(بَابٌ)
بالتَّنوين، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه: هذا بابٌ.
(صَلَاةُ العِيدَيْنِ)، تثنيةُ «عيدٍ»، سُمِّي به؛ لأنَّه يَعود ويَتكرَّر لأوقاتِه، أو تفاؤلًا، وجَمعُه أعيادٌ.
وقولُه: «صلاةُ العيدَين» مبتدأٌ، خبرُه: (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وكان النبيُّ ﷺ والخلفاءُ بعدَه يُداوِمون عليها.
(إِذَا تَرَكَهَا (^١) أَهْلُ بَلَدٍ)، متفقين على ذلك (^٢)؛ (قَاتَلَهُمْ الإِمَامُ)؛ لأنَّها مِنْ أعلامِ الدِّينِ الظَّاهرةِ.
(وَوَقْتُهَا كَصَلَاةِ الضُّحَى)، فأوَّلُه (^٣) (مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قِيدَ (^٤) رُمْحٍ) (^٥)؛ لأنَّه ﵊ ومَن بعدَه لم يُصلُّوها إلّا بعدَ ارتفاعِ الشمسِ (^٦)،
_________________
(١) زيد في (أ) و(س): (أي: إذا اتفق على تركها).
(٢) قوله: (متفقين على ذلك) سقط من (أ) و(س). وكتب على هامش (ع): قوله: (متفقين على ذلك) فلا يجزئ في جواز المقاتلة تركٌ بلا اتفاق، أو عكسه، بل لابد من ترك متفق عليه، كما صرح به في حاشيته بعد سياق الحجاوي. [العلامة السفاريني].
(٣) في (أ) و(س): وأوَّله.
(٤) في (أ) و(س) (د): قدر.
(٥) قوله: (وأوله من ارتفاع الشمس قدر رمح) كتب في (أ) و(س) بعد: ذكره في المبدع.
(٦) علقه البخاري بصيغة الجزم (٢/ ١٩)، ووصله أبو داود (١١٣٥)، وابن ماجه (١٣١٧)، عن يزيد ابن خمير الرحبي، قال: خرج عبد الله بن بسر، صاحب رسول الله ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: «إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه»، وذلك حين التسبيح، قال النووي: (إسناد صحيح على شرط مسلم)، وصححه ابن حجر. ينظر: الخلاصة ٢/ ٨٢٧، تغليق التعليق ٢/ ٣٧٦.
[ ٤٦٦ ]
ذكَره في «المبدِع» (^١).
ويَستمرُّ الوقتُ (^٢) (إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ) أي: زوالِ الشمسِ.
فإن لم يُعلم بالعيد إلّا بعدَه؛ صلَّوا مِنْ الغدِ قضاءً، وكذا لو مضَى أيَّامٌ.
(وَتُسَنُّ) صلاةُ العيدِ (فِي صَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ) مِنْ البُنيان عرفًا؛ لقولِ أَبي سعيدٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَخرج في الفطرِ والأَضحى إلى المصلَّى» متَّفق عليه (^٣)، وكذا الخلفاءُ بعدَه.
(وَ) يُسنُّ (تَقْدِيمُ صَلَاةِ الأَضْحَى، وَعَكْسُهُ) صلاةُ (^٤) (الفِطْرِ) فيُؤخِّرها؛ لِما رَوى الشافعيُّ مُرسَلًا: «أنَّ النبيَّ ﷺ كتَب إلى عمرِو بنِ حزمٍ: أنْ عَجِّلْ الأَضحى، وأخِّرِ الفطرَ، وذكِّرِ النَّاسَ (^٥)» (^٦).
(وَ) يُسنُّ (أَكْلُهُ قَبْلَهَا) أي: قبلَ الخروجِ لصلاةِ الفطرِ؛ لقولِ بُريدةَ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَخرج يومَ الفطرِ حتى يُفطرَ، ولا يَطعمُ يومَ النَّحرِ حتى يُصلِّيَ» رَواه أحمدُ (^٧)، والأفضلُ تَمراتٌ وترًا.
