (حكم بلوغ): (حكم): فاعل (يثبت)، وقوله: (ومثله حيض): جملة معترضة بين الفعل وفاعله. ا هـ.
(٣) ينظر: شرح المنتهى ١/ ٣٢٥.
(٤) قوله: (بخروج المني) هو في (أ) و(س): بخروجه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨٣)، وابن المنذر في الأوسط (٦٣٧)، وإسناده صحيح.
(٦) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٢٣٣. وأثر علي ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨٢)، وابن المنذر في الأوسط (٦٣٨)، عن علي ﵁ في الجنب يخرج من ذكره المني بعد الغسل قال: «يعيد الوضوء»، وفيه الحارث الأعور وشريك النخعي وهما ضعيفان.
[ ١٨١ ]
الثَّاني مِنْ مُوجِباتِ الغُسلِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَتَغْيِيبُ)، بالرَّفع عطفًا على قولِه: «خروجُ منيٍّ»، أي: ويُوجِب الغُسلَ أيضًا: تَغِييبُ (حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ (^١» أو قَدْرِها إن فُقِدَت (^٢)، بلا حائلٍ، (فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «إذا جلَس بينَ شُعَبِها (^٣) الأربعِ، ثُمَّ جَهَدَها؛ فقد وجَب الغُسلُ» متَّفق عليه، زادَ أحمدُ ومسلمٌ: «وإنْ لم يُنزِلْ» (^٤)، وفي حديثِ عائشةَ قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إذا قعَد بينَ شُعَبِها الأربعِ، ومسَّ الخِتانُ الخِتانَ؛ فقد وجَب الغُسلُ» رَواه مسلمٌ (^٥)، والمرادُ مِنْ الْتِقائِهما: تَقابُلُهما وتَحاذِيهما، وذلك لا يَحصل إلّا بالتَّغيِيب، كما ذكَرَه المصنِّفُ (^٦).
وما رُوي عن عثمانَ (^٧) وغيرِه مِنْ قولِه ﵇: «الماءُ مِنْ الماءِ» (^٨)؛ فمَنسوخٌ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (حشفة أصليَّة) أي: المعتادة، بخلاف ما إذا كانت فاحشة جدًّا؛ بأن يكون غالب ذكره حشفة، فالأظهر اعتبار المعتادة. ا هـ. م س.
(٢) كتب على هامش (ب) و(ع): قوله: (إن فقدت) لعلَّ ذلك ليس بقيد؛ لإمكان أن يجعل على الحشفة حائلًا، ثمَّ يدخل ذكره، فيكون بعد الحشفة التي عليها من الذَّكر قدر الحشفة المعتادة. اه. م س. وكتب على هامش (ع): فائدة: إذا احتلم الإنسان ثم جامع وجاء ولده مجنونًا أو مختل العقل، فلا يلومنَّ إلا نفسه، قاله في «الهداية». والله أعلم.
(٣) كتب على هامش (س): الشعب، قيل: هي اليدان والرجلان، والأَوْلى حملها على جهات الفرج الأربع، انتهى تقرير المؤلف.
(٤) أخرجه أحمد (٧١٩٨)، والبخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨). كتب على هامش (ب): تنبيه: لو قطع ذكره ثم أعيد بحرارة الدَّم، فهل يثبت له حكم المتَّصل في وجوب الغسل، ونقض الوضوء بلمسه، وإجزاء الحَجر، وغير ذلك؟ الظَّاهر نعم؛ لإطلاقهم، والله أعلم. ح ق ع.
(٥) أخرجه مسلم (٣٤٩).
(٦) ينظر: شرح المنتهى ١/ ٨٠.
(٧) أخرج البخاري (١٧٩)، ومسلم (٣٤٧).
(٨) أخرجه مسلم (٣٤٣)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وهو في البخاري (١٨٠) بلفظ: «إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء».
