مِنْ الوَضَاءةِ، وهي النَّظافةُ.
وهو بالضَّمِّ: اسمٌ للفعلِ، وبالفتح: اسمٌ للماءِ الذي يُتوضَّأ به، وقِيل: بالفتح فيهما، وقِيل: بالضَّمِّ فيهما، وهو أضعفُها.
وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ في الأعضاءِ الأربعةِ على صفةٍ مخصوصةٍ (^١).
وفُرِضَ بمكَّةَ مع الصَّلاةِ، كما رَواه ابنُ ماجَه (^٢)، فآيةُ المائدةِ مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ، لا مؤسِّسةٌ.
واختُلف هل الوضوءُ مِنْ خصائصِ هذه الأمَّةِ، بدليلِ ما في «صحيحِ مسلمٍ» عن أَبي هريرةَ مرفوعًا: «لَكُمْ سِيمَا ليسَت لأحدٍ مِنْ الأُممِ، تَرِدون عليَّ غُرًّا
_________________
(١) كتب على هامش (ع): قوله: (على صفة مخصوصة في الشرع) بأن يأتي بها مرتبة متوالية مع باقي الفروض والشروط، وما يجب اعتباره، وسمي وضوءًا لتنظيفه المتوضئ وتحسينه، والحكمة في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون غيرها: أنها أسرع ما يتحرك من البدن للمخالفة، فأمر بغسلها ظاهرًا تنبيها على طهارتها الباطنة، ورتب [غسلها على ترتيب سرعة] الحركة في المخالفة، فأمر بغسل الوجه وفيه الفم والأنف، فابتدئ بالمضمضة؛ لأن اللسان أكثر الأعضاء وأشدها حركة، إذ غيره ربما سَلِم، وهو كثير العطب قليل السلامة غالبًا، ثم بالأنف ليتوب عما يشم به، ثم بالوجه ليتوب عما نظر، ثم باليدين لتتوب عن البطش، ثم خص الرأس بالمسح؛ لأنه مجاور لما تقع منه المخالفة، ثم بالأذن لأجل السماع، ثم بالرجل لأجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى تجديد الإيمان بالشهادتين. نقلت من شرح الإقناع.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٦٢)، مختصرًا، وأخرجه أحمد (١٧٤٨٠)، من حديث زيد بن حارثة ﵁ مرفوعًا: «أن جبريل ﵇ أتاه في أول ما أوحي إليه، فعلمه الوضوء والصلاة»، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وسئل عنه أبو حاتم فقال: (حديث كذب باطل). ينظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ٥٦٠.
[ ١٢٧ ]
مُحجَّلِين مِنْ أَثرِ الوُضوءِ» (^١)، أو غيرُ مختصٍّ بها، وإنَّما المختصُّ الغُرَّة والتَّحجيلُ؟ ذهَب إلى كلٍّ قومٌ.
(فُرُوضُهُ (^٢» أي: الوضوءِ: ستَّةٌ، وهي جمعُ «فرضٍ»، وهو لغةً: الحَزُّ والقَطعُ. وشرعًا: ما أُثِيب فاعلُه، وعُوقِب تاركُه.
فأوَّلُها (^٣): (غَسْلُ الوَجْهِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
(وَمِنْهُ) أي: مِنْ الوجهِ: (فَمٌ وَأَنْفٌ)؛ لدخولِهما في حدِّه الآتي، فلا بدَّ مِنْ المضمضةِ والاستنشاقِ في الطَّهارتَين (^٤).
(وَ) ثانيها: (غَسْلُ اليَدَيْنِ مَعَ المِرْفَقَيْنِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٥).
(وَ) ثالثُها: (مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ (^٦»؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^٧)، (وَمِنْهُ) أي: ومِن الرأسِ (الأُذُنَانِ)؛ لقولِه ﷺ: «الأُذنَانِ مِنْ الرَّأسِ» رَواه ابنُ ماجَه مِنْ غيرِ وجهٍ (^٨).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٧).
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (فروضه …) إلخ، اعلم أنَّ الفرض والواجب مترادفان، قال في «شرح الوجيز»: الواجب والفرض مترادفان على أظهر الرِّوايتين؛ لاتِّحاد الحد فيهما؛ يعني: أنَّه يثاب فاعلهما، ويعاقب تاركهما، والرِّواية الثَّانية: الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به. انتهى.
(٣) في (أ) و(س) و(د): أولها.
(٤) كتب على هامش (س): أي الوضوء والغسل. انتهى تقرير مؤلفه.
(٥) قوله: (لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) سقط من (س).
(٦) كتب على هامش (ع): فلا عبرة بالأقرع الذي ينبت شعره في بعض جبهته، ولا عبرة بالأجلح الذي انحسر شعره عن شعر رأسه. ش. ق.
(٧) قوله: (لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾) سقط من (أ) و(س) و(د).
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (من غير وجه) أي: بل من أوجه، أي طرق. انتهى تقرير مؤلفه. والحديث: أخرجه أبو داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧)، وابن ماجه (٤٤٣)، حديث أبي أمامة ﵁، وله شواهد أخرى، وقواه الترمذي والمنذري وابن حجر وغيرهم، وأعلَّه غيرهم. ينظر: التحقيق ١/ ٢٠٣، التلخيص الحبير ١/ ٢٨٣، صحيح أبي داود ١/ ٢١٧.
[ ١٢٨ ]
(وَ) رابعُها: (غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الكَعْبَيْنِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، وهو واضحٌ على قراءةِ النَّصبِ، وأمَّا على قراءةِ الجرِّ؛ فقِيل: بالجِوارِ، والواوُ تأباه؛ إذ خَفْضُ الجِوارِ يَكون في النَّعت والتَّوكيدِ، لا في النَّسَقِ، كما نقلَه في «المُغْني» عن المحقِّقِين (^١).
وقال أبو زيدٍ (^٢): المسحُ عندَ العربِ غَسلٌ ومسحٌ (^٣)، فغايةُ الأمرِ أنَّها تَصير بمنزلةِ المُجمَلِ.
وصِحاحُ الأحاديثِ تَبلغ التَّواترَ في وجوبِ غَسلِها، حتى روَى سعيدٌ عن ابنِ أَبي ليلَى (^٤) بسندٍ حسنٍ، قال: (أَجمَع أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ على غَسلِ القدمَين) (^٥)، وقالت عائشةُ: «لَأنْ تُقطعَا أحبُّ إليَّ مِنْ أن أمسحَ القدمَين» (^٦).
_________________
(١) ينظر: مغني اللبيب ص ٨٩٥.
(٢) كتب على هامش (س): من اللغويين. انتهى تقرير المؤلف. هو: سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، العلَّامة أبو زَيْد البَصْري، صاحب التصانيف، حدث عن أبي عمرو بن العلاء، ورؤبة بن العجاج، من مصنفاته: النوادر في اللغة، مات سنة ٢١٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٩٤.
(٣) ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٧١.
(٤) هو: أبو عيسى، عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، الإمام الحافظ، حدث عن: عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، مات سنة ٨٢ هـ، وقيل ٨٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٦٢.
(٥) لم نقف عليه، وذكره في المغني ١/ ٩٨.
(٦) أخرج ابن أبي شيبة (١٩٤٤)، وأبو عبيد في الطهور (٣٩٤)، عن عائشة ﵂ بلفظ: «لأن أحزَّهما بالسكاكين أحب إليَّ من أن أمسح عليهما»، وإسناده صحيح، والمعنى الذي ذكره المصنف؛ نقله أبو عبيد في الطهور فقال: (بعض أصحاب الحديث كان يتأوله في المسح على القدمين، ويصدِّق ذلك: حديثها عن النبي ﷺ: «ويل للأعقاب من النار»، فهل يكون هذا إلا على الأقدام؟! وهي كانت أعلم بمعنى حديثها)، وقيل: أرادت به المسح على الخفين، وبه بوَّب ابن أبي شيبة (باب من كان لا يرى المسح)، بعد: (باب في المسح على الخفين كيف هو)، وتأوله البيهقي في الكبرى (١/ ٤٠٩)، بقوله: (فإنها كرهت ذلك، ثم ثبت عنها أنها أحالت بعلم ذلك على علي ﵁، وعلي أخبر عن النبي ﷺ بالرخصة فيه)، وما ذكره من إحالتها العلم به على علي؛ وارد في صحيح مسلم (٢٧٦).
[ ١٢٩ ]
وهذا في حقِّ غيرِ لابسِ الخُفِّ، وأمَّا لابسُه؛ فغَسلُهما في حقِّه غير متعيِّن.