_________________
(١) ينظر: المبدع ٣/ ٦.
(٢) قوله: (الوقت) سقط من (أ) و(س).
(٣) أخرجه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) قوله: (صلاة) سقط من (أ) و(س).
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (وذكر الناس) أي: عظ الناس، أي: في الخطبة. انتهى تقرير.
(٦) أخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٧٢)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٦١٤٩)، مرسل ضعيف، قال النووي: (هذا مرسل وضعيف، إبراهيم يعني: ابن أبي يحيى الأسلمي ضعيف) بل متروك، وضعفه ابن حجر وغيره. ينظر: الخلاصة ٢/ ٨٢٧، التلخيص الحبير ٢/ ١٩٥.
(٧) أخرجه أحمد (٢٢٩٨٣)، وابن خزيمة (١٤٢٦)، وابن حبان (٢٨١٢)، والحاكم (١٠٨٨)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن القطان والنووي وغيرهم. ينظر: بيان الوهم ٥/ ٣٥٦، الخلاصة ٢/ ٨٢٦.
[ ٤٦٧ ]
وتسنُّ (^١) التوسعةُ على الأهلِ، والصَّدقةُ في العِيدينِ (^٢).
(عَكْسُ أَضْحًى)، فيُسنُّ الإمساكُ فيه (لِمُضَحٍّ) حتى يُصلِّيَ؛ لما تقدَّم (^٣)، ليأكلَ مِنْ أُضحِيّتِه (^٤)، والأَولى مِنْ كَبِدِها.
وإن لم يُضحِّ؛ خُيِّر في الأكل وعدمِه.
(وَتُكْرَهُ) صلاةُ العيدِ (فِي جَامِعٍ بِلَا عُذْرٍ)؛ كخوفٍ ومطرٍ، إلّا بمكَّةَ المشرَّفةِ؛ فلا تُصلَّى بالصحراءِ (^٥)؛ لمخالفةِ فعلِه ﷺ (^٦).
ويُسنُّ للإمامِ أن يَستخلفَ مَنْ يُصلِّي بضَعَفةِ النَّاسِ في المسجد؛ لفعلِ عليٍّ (^٧)، ويَخطُب لهم، ولهم فعلُها (^٨) قبلَ الإمامِ وبعدَه، وأيُّهما سبَق سقَط به الفرضُ، وجازَت التَّضحيةُ.
(وَيَخْرُجُ) ندبًا مُصلٍّ (إِلَيْهَا) أي: إلى صلاةِ العيدِ (عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ) أي: لابسًا أجملَ ثيابِه؛ لقولِ جابرٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَعْتمُّ، ويَلبَس بُرْدَه الأحمرَ في
_________________
(١) قوله: (تسنُّ) سقط من (أ) و(س).
(٢) قوله: (في العيدين) سقط من (أ)، وهي في (س): وذلك.
(٣) قوله: (لما تقدَّم) سقط من (أ) و(س).
(٤) زيد في (أ) و(س): (لما تقدَّم).
(٥) قوله: (فلا تصلَّى بالصحراء) سقط من (أ) و(س).
(٦) كتب على هامش (ع): قوله: (لمخالفة فعله ﷺ هكذا قال في هذه، ولعله أراد ب (فعله): فعل نوابه من باب المجاز؛ كقولهم: كسر الجيش: السلطان، وأنَّ النبي ﷺ لم يعهد أنه صلى العيد في مكة زادها شرفًا. س.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٨١٥)، والشافعي في الأم (٧/ ١٧٦)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٤٣٤)، عن أبي إسحاق: «أن عليًّا أمر رجلًا يصلي بضعفة الناس في المسجد ركعتين»، واحتج به أحمد في رواية المروذي والفضل كما في تعليقة القاضي ٣/ ٢٨٩.
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (ويخطب لهم) أي: ويخطب المستخلف للضعفاء، (ولهم فعلها) أي: للضعفاء مع مستخلفهم. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٤٦٨ ]
العيدَين والجمعةِ» رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (^١)، إلَّا المعتكفَ، فيَخرج في ثيابِ اعتكافِه.
