(بَابٌ)
بالتَّنوين، أي: هذا بابٌ في صلاةِ الجماعةِ وأحكامِها، وما يُبيح تَرْكَها، وما يَتعلَّق به.
فقوله (^١): (صَلَاةُ الجَمَاعَةِ) مبتدأ خبره قوله (^٢): (تَلْزَمُ الرِّجَالَ)، وتجوز إضافةُ (بَابٌ) إلى (صَلاةُ الجَمَاعَةِ)، فجملة (تَلْزَمُ) مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب، أي: تجب صلاة الجماعة على (^٣) (الرِّجَالِ) الأحرارِ للصَّلواتِ (الخَمْسِ المُؤَدَّاةِ) على الأعيانِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، والأمرُ للوجوبِ، وإذا كان ذلك مع الخوفِ؛ فمَع الأمنِ أَولى.
(مَعَ القُدْرَةِ) عليها، فلا تَلزم النِّساءَ، والخَنَاثى، والعَبيدَ، والمُبعَّضين، وذَوِي الأعذارِ.
(لَا شَرْطًا) أي: ليسَت الجماعةُ شرطًا لصحَّةِ الصَّلاةِ نصًّا (^٤)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ (^٥) مرفوعًا: «صلاةُ الجماعةِ تَفضُل على صلاةِ الفَذِّ بسَبعٍ وعِشرينَ دَرجةً»
_________________
(١) قوله: (فقوله) سقط من (أ) و(س)، وهو في (ك): بقوله.
(٢) قوله: (مبتدأ خبره قوله) سقط من (أ) و(س).
(٣) قوله: (وتجوز إضافة باب إلى (صلاة الجماعة)، فجملة (تلزم) مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب، أي: تجب صلاة الجماعة على الرجال) سقط من (أ) و(س).
(٤) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٧٦.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (لحديث ابن عمر) ولفظه كما في شرح «الإقناع» قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة»، قال الحافظ السيوطي في حاشية «الموطَّأ»: ثمَّ إنَّ الحكمة في هذا العدد الخاص غير محقَّقة المعنى، ونقل القرطبي عن التوريشتي ما حاصله: أنَّه لا يدرك بالرأي مرجعه إلى علم النبوة الَّتي قصرت علوم الألِبَّاء عن إدراك حقيقته، وقال ابن عبد البرِّ: الفضائل لا تدرك بقياس، ولا مدخل فيها للنظر، وإنَّما هو بالتوفيق. انتهى. نقلته من قطعة عبد الوهَّاب النجدي على «شرح زاد المستقنع».
[ ٣٨٧ ]
رَواه الجماعةُ إلّا النَّسائيَّ وأبا داودَ (^١).
ولا يصحُّ حَملُه على المعذورِ؛ لأنَّه يُكتب له مِنْ الأجرِ ما كان يَفعله لولا العذرُ؛ للخبرِ (^٢)، فتصحُّ مِنْ منفرِدٍ، ويَأثم، ولا يَنقص أجرُه مع عذرٍ.
وتَنعقد باثْنَين في غيرِ جمعةٍ وعيدٍ، ولو بأُنثى أو عبدٍ، لا بصبيٍّ في فرضٍ (^٣).
وتُسنُّ بمسجدٍ؛ للأخبارِ (^٤).
(وَلَهُ فِعْلُهَا) أي: الجماعةِ (بِبَيْتِهِ)؛ لحديثِ: «جُعِلَت لِيَ الأرضُ مسجِدًا وطَهورًا» (^٥).
ويُسنُّ لأهلِ ثَغرٍ (^٦) اجتماعٌ بمسجدٍ واحدٍ، (وَ) الأفضلُ لغيرِهم: المسجدُ الذي لا تُقام فيه إلّا بحضورِه (^٧).
ثمَّ (أَفْضَلُهَا) أي: الجماعةِ، أي: أفضلُ أماكنِها: (المَسْجِدُ العَتِيقُ (^٨»؛ لأنَّ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥٣٣٢)، والبخاري (٦٤٥) ومسلم (٦٥٠)، والترمذي (٢١٥)، وابن ماجه (٧٨٩)، وأخرجه النسائي أيضًا (٨٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٩٦)، من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعًا: «إذا مرض العبد أو سافر؛ كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا».
