سُمِّيَت بذلك؛ لجَمعِها الخلقَ الكثيرَ.
ويومُها أفضلُ أيَّامِ الأسبوعِ (^٢).
وصلاةُ الجمعةِ مستقلَّةٌ، وأفضلُ مِنْ الظُّهر، وفرضُ الوقتِ، فلَو صلَّى الظُّهرَ أهلُ بلدٍ مع بقاءِ وقتِ الجمعةِ؛ لم تصحَّ.
_________________
(١) كتب على هامش (ع): فائدة: اختلف العلماء [في] محل فرض الجمعة، فمن قائل: فرض بمكة قبل الهجرة، وهو نص أحمد والجمهور، واختار النووي وجماعة: أنها فرضت بالمدينة؛ لحديث جابر قال: خطبنا رسول الله ﷺ، قال: «واعلموا أن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة»، مختصر، ونظَر النووي في كونها فرضت بمكة، ودليله ما روى الدارقطني، عن ابن عباس، قال: أذن النبي ﷺ في الجمعة قبل أن يهاجر، فلم يستطع أن يجمِّع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: «أما بعد فانظر إلى اليوم الذي تجهز فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فأجمعوا نساءَكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة تقربوا إلى الله بركعتين»، فأول من جمع مصعب بن عمير حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فجمع عند الزوال من الظهر. وقوله: في الحديث: «انظر إلى اليوم …» إلخ، ليس المراد أن الصلاة تقع فيه، بل المراد أنها تقع في اليوم الذي قبل ذلك اليوم؛ كما هو صريح قوله فيه: «من يوم الجمعة …» إلخ. وجمع الشيخ تقي الدين: بأنها فعلت بمكة على صفة الجواز، وفرضت بالمدينة. قال م ص في شرح: ولعل المراد من قوله: «فعلت بمكة» أي: قبل الهجرة؛ أي: فعلت الجمعة والنبي ﷺ بمكة قبل الهجرة، على غير الوجوب، إذ آية الجمعة بل سورتها نزلت بالمدينة. انتهى. أقول: الظاهر أن المراد من قول الشيخ: (فعلت بمكة …) إلخ؛ أي: وقع فعلها والنبي ﷺ بمكة خارج مكة، وهو بالمدينة كما يقتضيه حديث الدارقطني؛ لا أنه وقع فعلها في نفس مكة، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٢) كتب على هامش (ح): وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية: أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة، وأفضل أيام العام يوم النحر؛ لقوله ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها»، ولما روي عنه ﷺ: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر».
[ ٤٤٣ ]
وتُؤخَّر فائتةٌ لخوفِ فَوتِها، والظُّهرُ بدلٌ عنها إذا فاتَت.
(تَلْزَمُ) الجمعةُ (كُلَّ) ذكرٍ، ذكرَه ابنُ المنذر إجماعًا (^١)؛ لأنَّ المرأةَ ليسَتْ مِنْ أهلِ الحضورِ في مَجامعِ الرِّجالِ.
(حُرٍّ)؛ لأنَّ العبدَ محبوسٌ على سيِّدِه (^٢).
(مُكَلَّفٍ) أي: مسلمٍ (^٣)، بالغٍ، عاقلٍ؛ لأنَّ ذلك لا بدَّ منه في التَّكليفِ، فلا تَجب على كافرٍ، وصبيٍّ، ومجنونٍ؛ لِما روَى طارقُ بنُ شهابٍ مرفوعًا: «الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ، إلّا أربعةً: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض» رَواه أبو داودَ (^٤)، وقولُه: «عبد …» إلى آخره، يحتمل أن يكون منصوبًا على البدل، سقَطَت منه الألِفُ على طريقةِ المتقدِّمِين في عدمِ رسمِهم الألفَ اكتفاءً في مِثلِه بالشَّكلِ، كما أشارَ إليه النَّوويُّ في «شرحِ مسلمٍ» (^٥)، ويَحتمل أن يَكون مرفوعًا على القطعِ، أي: هم عبدٌ، إلى آخره؛ لِما تَقرَّر مِنْ أنَّ البدلَ إذا فُصِّل (^٦) به مذكورٌ وكان وافيًا (^٧)؛ يَجوز فيه البدلُ والقطعُ، وإلّا تَعيَّن القطعُ إن لم يُنوَ معطوفٌ محذوفٌ، كما نصَّ عليه في «التَّسهيل» (^٨).
_________________
(١) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٠، مراتب الإجماع ص ٣٣.
(٢) كتب على هامش (ح): أكثر العلماء يوجبونها على العبد.
(٣) كتب على هامش (س): تفسير المكلف بالمسلم تفسير مراد. انتهى تقرير.
(٤) أخرجه أبو داود (١٠٦٧)، والحاكم (١٠٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٥٥٧٨)، وصححه ابن الملقن والألباني. ينظر: البدر المنير ٤/ ٦٣٦، صحيح أبي داود ٤/ ٢٣٢.
(٥) ينظر: شرح مسلم ١/ ٤٢.
(٦) كتب على هامش (س): فُصِّل بتشديد الصاد، مبني للمفعول. انتهى تقرير.
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (وكان وافيًا) أي مستوفيًا لأقسام المبدل منه. انتهى تقرير المؤلف بالمعنى.
