مِنْ زرعٍ وثمرٍ ومعدِنٍ ورِكازٍ، وما يَتبع ذلك، وهو العسلُ الخارجُ مِنْ النَّحل (^١).
والأصلُ في وجوبها في ذلك: قولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «حقُّه: الزَّكاةُ فيه، مرَّةً العُشرُ ومرَّةً نصفُ العُشرِ» (^٢).
(تَجِبُ) الزَّكاةُ (فِي كُلِّ مَا يُكَالُ وَيُدَّخَرُ)، نصًّا (^٣).
ويَدلُّ لاعتبارِ الكَيلِ حديثُ: «ليسَ فيما دونَ خَمسةِ أَوْسُقٍ صدقةٌ» متَّفق عليه (^٤).
ويَدلُّ لاعتبارِ الادِّخارِ: أنَّ غيرَ المدَّخرِ لا تَكمل فيه النِّعمةُ؛ لعدمِ النَّفعِ فيه مآلًا.
ثمَّ بيَّن «ما» بقوله: (مِنْ حَبٍّ)؛ كقمحٍ وشَعيرٍ وباقِلَاءَ وأَرُزٍّ وحِمِّصٍ (^٥) وذُرَةٍ ودُخْنٍ وعَدَسٍ، وسائرِ أنواع الحبِّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ (^٦) قُوتًا؛ كَ) حبِّ (القِرْطِمِ) (^٧)
_________________
(١) كتب على هامش (ع): احترز به عن العسل الخارج من غير النحل؛ كعسل التمر ونحوه. م س.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٩٢٨)، وابن أبي شيبة (١٠٤٧٢)، والطبري في التفسير (٩/ ٥٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٧٥٠١)، وغيرهم، ومداره على الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث، وقد اضطرب فيه.
(٣) ينظر: الأحكام السلطانية ص ١٢٢.
(٤) أخرجه البخاريُّ (١٤٤٧)، ومسلمٌ (٩٧٩)، عن أبي سعيد الخدريِّ ﵁.
(٥) كتب على هامش (ب): أي بضمَّتين مع تشديد الميم. انتهى.
(٦) في (أ): لم تكن.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (القِرطِم) هو حبُّ العُصفُر، وهو بكسر القاف والطاء، أصحُّ من ضمِّهما، كما قاله ابن قندس. قاله عبد الوهاب في قطعته.
[ ٥٤٧ ]
والرَّشادِ والفُجلِ، والأَبازيرِ كلِّها؛ ككُسْفُرَةٍ، وكَمُّونٍ، وبَذرِ كَتَّانٍ، وقِثَّاءٍ، وخِيارٍ؛ لعمومِ قولِه ﷺ: «فيما سَقَتِ السَّماءُ والعيونُ العُشرُ» رَواه البخاريُّ (^١).
(وَ) مِنْ (ثَمَرٍ؛ كَتَمْرٍ، وَزَبِيبٍ، وَلَوْزٍ)، وفُستُقٍ، وبُندُقٍ.
ولا تَجِب في سائرِ الثِّمارِ، ولا في الخُضَرِ والبُقولِ والزُّهورِ ونحوِها، غيرَ (^٢) صَعْترٍ (^٣) وأُشْنانٍ وسُمَّاقٍ، ووَرقِ شجرٍ يُقصد (^٤)؛ كسِدرٍ وخِطْمِيٍّ وآسٍ، فتَجِب فيها؛ لأنَّها مَكيلةٌ مدَّخَرةٌ.
وإنَّما تَجِب الزَّكاةُ فيما ذُكِر (إِنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَهُوَ) أي: النِّصابُ، أي: قَدْرُه بعدَ تصفيةِ حَبٍّ مِنْ قِشرِه، وجَفافِ غيرِه (^٥): (خَمْسَةُ أَوْسُقٍ)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ الخُدريِّ يَرفعه: «ليس فيما دونَ خمسةِ أوْسُقٍ صدقةٌ» رَواه الجماعةُ (^٦).