(٣) قوله: (في فرض): سقط من (د).
(٤) من ذلك: ما أخرجه البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١)، من حديث زيد بن ثابت ﵁ مرفوعًا: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة».
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، من حديث جابر ﵁.
(٦) كتب على هامش (س): الثغر: هو المكان المخوف الذي يلي الكفار. انتهى تقرير.
(٧) في (س): بحضورهم.
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (العتيق) أي: الأقدم في بلد الجماعة. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٣٨٨ ]
الطاعةَ فيه أسبَقُ.
(ثُمَّ الأَكْثَرُ جَمَاعَةً)؛ لأنَّه أعظمُ أجرًا.
(وَأَبْعَدُ (^١» مَسجدَين قَديمَين أو جَديدَين سواءٌ اختلَفَا في كثرةِ (^٢) الجمعِ وقِلَّتِه، أو استوَيَا؛ (أَوْلَى مِنْ أَقْرَبَ)؛ لحديثِ أَبي موسى مرفوعًا: «أَعظمُ النَّاسِ أَجرًا في الصَّلاة أَبْعَدُهم فَأَبْعَدُهم مَمْشًى (^٣)» رَواه البخاريُّ (^٤).
(وَحَرُمَ أَنْ يُؤَمَّ)، بالبناءِ للمفعولِ (^٥)، (بِمَسْجِدٍ) له إمامٌ راتبٌ، (قَبْلَ) فراغِ (إِمَامِهِ الرَّاتِبِ) مِنْ الصَّلاة؛ لأنَّه بمنزلةِ صاحبِ البيتِ، وهو أحقُّ بالإمامةِ ممَّن سِواه؛ لحديثِ: «لا يُؤَمَّنَّ الرَّجلُ في بَيتِه إلّا بإذنِه» (^٦).
ولا يَحرُم أن يُؤَمَّ بعدَ الراتبِ، قال في «الإقناع»: (ويَتَّجِه (^٧): إلّا لمَن يُعادي الإمامَ (^٨» (^٩).
وحيثُ أَمَّ قبلَ الراتبِ؛ لم تصحَّ إمامتُه (^١٠)، (إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: الراتبِ، فيُباح
_________________
(١) كتب على هامش (ع): وكلامه هنا يخالف الحجاوي؛ لأن الأبعد تكثر فيها الخطى، بخلاف القديم القريب، أو كثير الجماعة. مرعي.
(٢) في (أ) و(س): أكثر.
(٣) في (س): مشيًا، وفي (ك): ممشى عليه.
(٤) أخرجه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٦٦٢).
(٥) قوله: (بالبناء للمفعول) سقط من (أ) و(س).
(٦) أخرجه مسلم (٦٧٣)، من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ بنحوه. وأخرجه أبو داود (٥٨٢) بلفظ المصنف.
(٧) في (ك): (ويتوجه)، وهو موافق لما في الإقناع.
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (إلا لمن يعادي الإمام) أي: فلا يجوز. انتهى تقرير.
(٩) ينظر: الإقناع ١/ ١٥٩.
(١٠) كتب على هامش (ع): وقدم في الرعاية: تصح. ش منتهى.
[ ٣٨٩ ]
للمأذونِ أن يَؤُمَّ، وتصحُّ إمامتُه، (أَوْ مَعَ عُذْرِهِ) أي: الراتبِ، بمرضٍ ونحوِه، أو مع تأخُّرِه وضيقِ الوقتِ؛ لأنَّ أبا بكرٍ صلَّى حينَ غابَ النبيُّ ﷺ (^١)، وفعَلَه عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ ﵁، فقال النبيُّ ﷺ: «أَحسَنتُم» رَواه مسلمٌ (^٢)، ولِتعيُّنِ تحصيلِ الصَّلاةِ إذَنْ، وسواءٌ عُلِم عذرُه أو لا.
ويُراسَل إن تأخَّر عن وقتِه المعتادِ مع قُربِ مَحلِّه وعدمِ مشقَّةٍ (^٣)، وإلّا، أو لم يُظنَّ حضورُه، أو ظُنَّ ولا يَكره الراتبُ ذلك (^٤)؛ صَلَّوا.
