وأوقاتِ النَّهيِ
والتَّطوُّعُ لغةً: فِعلُ الطَّاعةِ. وشرعًا: طاعةٌ غيرُ واجبةٍ (^١).
وأفضلُ ما يُتطوَّع به: الجهادُ، ثمَّ النَّفقةٌ فيه، ثمَّ العلمُ تعلُّمُه وتعليمُه (^٢)، مِنْ حديثٍ وفقهٍ وتفسيرٍ، ثمَّ الصَّلاةُ.
(وَآكَدُهَا)، بمدِّ الهمزةِ، أي: أَزْيَدُها فضيلةً: صلاةُ (كُسُوفٍ).
(فَ) صلاةُ (^٣) (اسْتِسْقَاءٍ)؛ لأنَّه ﷺ لم يُنقل عنه أنَّه ترَك صلاةَ الكسوفِ عندَ وجودِ سببِها، بخلاف الاستسقاءِ؛ فإنَّه كان يَستسقي تارةً ويَترك أُخرى.
(فَتَرَاوِيحُ)؛ لأنَّها تُسنُّ لها الجماعةُ.
(فَوِتْرٌ)؛ لأنَّه تُسنُّ له الجماعةُ بعدَ التَّراويحِ، وهو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، رُوي عن الإمامِ أحمدَ ﵀ (^٤): مَنْ ترَك عمدًا الوترَ فهو رجلُ سوءٍ، لا يَنبغي أن تُقبَل له شهادةٌ (^٥).
(وَوَقْتُهُ) أي: وقتُ الوترِ: (بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ)، ولو مجموعةً مع المغربِ
_________________
(١) كتب على هامش (ح): قال الحجاوي: التطوع: ما لم يثبت فيه نص بخصوصه، والسنة: فعل ما واظب عليه ﷺ، والمستحب: ما لم يواظب عليه لكنه فعله.
(٢) كتب على هامش (ب): قال أبو الدرداء: «العالم والمتعلِّم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم». ا هـ. م ص. وكتب أيضًا: قوله: (تعلمه): بدل من (العلم). قاله عبد الوهاب في قطعته.
(٣) في (أ) و(س): وصلاة.
(٤) قوله: (أحمد ﵀ سقط من (أ) و(س).
(٥) ينظر: مسائل صالح ١/ ٢٦٧، زاد المسافر ٢/ ٢٢٩.
[ ٣٦٦ ]
تقديمًا، (إِلَى) طلوعِ (الفَجْرِ)، فلا يصحُّ فعلُه قبلَ صلاةِ العشاءِ، وسُنَّ بعدَ سنَّتِها، وآخِرَ ليلٍ لمَن يَثِق بنفسِه أفضلُ.
(وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ)؛ لقولِه ﷺ: «الوترُ ركعةٌ مِنْ آخرِ الليلِ» رَواه مسلمٌ (^١).
ولا يُكرَه الاقتصارُ عليها؛ لثبوتِه عن عشرةٍ مِنْ الصحابةِ، منهم: أبو بكرٍ (^٢) وعمرُ (^٣) وعثمانُ (^٤) وعائشةُ (^٥)، رَضي اللهُ تَعالى عنهم.
(وَأَكْثَرُهُ) أي: أكثرُ الوترِ (إِحْدَى عَشْرَةَ) ركعةً، يُصلِّيها (مَثْنَى مَثْنَى) أي: يُسلِّم مِنْ كلِّ ثِنتَين، (وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي بالليلِ إحدَى عَشْرةَ ركعةً، يُوتر منها بواحدةٍ»، وفي لفظٍ: «يُسلِّم بينَ كلِّ ركعتَين، ويوترُ بواحدةٍ» (^٦)، هذا هو الأفضلُ.
وله أن يَسرُدَ عشرًا، ثمَّ يَجلسَ فيَتشهَّدَ ولا يُسلِّمَ، ثمَّ يأتي بالرَّكعةِ الأخيرةِ ويَتشهَّدَ ويسلِّمَ.
وإن أَوتَر بخمسٍ أو سبعٍ؛ لم يَجلس إلّا في آخرِها.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٥٢)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٨١٦)، من طريق ليثٍ: «أن أبا بكر ﵁ أوتر بركعة»، وليث بن أبي سليم ضعيف، ولم يدرك أحدًا من الصحابة.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٥١٣٦)، وابن أبي شيبة (٦٢٤٩)، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه قال: دخل عمر بن الخطاب ﵁ المسجد، فركع ركعة، فقيل له، فقال: «إنما هو تطوع، فمن شاء زاد، ومن شاء نقص»، وقابوس ليّن، وأبو ظبيان مجهول.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٨١٧)، عن نائلة ابنة فرافصة زوجة عثمان ﵁، أنها قالت عن عثمان: «إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن»، تعني: يوترها. وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٦٤٥)، عن أم شبيب قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: «إذا سمعت الصرخة فأوتري بركعة».
(٦) أخرجه مسلم (٧٣٦).
[ ٣٦٧ ]
وبتسعٍ؛ جلَس عَقِبَ ثامنةٍ، فتَشهَّد التَّشهُّدَ الأوَّلَ ثمَّ أَتى بالتاسعةِ.
(وَأَدْنَى الكَمَالِ) في الوترِ: (ثَلَاثُ) ركعاتٍ (بِسَلَامَيْنِ)، فيُصلِّي ركعتَين ويُسلِّم، ثمَّ الثالثةَ ويُسلِّم؛ لأنَّه أكثرُ عملًا، ويَجوز أن يَسردها بسلامٍ واحدٍ.
(يَقْرَأُ) مَنْ أَوتَر بثلاثٍ، (بَعْدَ) قراءةِ (الفَاتِحَةِ فِي) الرَّكعةِ (الأُولَى بِ) سورةِ (﴿سَبِّحْ﴾، وَفِي) الرَّكعةِ (الثَّانِيَةِ بِ) سورةِ (الكَافِرِينَ، وَفِي) الرَّكعةِ (الثَّالِثَةِ بِ) سورةِ (الإِخْلَاصِ).
(وَيَقْنُتُ فِيهَا) أي: في الثالثةِ، (بَعْدَ الرُّكُوعِ نَدْبًا)؛ لأنَّه صحَّ عنه ﷺ مِنْ روايةِ أَبي هريرةَ (^١)، وأنسٍ (^٢)، وابنِ عبَّاسٍ (^٣).
وإن قنَت قبلَه (^٤) بعدَ القراءةِ؛ جازَ؛ لِما روَى أبو داودَ عن أُبيِّ بنِ كعبٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقنُت في الوترِ قبلَ الرُّكوعِ» (^٥).
فيَرفع يدَيه إلى صَدرِه يَبسُطهما، وبُطونُهما نحوَ السَّماءِ، ولو مأمومًا (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٠١)، ومسلم (٦٧٧).
(٣) رواه أحمد (٢٧٤٦)، وأبو داود (١٤٤٣). تنبيه: جميع هذه الأحاديث في القنوت في النوازل وليس في الوتر، وإنما يُستدل بها قياسًا، قال محمد بن نصر: (سُئل أحمد ﵀ عن القنوت في الوتر قبل الركوع أو بعده؟ وهل ترفع الأيدي في الدعاء في الوتر؟ فقال: القنوت بعد الركوع ويرفع يديه، وذلك على قياس فعل النبي ﷺ في الغداة). ينظر: مختصر قيام الليل ص ٣١٨.