(٨) ينظر: تسهيل الفوائد لابن مالك ص ١٧٣. وكتب على هامش (س): قوله: (إن لم ينو …) إلخ، أي: فيجوز البدل والقطع نحو: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر»؛ إذ التقدير: وأخواتهما، كما ثبت في حديث آخر. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٤٤٤ ]
(مُسْتَوْطِنٍ بِنَاءً) معتادًا مِنْ حَجرٍ أو قَصبٍ ونحوِهما، لا يَرتحل عنه صيفًا ولا شتاءً، (وَلَوْ تَفرَّقَ) (^١) بناءُ البلدِ بما جَرَت به العادةُ، (وَاسْمُهُ) أي: البناءِ (وَاحِدٌ) إن بلَغُوا أَربعين، أو لم يَكُنْ بينَهم وبينَ مَوضعِها أكثرُ مِنْ فرسخٍ تقريبًا.
و(لَا) تَجب الجمعةُ (عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا يُسافرون في الحجِّ وغيرِه، فلَم يُصلِّ أحدٌ منهم الجمعةَ فيه (^٢) مع اجتماعِ الخلقِ الكثيرِ.
وكمَا لا تَلزمه بنفسِه؛ لا تَلزمه بغيرِه (^٣).
فإن كان عاصيًا بسفرِه، أو كان سفرُه فوقَ فرسخٍ ودونَ (^٤) المسافةِ، أو أقامَ ما يَمنع القصرَ (^٥)، ولم يَنوِ استِيطانًا؛ لَزِمَته بغيرِه (^٦).
(أَوْ) أي: ولا على (عَبْدٍ)، أو مبعَّضٍ، (أَوِ امْرَأَةٍ)؛ لِما تَقدَّم، ولا على خُنثى؛ لأنَّه لا يُعلم كونُه رجلًا.
(وَمَنْ حَضَرَهَا) أي: الجمعةَ (مِنْهُمْ) أي: مِنْ مسافرٍ وعبدٍ ومبعَّضٍ وامرأةٍ وخُنثى؛ (أَجْزَأَتْهُ) عن الظُّهر؛ لأنَّ إسقاطَ الجمعةِ عنهم تخفيفٌ، فإذا صلَّاها
_________________
(١) كتب على هامش (ح): قوله: (ولو تفرق) مراده: تفرقًا يسيرًا بخلاف الكثير غير المعتاد. من خطه.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (فيه) أي: في السفر المفهوم من «يسافرون». انتهى تقرير المؤلف.
(٣) كتب على هامش (ح): قوله: (بغيره) فإذا كانت قرية ينقص العدد فيها بقرب قرية بفرسخ فأقل يجمَّع فيها؛ لزمت الجمعة أهل القرية الناقص عددهم بغيرهم. ا هـ من خطه.
(٤) في (د): دون.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (ما) أي: زمنًا (يمنع القصر)، وهو ما فوق عشرين صلاة. انتهى تقرير المؤلف.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (ولم ينو …) إلخ، مفهومه: أنه لو نوى ذلك؛ لزمته بنفسه. انتهى.
[ ٤٤٥ ]
أَحدُهم؛ فكمريضٍ تَكلَّف المشقَّةَ.
(وَلَا يُحْسَبُ) مَنْ حضَرها منهم (مِنَ العَدَدِ) المعتبَرِ؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ وجوبِها، وإنَّما صحَّت منه تبعًا.
(وَلَا) يصحُّ أن (يَؤُمَّ) أَحدُهم (فِيهَا)؛ لِئلَّا يَصيرَ التابعُ متبوعًا.
(بِخِلَافِ نَحْوِ مَرِيضٍ)؛ كخائفٍ على نفسِه أو مالِه، ونحوِه (^١) ممَّن له شغلٌ أو عذرٌ يُبيح تركَ الجمعةِ، فإنَّه إذا حضَرها وجَبَت عليه، وانعَقَدَت به، وصحَّ أن يَؤمَّ فيها؛ لأنَّ سقوطَها لمشقَّةِ السَّعي، وقد زالَتْ.
(وَمَنْ) كان مقيمًا (بِخِيَامٍ وَنَحْوُهُ)؛ كمسافرٍ أقامَ ما يَمنع القصرَ، ولم يَستوطن؛ (تَلْزَمُهُ) الجمعةُ (بِغَيْرِهِ) أي: بسببِ وجوبِها على غيرِه، (إِنْ كَانَ) مَنْ بخِيامٍ ونحوُه (بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِهَا) أي: الجمعةِ، أي: الموضعِ الذي تُقام فيه مِنْ المِصرِ؛ (فَرْسَخٌ فَأَقَلُّ) مِنْ فرسخٍ، فإن كان بينَه وبينَ مَوضعِها فوقَ فرسخٍ؛ لم تَلزمه، لا بنفسِه ولا بغيرِه (^٢).
(وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ) وهو (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ قَبْلَ فِعْلِهَا) أي: قبلَ صلاةِ الإمامِ الجمعةَ، أو مع الشَّكِّ فيه (^٣)؛ (لَمْ تَصِحَّ) ظُهرُه؛ لأنَّه صلَّى ما لم يُخاطَب به، وترَك ما خُوطب به.
وإذا ظنَّ أنَّه يُدرِك الجمعةَ؛ سعَى إليها؛ لأنَّها فرضُه، وإلّا انتظَر حتى يَتيقَّن أنَّهم صلَّوا الجمعةَ، فيُصلِّي الظُّهرَ.
_________________
(١) في (س): ونحو.
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (فإن كان …) إلخ؛ أي: بحيث لم يكن بالبلد، أما إن كان في البلد؛ فإنه تلزمه الجمعة ولو كان بينه وبينها فراسخ، على ما صرح به المصنف في «حاشيته على المنتهى». [العلامة السفاريني].
(٣) زيد في (أ): فيهما.
[ ٤٤٦ ]