(وَمَنْ صَلَّى) الفرضَ منفرِدًا أو في جماعةٍ، (ثُمَّ أُقِيمَتِ) الصَّلاةُ؛ (سُنَّ) له (أَنْ يُعِيدَ) مع الجماعةِ ثانيًا، مع إمامِ الحيِّ وغيرِه (^٥)؛ لحديثِ أَبي ذرٍّ مرفوعًا: «صلِّ الصَّلاةَ لِوَقتِها، فإنْ (^٦) أُقِيمَت وأنتَ في المسجدِ فصَلِّ، ولا تَقُلْ: إنِّي صلَّيتُ فلا أُصلِّي» رَواه أحمدُ ومسلمٌ (^٧)، وتقدم (^٨).
وكذا إن جاء مسجدًا غيرَ وقتِ نَهيٍ لغيرِ قَصدِها (^٩).
(غَيْرَ مَغْرِبٍ)، فلا تُسنُّ إعادتُها؛ لأنَّ المُعادةَ تطوُّعٌ، وهو لا يَكون (^١٠) بوترٍ، والصلاةُ (^١١) الأُولى فرضُه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١٣)، ومسلم (٤١٨)، من حديث عائشة ﵂.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٤)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٣) كتب على هامش (ع): بخلاف القريب مع وجود المشقة. ش منتهى.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (ولا يكره الراتب ذلك) أي: إمامة غيره. انتهى تقرير.
(٥) قوله: (وغيره) سقط من (أ).
(٦) في (س): فإذا.
(٧) أخرجه أحمد (٢١٤٢٣)، ومسلم (٦٤٨).
(٨) قوله: (وتقدم) سقط من (أ) و(س).
(٩) كتب على هامش (س): قوله: (لغير قصدها) أي: الإعادة. انتهى تقرير.
(١٠) في (أ) و(س) و(د): ولا يكون.
(١١) قوله: (الصلاة) سقط من (أ) و(س).
[ ٣٩٠ ]
(وَلَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ جَمَاعَةٍ)، بأن تُقام مرَّةً ثانيةً (في) مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ؛ كغيرِه، (غَيْرَ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ)، فتُكرَه فيهما؛ وعَلَّله الإمام أحمدُ ﵀: بأنَّه أَرغبُ في توفيرِ الجماعةِ، أي: لِئلَّا يَتوانى النَّاسُ في حضورِ الجماعةِ مع الإمامِ الأوَّلِ (^١).
(وَلَا) تُكرَه إعادةُ الجماعةِ (فِيهِمَا) أي: في مسجدَي مكَّةَ والمدينة، (لِعُذْرٍ (^٢» في إقامتِها ثانيًا؛ لأنَّها أخفُّ مِنْ تَركِها.
وقولُه كغيرِه: «ولا تُكرَه إعادةُ جماعةٍ»؛ إنَّما قصدُوا به الرَّدَّ على مَنْ قال بالكراهةِ، وإلّا ففعلُها جماعةً واجبٌ، ولو أَفضى إلى التعدُّدِ، كما ذكَره في «الإنصاف» (^٣).
(وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: شرَع مقيمٌ في إقامةِ الصَّلاةِ التي يُريد الدُّخولَ مع إمامِها؛ (لَمْ تَنْعَقِدِ النَّافِلَةُ)، راتبةً كانت أو غيرَها، ممَّن لم يُصلِّ تلك الصَّلاةَ؛ لحديثِ: «إذا أُقِيمَت الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلّا المكتوبةَ» متَّفق عليه (^٤).
وإن جَهِل الإقامةَ؛ فكجَهلِ وقتِ نهيٍ (^٥).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (أي: لئلَّا …) إلخ، قال الشَّيخ عبد الوهَّاب النجدي في قطعته على «شرح زاد المستقنع»: هكذا علل به الأصحاب، وفي النفس منه شيء. انتهى.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (لعذر) أي: كنوم ونحوه.
(٣) ينظر: الإنصاف ٤/ ٢٨٧.