(وَ) خامسُها: (تَرْتِيبٌ) بينَ الأعضاءِ المذكورةِ، كما ذكَر اللهُ تَعالى؛ لأنَّه أَدخل ممسوحًا بينَ مغسولَين، ولا يُعلم له فائدةٌ غير التَّرتيبِ، والآيةُ سِيقَت لبيانِ الواجبِ، والنبيُّ ﷺ رتَّب الوضوءَ، وقال: «هذا وضوءٌ لا يَقبل اللهُ الصَّلاةَ إلّا به» (^١).
وقولُ عليٍّ ﵁: «ما أُبالي إذا تمَّمتُ وضوئي بأيِّ أعضائي بدأتُ» (^٢)، قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: (إنَّما عنَى به اليُسرى قبلَ اليُمنى؛ لأنَّ مَخرجَهما في الكتابِ واحدٌ) (^٣).
فلَو نَكَّس وضوءَه؛ لم يُحتَسب بما غَسلَه قبلَ وجهِه، وإن تَوضَّأ أربعَ مرَّاتٍ منكَّسًا؛ صحَّ إن كان متقاربًا؛ لأنَّه (^٤) يَحصل له في كلِّ مرَّةٍ غسلُ عضوٍ.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٤١٩)، عن ابن عمر ﵄، قال أبو حاتم: (عبد الرحيم بن زيد متروك الحديث، وزيد العَمِّي ضعيف)، وضعفه أبو زرعة وابن حبان وابن حجر والألباني، وليس فيه ذكر الترتيب. ينظر: علل الحديث ١/ ٥٥١، المجروحين لابن حبان ٢/ ١٦١، التلخيص الحبير ١/ ٢٦٦، الإرواء ١/ ١٢٥.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤١٨)، وأحمد في العلل (٢١٤)، وأبو عبيد في الطهور (٣٢٤)، وابن المنذر في الأوسط (٤٣٢)، وفيه انقطاع كما قال الحافظ في التلخيص ١/ ٢٧٩.
(٣) ينظر: مسائل عبدالله ص ٢٧، مسائل أبي داود ص ١٩. وكتب على هامش (س): قوله: (مخرجهما واحد) أي: دل عليهما بلفظ واحد قوله: أيديكم أو أرجلكم. انتهى تقرير المؤلف.
(٤) قوله: (لأنه) سقط من (س).
[ ١٣٠ ]
ولو غسَل أعضاءَه دَفعةً؛ لم يصحَّ، فلَو انغمسَ في كثيرٍ بنيَّةِ رفعِ الحدثِ، فإن خرَج مرتِّبًا، ومسَح رأسَه في محلِّ مسحِه؛ صحَّ، وإلّا فلا.
(وَ) سادسُها: (مُوَالَاةٌ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، فالأوَّلُ شرطٌ، والثاني جوابُه، ومتى وُجد الشَّرطُ وهو القيامُ؛ وجَب ألَّا يَتأخَّر عنه جوابُه، وهو غسلُ الأعضاءِ، فيَستلزم مُوالاتَها.
يُؤيِّدُه: ما روَى خالدُ بنُ مَعْدَانَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ رأَى رَجُلًا يُصلِّي وفي ظَهرِ قَدمَه لُمعةٌ قَدْرُ الدِّرهمِ لم يُصِبها الماءُ، فأمرَه أن يُعيد الوضوءَ» رَواه أحمدُ (^١)، فلَو لم تَجب الموالاةُ؛ لأجزأه غَسلُ اللُّمعةِ فقط.
والموالاةُ في الأصلِ: مصدرُ والَى الشيءَ، يُواليه: إذا تابعَه، والمرادُ هنا: ما أشارَ إليه بقولِه: (بِأَنْ لَا يُؤَخِّرَ) المتوضِّئُ (غَسْلَ عُضْوٍ) أو مَسحَه (حَتَّى يَجِفَّ)، بكسرِ الجيمِ، أي: يَنشَف (مَا)، فاعلُ «يجفَّ»، أي: العضوُ الذي (قَبْلَهُ)، في زمنٍ معتدلِ الحرِّ والبردِ، أو قَدْرِه مِنْ غيره، فلا يؤخِّر غسلَ يدَيه حتى يَجفَّ وجهُه، ولا مسحَ رأسِه حتى تَجفَّ يَداه، ولا غسلَ رِجلَيه حتى يَجفَّ رأسُه لو كان مغسولًا.
وعُلم منه: أنَّه لو أخَّر مسحَ الرأسِ مَثلًا حتى جفَّ الوجهُ دونَ اليدَين؛ لم يَضرَّ.
(وَشُرِطَ)، بالبناءِ للمفعولِ، (لَهُ) أي: للوضوءِ، أي: شُرط لصحَّةِ وضوءٍ: (وَلِ) صحَّةِ (غُسلٍ)، ولو مُستحبَّين، ولتيمُّمٍ ولو مُستحبًّا (^٢)، أو عن نجاسةٍ ببدنٍ:
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥٤٩٥)، وأبو داود (١٧٥)، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ، قال أحمد: (إسناده جيد)، واحتج به، وله شاهد عند مسلم (٢٤٣) من حديث عمر ﵁ بلفظ: «ارجع فأحسن وضوءك». ينظر: تنقيح التحقيق (١/ ٢٢٥).
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (ولو مستحبًّا) أي: بأن كان بدلًا عن غسل مسنون مثلًا كغسل الإحرام. انتهى تقرير مؤلفه.
[ ١٣١ ]
(نِيَّةٌ)، بالرَّفع، نائبُ فاعلِ «شُرط»، وكذا ما عُطف عليه، وإنَّما اشتُرِطَت النِّيَّةُ في ذلك (^١)؛ لأنَّ الإخلاصَ الذي هو (^٢) النيَّةُ مأمورٌ به، ولحديثِ (^٣): «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (^٤)، أي: لا عملَ جائزٌ إلّا بالنيَّةِ (^٥)، ولأنَّ النصَّ دلَّ على الثوابِ في كلِّ وضوءٍ، ولا ثوابَ في غيرِ مَنْويٍّ (^٦) إجماعًا (^٧).
إلّا غُسلَ ذِمِّيَّةٍ ولو حربيَّةً لحيضٍ ونفاسٍ (^٨) وجنابةٍ، ومسلمةٍ مُمتنعةٍ في حيضٍ ونفاسٍ (^٩)؛ فتُغسل قَهرًا بلا نيَّةٍ (^١٠)؛ للعذر، كممتنعٍ مِنْ زكاةٍ، ولا تُصلِّي به المسلمةُ.
وقياسُه كما في «شرحِ المنتهى»: منعُها مِنْ نحوِ طوافٍ وقراءةٍ ممَّا يَتوقَّف على الغُسلِ.
ويُنوى عن ميتٍ ومجنونٍ غُسِّلَا؛ لتعذُّرها منهما، ولا يُعيده مجنونٌ أفاقَ،
_________________
(١) قوله: (وإنما اشترطت النية في ذلك) سقط من (س).
(٢) في (س): الإخلاص وهو.
(٣) في (س): ولخبر.
(٤) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) قوله: (إلا بالنية) سقط من (س).
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (ولا ثواب في غير منوي …) إلخ: محله في الأشياء التي تكون تارة عبادة وتارةً عادة، وأما في الأشياء التي لا تكون إلا عبادة؛ فيثاب عليها ولو بلا نية؛ [كقراءة] القرآن، إلا أنه مع النية أكثر ثوابًا. انتهى تقرير المؤلف.
(٧) ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٧.
(٨) في (د): أو نفاس.
(٩) كتب على هامش (س): قوله: (في حيض أو نفاس) أي: لا في جنابة؛ لأنَّ الوطء لا يتوقف على الغسل، لكن له إلزامها به. انتهى تقرير مؤلفه.
(١٠) كتب على هامش (ب): أي: وكذا لا تسمية، كما ذكره الحجاوي في عشرة النساء، وكلام الفتوحي في الحاشية، فراجعه. ا هـ.
[ ١٣٢ ]
كما بحثَه المصنِّفُ (^١).
(وَ) شُرط لوضوءٍ وغُسلٍ: (طَهُورِيَّةُ مَاءٍ) أي: كَون الماءِ طهورًا؛ لأنَّه لا يَرفع الحدثَ غيرُه.
(وَإِبَاحَتُهُ) أي: كَون (^٢) الماءِ مباحًا؛ لحديثِ: «مَنْ عَمِل عملًا ليسَ عليه أَمرُنا فهُو رَدٌّ» (^٣)، فلا يصحُّ وضوءٌ ولا غُسلٌ (^٤) بمغصوبٍ ونحوِه؛ كمسبَّلٍ للشُّربِ.