وسُنَّ أن (يُبَكِّرَ مَأْمُومٌ) بخروجه إليها بعدَ صلاةِ الصُّبحِ؛ ليَحصلَ له الدُّنوُّ مِنْ الإمامِ وانتظارُ الصَّلاةِ، فيَكثُرَ ثوابُه.
حالَ كَونِ الخارجِ لصلاةِ العيدِ (مَاشِيًا)؛ لقولِ عليٍّ: «مِنْ السُّنَّةِ أن يَخرج إلى العيد ماشيًا» رَواه التِّرمذيُّ، وقال: العملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ (^٢).
(وَ) يُسنُّ أن (يَتَأَخَّرَ إِمَامٌ إِلَى) وقتِ (الصَّلَاةِ)؛ لقولِ أَبي سعيدٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَخرج يومَ الفطرِ إلى المُصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يَبدأ به الصَّلاةُ» رَواه مسلمٌ (^٣)، ولأنَّ الإمامَ يُنتظر، ولا يَنتظر (^٤).
(وَمِنْ شَرْطِهَا) أي: شرطِ وجوبِ صلاةِ العيد، لا شرطِ صحَّتِها، كما ذَكَره ابنُ نصر الله، وقال المصنفُ: (لعلَّ المرادَ شرطُ ما يَسقُطُ به فرضُ الكفايةِ، بدليلِ أنَّ المنفرِدَ تصحُّ صلاتُه بعد صلاةِ الإمامِ) (^٥): (اسْتِيطَانُ) المُصلِّين (^٦)،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٦١٣٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥٥٤٩)، مرسلًا، قال ابن رجب: (والمرسل أشبه)، ومدار الحديث على حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، وضعفه النووي والألباني. ينظر: الخلاصة ٢/ ٨٢٠، فتح الباري ٢/ ٤٣٨، الضعيفة (٢٤٥٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٥٣٠)، وابن ماجه (١٢٩٦)، وحسنه الترمذي، وضعف إسناده ابن حجر، وقال الألباني: (ولعل الترمذي إنما حسن حديثه؛ لأن له شواهد كثيرة)، ثم قال: (فمجموعها يدل على أن للحديث أصلًا). ينظر: فتح الباري ٢/ ٤٥١، الإرواء ٣/ ١٠٣.
(٣) أخرجه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩).
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (ينتظر) الأول مبني للمفعول، والثاني للفاعل. انتهى تقرير المؤلف.
(٥) قوله: (أي: شرطِ وجوبِ صلاةِ العيد) إلى هنا هو في (أ) و(س): أي: شرط صحة صلاة العيد. ينظر: حاشية البهوتي على المنتهى ١/ ٣٢٨.
(٦) قوله: (استيطان) سقط من (أ) و(س).
[ ٤٦٩ ]
(وَعَدَدُ الجُمُعَةِ) أي: وكونُهم أَربعينَ (^١)، فلا تُقام صلاةُ العيدِ (^٢) إلّا حيثُ تُقام الجُمعةُ (^٣)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وافقَ العيدَ في يومِ حَجِّه فلَم يُصلِّ.
(وَ) يُسنُّ إذا غدَا لصلاةِ العيدِ (^٤) مِنْ طريقٍ أن (يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى)؛ لِما رَوى البخاريُّ عن جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا خرَج إلى العيد خالَفَ الطَّريقَ» (^٥).
وكذا الجمعةُ.
قال في «شرحِ المنتهى»: ولا يَمتنع أيضًا في غيرِ الجمعةِ (^٦).
(وَيُصَلِّي) العيدَ (قَبْلَ الخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ يُصلُّون العيدَ قبلَ الخُطبةِ» متَّفق عليه (^٧).
فلَو قدَّم الخُطبةَ؛ لم يُعتدَّ بها.
(يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ) تكبيرةِ إحرامٍ و(اسْتِفْتَاحٍ، وَقَبْلَ تَعَوُّذٍ وَقِرَاءَةٍ؛ سِتًّا) أي: ستَّ تكبيراتٍ (^٨) زوائدَ.