(٤) أخرجه مسلم (٧١٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (ممن لم يصل تلك الصلاة) أي: فتصح من غيره. قوله: (فكجهل وقت نهي) أي: فالأصل عدمه، فتصح الصلاة حينئذ. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): قوله: (فكجهل وقت نهي) أي: فإنَّ العبرة بما في نفس الأمر، فإن كانت قد أقيمت الصَّلاة التي يريد الدُّخول مع إمامها؛ لم ينعقد نفله ولو جهلها. ا هـ. م س. وكتب على هامش (ع): قوله: (فكجهل وقت نهي)؛ أي: تحرم ولا تصح، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٣٩١ ]
(وَإِنْ كَانَ) مَنْ يُريد الدخولَ في صلاةٍ أُقيمَت وهو (^١) (فِيهَا) أي: في النَّافلةِ، ولو خارجَ المسجدِ؛ (أَتَمَّهَا) أي: النَّافلةَ خفيفةً، ولا يَزيد على ركعتَين، (إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الجَمَاعَةِ)، ولو فاتَته ركعةٌ، وإلّا قطَعها؛ لأنَّ الفرضَ أهمُّ.
(وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ (^٢» التَّسليمةَ الأُولى؛ (أَدْرَكَ الجَمَاعَةَ).
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أي: أدركَ المأمومُ الإمامَ حالةَ كَونِ الإمامِ (رَاكِعًا)، بأن اجتَمَع معه في الرُّكوعِ، بحيثُ يَنتهي المسبوقُ (^٣) إلى قَدْرِ الإجزاءِ مِنْ الرُّكوعِ قبلَ أن يَزول الإمامُ عن قَدْرِ الإجزاءِ منه؛ (أَدْرَكَ) المأمومُ تلك (^٤) (الرَّكْعَةَ)، ولو لم يُدرِك الطُّمأنينةَ مع الإمامِ، فيَطمئنُّ (^٥) ثمَّ يُتابع إمامَه؛ لحديثِ: «مَنْ أَدركَ الرُّكوعَ فقد أَدركَ الرَّكعةَ» رَواه أبو داودَ (^٦).
وعليه أن يأتي بالتَّكبيرِ قائمًا، كما تَقدَّم.
(وَأَجْزَأَتْهُ التَّحْرِيمَةُ) أي: تكبيرةُ الإحرامِ (عَنْ تَكْبِيرَةِ رُكُوعٍ)، فإن نوَى بتكبيرتِه الانتقالَ مع الإحرامِ، أو وحدَه؛ لم تَنعقد، والأفضلُ أن يأتي بتكبيرتَين.
وسُنَّ دخولُه مع الإمامِ كيف أَدرَكه، ويَنحطُّ بلا تكبيرٍ، ويَقوم مسبوقٌ به (^٧).
_________________
(١) قوله: (وهو) سقط من (أ) و(س).
(٢) في (د) و(ع): إمام.
(٣) قوله: (المسبوق) سقط من (أ) و(س).
(٤) قوله: (تلك) سقط من (أ) و(س).
(٥) قوله: (فيطمئن) سقط من (د).
(٦) أخرجه أبو داود (٨٩٣)، وابن خزيمة (١٦٢٢)، والحاكم (٧٨٣)، وصححه، وفي سنده يحيى ابن أبي سليمان المدني، قال في التقريب: (لين الحديث)، وله شاهد عند البيهقي في الكبرى (٢٥٧٦)، وصححه الألباني. ينظر: الإرواء ٢/ ٢٦٠.
(٧) كتب على هامش (ع): أي يقوم المسبوق لإكمال الصلاة مكبرًا، وفي دخوله مع الإمام في التشهد ونحوه ينحط بلا تكبير، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٣٩٢ ]
وإن قامَ قبلَ سلامِ إمامِه الثانيةَ ولم يَرجع؛ انقلَبَت نفلًا (^١).
وما أَدرك: آخرُها (^٢)، وما يَقضي: أوَّلُها، يَستفتح له، ويَتعوَّذ، ويَقرأ سورةً، لكن لو أَدرك ركعةً مِنْ رباعيَّةٍ أو مغربٍ (^٣)؛ تَشهَّد عَقِبَ أُخرى.