والوَسْقُ: ستُّونَ صاعًا، وتَقدَّم (^٧) أنَّه (^٨) خمسةُ أَرطالٍ وثلثٌ عراقيٌّ، فهي به
_________________
(١) أخرجه البخاريُّ (١٤٨٣)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) قوله: (غير) سقط من (د).
(٣) قال في الصحاح (٢/ ٦٨٥): (السَعْتَرُ: نبتٌ، وبعضهم يكتبه بالصاد في كتب الطب، لئلا يلتبس بالشعير).
(٤) كتب على هامش (ع) و(د): قوله: (وورق شجر يقصد) قال الحجاوي في حاشية «التنقيح» بعد حكاية كلام «المقنع» ما نصه: وقال في الفصول: فأما الأوراق المنتفع بها كالسدر والخطمي والآس؛ فلا زكاة فيها رواية واحدة، ذكره شيخنا أبو يعلى، ولأن ثمر النبق لا تجب فيه الزكاة؛ فأولى ألا يجب في ورقه. انتهى. وجزم به في «المغني» والشرح وزاد: ولا في الأشنان والصعتر، وجزم به في «الحاوي الكبير». ح م خ.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (وجفاف غيره) أي: غير الحبِّ، وهو الثَّمر، والجفاف بفتح الجيم: اليبس، كما في «المطلع». ا هـ.
(٦) أخرجه البخاريُّ (١٤٤٧)، ومسلمٌ (٩٧٩).
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (وتقدَّم) أي: في الغسل. ا هـ. قلنا: لم يتقدم.
(٨) كتب فوقها في (ب): أي: الصَّاع.
[ ٥٤٨ ]
ألفٌ وستُّمائةِ رِطلٍ، وبالإرْدَبِّ المِصريِّ: ستَّةُ أَرادِبَ ورُبعُ إردَبٍّ؛ لأنَّ الوَسْقَ إردَبٌّ وربعُ إردَبٍّ.
والوسْقُ والمُدُّ والصَّاعُ: مَكاييلُ نُقِلَت إلى الوزنِ (^١)؛ لتُحفظَ (^٢) وتُنقلَ.
وتُعتَبر بالبُرِّ الرَّزينِ، فمَن اتَّخذ مِكْيَلًا (^٣) يسَع صاعًا منه (^٤)؛ عرَف به ما بلَغ حدَّ الوجوبِ (^٥) مِنْ غيره (^٦).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (نقلت إلى الوزن) النَّقل على ما في «الصحاح»: تحويل الشَّيء من موضع، فلا بدَّ من تجريدِ قولهِ: (نقلت) عن بعض معناه، أي: حوِّلت إلى الوزن، أي: جعلت الموازين بعد أن كانت مكاييل، وأمَّا قوله: (وتنقل) فهو مستعمل في معناه الحقيقي، فهو معنى ثان للفظ النقل. م خ. ع ن.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (لتحفظ) أي: تعلم وتنقل إلى البلاد. انتهى تقرير المؤلف.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (مكيلًا) بكسر الميم، أي: آلة للكيل. ا هـ.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (منه) أي: من البر، وضمير (من غيره) راجع إلى البرِّ أيضًا. انتهى تقرير المؤلف. وكتب فوقها في (ب): أي: من البرِّ الرَّزين.