(وَ) يُكبِّر (^٩) (فِي) الرَّكعة (الثَّانِيَةِ قَبْلَ قِرَاءَةٍ؛ خَمْسًا)؛ لِما رَوى أحمدُ عن
_________________
(١) قوله: (أي: وكونهم أربعين) سقط من (أ) و(س). وفي (ك): أي كونهم أربعين.
(٢) قوله: (صلاة العيد) سقط من (أ) و(س).
(٣) قوله: (الجمعة) سقط من (أ) و(س).
(٤) قوله: (لصلاة العيد) سقط من (أ) و(س).
(٥) أخرجه البخاري (٩٨٦).
(٦) ينظر: معونة أولي النهى ٢/ ٥٠٨.
(٧) أخرجه البخاري (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨).
(٨) قوله: (أي: ست تكبيرات) سقط من (أ) و(س). وكتب على هامش (س): قوله: (زوائد) أي على تكبيرة الإحرام. انتهى تقرير.
(٩) قوله: (يكبر) سقط من (أ) و(س).
[ ٤٧٠ ]
عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جدِّه: «أنَّ النبيَّ ﷺ كبَّر في عيدٍ اثنَتَي عَشْرةَ تكبيرةً؛ سَبعًا في الأُولى، وخَمسًا في الأخيرةِ» إسنادُه حسنٌ (^١).
قال أحمدُ: اختَلَف أصحابُ النبيِّ ﷺ في التَّكبير، وكلُّه جائزٌ (^٢).
(يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لقولِ وائلِ بنِ حُجرٍ: «إنَّ النبيَّ ﷺ كان يَرفع يدَيه مع التَّكبير» (^٣)، قال أحمدُ: (فأَرى أن يَدخل فيه هذا كلُّه) (^٤)، وعن عمرَ: «أنَّه كان يَرفع يدَيه في كلِّ تكبيرةٍ في الجنازةِ والعيدِ» (^٥)، وعن زيدٍ كذلك (^٦)، رَواهما الأثرمُ.
(وَيَقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ) الأُمِّي (^٧) (وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا»، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَهُ (^٨» أي: غيرَ ما ذُكر؛ لأنَّ الغرضَ الذِّكرُ بعدَ التَّكبيرِ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦٦٨٨)، وأبو داود (١١٥١)، وابن ماجه (١٢٧٨)، قال ابن حجر: (وصححه أحمد وعلي والبخاري فيما حكاه الترمذي). ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ٢٠٠.
(٢) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٢٦٩، التعليق للقاضي ٤/ ٤٨، فتح الباري لابن رجب ٩/ ٨٦. كتب على هامش (ح): قال الشيخ تقي الدين: أكثر الصحابة والأئمة يكبرون سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية. اه.
(٣) أخرجه أحمد (١٨٨٤٨)، وأبو داود (٧٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٢٣١٢)، وحسنه الألباني في الإرواء ٣/ ١١٣.
(٤) ينظر: المغني ٢/ ٢٨٣.
(٥) أخرجه البيهقي في الكبرى (٦١٨٩)، ومداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف، وضعفه النووي والألباني. ينظر: خلاصة الأحكام ٢/ ٨٣٤، الإرواء ٣/ ١١٢.
(٦) لم نقف على إسناده، وقال الألباني في الإرواء ٣/ ١١٢: (لم أقف على إسنادها).
(٧) قوله: (الأمي) سقط من (أ) و(س).
(٨) كتب على هامش (ح): وفي جواب الشيخ تقي الدين بن تيمية: وإن شاء أن يقول بين التكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم اغفر لي وارحمني، كان حسنًا كما جاء ذلك عن السلف. ا هـ.
[ ٤٧١ ]
وإذا شكَّ في عددِ التَّكبيرِ؛ بنَى على اليَقين.
وإذا نَسِي التَّكبيرَ حتى قرأَ سقَط؛ لأنَّه سُنَّةٌ فاتَ مَحلُّها.