[ ١٨٢ ]
(وَلَوْ) كان ما غُيِّب فيه (دُبُرًا أَوْ) فَرجًا (مِنْ بَهِيمَةٍ)، حتَّى سمكةٍ وطيرٍ، حيٍّ (أَوْ مَيتٍ)، ولو كان ذُو الحَشَفةِ مجنونًا، أو مُغمًى عليه، أو نائمًا، بأن أَدخَلَتْ حَشَفةَ أَحدِ مَنْ ذُكِر في فَرجِها؛ فإنَّه يَجب الغُسلُ عليهما؛ للعمومِ.
ولو استَدخَلَتْ حَشَفةَ مَيتٍ أو بَهيمةٍ؛ فعَلَيها فقط، فلا يُعاد غُسلُ المَيتِ، ويُعاد غُسلُ مَيتةٍ مَوطُوءةٍ (^١).
ولا بدَّ في وجوبِ الغُسلِ بالتَّغيِيبِ مِنْ كَونِ كلٍّ يُجامِع مِثلُه؛ كابنِ عَشرٍ وبنتِ تِسعٍ، فيَلزمُهما غُسلٌ ووُضوءٌ لنحوِ صلاةٍ، بمَعنى توقُّفِ صحَّةِ ذلك عليه، لا أنَّه يأثَم غيرُ البالغِ بتَركِه (^٢)، فلَو كان أَحدُهما يُجامِع مِثلُه (^٣) دونَ الآخَرِ؛ فلكلٍّ حُكمُه، فيَجب الغُسلُ على مَنْ يُجامِع مِثلُه فقط، دونَ صاحبِه
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (ويعاد غسل ميتة موطوءة) قال م خ: ويطلب الفرق بين المسألتين، وقد يفرَّق بينهما: بأنَّ الذَّكر لو كان حيًّا؛ لكان الغسل واجبًا عليه بفعله، وهنا لم يوجد منه فعل، والأنثى لو كانت حيَّة؛ لكان الغسل واجبًا عليها بفعل غيرها وقد وجد، ومثله المأتيُّ في دبره. ا هـ. وكتب على هامش (س): قوله: (ويعاد …) إلخ: قال الشّيخ: ولعل الفرق بينهما: أنَّ الفاعل لا بدَّ من قصده حقيقة كالمستيقظ، أو حكمًا كالنائم، بخلاف المفعول فيه، فلا يشترط قصده. انتهى.
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (بمعنى توقف …) إلخ، تحرير لمعنى قولهم: (يلزمهما غسل ووضوء …) إلخ، يعني ليس المراد حقيقة معناه الاصطلاحي من التأثيم بالترك، إذ اللزوم كالوجوب: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه، ولا يستقيم إجراؤه على هذا المعنى هنا، لكن قول الشيخ ﵀: (لا أنه يأثم غير بالغ) يقال عليه: إن البالغ أيضًا لا يأثم بالترك لاعتبار لازمه، وهو الواجب المتوقف على ذلك، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني]. وكتب على هامش (ع): أي: لا بإيلاج ابن دون عشر في قوله: (دون تسع) ولا يثبت من ذلك شيء من أحكام الوطء، من مصاهرة وتحريم وغيرهما، فعلى هذا: لو أولج صبي في بنت لا يجامع مثلهما، جاز للصبي أن يتزوج بنت الموطوءة؛ لأنه لا حكم لهذا الوطء، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (يجامع مثله) تجوز قراءته اسم فاعل واسم مفعول، كما يعلم بالوقوف على الشَّارح، فإنَّه فسَّره بابن عشر وبنت تسع، ويصحُّ أن ينسب كلٌّ من الصِّيغتين إلى الصِّيغة المحتملة لهذه، كما اقتضاه كلام المحقِّقين. م خ.
[ ١٨٣ ]
الذي لا يُجامِع مِثلُه.
وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه لا غُسلَ بتَغيِيبِ بعضِ الحَشَفةِ، ولا مع حائلٍ، ولا بالْتِصاقِ الخِتانَين وتَماسِّهِما مِنْ غيرِ إيلاجٍ، ولا بسِحاقٍ وهو إتيانُ المرأةِ المرأةَ، ولا بإيلاجٍ في غيرِ أَصليٍّ أو بغيرِ أَصليٍّ، كقُبلِ الخُنثى وذَكَرِه.
الثَّالثُ مِنْ مُوجِباتِ الغُسلِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَإِسْلَامُ كَافِرٍ)، ولو مُرتدًّا أو مميِّزًا؛ لحديثِ أَبي هريرةَ: أنَّ ثُمَامةَ بنَ أُثالٍ أَسلَم، فقال النبيُّ ﷺ: «اذْهَبُوا به إلى حائطِ بَنِي فلانٍ فمُرُوه أن يَغتسلَ» رَواه أحمدُ (^١).
فيَجب الغُسلُ سواءٌ وُجِد منه في كُفرِه ما يُوجِبه أو لا، اغتَسلَ قبلَ إسلامِه أو لا.
ووقتُ وُجوبِه على مميِّزٍ كما مرَّ (^٢).
الرَّابعُ مِنْ المُوجِباتِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَمَوْتٌ)، فيَجب تَغسيلُ الميتِ المسلمِ (^٣) ولو صغيرًا؛ لقولِه ﵊: «اغْسِلْنَها» (^٤)، إلى غيرِه مِنْ الأحاديثِ، كما سيَأتي.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٠٣٧)، وابن خزيمة (٢٥٣)، وفي سنده عبد الله العمري، وفيه ضعف، وأصله في البخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤)، لكن عندهما أنه اغتسل، وليس فيهما أمر النبي ﷺ. ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ١٦٨.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (كما مرَّ) أي: إذا أراد ما يتوقَّف على غسل أو وضوء لغير لبث بمسجد، أو مات شهيدًا. «شرح منتهى». وكتب على هامش (س) قوله: (كما مر) أي: في قوله في تغييب حشفة غير البالغ، بمعنى توقف ذلك أي: نحو الصلاة عليه، أي: على الغسل والوضوء. انتهى. كتب على هامش (ع): قوله: (ووقت وجوبه على المميز كما مرَّ) أي: إذا أراد فعل ما يتوقف على حصول الغسل، والمراد بالمميز هنا: الذي يجامع مثله. [العلامة السفاريني].
(٣) قوله: (المسلم) سقط من (ك)، وضرب عليها في (ب).
(٤) أخرجه البخاري (١٢٥٤)، ومسلم (٩٣٩).
[ ١٨٤ ]
غيرَ شهيدِ (^١) معركةٍ، ومقتولٍ ظُلمًا.
الخامسُ مِنْ المُوجِباتِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَحَيْضٌ) أي: خروجُ دَمِ حَيضٍ؛ لقولِه ﵇ لفاطمةَ بنتِ أَبي حُبَيْشٍ: «وإذا ذهَبَتْ فَاغْتَسِلي وصَلِّي» متَّفق عليه (^٢).
السَّادسُ مِنْ المُوجِباتِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَنِفَاسٌ) أي: خروجُ دَمِ نفاسٍ، ف (لَا) يُوجِب الغُسلَ (وِلَادَةٌ عَارِيَةٌ (^٣» أي: خاليةٌ (عَنْ دَمٍ)، ولا يَحرُم بها وطءٌ، ولا يَفسُد صومٌ، ولا بإلقاءِ عَلَقةٍ أو مُضْغةٍ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه.
والولدُ طاهرٌ، ومع الدَّمِ يَجب غَسلُه.