(وَ) شُرط لوضوءٍ وغُسلٍ: (إِزَالَةُ مَا) أي: شيءٍ (يَمْنَعُ وُصُولَهُ) أي: الماءِ إلى البشرةِ؛ كعَجينٍ ونحوِه على أعضاءِ وضوءٍ، أو على بدنٍ في غُسلٍ.
(وَ) شُرط لوضوءٍ وغُسلٍ (^٥): (انْقِطَاعُ مُوجِبٍ)، بكسرِ الجيمِ، أي: يُشترط للوضوءِ انقطاعُ ما يُوجِبه، وهي نواقضُ الوضوءِ، ويُشترط للغُسلِ انقطاعُ ما يُوجِبه، وهي موجباتُ الغُسلِ الآتيةُ (^٦).
وشُرط أيضًا: عقلٌ، وتَمييزٌ، وإسلامٌ لسِوَى مَنْ ذُكر (^٧)، ولوضوءٍ: دخولُ
_________________
(١) ينظر: حاشية الإقناع للبهوتي ١/ ٩١.
(٢) قوله: (كون) سقط من (س).
(٣) أخرجه مسلم (١٧١٨)، من حديث عائشة ﵂.
(٤) قوله: (وضوء ولا غسل) سقط من (س).
(٥) في (د): أو غسل، وقوله: (شرط لوضوء وغسل) سقط من (س).
(٦) قوله: (بكسرِ الجيمِ، أي: يُشترط للوضوءِ انقطاعُ ما يُوجِبه) إلى هنا مكانه في (س): لوضوء أو غسل سواء كان خارجًا أو غيره.
(٧) كتب على هامش (ب) و(ع): قوله: (لسوى من ذكر) أي: وهي الذميَّة الَّتي تحت مسلم، فيصحُّ غسلها، كما تقدَّم مع فقد الإسلام للعذر. اه. [العلامة السفاريني]. وكتب على هامش (س): قوله: (لسوى من ذكر): من ذمية ونحو حائض مسلمة ممتنعة ومجنونة، فالاستثناء راجع بها على اللف والنشر المشوش، لكن اشتراط التمييز لا يختص المسلمة. انتهى، قرر بعضه المؤلف حفظه الله.
[ ١٣٣ ]
وقتٍ على مَنْ حدثُه دائمٌ لفرضِه، واستنجاءٌ أو استجمارٌ، كما تَقدَّم.
(وَتَجِبُ فِيهِمَا) أي: في الوضوءِ والغُسلِ، وكذا تيمُّمٌ (التَّسْمِيَةُ (^١» أي: قولُه في أولِ ذلك: باسم الله (^٢)؛ لحديثِ: «لا وضوءَ لِمَنْ لم يَذكُر اسمَ اللهِ عليه» رَواه أحمدُ وغيرُه (^٣)، وقِيسَ الغُسلُ والتيمُّمُ عليه، لكنْ إنَّما تَجب التَّسميةُ فيما ذُكر (مَعَ الذّكْرِ) بضمِّ الذالِ وكسرِها، قاله ابنُ مالكٍ في مثلَّثِه (^٤)، وقال الكِسائيُّ (^٥): الذِّكر باللسانِ: ضِدُّ الإنصاتِ، وذالُه مكسورةٌ، وبالقلبِ: ضِدُّ النِّسيانِ، وذالُه مضمومةٌ.
ومحلُّ التَّسميةِ (^٦) اللِّسانُ، ووقتُها: عندَ أوَّلِ واجبٍ (^٧) وجوبًا، وأوَّلِ مسنونٍ
_________________
(١) كتب على هامش (ب) و(ع): قال في شرح «المحرَّر» للعلَّامة الشيشيني ﵀ ما نصُّه: فائدة: الأفعال أربعة أقسام: قسم تجب فيه التسمية: وهو الوضوء والغسل والتيمم، وعند الصيد، والتذكية. وقسم تسنُّ فيه ولا تجب: وهي التسمية في أوَّل المناسك، وعند قراءة القرآن، والأكل، والشرب، والجماع، وعند دخول الخلاء ونحو ذلك. وقسم لا تسنُّ فيه: كالصَّلاة، والأذى، والحج، والأذكار، والدعوات، وفي الفرق بينها وبين قراءة القرآن نظر. وقسم تكره فيه التسمية: وهو المحرَّم والمكروه؛ لأنَّ المقصود بالتسمية البركة والزيادة، وهذان لا يطلب ذلك فيهما؛ لفوات محلهما. انتهى، ومن خطِّه نقلت، ع ن النجدي.
(٢) قوله: (أي قوله في أول ذلك: باسم الله) سقط من (س).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٦٥١)، وأبو داود (١٠١)، والترمذي (٢٥)، وابن ماجه (٣٩٨)، من حديث أبي هريرة ﵁، وروي من وجوه أخرى، قال العقيلي: (الأسانيد في هذا الباب فيها لين)، وضعف الإمام أحمد أحاديث الباب. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٢٥٠.
(٤) في (س): مثلثته. وينظر: إكمال الإعلام بتثليث الكلام ١/ ٢٣٠.
(٥) هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله، الأسدي الكوفي، المعروف بالكسائي؛ أحد القراء السبعة، كان إمامًا في النحو واللغة والقراءات، توفي سنة ١٨٩ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٩٥، تاريخ الإسلام ٤/ ٩٢٧.
(٦) في (س): ومحلها.
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (ومحلها اللسان) أي: محل التسمية، وقوله: (عند أول واجب) أي: غيرها، فلا يلزم دور. انتهى.
[ ١٣٤ ]
ندبًا؛ كالنيَّةِ على ما سيَأتي.
وعُلم منه (^١): أنَّها تَسقط سهوًا نصًّا (^٢).
قال المصنِّفُ: قلتُ: مُقتَضى قياسِهم يعني (^٣): لسقوطِها سهوًا على واجباتِ الصَّلاةِ: أنَّها تَسقط جهلًا، والظاهرُ إجزاؤُها بغيرِ العربيَّةِ، ولو ممَّن يُحسِنها، كالذَّكاةِ (^٤)؛ إذ لا فرقَ. انتهى (^٥).
وقد يُقال: إلحاقُها بأذكارِ الصَّلاةِ أَشبهُ، بجامعِ العبادةِ (^٦).
وإن ذَكرَها في أثناءِ وضوءِ أو غُسلٍ أو تيمُّمٍ؛ ابتدأَ عندَ صاحبِ «المنتهى» ولم يَبْنِ (^٧)، خلافًا ل «الإقناعِ» (^٨)، فإنْ تَركها عمدًا؛ لم يصحَّ (^٩).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): أي: وفهم من قوله: (مع الذّكر) أنَّه لو لم يذكرها حتَّى فرغ من وضوئه لم تلزمه إعادته؛ لأنَّ الواجب سقط بالسهو عنه، قال م ع في «غايته»: وإن ذكرها في الأثناء؛ ابتدأ، ولا يبني، خلافًا له أي: «للإقناعِ»، ويتَّجه: إلا مع ضيق وقت أو قلَّة ماء. انتهى.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ١١، وصالح ٢/ ١٣٠.
(٣) في (أ) و(س): أي.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (كالذكاة) أي: كالتسمية عندها. انتهى تقرير مؤلفه.
(٥) ينظر: كشاف القناع ١/ ٢٠٨.
(٦) كتب تحتها في (ب): فلا تكفي بغير العربية. وقوله: (وقد يقال …) إلخ، سقط من (س).
(٧) في (س): كما في «المنتهى». ينظر: المنتهى مع حاشية عثمان ١/ ٤٦.
(٨) ينظر: كشاف القناع ١/ ٢٠٨.
(٩) كتب على هامش (ع): قال في الغاية: إن كان الماء قليلًا سمَّى وبنى، وإن كان الماء كثيرًا ابتدأ، وقيل: يكفي حيث ذكرها ويبني، قال الحجاوي في الحاشية عنه: وهي المذهب وعليه جماهير الأصحاب، اختاره القاضي والموفق في المغني والكافي، والشارح، وابن عبيدان، وابن تميم، وابن رزين في مختصره، والمستوعب، والرعاية الصغرى، وروضة الفقه، والحاوي الكبير، وحكاه الزركشي عن الشيرازي وابن عبدوس. انتهى. وشارح المحرر، والشيخ يوسف المرداوي في كتابه «نهاية الحكم المشروع في تصحيح الفروع»، والعسكري في كتابه «المنهج»، خلافًا لما صححه في الإنصاف، وحكاه عن الفروع، ولم يذكر غيره. ح م ص.