وإن (^١) أَدرَك الإمامَ راكعًا؛ أَحرَم ثمَّ ركَع، ولا يَشتغل بقضاءِ التَّكبيرِ.
وإذا أَدرَكه قائمًا بعدَ فراغِه مِنْ التَّكبيرِ؛ لم يَقضِه، وكذا إن أَدرَكه في أثنائِه؛ سقَط ما فاتَ.
(وَيَقْرَأُ) جهرًا (بَعْدَ الفَاتِحَةِ فِي) الرَّكعة (الأُولَى بِ «سَبِّحْ»، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالغَاشِيَةِ)؛ لقولِ سَمُرةَ: «إنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقرأ في العِيدَين بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾» رَواه أحمدُ (^٢).
(فَإِذَا سَلَّمَ) مِنْ الصَّلاة؛ (خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ، كَ) خُطبتَي (الجُمُعَةِ) في أحكامِهما، حتى في الكلامِ، إلّا التَّكبيرَ مع الخاطبِ.
(يَسْتَفْتِحُ اَلْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) نسَقًا قائمًا، (وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعِ) تكبيراتٍ (نسَقًا)، بفتحِ السِّينِ المهمَلةِ، بمعنى مَنسُوقةٍ، أي: متتابعةٍ.
(وَالخُطْبَتَانِ) سُنَّةٌ؛ لِما روَى عطاءٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ السائبِ قال: شَهِدتُ مع النبيِّ ﷺ العيدَ، فلمَّا قضَى الصَّلاةَ قال: «إنَّا نَخطُب، فمَن أَحبَّ أن يَجلسَ للخُطبةِ فَلْيَجلسْ، ومَن أَحبَّ أن يَذهبَ فَلْيَذهبْ» رَواه ابنُ ماجَه، وإسنادُه ثقاتٌ (^٣)، ولو وجبَتْ لوجَبَ حضورُها واستماعُها.
_________________
(١) في (ب): وإذا.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٠٨٠)، والنسائي في الكبرى (١٧٨٧)، من حديث سمرة ﵁، وصححه الألباني في الإرواء ٣/ ١١٦.
(٣) أخرجه أبو داود (١١٥٥)، والنسائي (١٥٧١)، وابن ماجه (١٢٩٠)، ورجح ابن معين وأحمد وأبو زرعة وغيرهم إرساله، ورجح ابن التركماني والألباني وصله. ينظر: فتح الباري لابن رجب ٩/ ٤٨، الإرواء ٣/ ٩٦.
[ ٤٧٢ ]
(وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ) سُنَّةٌ، (وَالذِّكْرُ بَيْنَهَا (^١» أي: بين التَّكبيراتِ؛ (سُنَّةٌ)، ولا يُسنُّ ذِكرٌ بعدَ التَّكبيرةِ الأخيرةِ في الرَّكعتَين.
(وَكُرِهَ تَنَفُّلُهُ) أي: الحاضرِ لصلاةِ العيدِ، وقضاءُ فائتةٍ (قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا بِمَوْضِعِهَا) قبلَ مفارَقتِه؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: «خرَج النبيُّ ﷺ يومَ العيدِ، فصلَّى ركعتَين لم يُصلِّ قبلَهما ولا بعدَهما» متَّفق عليه (^٢).
وسُنَّ لمَن فاتَتْه أو بعضُها؛ قضاؤُها على صِفَتِها (^٣).
(وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ) أي: الذي لم يُقيَّد بأدبارِ الصَّلواتِ، وإظهارُه (وَالجَهْرُ) لغيرِ أُنثى (بِهِ، فِي لَيْلَتَيِ العِيدَيْنِ)، في البيوت والأسواقِ والمساجدِ وغيرِها.
ويَجهر به في الخروج إلى المصلَّى إلى فراغِ الإمامِ مِنْ الخُطبةِ.
(وَ) التَّكبيرُ في عيدِ (فِطْرٍ آكَدُ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾.
