(بَابٌ)
بالتنوين لفظًا، والمعنى على الإضافة، أي: هذا بابُ ما يُفسد الصَّومَ، ويُوجِب الكفَّارةَ.
(يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوِ اسْتَعَطَ)، بدُهنٍ (^١) أو غيرِه، فوصَل إلى حَلقِه أو دِماغِه، (أَوِ احْتَقَنَ، أَوِ اكْتَحَلَ بِمَا وَصَلَ) أي: بما عَلِم وصولَه (إِلَى حَلْقِهِ) لرُطوبتِه أو حِدَّتِه، مِنْ كُحلٍ، أو صَبِرٍ، أو قَطُورٍ، أو ذَرُورٍ (^٢)، أو إِثْمِدٍ كثيرٍ، أو يسيرٍ مطيَّبٍ؛ لأنَّ العينَ مَنفذٌ، وإن لم يَكُنْ معتادًا.
(أَوْ أَدْخَلَ جَوْفَهُ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ) غيرَ إحْلِيلِه؛ فسَد صومُه.
(أَوِ اسْتَقَاءَ) أي: استَدعَى القَيءَ (فَقَاءَ)؛ فسَد صومُه؛ لقولِه ﷺ: «مَنْ اسْتَقاءَ عَمْدًا فَلْيَقضِ» حسَّنه التِّرمذيُّ (^٣).
(أَوْ اسْتَمْنَى) فأَمنَى أو أَمذَى؛ فسَد صومُه.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): أي: بأن تحقَّق ذلك بوجود طعمه بحلقه أو خروجه في نخامة ونحوه، ولهذا قال في «الإنصاف»: يعتبر العلم بالواصل على الصحيح من المذهب، وقطع المجد في شرحه: بأنَّه يكفي الظَّن، قال في «الفروع»: كذا قال. لكنَّ التَّعبير بالكثير في الإثمد وباليسير في المطيب، يقتضي أنَّ المراد بالعلم غلبة الظن؛ لقوَّة السراية؛ إذ لو كان المراد التحقق لم يحتج إلى التقييد بذلك. يوسف، وفي «الكافي»: إلى خياشمه فسد صومه. ا هـ.
(٢) كتب على هامش (ب): الذرور بالذَّال المعجمة كما ذكره في «القاموس»، وهو بالفتح: ما يذر في العين.
(٣) أخرجه أحمد (١٠٤٦٣)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، والنسائي في الكبرى (٣١١٧)، وابن ماجه (١٦٧٦)، وابن حبان (٣٥١٨)، والحاكم (١٥٥٧)، عن أبي هريرة به مرفوعًا، وأعلَّه أحمد والبخاري وجماعة من الحفاظ، وصححه ابن حبان والحاكم والألباني، وحسنه المنذري وابن الملقن. ينظر: البدر المنير ٥/ ٦٥٩، التلخيص الحبير ٢/ ٤١٠، الإرواء ٤/ ٥١.
[ ٥٩٨ ]
(أَوْ بَاشَرَ) دونَ فَرجٍ، أو قبَّل أو لمَس (فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَىَ)؛ فسَد صومُه.
(أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَمْنَى)؛ فسَد صومُه، لا إن أَمذَى.
(أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ، وَظَهَرَ دَمٌ)؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ: «أَفطَر الحاجمُ والمَحجُومُ» رَواه أحمدُ والتِّرمذيُّ (^١)، قال ابنُ خُزيمةَ: ثَبتَت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك (^٢).
ولا يُفطر بفَصدٍ، ولا شَرطٍ، ولا رُعافٍ.
ومَحلُّ فسادِ الصَّومِ بما ذُكر: إذا كان الصَّائمُ فعَل شيئًا مِنْ ذلك حالَ كَونِه (عَامِدًا) أي: قاصدًا الفعلَ، ولو جَهِل التَّحريمَ، (ذَاكِرًا) في الكلِّ (لِصَوْمِهِ، فَلَا) يَفسد صومُه إن فعَل ذلك (نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا (^٣»، ولو بوَجُورِ مُغمًى عليه معالَجةً (^٤)، فلا يَفسد صومُه، وأَجزأه؛ لقولِه ﷺ: «عُفي لأمَّتي عن الخطأِ والنِّسيانِ، وما استُكرِهُوا عليه» (^٥)، ولحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ نَسِي وهو
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥٨٢٨)، والترمذي (٧٧٤)، وابن خزيمة (١٩٦٤)، من حديث رافع بن خديج ﵁، قال الترمذي: (حسن صحيح، وذُكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج)، وروي من حديث ثوبان وشداد بن أوس وعائشة وغيرهم ﵃. ينظر: تنقيح التحقيق ٣/ ٢٥٠، الفتح ٤/ ١٧٧.