[ ١٣٥ ]
ويُشير بها أخرسُ ونحوُه (^١).
(فَيَنْوِي عِنْدَهَا) أي: عند التَّسمية، يعني أنَّه يَجب الإتيانُ بالنيَّة عندَ أوَّلِ واجبٍ في وضوءٍ أو غُسلٍ (^٢) أو تيمُّمٍ، وهو التَّسميةُ (^٣)، حيثُ أرادَ تقديمَ التَّسميةِ على غَسلِ الكَفَّين في وضوءٍ وغُسلٍ، فإن قدَّم غَسْلَهما على التَّسميةِ؛ فسَيأتي.
(أَوْ) يَنوي (قَبْلَهَا) أي: قبلَ التَّسميةِ، يَعني أنَّه يَجوز تقديمُ النيَّةِ على الطَّهارةِ (بِ) زَمَنٍ (^٤) (يَسِيرٍ (^٥»، كصلاةٍ وذكاةٍ، ولا يُبطلها عملٌ يسيرٌ، فلَو كثُر؛ استأنفَها.
وقولُه: (رَفْعَ الحَدَثِ) بالنَّصبِ، مفعولُ «يَنوي».
فالنيَّةُ محلُّها القلبُ، ويُسنُّ التلفُّظُ بها وبما نَواه سرًّا (^٦)، ووقتُها: عندَ أوَّلِ واجبٍ كما تَقدَّم، أو مسنونٍ كما سيَجيء.
_________________
(١) كتب فوقها في (ب): كمعتقل لسانه. وكتب على هامش (ب) أيضًا: أي التَّسمية في الوضوء والغسل والتيمم، وظاهره: وجوبًا.
(٢) في (د): وغسل.
(٣) كتب على هامش (ب): أي: وأوَّل واجب فيما ذكر التَّسمية، (حيث أراد …) إلخ، فهي حيثيَّة تقييد، والمراد بالتَّقدم هنا: عدم التأخُّر، ووجودها مقترنة بفعل الواجب؛ لأنَّ النِّيَّة شرط لصحَّة الواجبات والمفروضات، فلو فُعِل شيء من الواجبات قبل تقدُّم النية؛ لم يصحَّ. عوض.
(٤) كتب فوقها في (ب): أي مع نسيانها.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (بزمن يسير): قال بعض المحققين: وهو الذي لا تفوت به المولاة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٦) كتب على هامش (ح): قال في «الفروع»: وقال شيخ الإسلام تقي الدين: الجاهر بها مستحق للتعزير، والجهر بلفظ النية منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة الإسلام، وفاعله مسيء وإن اعتقده دينًا خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه ويعزل عن الإمامة إن لم ينته. انتهى. وقال أيضًا: من جهر بالنية فهو مخطئ مخالف للسنة باتفاق أئمة الدين.
[ ١٣٦ ]
وصِفَتُها: أن يَنوي رفعَ الحدثِ، أي: يَقصد بطهارتِه زوالَ الوصفِ (^١) المانعِ مِنْ الصَّلاةِ ونحوِها.
ولو نوَى مع رفعِ الحدثِ تبرُّدًا، أو تنظُّفًا، أو تعليمًا، أو إزالةَ نجاسةٍ؛ لم يَضرَّ.
أو يَنوي بطهارتِه استباحةَ نحوِ صلاةٍ.
وهذا في غيرِ دائمِ الحدثِ، وأمَّا هو فيَتعيَّن في حقِّه نيَّةُ الاستباحةِ (^٢)، لكن لا يَحتاج دائمُ الحدثِ إلى تَعيينِ نيَّةِ فرضٍ، بخلافِ التيمُّمِ (^٣).
(أَوْ) يَنوي (الطَّهَارَةَ لِلصَّلَاةِ) أي: لفِعلها، (مَثَلًا)، بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ له أو مطلقٌ، أي: أَذكر الصَّلاةَ لأجلِ التَّمثيلِ، أو أُمثِّل بها تمثيلًا، ويَحتمل نصبَه على الحالِ بمعنى الممثَّلِ به (^٤)، والمرادُ: أن يَقصد بطهارتِه أمرًا يَتوقَّف عليها؛ كصلاةٍ وطوافٍ ومسِّ مصحفٍ.
(وَإِنْ نَوَى) بطهارتِه (مَا) أي: أمرًا (يُسَنُّ لَهُ) التطهُّرُ؛ (كَ) ما لو نوَى الوضوءَ ل (قِرَاءَةِ) قرآنٍ، وذكرٍ، (وَأَذَانٍ)، ونومٍ، (وَرَفْعِ شَكٍّ) في حدثٍ أصغرَ، (وَغَضَبٍ)؛ لأنَّه مِنْ الشَّيطانِ، والشَّيطانُ مِنْ النارِ، والماءُ يُطفئها، كما في الخبرِ (^٥).
_________________
(١) في (ب): الوضوء.
(٢) قوله: (في حقه نية الاستباحة) سقط من (س).
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (بخلاف التيمم) أي: فإنه يحتاج لنية الفرض، أي: إن كان لفرض، وإلا فلا. انتهى تقرير مؤلفه.
(٤) قوله: (ويحتمل نصبه على الحال بمعنى الممثل به) سقط من (س).
(٥) أخرجه أحمد (١٧٩٨٥)، وأبو داود (٤٧٨٤)، من حديث عطية السعدي ﵁ مرفوعًا: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»، وفي سنده مجهولان، وضعفه الألباني. ينظر: الضعيفة (٥٨٢).
[ ١٣٧ ]
(أَوْ نَوَى) بوضوئِه (التَّجْدِيدَ) إن سُنَّ؛ بأن صلَّى بينَهما، حالَ كَونه (نَاسِيًا حَدَثَهُ)، ثم بعدَ فراغِه مِنْ الوضوءِ تَذكَّر أنَّه كان مُحدِثًا قبلَ التجديدِ؛ ارتفعَ حدثُه؛ لأنَّه قد نوَى بطهارتِه أمرًا تُشرع له الطهارة (^١)، بل قال في «الشَّرحِ الكبيرِ» (^٢): لو قصَد أن لا يَزال على طهارةٍ؛ صحَّت طهارتُه؛ لأنَّها شرعيَّةٌ.
وعُلم ممَّا تَقدَّم: أنَّه لو كان عالمًا بحَدثِه؛ لم يرتفع؛ لتلاعُبِه.
(أَوْ) نوَى (الغُسْلَ لِنَحْوِ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ)؛ كاستسقاءٍ، وكان عليه نحوُ جنابةٍ؛ (ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) إن كان ناسيًا لنحوِ الجنابةِ، وكذا عكسُه، وإن نَواهُما؛ حصَلَا.
ومِن هنا يُعلم (^٣): أنَّه ليسَ في مسألةِ المتنِ (^٤) وعكسِها إلّا ثوابُ ما نَواه، وإنْ أجزأَ عن الآخَرِ.
والمستحبُّ أن يَغتسل للواجبِ، ثمَّ للمسنونِ.
(وَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَحْدَاثٌ (^٥» ولو متفرِّقةً في أوقاتٍ، تُوجِب وضوءًا؛ كبولٍ وغائطٍ وريحٍ ونومٍ، أو تُوجِب غُسلًا؛ كجماعٍ وخروجِ مَنيٍّ وحيضٍ، (فَنَوَى) بطهارتِه (أَحَدَهَا) أي: أحدَ الأحداثِ؛ كالنَّومِ في الأوَّل، والجماعِ في الثاني؛ (ارْتَفَعَ (^٦) كُلُّهَا) أي: جميعُ الأحداثِ؛ لتَداخُلِها؛ كما لو نوَى رفعَ الحَدثِ وأطلقَ.
_________________
(١) قوله: (الطهارة) سقط من (أ) و(س) و(د).
(٢) ينظر: الشرح الكبير ١/ ٣١٢.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (ومن هنا …) إلخ، أي: وعلم من قوله: (وإن نواهما حصلا)؛ فإنَّه قيَّد الحصول بالنية، فلا ثواب في غير منوي، فلو نوى غسل الواجب، ولم ينو غسل الجمعة؛ أجزأ الغسل الواجب عن غسل الجمعة، ولا يلزم من الإجزاء الثَّواب، بل يسقط الطلب فقط، فلو أراد الغسل المستحب بعد ذلك؛ فهل يحصل له ثواب، أو لا؛ لأنَّه سقط بالواجب، فإذا فعله يكون فعل غير مندوب ولا مطلوب؟ قال شيخنا: الظاهر لا ثواب. والله أعلم.