(وَ) يُسنُّ التَّكبيرُ المطلَقُ أيضًا (فِي كُلِّ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ)، ولو لم يرَ بهيمةَ الأنعامِ.
(وَ) يُسنُّ التَّكبيرُ (المُقَيَّدُ عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ) فُعِلَت (جَمَاعَةً)؛ «لأنَّ ابنَ عمرَ كان لا يُكبِّر إذا صلَّى وحدَه» (^٤)، وقال ابنُ مسعودٍ: «إنَّما التَّكبيرُ على مَنْ
_________________
(١) كذا في (ب)، والذي في باقي النسخ: بينهما.
(٢) أخرجه البخاري (٩٨٩)، ومسلم (٨٨٤).
(٣) قوله: (على صفتها) سقط من (س).
(٤) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٢١٢)، والطبراني في الكبير (١٣٠٧٤)، وإسناده صحيح.
[ ٤٧٣ ]
يُصلِّي في جماعةٍ» رَواه ابنُ المنذِرِ (^١).
فيَلتفتُ الإمامُ الى المأمومِين، ثمَّ يُكبِّر؛ لفعلِه ﷺ (^٢).
(فِي) عيدِ (الأَضْحَى مِنْ): صلاةِ (صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ)، رُوي عن عمرَ (^٣) وعليٍّ (^٤) وابنِ عبَّاسٍ (^٥) وابنِ مسعودٍ ﵃ (^٦).
(وَالمُحْرِمُ) يَبتدئ التَّكبيرَ المقيَّدَ: (مِنْ) صلاةِ (ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ)؛ لأنَّه قبلَ ذلك مشغولٌ بالتَّلبيةِ، فلَو رمَى جمرةَ العقبةِ قبلَ الفجرِ؛ لم يُكبِّر، ولو أخَّر الرَّميَ إلى بعدَ الظُّهرِ؛ كبَّر ولَبَّى (^٧).
ويَستمرُّ المقيَّدُ (إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ).
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٢١٣)، وإسناده جيد.
(٢) أخرجه الدارقطني (١٧٣٧)، والبيهقي في الكبرى (٦٢٧٨)، وفيه عمرو بن شمر وهو متروك الحديث، وجابر الجعفي وهو ضعيف، قال ابن الجوزي: (لا يثبت)، وقال الألباني: (سنده واه جدًّا). ينظر: التحقيق ١/ ٥١٣، الإرواء ٣/ ١٢٤.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٣٥)، والحاكم (١١١٢)، وابن المنذر في الأوسط (٢٢٠٠)، والبيهقي في الكبرى (٦٢٧٣)، وإسناده ضعيف، فيه الحجاج بن أرطاة، وقد أنكره يحيى القطان كما نقل البيهقي.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٣١)، وعبد الله بن أحمد في مسائله (ص ١٢٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢٢٠١)، والحاكم (١١١٣)، والبيهقي في الكبرى (٦٢٧٥)، وإسناده حسن.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٤٦)، والحاكم (١١١٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢٢٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٢٧٦)، وإسناده صحيح.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٣٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢٢٠٤)، وإسناده صحيح. كتب على هامش (ح): وفي جواب الشيخ تقي الدين وقد سئل عن وقت التكبير في العيدين، فأجاب: أصح الأقوال الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة، وأن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. اه.
(٧) قوله: (فلو رمى …) إلى هنا سقط من (س).
[ ٤٧٤ ]
والجهرُ به (^١) مسنونٌ إلّا للمرأة.
ويأتي به كالذِّكر عَقِبَ الصَّلاةِ.
وإذا فاتَتْه صلاةٌ مِنْ عامِه (^٢)، فقضَى فيها (^٣) جماعةً؛ كبَّر.
(وَإِنْ نَسِيَهُ) أي: التَّكبيرَ؛ (قَضَاهُ مَوْضِعَهُ)، فإن قامَ أو ذهَب؛ عادَ فجلَس، (مَا لَمْ يُحْدِثْ، أَوْ يَخْرُجْ مِنَ المَسْجِدِ)، أو يَطُل الفصلُ، فلا يأتي به؛ لأنَّه سُنَّةٌ فاتَ مَحلُّها.