(وَمَنْ لَزِمَهُ (^٤) غُسْلٌ (^٥» بأحدِ الأسبابِ المتقدِّمةِ؛ (حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ (فَأَكْثَرَ)؛ لحديثِ عليٍّ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَحجُبه وربَّما قال: لا يَحجُزه عن القرآن شيءٌ، ليس الجنابةَ» رَواه ابنُ خُزَيمةَ والحاكمُ والدَّارقُطنيُّ، وصَحَّحاه (^٦).
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (غير شهيد): بنصب (غير) على الحال. انتهى تقرير المؤلف.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٠)، ومسلم (٣٣٤).
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (عارية) مقتضى اللُّغة: عارية، بتخفيف الياء مع الفتح، أو عاريَّة بالتَّشديد مع الفتح أيضًا، كما عبر به غيره، فإنَّ أهل اللُّغة قد فرَّقوا بين عري يعرى، وعرا يعرو، فالأوَّل بمعنى خلا وتجرَّد، ومنه: عري الرَّجل من ثيابه، وعرا يعرو بمعنى: أتى ونزل، ومنه عروت الرجل إذا ألممت به، وما هنا من الأوَّل لا الثَّاني، فتدبَّر. م خ.
(٤) في (ب): لزم.
(٥) كتب على هامش (ع): قوله: (ومن لزمه الغسل) شمل الجنب ومن انقطع أسباب حيضها ونفاسها ومن أسلم. ن ع.
(٦) كتب على هامش (ب): واختار الشَّيخ تقي الدِّين: أنَّه يباح للحائض أن تقرأ إذا خافت نسيانه، بل يجب؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به واجب. اه. ش ق. والحديث أخرجه أحمد (٦٢٧)، وأبو داود (٢٢٩)، والنسائي (٢٦٥)، وابن خزيمة (٢٠٨)، وفي سنده عبد الله بن سلمة المرادي، ذكر البخاري أنه لا يتابع على حديثه، وضعَّف الحديث أحمد، وصححه ابن السكن والإشبيلي، وحسنه ابن حجر. ينظر: الفتح ١/ ٤٠٨، الإرواء ٢/ ٢٤١.
[ ١٨٥ ]
وعُلِم مِنْ كلامِه: أنَّه لا يَحرُم عليه قراءةُ بعضِها، ولو كرَّره، ما لم يَتحيَّل على قراءةٍ تَحرُم (^١).
قال المنقِّحُ (^٢): (ما لم تَكُنْ الآيةُ طويلةً، أي: كآيةِ الدَّينِ، فتَحرُم قراءةُ بعضِها (^٣».
(وَ) مَنْ لَزِمه غُسلٌ؛ حَرُم عليه:
(لُبْثٌ) بضمِّ اللَّامِ: اسمُ مصدرِ لَبِث بالمكانِ: أقامَ به، (بِمَسْجِدٍ)، ولو مصلَّى عيدٍ، لا جنازةٍ (^٤)، حتَّى حائضٌ ونُفَساءُ انقطَع دَمُهما؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وقولِه ﷺ: «لا أُحِلُّ المسجِدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ» رَواه أبو داودَ (^٥).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (على قراءة تحرم) بأن يكرِّر الأبعاض تحيُّلًا على قراءة آية فأكثر، فيمتنع عليه ذلك كسائر الحيل المحرَّمة. اه. م ص. وكتب على هامش (س): قوله: (ما لم يتحيَّل على قراءة تحرم): كأن قرأ نصف آية وترك بعضها الآخر، ثم قرأ نصف أُخرى وترك الآخر، ثم رجع إلى الآية الأولى فقرأ نصفها الذي تركه، ثم قرأ نصف الأُخرى المتروك قبل، فقد قرأ آية بالتحيل، بل في هذا المثال قرأ آيتين به. انتهى تقرير المؤلف إلا بعضه.