(٤) قوله: (ومن هنا …) إلخ، هو في (س): وعلم منه أنه ليس في الأولى.
(٥) في (س): ولو تنوعت أحداثه مجتمعة.
(٦) في (ك): ارتفعت.
[ ١٣٨ ]
لكنْ محلُّ ذلك: ما لم يُقيِّد النيَّةَ بأحدِ الأحداثِ على أنْ لا يَرتفع غيرُه، فإن قيَّد كذلك؛ لم يَرتفع غيرُ ما نواه.
ولو غَلِط مَنْ عليه حدثُ نومٍ، فنوَى حدثَ بولٍ؛ ارتفعَ حَدثُه؛ للتَّداخلِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَنْوِيَ) أي: أن (^١) يأتي بالنيَّةِ في وضوءٍ وغُسلٍ (عِنْدَ أَوَّلِ مَسْنُونٍ (^٢»؛ كغَسلِ الكفَّينِ، إن (وُجِدَ) ذلك المسنونُ (قَبْلَ وَاجِبٍ)، وهو التَّسميةُ، يَعني: أنَّه إذا أرادَ أن يُقدِّم غَسلَ كفَّيه على التَّسميةِ؛ سُنَّ له الإتيانُ بالنيَّةِ عندَ غَسلِهما؛ لتشملَ النيَّةُ مسنونَ الطَّهارةِ ومفروضَها، فيُثابَ عليهما.
وحيثُ عَلِمتَ ما تَقدَّم، وأَردتَ صفةَ الوضوءِ الكاملِ المشتمِلِ على ما يُسنُّ وما يَجب وما يُفترض (^٣)، (ف) هو ما أشارَ إليه بقولِه: (يَنْوِي) رفعَ الحَدثِ، أو يَقصد (^٤) بطهارتِه ما تَجب له أو تُسنُّ؛ كما تقدَّم في صفةِ النيَّةِ (^٥).
ويَستقبل القِبلةَ، (ثُمَّ يُسَمِّي) فيَقول: «باسمِ اللهِ»، لا يَقوم غيرُها مَقامَها، فلو قال: «باسم الرحمن»، أو نحوَه؛ لم يُجزِئه.
(ثُمَّ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا)، ولو تَيقَّن طهارتَهما، ويُقدِّم اليُمنى على اليُسرى ندبًا.
(ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ) بيَمينه قبلَ غَسلِ وجهِه ندبًا، ويَتسوَّك حالَ المضمضةِ، (ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِيَمِينِهِ، وَيَسْتَنْثِرُ) أي: يَستخرج ما في أنفه (بِيَسَارِهِ، ثَلَاثًا ثَلَاثًا)، بالنَّصب على الحال (^٦)، يَعني: أنَّه يَتمضمض ثلاثَ مرَّاتٍ، ويَستنشق ثلاثَ مرَّاتٍ.
_________________
(١) قوله: (أن) سقط من (ب).
(٢) في (س): أول مسنون في الوضوء.
(٣) في (د): يفرض، وقوله: (المشتمل على …) إلخ، سقط من (س).
(٤) في (س): ويقصد.
(٥) قوله: (ويقصد بطهارته …) إلخ، هو في (س): أو غيره كما تقدم.
(٦) قوله: (بالنصب على الحال) سقط من (س).
[ ١٣٩ ]
وذلك لحديثِ عثمانَ: «أنَّه تَوضَّأ، فدعَا بماءٍ، فغسَل يدَيه ثلاثًا، ثمَّ غرَف بيمينه، ثمَّ رفَعها إلى فيه فتَمضمض واستَنشق بكفٍّ واحدٍ، واستَنثر بيسارِه، فعَل ذلك ثلاثًا، ثمَّ ذكَر سائرَ الوضوءِ، ثمَّ قال (^١): إنَّ النبيَّ ﷺ تَوضَّأ لنا كما توضَّأتُ لكُم» رَواه سعيدٌ (^٢).
والأفضلُ في المضمضة والاستنشاقِ: أن يَفعلهما بغَرفةٍ واحدةٍ (^٣) ولا يَفصلَ بينهما، بل يأتي بمرَّاتِ المضمضةِ على حِدَتِها، ثم بمرَّاتِ الاستنشاقِ كذلك.
وتُسنُّ المبالغةُ فيهما لغيرِ صائمٍ، فتُكره له، وفي بقيَّةِ الأعضاءِ مطلقًا (^٤).
فالمبالغةُ في المضمضةِ: إدارةُ الماءِ (^٥) بجميعِ الفَمِ.
وفي استنشاقٍ: جَذبُه بنَفَسٍ إلى أَقصى أنفٍ.
والواجبُ أَدنى إدارةٍ في مضمضةٍ، وجذبُ ماءٍ إلى باطنِ أنفٍ في استنشاقٍ، فلا يَكفي مجرَّدُ وضعِ ماءٍ فيهما.
والمبالغةُ في بقيَّةِ الأعضاءِ: دَلْكُ ما يَنْبُو (^٦) عنه الماءُ.
(ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ)؛ للنَّصِّ، فيأخذ الماءَ بيَدَيه، أو بيَمينه ويَضمُّ إليها
_________________
(١) زاد في (أ): عثمان ﵁، وهي في (ب) حاشية.
(٢) لم نقف عليه في سنن سعيد، وعزاه إليه في كنز العمال (٢٦٨٩٠)، عن أبي مالك الدمشقي قال: حدثت أن عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء، ثم ذكره. وأخرجه بمعناه البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦).
(٣) كتب على هامش (ب): وإن شاء بثلاث غرفات، وإن شاء بست غرفات، وما قاله الشَّيخ هو الأفضل. ا هـ «غاية».
(٤) زيد في (ع): أي في الوضوء والغسل ومع الصوم والفطر.
(٥) في (س): ماء.
(٦) كتب على هامش (س): أي يرتفع. انتهى تقرير مؤلفه. وكتب على هامش (ب): أي: لا يطمئن.
[ ١٤٠ ]
الأُخرى، ويَغسله بهما ثلاثًا.
وحدُّ الوجهِ: (مِنْ مَنْبِتِ) أي: موضعِ نباتِ (شَعْرِ الرَّأْسِ المُعْتَادِ) غالبًا، فلا عبرةَ بالأَفْرَعِ (^١) الذي يَنبُت شعرُه في بعضِ جَبهتِه، ولا بالأَجلحِ الذي انْحسَر شَعرُه عن مُقدَّمِ رأسِه.
(مَعَ مَا انْحَدَرَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ)، تَثنيةُ «لحْيٍ» (^٢)، بفتحِ اللَّام وكسرِها، وهو كما في «المصباحِ»: (عَظمُ الحَنَكِ أي: ما عليه الأسنانُ)، قال: (وهو مِنْ الإنسانِ حيثُ يَنبت الشعرُ، وهو أَعلى وأَسفلُ، وجمعُه: أَلْحٍ بفتحٍ فسكونٍ فكسرٍ، ولُحِيٌّ بضمٍّ فكسرٍ فتشديدٍ) (^٣)، (وَالذَّقَنِ) بفتحتَين: مجمعُ اللَّحْيَين (^٤)، (طُولًا) أي: مِنْ جهةِ الطُّولِ.
(وَ) حدُّ الوجهِ (مَا بَيْنَ الأُذُنَيْنِ) أي: مِنْ الأُذنِ إلى الأُذنِ (عَرْضًا) (^٥)، أي مِنْ جهةِ العرضِ.
وإنَّما كان ما ذُكر حدَّ الوجهِ (^٦)؛ لأنَّ به تَحصل المواجهةُ (^٧)، فيَدخل فيه: عِذَارٌ، وهو شعرٌ نابتٌ على عظمٍ ناتئٍ يُسامِتُ (^٨) صِماخَ الأذنِ بكسرِ الصادِ المُهمَلةِ (^٩) أي: خَرقِها، وكذا بياضٌ بينَ عِذارٍ وأذنٍ، نصَّ عليه
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (بالأفرع): هو بالفاء. تقرير مؤلفه.
(٢) قوله: (تثنية لحي) سقط من (س).
(٣) ينظر: المصباح المنير ٢/ ١٥٥.
(٤) في (س): والذقن اللحيين.
(٥) قوله: (أي من الأذن إلى الأذن) سقط من (س).
(٦) قوله: (أي من جهة …) إلخ، سقط من (س).