(٤) كتب فوقها في (ب): أي الركوع.
(٥) أخرجه أبو داود (١٤٢٧)، والنسائي (١٦٩٩)، وابن ماجه (١١٨٢)، وصححه الطحاوي وابن السكن والألباني. وضعفه أحمد وأبو داود وابن المنذر والبيهقي وجماعة، واحتج أحمد على جواز القنوت قبل الركوع بفعل الصحابة ﵃، أخرج ابن أبي شيبة (٦٩١١)، عن علقمة: «أن ابن مسعود وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع»، وحسن الحافظ إسناده. ينظر: تنقيح التحقيق ٢/ ٤٥١، الدراية ١/ ١٩٣، الإرواء ٢/ ١٦٧.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (فيرفع يديه …) إلخ؛ لحديث سلمان مرفوعًا: «إنَّ الله يستحيي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرًا فيردَّهما خائبتين»، وعن مالك بن يسار مرفوعًا: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورهما» رواه أبو داود. شرح باختصار.
[ ٣٦٨ ]
و(يَقُولُ) جهرًا: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ (^١»، أصلُ الهدايةِ: الدَّلالةُ، وهي مِنْ اللهِ: التَّوفيقُ والإرشادُ، (وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ) أي: مِنْ الأسقامِ والبَلايا، والمعافاةُ: أن يُعافيك اللهُ مِنْ النَّاسِ، ويُعافيَهم منك، (وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ)، الوليُّ: ضدُّ العدوِّ، مِنْ تَليتُ الشَّيءَ: إذا اعتَنَيتَ به، أو من وَلِيتُه: إذا لم يَكُنْ بينَكَ وبينَه واسطةٌ، (وَبَارِكْ (^٢) لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ) أي: أَنعمتَ، (وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّه لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ) بفتحِ الياءِ وكَسرِ العينِ (مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ») رَواه أحمدُ، والترمذيُّ وحسَّنه، مِنْ حديثِ الحسنِ بنِ عليٍّ قال: علَّمَني رسولُ اللهِ ﷺ كلماتٍ أَقولُهنَّ في قنوتِ الوترِ، وليس فيه: «ولا يَعزُّ مَنْ عاديتَ»، ورَواه البيهقيُّ، وأَثبتَها فيه (^٣)، ورَواه النَّسائيُّ مختصَرًا، وفي آخرِه: «وصلَّى اللهُ على محمَّدٍ» (^٤).
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ (^٥»،
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (اهدني …) إلخ، أي: ثبِّتني على الهداية، أو زدني منها، وهي الدَّلالة والبيان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فهي من الله التَّوفيق والإرشاد. ش م.
(٢) كتب على هامش (ب): البركة: الزيادة، أو حلول الخير الإلهي في الشيء.
(٣) أخرجه أحمد (١٧١٨)، وأبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (١٧٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٣١٣٨)، قال الترمذي: (حديث حسن)، وصححه النووي وابن الملقن، ولفظة: «ولا يعزُّ من عادَيْتَ» عند أبي داود والبيهقي. ينظر: الخلاصة ١/ ٤٤٥، البدر المنير ٣/ ٦٣٠.
(٤) أخرجه النسائي (١٧٤٦)، قال النووي: (بإسناد صحيح أو حسن)، وتعقبه ابن حجر والألباني فأعلَّاه بالانقطاع، وقد ثبتت الصلاة على النبي ﷺ في القنوت من آثار الصحابة ﵃. ينظر: مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر (٣٢١)، التلخيص الحبير ١/ ٦٠٥، أصل صفة الصلاة ٣/ ٩٧٨.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (وبك منك) قال الخطَّابي: هذا معنى لطيف، وذلك أنَّه سأل الله سبحانه أن يجيره برضاه من سخطه، وهذان ضدَّان متقابلان، وكذا المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، ثمَّ لمَّا لجأ إلى ما لا ضدَّ له، وهو الله ﷾؛ أظهر العجز والانقطاع، وفزع منه إليه، واستعاذ به منه. م خ.
[ ٣٦٩ ]
هذا (^١) إظهارٌ (^٢)، للعجزِ والانقطاعِ، (لَا أُحْصِي) أي: لا أُطِيقُ ولا أَبلُغ ولا أُنهِي (ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)، اعترافٌ بالعجزِ عن (^٣) الثَّناءِ، ورَدٌّ إلى المحيطِ علمُه بكلِّ شيءٍ جُملةً وتفصيلًا (^٤)، روَى الخمسةُ عن عليٍّ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقول ذلك في آخرِ وِترِه» ورُواتُه ثِقاتٌ (^٥).
(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ)؛ لحديثِ الحسنِ السابقِ.
(وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ (^٦) بِيَدَيْهِ) إذا فرَغ مِنْ دعائِه هنا (^٧)، وخارجَ الصَّلاةِ؛ لقولِ عمرَ: «كان رسولُ الله ﷺ إذا رفَع يدَيه في الدُّعاء؛ لم يَحُطَّهما حتى يَمسحَ بهما وجهَه» رَواه الترمذيُّ (^٨).
_________________
(١) قوله: (هذا) سقط من (أ) و(س).
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (إظهار) خبرُ مبتدأٍ محذوف تقديره (هو) أي: هذا المذكور. انتهى تقرير.
(٣) زيد في (د): تفصيل.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (اعتراف بالعجز عن الثناء) حيث قال: «لا أحصي»، و(رد إلى المحيط علمه …) إلخ، حيث قال: «أنت كما أثنيت على نفسك». قاله عبد الوهَّاب النجدي في قطعته.
(٥) أخرجه أحمد (٧٥١)، وأبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦٦)، والنسائي (١٧٤٧)، وابن ماجه (١١٧٩)، قال الترمذي: (حسن)، وصححه الألباني. ينظر: صحيح أبي داود ٥/ ١٦٩.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (ويمسح وجهه) تفاؤلًا بإصابة المطلوب؛ لأنَّه أشرف الأعضاء الظَّاهرة، فمسحه إشارة إلى عود البركة، تيمّنًا بأن كفيه ملئت خيرًا فأفاض على وجهه، فمسحه سنة وفاقًا.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (هنا) أي: عقب القنوت. ا هـ.
(٨) أخرجه الترمذي (٣٣٨٦)، وقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به)، وحماد بن عيسى ضعيف، قال يحيى بن معين: (هذا حديث منكر)، وقال أبو زرعة: (حديث منكر)، وضعفه البيهقي وابن الجوزي، والألباني. وللحديث شواهد ضعيفة. ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٣٠٠، البدر المنير ٣/ ٦٤٠، إرواء الغليل ٢/ ١٧٨.
[ ٣٧٠ ]
ويَقول إمامٌ: «اللَّهمَّ اهدِنا» بصِيغَةِ الجَمعِ إلى آخرِه، ويُؤمِّن مأمومٌ إن سَمِعه.