(٢) ينظر: التنقيح المشبع ص ٦١. والمنقِّح: هو علي بن سليمان بن أحمد بن محمد العلاء المرداوي، ثم الدمشقي الصالحي، شيخ المذهب، من مصنفاته: الإنصاف، والتنقيح المشبع، والتحبير في شرح التحرير، مات سنة ٨٨٥ هـ. ينظر: الضوء اللامع ٥/ ٢٢٥.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (فتحرم قراءة بعضها) أي: إذا كان قدر آية. انتهى تقرير المؤلف.
(٤) في (د): لأنها ذات ركوع وسجود إلا جنازة. مكان قوله: (لا جنازة).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة (١٣٢٧)، من حديث عائشة ﵂، وابن ماجه (٦٤٥) من حديث أم سلمة ﵂، والصواب أنه من حديث عائشة، قاله أبو زرعة، وحديث عائشة ﵂، ضعَّفه البخاري وابن رجب، وحسنه ابن القطان وابن الملقن. ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ٦٧، البدر المنير ٢/ ٥٥٨، فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٢١، التلخيص الحبير ١/ ٣٧٦.
[ ١٨٦ ]
ومحلُّ حُرمةِ اللُّبثِ بالمسجدِ على مَنْ ذُكِر: إذا كان (بِلَا وُضُوءٍ)، فإن توضَّؤُوا؛ جازَ لهُم اللُّبثُ (^١)؛ لقولِ عطاءِ بنِ يَسارٍ: «رأيتُ رِجالًا مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَجلسون في المسجدِ وهم مُجنِبُون إذا تَوضَّؤُوا وضوءَ الصَّلاةِ» رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ والأثرمُ، وإسنادُه صحيحٌ (^٢). قاله في «المبدِع» (^٣)، ولأنَّ الوضوءَ يُخفِّف الحدثَ، فيَزول بعضُ ما منَعه، قال الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: وحينئذٍ فيَجوز أن يَنام في المسجدِ (^٤) حيثُ يَنام غيرُه (^٥).
(وَلَهُ) أي: لمَن لَزِمه غُسلٌ (المُرُورُ بِهِ) أي: بالمسجدِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهو الطَّريقُ، وعن جابرٍ: «كان أَحدُنا يَمرُّ في المسجدِ
_________________
(١) كتب على هامش (ع): قال في «الإقناع وشرحه»: فلو تعذَّر الوضوء على الجنب ونحوه واحتيج إليه، أي: اللبث في المسجد لخوف ضرر بخروجه منه؛ جاز من غير تيمم نصًّا، وبه أولى، ويتيمم لأجل لبث فيه لغسل إذا تعذَّر عليه الوضوء والغسل عاجلًا، قال ابن قندس: واحتاج إلى اللبث فيه، وردَّه في «شرح المنتهى» بأنه إذا احتاج في اللبث فيه جاز بلا تيمم، قال: والظاهر تقييده بعدم الاحتياج. انتهى.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٦٤٦)، قال ابن كثير والألباني: (إسناد صحيح على شرط مسلم). ينظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٣١٣، الثمر المستطاب ٢/ ٧٥٤.
(٣) ينظر: المبدع ١/ ٢٧٤.
(٤) كتب على هامش (ب) و(ع): قوله: (فيجوز أن ينام في المسجد …) إلخ، فلو توضَّأ ثمَّ أحدث بعد دخول المسجد أو قبله؛ لم يمنع من اللَّبث فيه، ومثله لو توضَّأ الجنب لمعاودة الوطء أو النَّوم، ثمَّ انتقض وضوءُه قبل الوطء أو النُّوم، فإنَّه تزول الكراهة، وتحصل السُّنَّة، ولا يضرُّ نقض الطَّهارة؛ لحصول التَّخفيف بها، والله أعلم. زاد في (ع): شيخنا. [العلامة السفاريني].
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٣٤٥. وكتب على هامش (س): قوله: (حيث ينام غيره) أي: على القول بجواز النوم فيه، وهو الصحيح، أما على القول بحرمة ذلك؛ فممتنع نوم الجنب. انتهى تقرير المؤلف.