(٧) في (س): لأن ذلك تحصل به المواجهة.
(٨) كتب على هامش (ب): أي: يحاذي.
(٩) قوله: (المهملة) سقط من (س).
[ ١٤١ ]
الخِرَقي (^١)، خلافًا لمالكٍ ﵀ (^٢)، وهو ممَّا يَغفُل النَّاس عنه.
لا صُدْغٌ، وهو ما فوقَ العِذارِ، يُحاذي رأسَ الأذنِ، ويَنزل عنه قليلًا.
ولا تَحذيفٌ، وهو الخارجُ إلى طَرفَي الجَبينِ بين النَّزَعةِ (^٣) ومُنتهى العِذارِ.
ولا النَّزَعتان، وهُما ما انْحسَر عنه الشَّعرُ مِنْ فَوْدَي (^٤) الرَّأسِ أي: جانبَي مقدَّمِه، بل كلُّ (^٥) ذلك مِنْ الرَّأس، فيُمسح معه.
(وَ) يَغسل وجوبًا (مَا فِيهِ) أي: في (^٦) وجهِه (مِنْ شَعَرٍ خَفِيفٍ) أي: يَصِف البشرةَ، فيَغسل شعورَ الوجهِ الخفيفةَ، ويَغسل ما تحتَها مِنْ البشرةِ؛ لأنَّ ما لا يَستره الشَّعرُ (^٧) يُشبه الخاليَ، وغُسِلَ الشَّعرُ تبعًا للمحلِّ.
(وَ) يَغسل وجوبًا مِنْ شعرِ الوجهِ (ظَاهِرَ الكَثِيفِ) أي (^٨): الساترِ للبشرةِ مِنْ لِحيةٍ وعَنْفَقَةٍ وشاربٍ وحاجبَين، ولو لأُنثى وخُنثى، (وَيُخَلِّلُ) ندبًا (بَاطِنَهُ) أي: باطنَ الشعرِ (^٩) الكثيفِ، فيُخلِّل لِحيتَه الكثيفةَ بكَفٍّ مِنْ ماءٍ يَضعه مِنْ تَحتِها بأصابعِه مُتشبِّكة في اللِّحيةِ، أو مِنْ جانبَيْها (^١٠)، ويَعرُكها.
_________________
(١) ينظر: مختصر الخرقي ص ١٣.
(٢) ينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف ١/ ١١٨، بداية المجتهد ١/ ١٨.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (النَّزعة)؛ بفتح الزَّاي، وقد تسكَّن. م ص.
(٤) في (د): فردي، وفي (ك): فودبي، وفي (ع): فوادي. وكتب على هامش (س): قوله: (فودي): هو بالدال المهملة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٥) قوله: (كل) سقط من (أ) و(ك) و(د).
(٦) في (س): باقيه أي باقي.
(٧) في (س): شعره.
(٨) قوله: (أي) سقط من (س).
(٩) في (س): شعره.
(١٠) في (ب): جانبها.
[ ١٤٢ ]
فإن كان بعضُ شَعرِه خفيفًا، وبعضُه كثيفًا؛ فلكلٍّ حُكمُه.
وسُنَّ غسلُ باطنِ شَعرٍ كثيفٍ غيرِ شَعرِ لِحيةِ الذَّكرِ، فيُخلِّلها فقط.
ويَجب غسلُ ما خرَج عن حدِّ الوجهِ مِنْ الشَّعرِ المسترسِلِ؛ لمشاركتِه للوجهِ في المواجهةِ، بخلافِ ما نزَل مِنْ الرَّأسِ؛ لعدمِ مشاركتِه له في الترؤُّسِ (^١).
ولا يَجب غسلُ داخلِ عينٍ لحدثٍ أو نجاسةٍ (^٢)، بل ولا يُسنُّ ولو أَمِن الضَّررَ، بل يُكره.
(ثُمَّ) يَغسل (يَدَيْهِ مَعَ مَرْفِقَيْهِ)؛ للنَّصِّ، (ثَلَاثًا)؛ لحديثِ عثمانَ (^٣) وغيرِه، حتَّى مع إصبعٍ زائدةٍ، وظُفرٍ ولو طالَ (^٤)، ويَدٍ أَصلُها بمحلِّ فرضٍ (^٥)، أو غيرِه (^٦) ولم تَتميَّز (^٧).
(وَيُعْفَى) في الوضوء (عَنْ يَسِيرِ وَسَخٍ)، مِنْ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ،
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (الترؤس) أي: العلو. انتهى تقرير مؤلفه.
(٢) كتب على هامش (ب): (قوله: لا يجب غسل نجاسة داخل عين …) إلخ، وهي طاهرة في محلِّها، ويتَّجه: دمعه طاهر؛ لعسر التَّحرُّز منه، وهذا مخالف للقواعد، إذ المعجوز عنها الَّتي يعفى عنها في محلِّها؛ كأثر الاستجمار. اه غاية.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦).
(٤) قوله: (وظفر ولو طال) ذكر في (س) بعد قوله: (ولم تتميز).
(٥) كتب على هامش (ب): أي: مطلقًا، سواء تميَّزت أم لم تتميَّز. اه.
(٦) كتب على هامش (ب): أي: غير محلِّ الفرض؛ بأن تدلَّى له ذراعان بيدين من العضد، ولم تتميَّز الزَّائدة منهما، فيغسلهما؛ ليخرج من الوجوب بيقين، كما لو تنجَّست إحدى يديه وجهلها. اه «شرح المنتهى».
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (ولم تتميز): راجع لقوله: (أو غيره) فقط. انتهى تقرير مؤلفه. كتب أيضًا على هامش (ب): قال المصنف في «شرح المنتهى»: وعلم من كلامه أي: كلام صاحب «المنتهى»: أنَّه لو كان له يد زائدة أصلها بغير محلِّ الفرض وتميَّزت؛ لم يجب غسلها، قصيرة كانت أم طويلة. انتهى.
[ ١٤٣ ]
أي: عن وسخٍ يسيرٍ، (تَحْتَ ظُفُرٍ) ونحوِه كشَعرٍ (^١)، ولو منَع وصولَ الماءِ؛ لكثرةِ وقوعِه عادةً، فلَو لم يصحَّ معه الوضوءُ لبيَّنه النبيُّ ﷺ؛ إذْ لا يَجوز تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ.
ومَن خُلِق بلا مِرفَقٍ؛ غسَل إلى قَدْرِه في غالبِ النَّاسِ.
(ثُمَّ يَمْسَحُ) جميعَ ظاهرِ (رَأْسِهِ)؛ قياسًا على مسحِ الوجهِ في التيمُّمِ في وجوبِ الاستيعابِ، بجامعِ الأمرِ بمسحِهما، ولأنَّه ﵇ مسَح جميعَه (^٢)، وفِعلُه يُبيِّن الآيةَ.
والرَّأسُ مِنْ حدِّ الوجهِ إلى ما يُسمَّى قفًا.
ويَكون بماءٍ جديدٍ (^٣) غيرِ ما فضَل عن ذِراعَيه.
وكَيفما مسَحه أجزأَ، ولو بإصبعٍ أو نحوِ خرقةٍ، حتى لو أَصابه ماءٌ، فأَمرَّ يدَه عليه.
والمسنونُ: أن يَبدأ بيدَيه مَبلولتَين مِنْ مُقدَّم رأسِه، فيَضع طرفَ إحدى سبَّابتَيه على طرفِ الأُخرى، ويَضع إبهامَيه على صُدْغَيه، ثمَّ يُمِرَّهما (^٤) على قَفاه،
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (عن يسير وسخ تحت ظفر ونحوه كشعر) أي: وأنف، وألحق الشَّيخ تقي الدِّين به كلَّ يسير منع حيث كان بالبدن؛ كدم وعجين ونحوهما، واختاره. انتهى.
(٢) أخرجه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، من حديث عبد الله بن زيد ﵁.
(٣) كتب فوقها في (ب): وجوبًا. وكتب في هامش (ع): قوله: (ويكون بماء جديد …) إلخ، يعني فلا يجزئ لو خالف ومسح بما فضل منهما؛ لأن البلة الباقية في يده مستعملة إن كانت من الغسلة الأولى، قاله المصنف في حاشية المنتهى، فمفهوم ما في حاشيته: أنه إن لم يكن من الغسلة الأولى بل كان من الغسلة الثانية أو الثالثة أنه يجزئه؛ لأنهما ليسا مستعملين، فتأمل والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٤) في (س): يمر بهما.