(وَكُرِهَ قُنُوتٌ فِي غَيْرِ وِتْرٍ)، رُوي ذلك عن ابنِ مسعودٍ (^١) وابنِ عبَّاسٍ (^٢) وابنِ عمرَ (^٣) وأَبي الدَّرداءِ (^٤) ﵃، إلّا أن يَنزل بالمسلِمين نازلةٌ غيرُ الطاعونِ، فيَقنت الإمامُ الأعظمُ ندبًا في الفرائضِ غيرَ الجمعةِ، ويَجهر به في جهريَّةٍ.
ومَن ائْتمَّ بقانتٍ في فجرٍ؛ تابعَ الإمامَ (^٥) وأَمَّن (^٦).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٤٩)، وابن أبي شيبة (٦٩٦٦)، والطحاوي في معاني الآثار (١٥٠٦)، والطبراني في الكبير (٩١٦٥)، من وجوه متعددة؛ أن ابن مسعود ﵁ كان لا يقنت في صلاة الفجر.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٩٩٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٥٠٢)، عن مجاهد وسعيد بن جبير: «أن ابن عباس ﵄ كان لا يقنت في صلاة الفجر»، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه مالك (١/ ١٥٩)، وعبد الرزاق (٤٩٥٢)، والطحاوي في معاني الآثار (١٥١١)، والبيهقي في المعرفة (٣٩٠٢)، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: «أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات»، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (٦٥٥)، والطحاوي في معاني الآثار (١٥٠٩)، عن علقمة بن قيس، قال: «لقيت أبا الدرداء ﵁ بالشام، فسألته عن القنوت، فلم يعرفه»، وإسناده صحيح.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (تابع الإمام) أي: فيقف من غير رفعٍ ليديه ولا دعاء، ولو لم يسمع. عثمان. وكُتب على هامش (ب) أيضًا: قوله: (تابع الإمام) أي: في دعائه، هكذا في «الإنصاف»، وقال المحقِّق عثمان: أي فيقف من غير رفعٍ ليديه، ولا دعاء. قاله عبد الوهَّاب في قطعته. ا هـ. قوله: (ولا دعاء) خلافًا للشَّيخ م ع في «الغاية» حيث قال: ويؤمِّن مأموم إن سمع، وإلَّا دعا. ا هـ.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (وأمَّن) أي: على دعائه. تنبيه: هذا إذا كان من يراه مأمومًا، أمَّا إذا كان إمامًا والذي يراه مأمومًا فما حكمه؟ لم أرَ من الأصحاب من تكلَّم في ذلك، نعم؛ رأيت في بعض أجوبةٍ لبعضِ محقِّقي أهل نجد أنَّه يطوِّل الذِّكر بعد قوله: ربَّنا ولك الحمد، فيقول: «ملء السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء وأهل المجد …» الدعاء المعروف، بحيث يُمكن المأموم الإتيان بالقنوت، وإلى هذا جنح شيخنا الوالد. انتهى، قاله عبد الوهَّاب النجدي في قطعته على «شرح زاد المستقنع». وكتب أيضًا: قوله: (وأمَّن) أي: على دعاء إمامه إن سمع. عثمان.
[ ٣٧١ ]
ويَقول بعدَ وترِه: «سُبحانَ الملكِ القُدُّوسِ» ثلاثًا، ويَمدُّ صوتَه في الثالثةِ.
(وَالتَّرَاوِيحُ) سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّهم يُصلُّون أربعَ ركعاتٍ، ويَتروَّحون (^١) ساعةً، أي: يَستريحون.
(عِشْرُونَ رَكْعَةً)؛ لِما روَى أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ في «الشافي» عن ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي في شهرِ رمضانَ عشرينَ ركعةً» (^٢).
تُصلَّى (بِرَمَضَانَ)؛ لِما في الصَّحيحَين مِنْ حديثِ عائشةَ: أنَّه ﷺ صلَّاها لياليَ، فصلَّوها معه، ثمَّ تأخَّر وصلَّى في بيتِه باقيَ الشهرِ، وقال: «إنِّي خَشِيتُ أن تُفرَض عليكم فتَعجِزُوا عنها» (^٣)، وفي «البخاريِّ»: «أنَّ عمرَ جمَع النَّاسَ على أُبيِّ بنِ كعبٍ، فصلَّى بهم التَّراويحَ» (^٤)، ورَوى أحمدُ، وصحَّحه الترمذيُّ: «مَنْ قامَ مع الإمامِ حتى يَنصرفَ؛ كُتِب له قيامُ ليلةٍ» (^٥).
وتسنُّ لمنفردٍ، ولجماعةٍ بغير مسجد (^٦).
_________________
(١) في (د): فيتروحون.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٦٩٢)، والطبراني في الكبير (١٢١٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٤٢٨٦)، قال البيهقي: (تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، وهو ضعيف)، وضعَّف الحديث ابن عدي وابن حجر، وحكم عليه الألباني بالوضع. ينظر: الكامل ١/ ٣٩١، الفتح ٤/ ٢٥٤، الإرواء ٢/ ١٩١.
(٣) أخرجه البخاري (٩٢٤)، ومسلم (٧٦١).
(٤) أخرجه البخاري (٢٠١٠). وكتب على هامش (ب): ولا يكره الدعاء بعد التراويح، خلافًا لابن عقيل؛ لعموم: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. ا هـ. ع مع شرحه.
(٥) أخرجه أحمد (٢١٤١٩)، وأبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (١٦٠٥)، وابن ماجه (١٣٢٧)، وابن خزيمة (٢٢٠٦)، وابن حبان (٢٥٤٧)، من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والنووي والألباني. ينظر: خلاصة الأحكام ١/ ٥٧٦، الإرواء ٢/ ١٩٣.
(٦) في (د): (وجماعة)، وقوله: (وتسنُّ لمنفرد وجماعة بغير مسجد) سقط من (أ) و(س).
[ ٣٧٢ ]
(وَ) فعلُها (جَمَاعَةً)، بمسجدٍ، (أَوَّلَ لَيْلٍ؛ أَفْضَلُ).
ووقتُها جوازًا: ما بينَ عشاءٍ (^١) وفجرٍ، واستحبابًا: ما بينَ سُنَّةِ عشاءٍ ووترٍ.
(وَمَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ) أي: صلاةٌ بعدَ أن يَنام؛ (يُوتِرُ) ندبًا (^٢) (بَعْدَهُ) أي: بعدَ تَهجُّدِه؛ لقولِه ﷺ: «اجْعَلُوا آخرَ صَلاتِكم بالليلِ وِترًا» متَّفق عليه (^٣).
فإن تَبِع إمامَه فأَوتَر معه؛ شفَعَه، أي: ضمَّ لوترِه الذي تَبِع إمامَه فيه ركعةً، فحصَلَت له فضيلةُ متابعةِ إمامِه، وجعَل وترَه آخرَ صلاتِه.
فإن لم يَشفعه، أو أَوتَر منفردًا، ثمَّ أَراد التهجُّدَ؛ لم يَنقُض وترَه، وصلَّى ولم يُوتر.