(وَيَتَحَمَّلُ الإِمَامُ عَنْهُ) أي: عن المأمومِ: (قِرَاءَةَ الفَاتِحَةِ)، فتصحُّ صلاةُ المأمومِ بدُونِها؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، وحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «إنَّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأَنصِتوا» رَواه الخمسةُ إلّا التِّرمذيَّ (^٤)، وحديثِ: «مَنْ كان له إمامٌ؛ فقراءةُ الإمامِ له قراءةٌ» رَواه سعيدٌ وأحمدُ في مسائلِ ابنِه عبدِ الله، والدرَاقُطنيُّ (^٥)، وهو وإن كان مرسلًا فهو عندنا حجَّةٌ.
_________________
(١) كتب على هامش (ع): ظاهره: ولو خلف شافعي يرى الخروج بتسليمة أولى. مرعي. تتمة: يتصور في المغرب ستة تشهدات، بأن يدرك المأموم الإمام في التشهد الأول، فيتشهد معه، ثم يتشهد معه الثاني، ويكون على الإمام سجود سهو محله بعد السلام، فيتشهد معه ثلاث تشهدات، ثم يقضي فيتشهد عقب ركعة، ثم آخر صلاته يكون سُهي عليه، فيسلم قبل إتمامها، فيتشهد بعد سجود السهو، ذكره في «الإنصاف» في صلاة الخوف.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (وما أدرك): مبتدأ، خبره: (آخرها)، أي: والذي أدركه المسبوق مع الإمام هو آخر صلاته. انتهى تقرير المؤلف.
(٣) في (د): ومغرب.
(٤) أخرجه أحمد (٨٨٨٩)، وأبو داود (٦٠٤)، والنسائي (٩٢١)، وابن ماجه (٨٤٦)، وصححه أحمد ومسلم في صحيحه ولم يخرجه، وصححه ابن خزيمة والألباني. ينظر: صحيح سنن أبي داود ٣/ ١٥٩.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٧٩)، والدارقطني (١٢٣٧)، عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وهو صحيح الإسناد. وأخرجه أحمد (١٤٦٤٣)، وابن ماجه (٨٥٠)، والدارقطني (١٢٣٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٨٩٦)، عن عبد الله بن شداد، عن جابر مرفوعًا، وضعف المرفوع: الدارقطني والبيهقي وابن القيم، قال البيهقي: (الصحيح عن جابر من قوله غير مرفوع)، وحسَّن الألباني المرفوع بالمرسل، ولم نقف عليه في سنن سعيد ولا مسائل عبد الله. ينظر: الإرواء ٢/ ٢٦٨.
[ ٣٩٣ ]
(وَيُسَنُّ) للمأمومِ (أَنْ يَقْرَأَ) الفاتحةَ وسورةً حيثُ شُرِعَت (فِي إِسْرَارِ إِمَامِهِ) أي: في الصَّلاة السِّرِّيَّةِ؛ كالظُّهرِ (^١).
وكذا يَقرأ الفاتحةَ في الأخيرةِ مِنْ مغربٍ، وفي الأخيرتَين مِنْ عشاءٍ؛ لحديثِ جابرٍ: «كُنَّا نَقرأ في الظُّهرِ والعصرِ خلفَ الإمامِ في الرَّكعتَين الأُولَيَين (^٢) بفاتحةِ الكتابِ وسورةٍ، وفي الأخيرتَين بفاتحةِ الكتابِ» رَواه ابنُ ماجَه (^٣)، قال التِّرمذيُّ: (أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَون القراءةَ خلفَ الإمامِ) (^٤).
(وَ) يقرأ مأمومٌ (^٥) في (سَكَتَاتِهِ) أي: الإمامِ (^٦)، في الجهريَّةِ؛ كالصُّبحِ والجمعةِ، وأَوَّلتَي مغربٍ وعشاءٍ.
وسكتاتُ الإمامِ ثلاثٌ: قبلَ الفاتحةِ في الركعةِ (^٧) الأُولى، وبعدَ الفاتحةِ (^٨) بقَدْرِها في كلِّ ركعةٍ، وبعدَ فراغِ القراءةِ.