[ ١٤٤ ]
ثم يَردَّهما (^١) إلى مقدَّمه ولو خافَ انتشارَ شَعرِه بماءٍ واحدٍ (^٢)، فلو وضَع نحوَ يدِه على رأسِه مبلولًا بلا مَسحٍ؛ لم يُجزِئه.
ويُجزِئ غَسلُه مع الكراهةِ إن أَمرَّ يدَه، وإلّا فلا، ما لم يَكُنْ جُنبًا، ويَنوي الطهارتَين.
(ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ)، ظاهرَهما وباطنَهما؛ لأنَّهما مِنْ الرَّأس؛ كما في حديثٍ رَواه ابنُ ماجَه، وتَقدَّم (^٣).
والبياضُ فوقَهما (^٤) تحتَ (^٥) الشَّعرِ مِنْ الرَّأس، فيَجب مسحُه معه.
وكيف مسَحهما أجزأَ، والمسنونُ: أن يُدخل سبَّابتَيه في صِماخَيهما، ويَمسح بإبهامَيه ظاهرَهما، ولا يَجب مسحُ ما اسْتَتر بالغَضاريفِ.
ويَكون مسحُ رأسِه وأُذنَيه (مَرَّةً (^٦»؛ لأنَّ أكثرَ مَنْ وصَف وضوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ذكَر أنَّه مسَح رأسَه واحدةً، قال أبو داودَ: أحاديثُ عثمانَ الصِّحاحُ كلُّها تَدلُّ على أنَّ مسحَ الرأسِ واحدةٌ (^٧).
_________________
(١) في (س): يرد بهما.
(٢) كتب على هامش (ب): فلا يأخذ ماء بعوده. اه.
(٣) كتب فوقها في (ب): أي في فروضه. ينظر: ١/ ١٢٨.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (والبياض فوقهما) أي: الأذنين من الرَّأس، وذكر بعضهم أنَّه ليس من الرَّأس إجماعًا. انتهى «شرح منتهى».
(٥) في (س): دون. وكتب على هامش (س): قوله: (دون الشَّعر) أي: تحته، فليس المراد النفي. انتهى تقرير المؤلف.
(٦) كتب على هامش (ع): وحكمته في ذلك: أنه لما كان جريان الماء على الرأس والأذنين يخشى منه الضرر، فلذلك عدل عن الغسل إلى المسح، فلو استحب تكرر الغسل؛ لعاد المعنى الذي لأجله عدل عن الغسل إلى المسح. والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٧) ينظر: سنن أبي داود ١/ ٢٦.
[ ١٤٥ ]
(ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ)؛ للنَّصِّ، (ثَلَاثًا)؛ لحديثِ عثمانَ وغيرِه، والكَعبان: هُما العَظمان النَّاتِئان، أي: المُرتَفِعان في جانبَي الرِّجلِ.
(ثُمَّ) بعدَ فراغِه مِنْ الوضوءِ (يَقُولُ (^١» نَدبًا، حالَ كَونِه (رَافِعًا بَصَرَهُ) ووجهَه (لِلسَّمَاءِ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»)؛ لحديثِ عمرَ يَرفعه قال: «ما مِنكم مِنْ أَحدٍ يَتوضَّأ، فيُبلِغُ أو يُسبِغُ الوضوءَ، ثمَّ يَقول وذكَر ما تَقدَّم إلّا فُتِحَت له أبوابُ الجنَّةِ الثَّمانيةُ، يَدخل مِنْ أيِّها شاءَ» رَواه مسلمٌ (^٢)، ورَواه الترمذيُّ وزادَ فيه: «اللَّهمَّ اجْعَلْني مِنْ التوَّابِين، واجْعَلْني مِنْ المُتطهِّرِين» (^٣).
زادَ في «الإقناع» (^٤) على روايةِ الترمذيِّ: «سُبحانَك اللَّهُمَّ وبحَمدِكَ، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا أنتَ، أَستغفرُكَ وأَتوب إليكَ».
(وَيَغْسِلُ) وجوبًا (أَقْطَعُ (^٥» يدٍ أو رِجلٍ (بَاقِيَ فَرْضِهِ) أي: ما بقيَ مِنْ محلِّ فرضٍ أصلًا، أو تبعًا (^٦)؛ كرأسِ عَضُدٍ وساقٍ، وكذا تيمُّمٌ.
فإن لم يَبقَ شيءٌ؛ استُحبَّ مسحُ محلِّ قطعٍ بماءٍ، لا ترابٍ.
_________________
(١) في (س): قول.
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٤).
(٣) أخرجه الترمذي (٥٥)، وأُعل بالاضطراب والانقطاع، وله شواهد حسنها به بعض أهل العلم. ينظر: البدر المنير ٢/ ٢٨٣، الإرواء ١/ ١٣٤.
(٤) ينظر: الإقناع ١/ ٣٢.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (يغسل أقطع …) إلخ، أي: وله ثلاث صور، الأولى: أن يُقطع من مفصل كعب أو مرفق: يغسل وجوبًا طرف عضد وساعد. ومن دونه: يغسل وجوبًا باقي محل الفرض. ومن فوقه: يمسح ندبًا محل قطع بماء، لا يمسحه بتراب، وكذا حكم تيمم. ا هـ «غاية».
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (أصلًا أو تبعًا) أي: ما كانت فرضيته بحسب الأصالة كذراع ونحوه، أو بحسب التبعية، وهو ما مثل له بقوله: (كرأس عضد ..) إلخ. انتهى تقرير مؤلفه.
[ ١٤٦ ]
(وَيُبَاحُ) لمتطهِّرٍ (تَنْشِيفُ) أعضائِه، أي: مَسحُها بنحوِ مِنديلٍ (^١)؛ لِما روَى سلمانُ: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَوضَّأ، ثمَّ قلَب جُبَّةً كانت عليه، فمسَح بها وجهَه» رَواه ابنُ ماجَه (^٢).
(وَ) يُباح (مُعِينٌ (^٣» لمتطهِّرٍ، يُقرِّب ماءَ وضوئِه أو غُسلِه، أو يَصبُّه عليه؛ لأنَّ «المغيرةَ بنَ شُعبةَ أَفرَغ على النبيِّ ﷺ مِنْ وَضوئِه» رَواه مسلمٌ (^٤).
والأفضلُ تَركُهما (^٥).
(وَمَنْ وُضِّئَ)، بالبناء للمفعول، أي: وضَّأَه غيرُه، مسلمًا كان ذلك الغيرُ (^٦) أو كتابيًّا (^٧)، ومِثلُه: غُسلٌ وتيمُّمٌ، (بِإِذْنِهِ) أي: بإذنِ المفعولِ به، قال المصنِّفُ: (قلتُ: وكذا تَمكينُه مِنْ ذلك؛ بأن ناولَه أعضاءَه مِنْ غيرِ قولٍ) انتهى (^٨)، وهو داخلٌ في مطلقِ الإذنِ؛ لشُمولِه الإذنَ العُرفيَّ، (وَنَوَاهُ) المتوضِّئُ ونحوُه؛ (صَحَّ)، وكُره بلا عذرٍ.
_________________
(١) قوله: (أي مسحها بنحو منديل) سقط من (س).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٦٨)، قال البوصيري: (هذا إسناد فيه مقال، محفوظ بن علقمة عن سلمان يقال مرسل)، وضعف النووي إسناده. ينظر: المجموع ١/ ٤٥٩، مصباح الزجاجة ٤/ ٨٣.
(٣) كتب على هامش (ع): قوله: (ويباح معين) لا يخفى أن الإباحة في هذا الموضع لا يصدق عليها التعريف بأنه ما يستوي فعله وتركه، فإن الترك هنا [يترجح] على الفعل؛ لأنه أفضل كما لا يخفى، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٤) أخرجه البخاري (٢٠٣)، ومسلم (٢٧٤).
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (تركهما) أي: التنشيف والمُعِين. انتهى تقرير المؤلف.
(٦) قوله: (ذلك الغير) هو في (س): الموضئ.
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (كتابيًا) أي: وغيره من الكفار مثله، واقتصر عليه؛ لأنه الغالب في الاجتماع. انتهى تقرير مؤلفه. وكتب على هامش (ب): قوله: (أو كتابيًّا) لا مفهوم له إذ الكافر غير الكتابي حكمه حكمه، كما في شرحي «الإقناع» و«المنتهى».
(٨) ينظر: كشاف القناع ١/ ٢٤٧.
[ ١٤٧ ]
فإن أَكره المتوضِّئُ شخصًا (^١) يُوضِّئه أو يُغسِّله أو يُيمِّمه؛ لم يصحَّ، كما قال في «المنتهى» (^٢): لا إن أُكره فاعلٌ (^٣).