(وَإِلَّا) أي: وإن لم (^٤) يَكُنْ له تهجُّدٌ؛ (أَوْتَرَ مَعَ إِمَامِهِ)؛ لحديث أحمد والترمذي، وتقدم (^٥).
وكُرِه تنفُّلٌ بينَها (^٦)، لا تعقيبٌ، وهو صلاتُه بعدَها وبعدَ وترٍ جماعةً.
(وَ) يَلي الوترَ في الفضيلةِ: (السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ)، التي تُفعل مع الفرائضِ، وهي
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (ما بين عشاء …) إلخ، فلا تصح قبل صلاة العشاء، فمن صلَّى العشاء، ثمَّ التراويح، ثمَّ ذكر أنَّه صلَّى العشاء محدِثًا؛ أعاد التراويح؛ لأنَّها سنة تفعل بعد مكتوبة، فلم تصحَّ قبلها كسنة العشاء، وإن طلع الفجر فات وقتها، وظاهر كلامهم: لا تُقضى، وإن صلَّى التراويح بعد العشاء وقبل سنتَّها؛ صحَّ جزمًا، ولكن الأفضل بعد السنة على المنصوص، هذا حاصل كلام ابن قندس، قلت: وكذا لو صلَّاها بعد الوتر وقبل الفجر. ا هـ. ش ع.
(٢) قوله: (ندبًا) سقط من (أ) و(س).
(٣) أخرجه البخاري (٩٩٨)، ومسلم (٧٥١).
(٤) قوله: (أي: وإن لم) سقط من (ب) و(ع).
(٥) قوله: (لحديث أحمد والترمذي، وتقدم) سقط من (أ) و(س)، والحديث تقدم تخريجه ١/ ٣٧٢ حاشية (٥).
(٦) في (د): بعدها. وكتب على هامش (س): قوله: (بينها) أي: بين ركعات التراويح. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٣٧٣ ]
عشرُ ركعاتٍ: (رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «حَفظتُ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ عشرَ ركعاتٍ: ركعتَين قبلَ الظُّهرِ، وركعتَين بعدَها، وركعتَين بعدَ المغربِ في بيته، وركعتَين بعدَ العشاءِ في بيته، وركعتَين قبلَ الصُّبحِ، كانت ساعةً لا يَدخل على النبيِّ ﷺ فيها أحدٌ، حدَّثَتني حفصةُ أنَّه كان إذا أذَّن المؤذن وطلَع الفجرُ؛ صلَّى ركعتَين» متَّفق عليه (^١).
(وَهُمَا) أي: ركعتَا الصُّبحِ (آكَدُهَا) أي: أفضلُ الرَّواتبِ؛ لقولِ عائشةَ: «لم يَكُنْ النبيُّ ﷺ على شيءٍ مِنْ النَّوافلِ أَشدَّ تَعاهدًا منه على رَكعتَي الفجرِ» متَّفق عليه (^٢).
فيُخيَّر فيما عَداهما وعَدا وترٍ سفرًا.
وسُنَّ تخفيفُهما، واضطجاعٌ بعدَهما على الأيمن.
ويَقرأ بعدَ الفاتحةِ في الأُولى «الكافرِين»، وفي الثانيةِ «الإخلاصَ»، أو يَقرأ في الأُولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ …﴾ الآيةَ، وفي الثانيةِ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ …﴾ الآيةَ (^٣).
ويَلي رَكعتَي الصُّبحِ في الأفضلية (^٤)؛ رَكعتَا المغربِ، ويُسنُّ أن يَقرأ فيهما ب «الكافرين» و«الإخلاصِ».
ثمَّ بقيةُ الرواتبِ سواءٌ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٨٠)، ومسلم (٧٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (١١٦٩)، ومسلم (٧٢٤).
(٣) كتب على هامش (ع): الأولى في البقرة، والثانية في آل عمران. [العلامة السفاريني].
(٤) قوله: (في الأفضلية) سقط من (أ) و(س).
[ ٣٧٤ ]
(وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْهَا) أي: مِنْ الرواتبِ؛ (قَضَاهُ نَدْبًا)؛ كالوترِ؛ «لأنَّه ﷺ قضَى رَكعتَي الفجرِ حينَ نامَ عنهما» (^١)، «وقضَى الرَّكعتَين اللَّتَين قبلَ الظُّهرِ بعدَ العصرِ» (^٢)، وقِيسَ الباقي، لكن ما فاتَ مع فرضِه وكَثُر؛ فالأَولى تَركُه، إلّا سُنَّةَ فجرٍ.
ووقتُ كلِّ سُنَّةٍ قبلَ صلاةٍ: مِنْ دخولِ وقتِها إلى فعلِها، وكلِّ سُنَّةٍ بعدَها: مِنْ فعلِها إلى خروجِ وقتِها، فسُنَّةُ فجرٍ وظُهرٍ الأَوَّلةُ؛ بعدَهما قضاءٌ.
والسُّننُ غيرُ الرواتبِ عِشرون: أربعٌ قبلَ ظُهرٍ وعصرٍ، وأربعٌ بعدَ ظُهرٍ ومغربٍ وعشاءٍ.
(وَصَلَاةُ اللَّيْلِ) أي: النَّفلُ المطلَقُ فيه (أَفْضَلُ) مِنْ النَّفلِ المطلَقِ بالنهارِ؛ لحديثِ مسلمٍ عن أَبي هريرةَ مرفوعًا: «أَفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الفريضةِ صلاةُ الليلِ» (^٣).
(وَأَفْضَلُهُ) أي: الليلِ: (الثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ) أي: الثُّلثُ (^٤) الذي يَلي النصفَ الأوَّلَ؛ لحديثِ: «أفضلُ الصَّلاةِ صلاةُ داودَ، كان يَنام نصفَ الليلِ، ويَقوم ثُلثَه، ويَنام سُدسَه» (^٥).
(وَصَلَاةُ لَيْلٍ وَنَهَارٍ مَثْنَى) أي: يسنُّ أن (^٦) يُسلِّم فيها مِنْ كلِّ ركعتَين؛ لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: «صلاةُ الليلِ والنهارِ (^٧) مَثْنَى مَثْنَى» رَواه الخمسةُ (^٨).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٨١)، من حديث أبي قتادة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤)، من حديث أم سلمة ﵂.
(٣) أخرجه مسلم (١١٦٣).
(٤) قوله: (الثلث) سقط من (أ) و(س).
(٥) أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٦) قوله: (يسنُّ أن) سقط من (أ) و(س).
(٧) قوله: (والنَّهار): سقط من (د).
(٨) أخرجه أحمد (٤٧٩١)، وأبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (١٦٦٦)، وابن ماجه (١٣٢٢)، واختلف الحفاظ في زيادة ذكر النهار، صححها البخاري، وأحمد كما في رواية الميموني، وابن خزيمة والبيهقي، وضعفها ابن معين، وأحمد كما نقل ابن تيمية والترمذي والنسائي والدارقطني، قال النسائي: (إسناده جيد إلا أن جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزدي فلم يذكروا فيه النهار). ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٨٩، المحرر (٣٢٥)، التلخيص الحبير ٢/ ٥٥، صحيح أبي داود ٥/ ٣٩.