[ ١٨٧ ]
جُنبًا مُجتازًا» رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ (^١)، وسواءٌ كان لحاجةٍ أو لا، ومِن الحاجةِ: كَونُه طريقًا قصيرًا، لكن كَرِه الإمامُ أحمدُ اتِّخاذَ المسجدِ (^٢) طريقًا (^٣).
وشُرِطَ لجوازِ مرورِ حائضٍ ونُفَساءَ بمسجدٍ: أن تَأمَنَا تَلويثَه.
(وَ) لمَن عليه غُسلٌ (قَوْلُ مَا وَافَقَ قُرْآنًا) مِنْ الأذكارِ، (وَلَمْ يَقْصِدْهُ) أي: القرآنَ؛ (كَالبَسْمَلَةِ، وَالحَمْدَلَةِ)، وآيةِ الاسترجاعِ، والرُّكوبِ (^٤).
وعُلِم منه: أنَّه لو قصَد القرآنَ؛ حَرُم، وكذا لو قرأَ ما لا يُوافقه ذِكرٌ، ولم يَقصِد به القرآنَ.
وله تَهجِّيه، وتَحريكُ شَفتَيه (^٥) إن لم يُبيِّن الحروفَ، ونظرٌ في مصحفٍ، وأن يُقرأ عليه وهو ساكتٌ (^٦).
(وَيُسَنُّ غُسْلٌ لِ) صلاةِ (جُمُعَةٍ)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ مرفوعًا: «غُسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ مُحتلِمٍ (^٧)» (^٨)، وقولِه ﷺ: «مَنْ جاء مِنْكُمْ الجمعةَ
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٦٤٥)، وابن أبي شيبة (١٥٥٠)، وابن خزيمة (١٣٣١)، وابن المنذر في الأوسط (٦٣١)، والبيهقي في الكبرى (٤٣٢٦)، وإسناده صحيح.
(٢) قوله: (اتخاذ المسجد) هو في باقي النسخ: اتخاذه.
(٣) ينظر: مسائل حرب الطهارة ص ٣٦١.
(٤) في (ب) حاشية: وآية الركوب.
(٥) زيد في (أ) و(س): به.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (وهو ساكت) أي: في الصورتين، لو غلط القارئ فردَّ عليه بما دون آية قصيرة؛ فلا يضر. انتهى تقرير المؤلف.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (على كلِّ محتلم) أي: كلِّ بالغ، وليس المراد به من احتلم أي: خرج منه المني، وإلَّا لما وافق قول الشَّارح: (أي: متأكِّد الاستحباب)، وعلم من كلامه: أنَّ الصَّغير لا يسنُّ الغسل له. ا هـ لكاتبه.
(٨) أخرجه البخاري (٨٥٨)، ومسلم (٨٤٦).
[ ١٨٨ ]
فَلْيَغتَسِلْ» متَّفق عليهما (^١)، وقولُه: «واجبٌ» أي: متأكِّدُ الاستِحبابِ، بدليلِ قولِه ﷺ: «مَنْ تَوضَّأ يومَ الجمعةِ فَبِها (^٢) ونِعْمَتْ، ومَن اغْتَسلَ فالغُسلُ أَفضلُ» رَواه أحمدُ (^٣).
ووقتُ غُسلِ الجمعةِ: في يومِها، لذَكَرٍ (^٤) حضَرها (^٥)، ولو لم تَجب عليه؛ كعبدٍ ومسافرٍ إن صلَّى.
وعندَ مُضيٍّ وعن جماعٍ أفضلُ (^٦)، وهذا الغسلُ آكدُ الأغسالِ المَسنونةِ.
(وَ) يُسنُّ غُسلٌ لصلاةِ (عِيدٍ) في يومِها (^٧) لحاضرِها (^٨)؛ لأنَّ «النبيَّ ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٧٧)، ومسلم (٨٤٤)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (فبها) أي: فبالرخصة أخذ ونعمت الرخصة، ومن اغتسل فالغسل أفضل، والله تعالى أعلم. م س.