ويُكبِّر مأمومٌ نَسِيه إمامُه، ومسبوقٌ إذا فرَغ؛ كذكرٍ ودعاءٍ.
(وَلَا يُسَنُّ) التَّكبيرُ (عَقِبَ صَلَاةِ عِيدٍ (^٤»؛ لأنَّ الأثرَ إنَّما جاءَ في المكتوباتِ، ولا عَقِبَ نافلةٍ، ولا فريضةٍ صلَّاها منفردًا؛ لِما تَقدَّم.
(وَصِفَتُهُ) أي: التَّكبيرِ حالَ كونِه (^٥) (شَفْعًا) أي: يُكرِّرُ التَّكبيرَ مَرتين مَرتين (^٦): («اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ»)؛ لأنَّه ﷺ كان يَقول كذلك، رَواه الدارَقُطنيُّ (^٧).
_________________
(١) قوله: (به) سقط من (ب).
(٢) في (أ): عليه.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (فيها) أي في أيام التشريق. انتهى تقرير المؤلف.
(٤) في (أ): العيد.
(٥) في (ك): حالة كونه. وسقط ذلك من (أ) و(س).
(٦) قوله: (أي يكرر التكبير مرتين مرتين) سقط من (أ) و(س).
(٧) تقدم تخريجه ١/ ٤٧٤ حاشية (٢). كتب على هامش (ح): وفي جواب للشيخ تقي الدين في صفة التكبير: أن هذا صفة التكبير المنقول عن أكثر الصحابة، وقد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وإن قال: الله أكبر ثلاثًا؛ جاز ومن الفقهاء من يكبر ثلاثًا فقط، ومنهم من يكبر ثلاثًا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اه.
[ ٤٧٥ ]
ولا بأسَ بقولِه لغيرِه: تَقبَّل اللهُ منَّا ومنكَ؛ كالجوابِ (^١).
ولا بالتَّعريفِ (^٢) عَشيَّةَ عرفةَ بالأمصارِ؛ لأنَّه دعاءٌ وذِكرٌ، وأوَّلُ مَنْ فعَله ابنُ عبَّاسٍ (^٣) وعمرُو بنُ حُريثٍ (^٤).
_________________
(١) كتب على هامش (ح): وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية: أما التهنئة يوم العيد بقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنك، أو أحاله الله عليك، ونحو ذلك؛ فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحدًا فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورًا بها، ولا هو أيضًا مما نهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم.
(٢) كتب على هامش (ب): وهو دعاء وذكر. اه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨١٢٢)، وابن أبي شيبة (١٤٢٦٦)، عن الحسن قال: «أول من عَرَّف بأرضنا ابن عباس ﵄»، قال ابن المديني: (الحسن لم يسمع من ابن عباس وما رآه قط)، وكذا قال غيره. ينظر: العلل لابن المديني ص ٥١.
(٤) في (ك): وابن عمرو وابن حريث. والأثر أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٢٦٧)، عن موسى بن أبي عائشة قال: «رأيت عمرو بن حريث يخطب يوم عرفة وقد اجتمع الناس إليه»، وسنده صحيح. فائدة: عند شيخ الإسلام: لا يخلو التَّعريف عشيَّةَ عَرَفَةَ من ثلاثة أحوالٍ: ١ أن يكون معه شدُّ رحلٍ: فلا نزاع في المنع منه؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» [البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧]. ٢ أن يكون في مسجدِ مِصْرِهِ، ويصحبه رفع صوتٍ بشدَّةٍ، أو إنشاد الأشعار الباطلة، ونحوه: فَيُمْنَعُ منه كذلك؛ لما صحبه من المنكر. ٣ أن يكون في مسجدِ مِصْرِهِ، ولا يصحبه صوتٌ ونحوه، بل مجرد ذِكْرٍ ودُعَاء: فهذا الَّذي وقع فيه اختلاف السَّلف. ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ١٥٠.
[ ٤٧٦ ]
(بَابٌ)