[ ٣٧٥ ]
(وَإِنْ تَطَوَّعَ نَهَارًا بِأَرْبَعِ) ركعاتٍ بسلامٍ واحدٍ؛ (فَلَا بَأْسَ)، وبتَشهُّدَين أَولى؛ لحديثِ أَبي أيُّوبَ مرفوعًا: «كان يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ أربعًا، لا يَفصِل بَينهنَّ بتسليمٍ» رَواه أبو داودَ وابنُ ماجَه (^١).
ويَقرأ في كلِّ ركعةٍ مَع (^٢) الفاتحةِ سورةً.
وإن زادَ على أربعٍ نهارًا أو اثنَتَين ليلًا، ولو جاوزَ ثمانيًا بسلامٍ واحدٍ؛ صحَّ وكُرِه، إلّا في الوترِ والضُّحَى؛ فلا كراهةَ؛ لوُرودِه (^٣).
ويصحُّ تطوُّعٌ بركعةٍ ونحوِها؛ كثلاثٍ وخمسٍ، قال في «الإقناع»: مع الكراهةِ (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٣٥٣٢)، وأبو داود (١٢٧٠)، وابن ماجه (١١٥٧)، قال النووي: (ضعَّفه يحيى القطان وأبو داود والحفَّاظ، ومداره على عبيدة بن معتب، وهو ضعيف بالاتفاق)، وضعّفه أبو حاتم وابن خزيمة والبيهقي. ينظر: علل الحديث ٢/ ٢٩٥، خلاصة الأحكام ١/ ٥٣٨.
(٢) في (أ) و(س): من.
(٣) أما الوتر؛ فأخرج مسلم (٧٤٦)، من حديث عائشة ﵂، وفيه: «ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة». وأما الضحى؛ فأخرج البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦)، من حديث أم هانئ ﵂ في فتح مكة: «ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى»، قال الزركشي في شرحه ٢/ ٦٥: (وقد روي في حديث أم هانئ: «لم يفصل بينهن»)، قال الزيلعي: (غريب)، وقال ابن حجر: (لم أجده)، وقد أخرج أبو داود (١٢٩٠)، وابن خزيمة (١٢٣٤)، الحديث، وفيه زيادة: «يسلِّم من كل ركعتين»، وفيه ضعف، قال الحافظ: (وفيه رد على من تمسك به في صلاتها موصولة). ينظر: نصب الراية ٢/ ١٤٣، الدراية ١/ ١٩٩، فتح الباري ٣/ ٥٣.
(٤) ينظر: الإقناع ١/ ١٤٤.
[ ٣٧٦ ]
(وَأَجْرُ) صلاةِ (قَاعِدٍ عَلَى نِصْفِ أَجْرِ) صلاةِ (قَائِمٍ)؛ لحديثِ: «مَنْ صلَّى قائمًا فهو أفضلُ، ومَن صلَّى قاعدًا فلَه نصفُ أجرِ (^١) القائمِ» متَّفق عليه (^٢).
إلَّا المعذورٍ؛ فأجرُه قاعدًا كأجرِه قائمًا؛ للعذرِ.
وسُنَّ تربُّعُه بمَحلِّ قيامٍ، وثَنْيُ رِجلَيه بركوعٍ وسجودٍ، وكثرتُهما أفضلُ مِنْ طولِ قيامٍ.
(وَتُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى غِبًّا)، بأن يُصلِّيها في بعضِ الأيامِ دونَ بعضٍ؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ الخُدريِّ: «كان النبيُّ ﷺ يُصلِّي الضُّحى حتى نَقولَ: لا يَدَعُها، ويَدَعُها حتى نَقولَ: لا يُصلِّيها» رَواه أحمدُ والترمذيُّ، وقال: غريبٌ (^٣).
(وَأَقَلُّهَا) أي: أقلُّ (^٤) صلاةِ الضُّحى؛ (رَكْعَتَانِ)؛ لأنَّه لم يُنقل أنَّه ﷺ صلَّاها (^٥) دونَهما، وقد (^٦) صلَّاها ﷺ أربعًا (^٧) وستًّا (^٨).
(وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ)؛ لحديثِ أمِّ هانئٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ عامَ الفتحِ صلَّى ثَمانيَ
_________________
(١) في (ب) و(ك) و(ع): أجر نصف، وقوله: (أجر) سقط من (أ) و(س).
(٢) أخرجه البخاري (١١١٥)، من حديث عمران بن حصين ﵁، ولم نقف عليه في صحيح مسلم.
(٣) أخرجه أحمد (١١١٥٥)، والترمذي (٤٧٧)، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف، وضعفه الألباني في الإرواء ٢/ ٢١٢.
(٤) قوله: (أقل): سقط من (د) و(ع).
(٥) في (أ) و(س): صلاهما.
(٦) قوله: (قد) سقط من (أ) و(س).
(٧) أخرجه مسلم (٧١٩)، من حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله».
(٨) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢١٢)، والطبراني في الأوسط (٢٧٢٤)، من حديث جابر ﵁ قال: «رأيته صلى الضحى ست ركعات»، وفيه ضعف، وله شاهد من حديث أنس ﵁ عند الترمذي في الشمائل (٢٧٣)، والطبراني في الأوسط (١٢٧٦)، وفيه ضعف، وصححه الألباني بالشواهد. ينظر: الإرواء ٢/ ٢١٦.
[ ٣٧٧ ]
ركعاتٍ سُبحةَ الضُّحى» رَواه الجماعةُ (^١)، والسُّبحةُ بضمِّ السِّينِ المهمَلةِ: الصَّلاةُ.
ووقتُها: مِنْ خروجِ وقتِ النَّهيِ إلى قُبيلَ الزَّوالِ، وأفضلُه: إذا اشتدَّ الحرُّ.
(وَ) تُسنُّ (صَلَاةُ الاسْتِخَارَةِ) ولو في خيرٍ، ويُبادِر به بعدَها؛ لحديثِ جابرٍ: كان رسولُ الله ﷺ يُعلِّمنا الاستخارةَ في الأمور كلِّها كمَا يُعلِّمنا السُّورةَ مِنْ القرآنِ، يَقول: «إذا هَمَّ أَحدُكم بالأمر؛ فَلْيَركعْ رَكعتَين مِنْ غيرِ الفريضةِ، ثمَّ ليَقُلْ: اللَّهمَّ إنِّي أَستخيرُكَ بعِلمِكَ، وأَستَقدِرُكَ بقُدرتِكَ، وأسألكَ مِنْ فضلِكَ العظيمِ؛ فإنَّك تَقدِرُ ولا أقدرُ، وتَعلَمُ ولا أعلمُ، وأنتَ علَّامُ الغُيوبِ، اللَّهمَّ إن كنتَ تَعلم أنَّ هذا الأمرَ خيرٌ لي في دِيني ومَعاشي، وعاقبةِ أَمري أو قال: في عاجلِ أَمري وآجلِه فيَسِّرْه لي، ثمَّ بارِكْ لي فيه، وإن كنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في دِيني ومَعاشي، وعاقبةِ أَمري أو قال: عاجلِ أَمري وآجلِه فاصْرِفْهُ عنِّي، واصْرِفْني عنه، واقْدُرْ (^٢) ليَ الخيرَ حيثُ كان ثُمَّ رَضِّنِي به، ويُسمِّي حاجتَه» أَخرجه البخاريُّ والترمذيُّ (^٣).