وإن أَكره مَنْ يَصبُّ عليه الماءَ؛ لم يصحَّ أيضًا، كما قال (^٤) في «الإقناع» (^٥)، وقِيل: يصحُّ، قال المصنِّفُ: وهو أظهرُ (^٦)؛ لأنَّ النَّهيَ يَعود لخارجٍ؛ لأنَّ صَبَّ الماءِ ليس مِنْ شرطِ الطَّهارةِ. انتهى (^٧).
وفيه نظرٌ (^٨)؛ فإنَّ هذه الصورةَ كالتي قبلَها في غَسلِ جزءٍ مِنْ اليَدِ في محلِّ غَسلِها، وليسَت مِنْ قَبيلِ الصَّبِّ الخارجِ عن شرطِ الطَّهارةِ في كلِّ الأعضاءِ، بل في الأكثرِ؛ فإنَّ المتوضِّئَ في هذه الصورةِ هو الذي يُوصِل الماءَ إلى وجهِه ورأسِه ورِجلَيه وأكثرِ يدَيه، لا إلى جميعِ يديْهِ (^٩)؛ لأنَّ أوَّلَ جزءٍ يُلاقي الماءَ مِنْ يدَيه يَصير غَسلُه بفِعلِ المُكرَه بفتحِ الراءِ فلم يصحَّ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) قوله: (أكره المتوضئ شخصًا) هو في (س): أكره مَنْ يوضئه.
(٢) ينظر: المنتهى مع حاشية عثمان ١/ ٥٦.
(٣) كتب على هامش (ب): أي: هذا قول «المنتهى».
(٤) قوله: (قال) سقط من (أ) و(س) و(د).
(٥) ينظر: الإقناع ١/ ٣٢.
(٦) في (س): يظهر.
(٧) ينظر: كشاف القناع ١/ ٢٤٧. وكتب على هامش (ب): أقول: تعليل الشَّارح وانتصاره لما في «الإقناع» ليس فيه إقناع، نعم هو جواب إقناعي، وأيُّ فرق بينه وبين إناء مغصوب يغترف منه المتوضِّئ، أو يتوضَّأ منه؛ إذ من المعلوم أنَّه آلة للماء المباح، وإلَّا لما انضبط كما لا يخفى على محصِّل، فالصَّحيح المعتمد عندي: أنَّ الطَّهارة صحيحة فيما إذا أَكره من يصبُّ عليه الماء، كما يظهر لكلِّ نبيه، ولا يقتضي المذهب غيره. ا هـ. م س.
(٨) كتب على هامش (ع): قوله: (وفيه نظر) تعليله أن بطلان الوضوء منشأه من غسل جزء من اليدين في محله، فظاهره أن المتوضئ لو انفرد بغسلهما دون إكراه فيهما؛ صح وقوة يديه […] فيه مثل هذه الصورة. والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٩) في (د): لا إلى جميع بدنه.
[ ١٤٨ ]
ولمَّا فرَغ المصنِّفُ مِنْ بيانِ صفةِ الوضوءِ (^١) أشار إلى بعض مسنوناته فقال (^٢): (وَيُسَنُّ فِي وُضُوءٍ):
(سِوَاكٌ) عندَ مضمضةٍ، كما تَقدَّم بدليلِه.
(وَغَسْلُ كَفَّيْهِ) ثلاثًا (إِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ)، فإن كان قائمًا منه؛ (فَيَجِبُ) غَسلُهما ثلاثًا تعبُّدًا، بنيَّةٍ شُرِطَت، وتسميةٍ وَجبَت، ويَسقط غَسلُهما والتسميةُ سهوًا.
ومُقتضى كلامِ «المبدِعِ»: أنَّه لو تَذكَّر غَسلَهما في الأثناءِ؛ لم يَستأنف، بل ولا يَغسلُهما (^٣)، بخلافِ تسميةٍ في وضوءٍ؛ لأنَّها منه. قاله المصنِّفُ (^٤).
(وَالبِدَاءَةُ)، بكسرِ الباءِ والمدِّ، والضَّمُّ لغةٌ، بمعنى: الابتداءِ، (قَبْلَ) غَسلِ (وَجْهٍ بِمَضْمَضَةٍ فَاسْتِنْشَاقٍ).
(وَمُبَالَغَةٌ فِيهِمَا) أي: في المضمضةِ والاستنشاقِ (لِغَيْرِ صَائِمٍ)، فتُكرَه له، كما تَقدَّم.
(وَتَخْلِيلُ لِحْيَةٍ) وبقيَّةِ شُعورٍ (كَثِيفَةٍ) في الوجهِ.
(وَ) تَخْلِيلُ (أَصَابِعِ) يدَين ورِجلَين، فتخليلُ أصابعِ يدَيه بالتَّشبيكِ، وتخليلُ أصابعِ رِجلَيه بخِنصرِ يَدِه اليُسرى، يَبدأ بخِنصرِ رِجلِه اليُمنى إلى إبهامِها،
_________________
(١) من قوله: (وفيه نظر …) إلى هنا سقط من (س).
(٢) قوله: (أشار إلى بعض مسنوناته فقال) هو في (س): ثم أشار المصنف إلى بعض مسنونات الوضوء فقال.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (في الأثناء) أي: أثناء الوضوء. وقوله: (بل ولا يغسلهما) أي: لا يجب. انتهى تقرير مؤلفه.
(٤) في (س): كما قاله المصنف. وينظر: المبدع ١/ ١٥٠، وكشاف القناع ١/ ٢١٠.
[ ١٤٩ ]
وبإبهامِ اليُسرى إلى خِنصرِها؛ فهو بخِنصرٍ، مِنْ خنصرٍ، إلى خِنصرٍ.
(وَتَيَامُنٌ)، فيُقدِّم اليُمنى على اليُسرى، حتى بينَ كفَّي قائمٍ مِنْ نومِ ليلٍ، وبينَ أُذنَين، كما قدَّمه في «الإقناع» عن الزَّركشيِّ (^١)، وقال الأَزَجيُّ (^٢): يَمسحهما معًا.
(وَدَلْكُ) ما يَنْبُو عنه الماءُ.
(وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ)، غيرِ ماءِ الرَّأسِ (^٣).
(وَغَسْلَةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَكُرِهَ) زيادةٌ (فَوْقَهَا) أي: الثالثةِ؛ لقولِه ﷺ في حديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جدِّه، لمَّا سُئِل عن الوضوء، فأَراه ثلاثًا ثلاثًا: «فمن زادَ على هذا أو نقَص فقَد أساءَ وتَعدَّى وظلَم (^٤)» رَواه أبو داودَ (^٥)،
_________________
(١) ينظر: الإقناع ١/ ٣١. والزركشي: شمس الدين محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي المصري الحنبلي، أبو عبد الله، من مصنفاته: شرح الخرقي، مات سنة ٧٧٢ هـ. ينظر: معجم المؤلفين ١٠/ ٢٣٩، تسهيل السابلة ٢/ ١١٥٨.
(٢) هو يحيى بن يحيى الأزجي الفقيه، ولا يعرف عنه أكثر من ذلك، قال ابن رجب: (وقد ذكر في كتابه: أنه قرأ بنفسه على ابن كليب الحراني، ولم أعلم له ترجمة، ولا وجدته مذكورًا في تاريخ، ويغلب على ظني: أنه توفي بعد الستمائة بقليل)، وله من المصنفات: نهاية المطلب في علم المذهب، ولا يعرف له غيره. ينظر: ذيل الطبقات ٣/ ٢٤٨.
(٣) قوله: (ماء جديدٍ للأذنين غير ماء الرَّأس) هو في (أ) و(ك): ماء جديدٍ غير ماء الرَّأس للأذنين.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (فقد أساء …) إلخ، قال الأُبِّي: أي: أساء الأدب الشَّرعي، وتعدَّى ما حدَّ له، وظلم في إتلافه الماء ووضعه في غير محلِّه. نقله م خ.
(٥) أخرجه أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١٤٠)، وصححه النووي وابن القيم، وزيادة: «أو نقص» أعلها بعض الأئمة. ينظر: المحرر لابن عبد الهادي (٤١)، إغاثة اللهفان ١/ ١٢٧، الصحيحة للألباني (٢٩٨٠).
[ ١٥٠ ]
وتكلَّم مسلمٌ على قولِه: «أَوْ نقَص»، وأوَّلَه البَيهقيُّ على نُقصانِ العضوِ (^١)، واستحسنَه الذَّهبيُّ (^٢).
(فصل)