(وَ) يُسنُّ أن يَقرأ المأمومُ ما ذُكِر (إِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ) أي: الإمامَ (^٩)، (لِبُعْدٍ)
_________________
(١) قوله: (كالظهر): سقط من (ب).
(٢) في (ب) و(د) و(ك) و(ع): الأولتين. والمثبت هو الموافق لما في المصادر.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٨٤٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٩٤٤)، وصححه الألباني في الإرواء ٢/ ٢٨٨.
(٤) ينظر: سنن الترمذي ٢/ ١١٦.
(٥) قوله: (ويقرأ مأموم) سقط من (أ) و(س).
(٦) قوله: (أي الإمام) سقط من (أ) و(س).
(٧) قوله: (الركعة) سقط من (أ) و(س).
(٨) في (أ) و(س): وبعدها.
(٩) كتب على هامش (ع): قوله: (إذا لم يسمعه …) إلخ، هذه عبارة «المنتهى» ومقتضاه: أن القيد وهو قوله: (ما لم يشغل …) إلخ، راجع لكلٍّ من البعد والطرش، ومقتضى كلام «الإقناع» و«زاد المستقنع» تخصيصه بالأخير، وهو الطرش فقط، وعبارته: (ويقرأ فيما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعد)، ثم قال: (ويقرأ لطرش إن لم يشغل من بجنبه)، ولم ينبه شارح الإقناع على ما بين العبارتين من الخلاف، وهي محتاجة للتحرير، والله أعلم. [العلامة السفاريني]. وكتب أيضًا على هامش (ع): وتكره قراءة مأموم سمع إمامه يقرأ. [العلامة السفاريني].
[ ٣٩٤ ]
عن الإمامِ، (أَوْ) لِ (طَرَشٍ) أي: ثِقَلِ سَمعِ المأمومِ، (مَا لَمْ يَشْغَلِ) الأطرشُ بقراءته (^١) (مَنْ بِجَنْبِهِ) مِنْ المأمومِين، فإن شغَله سكت (^٢)، قال في «المصباح»: شغَله الأمرُ شَغْلًا، مِنْ بابِ «نفَع»، أي: أَلهاه. انتهى (^٣).
وإن سبَقه الإمامُ بالقراءةِ وركَع؛ تَبِعه، بخلافِ التَّشهُّدِ؛ فيُتمُّه إذا سلَّم (^٤)، فإن بقيَ عليه شيءٌ مِنْ الدُّعاء؛ سلَّم، إلَّا أن يَكون يسيرًا.
(وَ) يُسنُّ (^٥) لمأمومٍ أن (يَسْتَفْتِحَ وَيَسْتَعِيذَ) في كلِّ صلاةٍ، (وَلَوْ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ إِمَامُهُ)؛ كالصُّبح، لكن في سكتاتِ الإمامِ، وإذا لم يَسمعه لبُعدٍ أو طَرَشٍ، كما تَقدَّم.
(وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ)؛ كمَن رفَع رأسَه مِنْ ركوعٍ أو سجودٍ، (قَبْلَ إِمَامِهِ)، حالةَ (^٦) كَونِ الفاعلِ (عَمْدًا) أي: عامدًا؛ (حَرُمَ) عليه؛ لقولِه ﵇: «لا تَسبِقوني بالرُّكوع، ولا بالسُّجود، ولا بالقِيام» رَواه مسلمٌ (^٧)، وعن أَبي هريرةَ: «أَمَا يَخشى الذي يَرفع رأسَه قَبلَ الإمامِ أن يُحوِّل اللهُ رأسَه رأسَ حمارٍ، أو يَجعل صورتَه صورةَ حمارٍ» متَّفق عليه (^٨).
ولا تَبطل إن عادَ للمتابعةِ.
_________________
(١) في (أ) و(س): بقراءة.
(٢) في (أ) و(س): تركه.
(٣) ينظر: المصباح المنير ١/ ٣١٦.
(٤) كتب فوقها في (ب): أي: إمامه.
(٥) في (أ) و(س) و(ع): وسنَّ.
(٦) في (د): حال.