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في شرحِ البخاري: قولُه: «وأَستَقدِرُكَ بقُدرتِكَ» الباءُ للاستعانةِ أو القَسَمِ الاسْتِعطافي، ومعناه: أطلبُ منك أن تَجعلَ لي قدرةً على المطلوب، وقولُه: «واقْدُرْ ليَ الخيرَ»؛ بضمِّ الدال ويجوز كسرها، أي: نجِّزه لي، وقوله: «رَضِّني»؛ بتشديد المعجمة، أي: اجعلني بذلك راضيًا فلا أندمُ على طَلبه ولا على وُقوعِه؛ لأنِّي لا أعلم عاقبتَه، وإن كنتُ حالَ طلبه راضيًا به، قال:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٦٨٩٦)، والبخاري (٣١٧١)، ومسلم (٣٣٦)، وأبو داود (١٢٩٠)، والترمذي (٤٧٤)، والنسائي (٢٢٥)، وابن ماجه (١٣٢٣).
(٢) في (أ): وقدر.
(٣) زاد في (أ) و(س) (وفيه: «ثمَّ رَضِّني به»). والحديث أخرجه البخاري (٢/ ٥٧) (٦٣٨٢، ٧٣٩٠). والترمذي (٤٨٠)، ولفظ الترمذي: «ثمَّ أرضني به»، وقد رواه البخاري بالوجهين.
[ ٣٧٨ ]
وقولُه: «ثمَّ ليَقُلْ» ظاهر في أنَّ الدعاءَ يكونُ بعد الفراغ مِنْ الصلاة، ويَحتمل أن يكونَ الترتيبُ فيه بالنِّسبة لأذكار الصلاةِ ودعائها، فيقوله بعد الفراغ وقبل السلام. انتهى (^١).
(وَ) تُسنُّ الصَّلاةُ (عَقِبَ الوُضُوءِ)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: قال لبلالٍ عندَ صلاةِ الفجرِ (^٢): «يا بلالُ، حدِّثْني بأَرجَى عملٍ عَمِلتَه في الإسلام؛ فإنِّي سَمعتُ دَفَّ نَعلَيك بينَ يَديَّ في الجنَّة»، فقال: ما عَملتُ عملًا أَرجَى عندي أنِّي لم أَتطهَّر طُهورًا في ساعةٍ مِنْ ليلٍ أو نهارٍ إلّا صلَّيتُ بذلكَ الطُّهورِ ما كتَب اللهُ لي أن أُصلِّي. متَّفق عليه، ولفظُه للبخاريِّ (^٣).
(وَ) تُسنُّ (تَحِيَّةُ المَسْجِدِ)؛ ركعتانِ فأكثرُ لكلِّ مَنْ دخَله، قصَد الجلوسَ أو لا، غيرَ خطيبٍ دخَل للخُطبةِ، وغيرَ قَيِّمِه؛ لتكرُّرِ دخولِه، وغيرَ داخلِه لصلاةِ عيدٍ، أو: والإمامُ في مكتوبةٍ (^٤)، أو بعدَ شروعٍ في إقامةٍ (^٥)، وغيرَ داخلٍ المسجدَ الحرامَ (^٦).
والأصلُ في مَشروعيَّتها: قولُه ﷺ: «إذا جاءَ أَحدُكم يومَ الجمعةِ وقد خرَج الإمامُ؛ فَلْيُصلِّ رَكعتَين» متَّفق عليه (^٧).
_________________
(١) قوله: (قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري) إلى هنا سقط من (أ) و(س). وينظر: الفتح ١١/ ١٨٦.
(٢) في (د): فجر.
(٣) أخرجه البخاري (١١٤٩)، ومسلم (٢٤٥٨).
(٤) كتب على هامش (ع): قوله: (أو والإمام) يعني: أنه يسن بركعتين التحية، ومن المعلوم إذ التحية تحصل بصلاة الفرض، فإذا صلى الفرض والحالة هذه قاصدًا التحية؛ فقد حصل المقصود، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٥) كتب على هامش (ع): قوله: (إقامة) أي: ناويًا الدخول مع الإمام في الصلاة. انتهى. [العلامة السفاريني].
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (غير داخل المسجد الحرام) أي: لأنَّ تحيَّته الطواف، كما يأتي في بابه إن شاء الله.
(٧) أخرجه البخاري (٢/ ٥٧)، ومسلم (٨٧٥)، من حديث جابر ﵁.
[ ٣٧٩ ]
وتُجزِئ راتبةٌ وفريضةٌ ولو فائِتَتَين عنهما (^١).
(وَ) يُسنُّ (سُجُودُ تِلَاوَةٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾، وحديثِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ يَقرأ علينا السُّورةَ فيها السَّجدةُ، فيَسجدُ ونَسجد معه، حتى ما يَجِد أَحدُنا مَوضعًا لجَبهتِه» (^٢).
وهو كنافلةٍ فيما يُعتبر (^٣) مِنْ الشُّروطِ، فيُسنُّ (مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ) بينَ التِّلاوةِ أو الاستماعِ والسُّجودِ، فيَتيمَّم (^٤) مُحدِثٌ بشرطِه، ويَسجد مع قِصَرِه.
وإنَّما يُسنُّ (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ)؛ لآيةِ السَّجدةِ؛ لِما تَقدَّم، لا سامعٍ بلا قصدٍ، ولا مُصلٍّ إلّا متابعةً لإمامِه.
(وَ) يُعتبر (^٥) لسجودِ مستمعٍ: كَونُ قارئٍ يَصلحُ أنْ يكونَ (^٦) إمامًا له، ف (لَا يَسْجُدُ) مستمعٌ (^٧) (إِنْ لَمْ يَسْجُدْ قَارِئٌ)، ولا قُدَّامَه، أو عن يسارِه مع خُلوِّ يمينِه، ولا رَجلٌ لتلاوةِ امرأةٍ وخُنثَى، ويَسجدُ لتلاوةِ أُمِّيٍّ وزَمِنٍ وصبيٍّ.
(وَالسَّجَدَاتُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ) سجدةً، في آخرِ «الأعرافِ»، وفي «الرَّعدِ» عندَ: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، وفي «النَّحلِ» عندَ: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وفي «الإسراءِ» عند (^٨): ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وفي «مريمَ» عندَ (^٩): ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾،
_________________
(١) في (أ) و(س): عنها.
(٢) أخرجه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥).
(٣) في (د) و(ك) و(ع): يعتبر لها.
(٤) في (د): فيتم.
(٥) في (أ): يعتبر.
(٦) قوله: (أن يكون) سقط من (أ) و(س).
(٧) قوله: (مستمع) سقط من (أ) و(س).
(٨) قوله: (عند) سقط من (أ) و(س).
(٩) قوله: (عند) سقط من (أ) و(س).