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٠٨٩)، وأبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، وهو من رواية الحسن عن سمرة ﵁، وروي هذا الحديث عن الحسن مرسلًا، وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف. ينظر: علل ابن المديني ص ٥٣، علل الترمذي الكبير ١/ ٨٦، علل ابن أبي حاتم (٥٧٥)، التلخيص الحبير ٢/ ١٦٣.
(٤) كتب على هامش (ب): أي: لا امرأة وخنثى. عثمان. وكتب على هامش (س): قوله: (لذكر): متعلق ب (يسن). انتهى تقرير المؤلف.
(٥) كتب على هامش (ب): أي: إذا أراد حضورها. م خ.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (وعند مضي وعن جماع أفضل)، عبارة «الإقناع»: والأفضل عند مضيه إليها عن جماع. ويمكن توجيهه: بأنَّ اجتماع الأمرين أفضل على الإطلاق، وعند مضي دون جماع أفضل من التَّبكير، وعن جماع ولو مع التَّبكير أفضل من كونه لا عن جماع، والمصنِّف لم يتعرَّض للمرتبة التي في «الإقناع»، كما أنَّ صاحب «الإقناع» لم يتعرَّض لما دونها، وهما المسألتان المذكورتان في المتن. م خ.
(٧) كتب على هامش (ب): قال ابن عقيل: المنصوص عن أحمد أنه قبل الفجر وبعده؛ لأنَّ زمن العيد أضيق من الجمعة. ا هـ شرحه [كشاف القناع].
(٨) كتب على هامش (ب): قوله: (لحاضرها) ظاهره أنه لا يختص بالذَّكر كما في الجمعة، وصنيع «الإقناع» يرجع إلى ذلك. م خ. عثمان.
[ ١٨٩ ]
كان يَغتسل لذلك» رَواه ابنُ ماجَه (^١).
(وَ) يُسنُّ غُسلٌ (مِنْ)، بكسرِ الميمِ أي: لأجلِ، (غَسْلِ مَيِّتٍ)، مسلمٍ أو كافرٍ (^٢)؛ لِما روَى أَبو هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغتَسِلْ، ومَن حَمَله فَلْيَتوضَّأْ» رَواه أحمدُ (^٣)، وهو محمولٌ على الاستِحبابِ؛ لأنَّ أسماءَ غسَّلَت أبا بكرٍ، وسألَتْ: «هل عليَّ (^٤) غُسلٌ؟ قالوا: لا» رَواه مالكٌ مرسَلًا (^٥).
(وَ) يُسنُّ غُسلٌ مِنْ (إِفَاقَةٍ مِنْ جُنُونٍ وإِغْمَاءٍ بِلَا إِنْزَالِ) مَنيٍّ فيهما، والواوُ بمَعنى «أو»، قال ابنُ المنذِرِ (^٦): (ثبَت أنَّ النبيَّ ﷺ اغتَسلَ مِنْ الإغماءِ، متَّفق عليه مِنْ حديثِ عائشةَ (^٧»، والجنونُ في مَعناه، بل أَولى.
وأمَّا مع الإنزالِ فيَجب الغُسلُ، وتَقدَّم التفصيلُ فيما إذا أفاقَ نحوُ نائمٍ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٣١٥، ١٣١٦)، من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده جُبارة بن المغلِّس وهو ضعيف، وأخرجه من حديث الفاكه بن سعد ﵁، وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي وهو متروك. ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ١٩١.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (مسلم أو كافر) ظاهر صنيعه: أنَّ الكافر يغسَّل، وليس مرادًا، ويمكن توجيهه: بأنَّ المراد على سبيل الفرض والتَّقدير. انتهى لكاتبه.