(٧) أخرجه مسلم (٤٢٦) من حديث أنس ﵁.
(٨) أخرجه البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧).
[ ٣٩٥ ]
(وَعَلَيْهِ) أي: يَجب على فاعلِ ذلك عمدًا؛ (أَنْ يَرْجِعَ لِمُتَابَعَتِهِ) أي: الإمامِ، أي: ليأتيَ بما فعَله قبلَ الإمامِ عَقِبَه؛ ليكونَ مؤتمًّا به، (كَ) ما يَجبُ على جاهلٍ فَعَل ذلك وعَلِم (^١).
وعلى (نَاسٍ ذَكَرَ (^٢» أي: تَذكَّر سَبْقَ إمامِه؛ أن يَرجع للمتابعةِ.
(فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ)، عالمًا وجوبَه، (عَمْدًا) أي: غيرَ ساهٍ حتى أَدرَكه فيه؛ (بَطَلَتْ) صلاتُه؛ لتَركِه (^٣) المتابعةَ الواجبةَ بلا عذرٍ.
وعُلِم ممَّا تَقدَّم: أنَّها لا تَبطل إن أَبى الرُّجوعَ جاهلًا أو ناسيًا، بل يُعتدُّ به.
والأَولى لمأمومٍ أن يَشرع في أفعالِها بعدَ إمامٍ (^٤)، فإن وافقَه كُرِه.
وإن كبَّر لإحرامٍ معه أو قبلَ إتمامِه؛ لم تنعقد.
وإن سلَّم قبلَه عمدًا بلا عذرٍ، أو سهوًا ولم يُعِده بعدَه (^٥)؛ بطَلَت، ومعه يُكرَه.
ولا يَضرُّ سبقٌ بقولٍ غيرِهما.
(وَإِنْ رَكَعَ) مأمومٌ (وَرَفَعَ قَبْلَ) ركوعِ (إِمَامِهِ)، عالمًا (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صلاتُه؛ لأنَّه سبَقه بركنٍ كاملٍ، هو مُعظَمُ الرَّكعةِ؛ فبطَلَت؛ كما لو سبَقه بالسَّلام.
(وَ) إن ركَع ورفَع قبلَ إمامِه (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا)؛ لم تَبطل صلاتُه؛ لحديثِ: «عُفِيَ لأُمَّتي عن الخطأِ والنِّسيانِ» (^٦).
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (وعلم) أي: الجاهل، بأن أعلمه من عنده بالحكم. انتهى تقرير.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (وعلى ناس) أي: وكما يجب على ناس ذكر … إلخ. انتهى تقرير.
(٣) في (أ) و(س): لترك.
(٤) قوله: (بعد إمام) هو في (أ) و(س): بعده.
(٥) قوله: (بعده): سقط من (د).
(٦) تقدم تخريجه ١/ ٣٥٥ حاشية (٣).
[ ٣٩٦ ]
و(يَقْضِي) بعدَ سلامِ إمامِه (الرَّكْعَةَ) التي وقَع السَّبقُ فيها، إن لم يأتِ بما سبَق به مع الإمامِ، فإن أتى به؛ اعتُدَّ له بالرَّكعة.
وعُلِم مِنْ كلامه: أنَّها لا تَبطل إن سبَق إمامَه بركنٍ فعليٍّ غيرَ ركوعٍ.
وأمَّا السَّبقُ بركنَين؛ فكالرُّكوع وأَولى؛ كما لو ركَع ورفَع قبلَ ركوعِه، وهوَى إلى السُّجود قبلَ رَفعِه (^١).
(وَسُنَّ) لإمامٍ وغيرِه (تَطْوِيلُ) قراءةِ ركعةٍ (أُولَى عَنْ) قراءةِ ركعةٍ (ثَانِيَةٍ)؛ لحديثِ أَبي قتادةَ مرفوعًا: «كان يَقرأ في الظُّهرِ في الرَّكعتَين الأُولَيَين (^٢) بفاتحةِ الكتابِ، وكان يُطوِّل في الرَّكعةِ الأُولى ما لا يُطوِّل في الثانيةِ، وهكذا في صلاةِ العصرِ، وهكذا في صلاةِ الصُّبحِ» متَّفق عليه (^٣)، زادَ أبو داودَ: «فظَننَّا أنَّه يُريد بذلك أن يُدرِك النَّاسُ الرَّكعةَ الأُولى» (^٤).