[ ٣٨٠ ]
و(فِي «الحَجِّ» اثْنَتَانِ (^١»، الأُولى عندَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، والثانيةُ عند (^٢): ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وفي «الفرقانِ» عندَ (^٣): ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، وفي «النَّملِ» عند (^٤): ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وفي «الم السجدةِ» عند (^٥): ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وفي «فصلت» عندَ (^٦): ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، وفي آخرِ «النجمِ»، وفي «الانشقاقِ» عند (^٧): ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾، وفي آخرِ (^٨) ﴿اقْرَأْ﴾.
(يُكَبِّرُ) في سجودِ التِّلاوةِ تكبيرتَين، سواءٌ كان في الصَّلاة أو خارجَها؛ تكبيرةً (إِذَا سَجَدَ (^٩)، وَ) يُكبِّر تكبيرةً (إِذَا رَفَعَ) رأسه من السجود (^١٠)؛ كسجودِ صُلبِ الصَّلاةِ والسَّهوِ، (وَيَجْلِسُ) إن سجَد خارجَ الصَّلاةِ بعدَ رفعِه؛ ليُسلِّمَ جالسًا، قال في «الإقناع» تبعًا لصاحبَي «الفروعِ» و«المبدِعِ» (^١١): ولعلَّ جلوسَه ندبٌ.
(وَيُسَلِّمُ) وجوبًا، فيَبطل سجودُ التلاوةِ بتَركِ السَّلامِ (^١٢) عمدًا وسهوًا؛
_________________
(١) كتب على هامش (ع): قوله: (في الحج اثنتان) نص عليها لبيان الخلاف، فإن الحنفية لا يثبتون فيها إلا سجدة واحدة، وهي الأولى، وعندهم سجدة ص من سجدات التلاوة، فالسجدات عندنا وعندهم: أربعة عشر، لكن أسقطوا السجدة الثانية من الحج، وأثبتوا سجدة ص، ونحن بعكس ذلك، والله تعالى أعلم. كاتبه.
(٢) قوله: (عند) سقط من (أ) و(س).
(٣) قوله: (عند) سقط من (أ) و(س).
(٤) قوله: (عند) سقط من (أ) و(س).
(٥) قوله: (عند) سقط من (أ) و(س).
(٦) قوله: (عند) سقط من (أ) و(س).
(٧) قوله: (عند) سقط من (أ) و(س).
(٨) في (أ) و(س): وآخر.
(٩) كتب على هامش (ح): ويقول: سبحان ربي الأعلى وجوبًا، قاله في المبدع.
(١٠) قوله: (رأسه من السجود) سقط من (أ) و(س).
(١١) ينظر: الفروع ٢/ ٣١٠، المبدع ٢/ ٤١٠، الإقناع ١/ ١٥٦.
(١٢) قوله: (سجودُ التلاوةِ بتَركِ السَّلامِ) هو في (أ) و(س): بتركه.
[ ٣٨١ ]
لعمومِ حديثِ: «تَحريمُها التَّكبيرُ، وتَحليلُها التَّسليمُ» (^١)، والتَّسليمةُ الأُولى ركنٌ، وتُجزِئ (بِلَا تَشَهُّدٍ)؛ لأنَّه لم يُنقل، ويَرفع يدَيه ولو في صلاةٍ.
وكُرِه جمعُ آياتِه (^٢)، وحذفُها، وقراءةُ إمامٍ آيةَ سجدةٍ في صلاةِ سرٍّ، وسجودُه لها.
(وَيَلْزَمُ مَأْمُومًا مُتَابَعَةُ إِمَامِهِ) في سجودِ تلاوةٍ، (فِي) صلاةٍ (جَهْرِيَّةٍ)؛ كفجرٍ وعشاءٍ؛ لحديثِ: «إنَّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ به» (^٣)، وأمَّا صلاةُ السِّرِّ؛ فلا يلزم المأموم متابعة الإمام فيها (^٤)؛ لأنَّ (^٥) المأمومَ (^٦) فيها ليس بتالٍ ولا مستمعٍ، بخلافِ الجهريَّةِ، حتَّى معَ (^٧) مانعٍ؛ كبُعدٍ وطَرَشٍ؛ لأنَّها (^٨) مَحلُّ الإنصاتِ في الجملةِ.
وسجودٌ عن قيامٍ أفضلُ؛ كصلاةِ نافلةٍ (^٩).
(وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ شُكْرٍ) للهِ تَعالى؛ (لِتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ) ظاهرةٍ، سواءٌ كانت (^١٠) عامَّةً أو خاصَّةً بالسَّاجدِ، (أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ) كذلك (^١١)؛ كتجدُّدِ ولدٍ، ونصرةٍ على
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٣١٤ حاشية (٧).
(٢) في (أ): آيات.
(٣) أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١)، من حديث أنس ﵁.
(٤) قوله: (فلا يلزم المأموم متابعة الإمام فيها) سقط من (أ) و(س).
(٥) في (أ) و(س): فإن.
(٦) في (د): الإمام.
(٧) قوله: (حتى مع) هو في (أ) و(س): وإن كان ثَمَّ.
(٨) في (أ): لأنه.
(٩) قوله: (كصلاة نافلة) هو في (أ) و(س): كنفلٍ.
(١٠) قوله: (سواء كانت) سقط من (أ) و(س).
(١١) كتب على هامش (ب): قوله: (كذلك) أي: سواء كانت عامَّة أو خاصَّة بالسَّاجد. ا هـ.
[ ٣٨٢ ]
عدوٍّ؛ لحديثِ أَبي بَكْرةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أَتاه أمرٌ يُسرُّ به؛ خَرَّ ساجدًا» رَواه أبو داودَ (^١).
وعُلِم مِنْ قولِه: «تجدُّدِ نعمةٍ»؛ أنَّه لا يَسجد لدَوامِها؛ لأنَّه لا يَنقطع، فلو شُرع السُّجودُ له لاستَغرقَ به عُمرَه.
(وَ) إنَّما (^٢) يُشرع سجودُ الشُّكرِ خارجَ الصَّلاةِ، ف (تَبْطُلُ بِهِ صَلَاةُ غَيْرِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ)، بأن كان عالمًا عامدًا؛ لأنَّ سببَه لا يَتعلَّق بالصَّلاةِ، بخلافِ سجودِ التِّلاوةِ.
وعُلِم منه: أنَّه لا تَبطل الصَّلاةُ به مِنْ جاهلٍ وناسٍ، كما لو زادَ فيها سجودًا كذلك (^٣).
وصِفَتُه (^٤) وأحكامُه؛ كسجودِ تِلاوةٍ.
(وَأَوْقَاتُ النَّهْيِ) أي: الَّتي نُهي (^٥) عن الصَّلاةِ فيها خمسةٌ:
أَحدُها: (مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ) الثاني إلى طلوعِ الشَّمسِ؛ لحديثِ: «إذا طلَع الفجرُ فلا صلاةَ إلّا ركعتَي الفجرِ»، احْتجَّ به أحمدُ (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٤٥٥)، وأبو داود (٢٧٧٤)، والترمذي (١٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٩٤)، وحسنه الترمذي والألباني. ينظر: الإرواء ٢/ ٢٢٦.