(٣) أخرجه أحمد (٧٦٨٩)، وأبو داود (٣١٦١)، والترمذي (٩٩٣)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وابن حبان (١١٦١)، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح وقفه جماعة منهم: أحمد والبخاري والبيهقي، وصححه مرفوعًا آخرون، قال ابن المديني وأحمد والبخاري: (لا يصح في هذا الباب شيء)، قال النووي: (وضعفه الجمهور)، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني بمجموع طرقه. ينظر: الخلاصة ٢/ ٩٤١، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ٣١٨، التلخيص الحبير ١/ ٣٧٠، الإرواء ١/ ١٧٣.
(٤) في (ب): على المرأة.
(٥) أخرجه مالك (١/ ٢٢٣)، وعنه عبد الرزاق (٦١٢٣)، عن عبد الله بن أبي بكر، وهو ابن عمرو ابن حزم، وإسناده منقطع، قاله ابن حزم والنووي والألباني. ينظر: المحلى ١/ ٢٧٢، المجموع ٥/ ١٢٩، تمام المنة ص ١٢٢.
(٦) ينظر: الأوسط ١/ ١٥٥.
(٧) أخرجه البخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨).
[ ١٩٠ ]
ووجَد بَللًا.
(وَ) يُسنُّ غُسلٌ (لِ) صلاةِ (كُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ (^١»؛ لأنَّ كِلَيهِما عبادةٌ يَجتمع لها النَّاسُ؛ كالجمعةِ والعِيدَين.
(وَ) يُسنُّ غُسلٌ (لِإِحْرَامٍ) بحجٍّ أو عمرةٍ أو بِهما؛ لِما روَى زيدُ بنُ ثابتٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَجرَّد لإهلالِه (^٢)، واغتَسلَ» رَواه الترمذيُّ وحسَّنه (^٣).
وظاهرُه: ولو مع حيضٍ ونفاسٍ، وصرَّح به في «المنتهى» (^٤).
(وَ) يُسنُّ غُسلٌ (لِدُخُولِ مَكَّةَ (^٥»، «لفِعلِه ﵇» متَّفق عليه (^٦)، وظاهرُه: ولو مع حيضٍ أو بالحرمِ؛ كمَن بمنًى إذا أرادَ دخولَ مكَّةَ.
ويُسنُّ غُسلٌ لدخولِ حَرمِها.
(وَطَوَافِ إِفَاضَةٍ، وَ) طوافِ (وَدَاعٍ، وَوُقُوفٍ بِعَرَفَةَ، وَمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ جِمَارٍ)؛ لأنَّها أَنساكٌ يَجتمع لها النَّاسُ ويَزدحِمون فيَعرَقون، فيُؤْذي بعضُهم بعضًا، فاستُحِبَّ الغُسلُ؛ كالجمعةِ.
ويَتيمَّم للكلِّ لحاجةٍ، ولِما يُسنُّ له الوضوءُ لعذرٍ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): تنبيه قال في «الإنصاف»: وقت الغسل للاستسقاء: عند إرادة الخروج إلى الصَّلاة، ولكسوف: عند وقوعه، وفي الحجِّ: عند إرادة النُّسك الَّذي يريد أن يفعله قريبًا. انتهى.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (لإهلاله) أي: إحرامه. انتهى تقرير المؤلف.
(٣) أخرجه الترمذي (٨٣٠)، وابن خزيمة (٢٥٢٩)، قال الترمذي: (حسن غريب)، وصححه ابن خزيمة، وضعف الحديث العقيلي وغيره. ينظر: الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٣٨، التلخيص الحبير ٢/ ٥١٤.
(٤) ينظر: منتهى الإيرادات ١/ ٨٤.
(٥) كتب على هامش (ب): أي: داخل حدود الحرم إذا أراد دخولٌ، فيسنُّ له الغسل، والحرم: ما يحرم الصَّيد فيه. ا هـ.
(٦) أخرجه البخاري (١٥٧٣)، ومسلم (٩).
[ ١٩١ ]