(٥) كتب فوقها في (ب): أي: النِّصاب.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (لتحفظ)، أي: من الزيادة والنقص. ا هـ. وقوله: (من غيره) أي: الذي لم يبلغه. ا هـ. وكتب على هامش (ع): قوله: (فمن اتخذ مكيلًا …) إلخ، أي: اتخذ ما يسع صاعًا، وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي من البر الرزين، ثم كال به ما شاء من ثقيل كتمر وأرز، أو خفيف كشعير؛ عرف به، [مقدار] البالغ حد الوجوب من غيره أي: فهو الصاع الشرعي المقدر به النصاب، ولا نظر إلى الصاع المتعارف، فإنه أكبر من هذا المقدار، ففائدة ما ذكره المصنف ﵀ من قوله: (فمن اتخذ …) إلخ، بيان قدر الصاع الذي به تحديد النصاب، فيكال بالصاع الذي وزنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي بالبر الرزين جميع الحبوب، فإذا بلغ النوع منها ثلاثمائة صاع؛ وجبت فيه الزكاة، ولو كان الصاع من غير البر من الحبوب أكثر من خمسة أرطال وثلث كالأرز أو أقل كالشعير؛ فلا نظر لنا إلى الوزن، وأيضًا المعتبر هو الكيل، وذكر الوزن إنما هو بضبط الصاع، فإنه مختلف فيه، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٥٤٩ ]
(وَيُضَمُّ زَرْعُ العَامِ الوَاحِدِ وَثَمَرُهُ) أي: العامِ الواحدِ (بَعْضُهُ)، بالرَّفع (^١) بدلٌ مِنْ «زرع» و«ثمر»، (إِلَى بَعْضٍ)، ولو ممَّا يَحمل في السَّنةِ حِملَين (^٢)، (فِي تَكْمِيلِ نِصَابٍ) إذا كان (^٣) مِنْ نوعٍ واحدٍ؛ كزرعِ بُرٍّ إلى مِثلِه، وتَمرِ (^٤) نخلٍ إلى مِثلِه؛ لعمومِ الخبرِ، وكَما (^٥) لو بدَا صلاحُ أَحدِهما قبلَ الآخرِ، سواءٌ اتَّفق (^٦) وقتُ إطْلاعِهما وإدراكِهما أو اختَلَف، تَعدَّد البلدُ أو لا.
(لَا جِنْسٌ إِلَى آخَرَ)، فلا يُضَمُّ بُرٌّ لشَعيرٍ، ولا تَمرٌ لزَبيبٍ في تكميلِ نصابٍ؛ كالمَواشي.
ويُعتبر أيضًا لوجوبِ الزَّكاةِ فيما تَقدَّم: أن يَكون النِّصابُ مملوكًا وقتَ وجوبِ الزَّكاةِ، وإلى هذا أشارَ بقوله: (وَلَا تَجِبُ) زكاةٌ (فِيمَا مَلَكَهُ (^٧) بَعْدَ وُجُوبِ) ها، وهو بُدُوُّ الصَّلاحِ، وذلك (كَمُكْتَسَبِ (^٨) حَصَّادٍ)، بتشديدِ الصادِ، أي: ما يَكتسبه حصَّادٌ مِنْ الزَّرع أجرةً لحصادِه، (وَنَحْوِهِ)، كما يَكتسبه لَقَّاطٌ.
(وَلَا) في (مَا اجْتَنَاهُ) أي: جمَعه (مِنْ مُبَاحٍ؛ كَبُطْمٍ (^٩)، وَزَعْبَلٍ) بوَزنِ «جعفرٍ»، وهو شَعيرُ الجبلِ، (أَوْ) أي: ولا فيما (اشْتَرَاهُ) أو وَرِثَه ونحوِه (بَعْدَ
_________________
(١) قوله: (بالرفع) سقط من (أ) و(س).
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (ولو ممَّا …) إلخ، أي: ولو كان الثَّمر ممَّا، أي: شجر يحمل في السنة حملين؛ كالذرة التي تنبت في العام مرَّتين. ا هـ. م ص.
(٣) في (أ) و(س): كانا.
(٤) في (د) و(س): وثمر.
(٥) في (أ) و(س): فكما.
(٦) زيد في (د): قبل.
(٧) في (ب): ملك.
(٨) كتب على هامش (س): بفتح السِّين اسم مفعول. انتهى.
(٩) قال في القاموس المحيط ص ١٠٨٠: (البُطْمُ: بالضمِّ، وبضمتين: الحبة الخضراء، أو شجرها، ثمره مُسَخِّن مُدِرٌّ باهيٌّ، نافع للسُّعال واللَّقْوَة والكُلْية).
[ ٥٥٠ ]