(٢) في (أ): إنما.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (كذلك) أي: لا تبطل الصلاة إن زاد المصلِّي سجودًا ناسيًا أو جاهلًا.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (وصفته) أي: سجود الشكر (وأحكامه كسجود التلاوة)، فيكبِّر إذا سجد وإذا رفع، ويقول فيه: سبحان ربِّي الأعلى، ويجلس إذا رفع ويسلِّم، وتجزئ واحدة، ويستحبُّ سجود شكرٍ أيضًا عند رؤية مبتلًى في بدنه أو دينه. ا هـ. م ص.
(٥) قوله: (أي: التي نهي) سقط من (أ) و(س).
(٦) أخرجه أحمد (٥٨١١)، وأبو داود (١٢٧٨)، والترمذي (٤١٩)، من حديث ابن عمر ﵄. قال الترمذي: (حديث غريب)، وفي سنده أيوب بن حصين التميمي، وهو مجهول. وله طرق أخرى وشواهد لا تخلو من مقال، وصححه الألباني بمجموع ذلك. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٨٢، الإرواء ٢/ ٢٣٢.
[ ٣٨٣ ]
والثاني: عندَ الطُّلوعِ (حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ: «لا صلاةَ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تَرتفعَ الشَّمسُ» متَّفق عليه (^١).
وأوَّلُ هذا الوقتِ: ظُهورُ شيءٍ مِنْ قُرصِ الشمسِ، ويَستمرُّ إلى ارتفاعِها (قَدْرَ رُمْحٍ) في رأيِ العينِ.
(وَ) الثالثُ: (عِنْدَ قِيَامِهَا) أي: الشمسِ، وهي (^٢) حالةُ الاستواءِ، (حَتَّى تَزُولَ)؛ لحديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ: «ثلاثُ ساعاتٍ كان النبيُّ ﷺ يَنهانا أن نُصلِّيَ فِيهِنَّ، أو نَقبُرَ فيهِنَّ مَوتانا: حينَ تَطلُع الشمسُ بازغةً حتَّى تَرتفعَ، وحينَ يَقوم قائمُ الظَّهيرةِ حتَّى تَميلَ الشمسُ، وحينَ تَضَيَّفُ الشمسُ للغروبِ حتَّى تَغرُبَ» رَواه مسلمٌ (^٣).
(وَ) الرابعُ: (مِنَ) الفراغ (^٤) مِنْ (صَلَاةِ العَصْرِ)، ولو مجموعةً وقتَ الظُّهرِ، إلى الأخذِ في الغروبِ، فمَن لم يُصلِّ العصرَ؛ أُبِيح له التنفُّلُ وإن صلَّى غيرَه، وكذا لو أَحرَم بها، ثمَّ قطَعها، أو قلَبها نفلًا.
ومَن صلَّاها فلَيس له التنفُّلُ وإن صلَّى وحدَه؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ وغيرِه: «لا صلاةَ بعدَ صلاةِ العصرِ حتَّى تَغرُبَ الشمسُ» (^٥).
وتُفعل سُنَّةُ ظُهرٍ (^٦) بعدَها، ولو في جمعِ تأخيرٍ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٦)، ومسلم (٨٢٧).
(٢) في (أ) و(س): وهو.
(٣) أخرجه مسلم (٨٣١).
(٤) في (أ) و(س): فراغ.
(٥) أخرجه البخاري (٥٨٦)، ومسلم (٨٢٧).
(٦) في (أ) و(س): الظهر.
[ ٣٨٤ ]
والخامسُ: عندَ غروبِها (حَتَّى يَتِمَّ الغُرُوبُ)؛ لحديثِ عُقبةَ، وتَقدَّم.
(وَيَجُوزُ قَضَاءُ الفَرَائِضِ فِيهَا) أي: في الأوقاتِ المذكورةِ؛ لعمومِ حديثِ: «مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَها فَلْيُصلِّها إذا ذكَرها» متَّفق عليه (^١)، ولحديثِ: «إذا أَدرَك أَحدُكم سجدةً مِنْ صلاةِ العصرِ قبلَ أن تَغيبَ الشمسُ؛ فَلْيُتمَّ صلاتَه» متَّفق عليه (^٢).
ويَجوز فعلُ منذورةٍ، ونَذرُها فيها؛ لأنَّها واجبةٌ أَشبَهت الفرائضَ.
(وَ) يَجوز فيها (رَكْعَتَا الطَّوَافِ)؛ لحديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ مرفوعًا: «يا بَنِي عبدِ مَنافٍ، لا تَمنعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصلَّى فيه، في أيَّةِ ساعةٍ شاءَ مِنْ ليلٍ أو نهارٍ» رَواه الأثرمُ، والتِّرمذيُّ وصحَّحه (^٣)، ولأنَّهما تبعٌ له، وهو جائزٌ كلَّ وقتٍ.
(وَ) يَجوز فيها (إِعَادَةُ جَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ وَهُوَ بِالمَسْجِدِ)؛ لحديثِ أَبي ذرٍّ مرفوعًا: «صلِّ الصَّلاةَ لِوَقتِها، فإن أُقيمَتْ وأنتَ في المسجدِ (^٤) فصَلِّ، ولا تَقُلْ: إنِّي صلَّيتُ فلا أُصلِّي» رَواه أحمدُ ومسلمٌ (^٥).
فإن لم يَكُنْ بالمسجدِ (^٦)؛ لم يُستحبَّ له الدُّخولُ، ولا يُعيدها فيها (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، من حديث أنس ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٦)، ومسلم (٦٠٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٧٣٦)، وأبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (٥٨٥)، وقال الترمذي: (حسن صحيح).
(٤) في (ب): بالمسجد.
(٥) أخرجه أحمد (٢١٤٧٨)، ومسلم (٦٤٨).
(٦) في (د) و(ك) و(ع): في المسجد.
(٧) زيد في (ك): أي أوقات النهي.
[ ٣٨٥ ]
(وَ) تَجوز (^١) (رَكْعَتَا فَجْرٍ)، أي: سُنَّتُه، (قَبْلَ) صلاةِ (فَرْضِهِ)، فلا تَجوز بعدَها حتى تَرتفعَ الشمسُ قِيدَ (^٢) رُمحٍ.
(وَيَحْرُمُ) إيقاعُ (تَطَوُّعٍ، بِ) صلاةٍ أو بعضِها، (مَا عَدَاهَا) أي: المذكوراتِ؛ مِنْ ركعتَي الطَّوافِ، وإعادةِ جماعةٍ أُقيمَت وهو بالمسجد، وركعتَي فجرٍ قبلَ فَرضِه، (فِيهَا) أي: في الأوقاتِ الخمسةِ، (حَتَّى مَا لَه سَبَبٌ) مِنْ التطوُّعِ؛ كسجودِ تلاوةٍ، وصلاةِ كسوفٍ، وقضاءِ راتبةٍ، وتحيَّةِ مسجدٍ إلّا حالَ خطبةٍ.
ولا يَجوز فيها صلاةُ جنازةٍ، لم يُخَف عليها، إلّا بعدَ فجرٍ وعصرٍ.
_________________
(١) في (د) و(ك): ويجوز.
(٢) في (د) و(ك) و(ع): قدر.
[ ٣٨٦ ]