إلّا في صلاةِ خوفٍ في بعضِ الأَوجُهِ؛ فالثانيةُ أطولُ، أو بيسيرٍ (^٥)، ك «سبِّحْ» (^٦) و«الغاشيةِ».
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (رفعه) أي: الإمام من الركوع. انتهى تقرير. وكتب على هامش (ع): استفيد من التمثيل: أنه لا يعد سابقًا بالركن إلا إذا تلبس [بغيره]، لكن في تمثيل المصنف رحمه الله تعالى بقوله: (كما لو ركع …) إلخ، للسبق بركنين غير الركوع مسامحة كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٢) في (ب): الأولتين.
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٩)، ومسلم (٤٥١).
(٤) أخرجه أبو داود (٨٠٠).
(٥) في (د): يسير. كتب على هامش (ع): قوله: (بيسير …) إلخ؛ أي: وإلا بيسير، وهذا استثناء من مقدر، كأنه قيل لا ينبغي أن يطول الركعة الثانية عن الأولى، بل السنة عدمه إلا بيسير … إلخ، وهذا لوروده، فلا بأس بذلك كالقراءة بالجمعة والمنافقين. [العلامة السفاريني].
(٦) في (أ) و(س) و(ك) و(د): كبسبِّح.
[ ٣٩٧ ]
(وَ) سُنَّ (لِإِمَامٍ التَّخْفِيفُ) للصَّلاة (مَعَ الإِتْمَامِ) للصَّلاة؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «إذا صلَّى أَحدُكم للنَّاس فَلْيُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم السَّقيمَ والضَّعيفَ وذا الحاجةِ، وإذا صلَّى لنفسِه فَلْيُطوِّلْ ما شاءَ» رَواه الجماعةُ (^١).
وتُكرَه سرعةٌ تَمنع مأمومًا فِعلَ ما يُسنُّ.
ومَحلُّ التَّخفيفِ: ما لم يُؤثِرْ مأمومٌ التَّطويلَ.
(وَ) سنَّ (^٢) لإمامٍ أيضًا (انْتِظَارُ دَاخِلٍ) معه أحسَّ به في ركوعٍ ونحوِه (^٣)؛ لأنَّ الانتظارَ ثبَت عنه ﵊ في صلاةِ الخوفِ لإدراكِ الجماعةِ (^٤)، وهذا المعنى موجودٌ هنا، (إِنْ لَمْ يَشُقَّ) انتظارُه (^٥) على مأمومٍ؛ لأنَّ حرمةَ مَنْ معه أعظمُ، فلا يَشقُّ عليه لنفعِ الدَّاخلِ.
(وَإِنِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ)، حرَّةٌ أو أَمَةٌ، زوجَها ونحوَه في خروجِها (لِمَسْجِدٍ) تُصلِّي فيه جماعةً، ليلًا أو نهارًا؛ (كُرِهَ) له (مَنْعُهَا) (^٦)؛ لحديثِ: «لا تَمنعُوا إمَاءَ اللهِ مساجدَ اللهِ» (^٧).
وتَخرج تَفِلةً (^٨)، غيرَ مطيَّبةٍ، ولا لابسةٍ ثوبَ زينةٍ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٦٦٧)، والبخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧)، وأبو داود (٧٩٤)، والترمذي (٢٣٦)، والنسائي (٨٢٣)، وأخرجه ابن ماجه (٩٨٤)، من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁. وينظر: الإرواء ٢/ ٢٩١.
(٢) في (س) و(ك): ويسن.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (ونحوه): انظر ما المراد بالنحو.
(٤) أخرجه البخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢)، من حديث صالح بن خوات عمن شهد ذات الرقاع.
(٥) في (د): انتظار.
(٦) زاد في (أ) و(س) و(ك): منه.
(٧) أخرجه البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (تفلة) بالمثناة الفوقية والفاء المكسورة. انتهى كذا بلفظه.
[ ٣٩٨ ]