(٢) ينظر: صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٢٧.
(٣) كتب على هامش (ع): وقال أبو الخطاب: الجاهل مثله. محرر.
(٤) كتب على هامش (ب): بأن وضع الدواء في حلق المغمى عليه لقصد معالجةٍ بذلك ليفيق؛ لأنَّه لم يفعل ذلك ولم يقصد. يوسف. انتهى. وكتب على هامش (س): قوله: (معالجة) منصوب على الحال من (مغمى عليه)، كذا قرر المؤلف، وأقول: ليس كما قال؛ لأنها صفة فعل، لا صفة ذات، فهي إما حال من «وجور»، أي: حال كون الوجور معالجة، أو مفعول لأجله، أي: ولو بوجور لأجل المعالجة، انتهى، فليراجع.
(٥) سبق تخريجه ١/ ٣٥٥ حاشية (٣).
[ ٥٩٩ ]
صائمٌ فأكلَ أو شربَ؛ فَلْيُتمَّ صومَه، فإنَّما أَطعَمَه اللهُ وسَقَاه» متَّفق عليه (^١).
(وَلَا إِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ، أَوْ غُبَارٌ)، مِنْ طريقٍ أو دقيقٌ، أو دخانٌ، فلا يَفسد صومُه؛ لعدمِ إمكانِ التحرُّزِ مِنْ ذلك، أَشبَه النَّائمَ.
(أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)؛ لم يُفطر؛ لقولِه ﷺ: «عُفِيَ لأُمَّتي ما حدَّثَت به أَنفُسَها ما لم تَعمَلْ به أو تَتكلَّمْ» (^٢)، وقياسُه على تَكرارِ النَّظرِ غيرُ مسلَّمٍ؛ لأنَّه دُونَه.
(أَوِ احْتَلَمَ)؛ لم يُفطر؛ لأنَّ ذلك ليس بسببٍ مِنْ جِهَتِه.
وكذا لو ذَرَعه أي: غلبَه القَيءُ.
(أَوْ قَطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ)، أو غيَّبَ فيه (شَيْئًا) فوصَل إلى المَثانةِ؛ لم يُفطر.
(أَوْ أَصْبَحَ وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ) أي: طرَحه؛ لم يَفسد صومُه.
وكذا لو شقَّ عليه لفظُه، فجرَى مع رِيقِه بلا قصدٍ؛ لِما تَقدَّم، وإن تميَّز عن رِيقه، وبَلِعَه (^٣) اختيارًا؛ أَفطَر.
ولا يُفطر إن لطَخ باطنَ قدمِه بشيءٍ فوجَد طعمَه بحَلقه.
(وَلَا إِنِ اغْتَسَلَ أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ)، فلا يُفطر؛ لعدمِ القصدِ، حتى (وَلَوْ بَالَغَ) في مضمضمةٍ أو استنشاقٍ، (أَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ) فيهما؛ فلا يُفطر.
لكنْ تُكره مبالغةٌ في مضمضةٍ واستنشاقٍ لصائمٍ، وتَقدَّم، وكُرِها (^٤) له عبثًا
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في (ب): فبلعه.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (وكرها) أي: المضمضة والاستنشاق. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٦٠٠ ]
أو سَرفًا، أو لحرٍّ أو عطشٍ؛ كغَوصِه في ماءٍ عبثًا (^١) أو سَرفًا، لا لغُسلٍ مشروعٍ أو تبرُّدٍ، ولا يَفسد صومُه بما دخَل حَلقَه بلا قصدٍ.
(وَإِنْ أَكَلَ وَنَحْوَهُ)؛ كما لو شَرِب أو جامَع حالَ كَونِه (شَاكًّا فِي طُلُوعِ فَجْرٍ)، ولم يَتبيَّن له طلوعُه؛ (صَحَّ صَوْمُهُ)، ولا قضاءَ عليه، ولو (^٢) تَردَّد؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ اللَّيلِ.
(لَا) إن أكَل ونحوُه شاكًّا (فِي غُرُوبِ شَمْسٍ (^٣» مِنْ يومٍ هو صائمٌ فيه، ولم يَتبيَّن بعدَ ذلك أنَّها غرَبَت؛ فعلَيه قضاءُ صومٍ واجبٍ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النَّهارِ.
(وَإِنْ) أكَل ونحوُه (^٤) في وقتٍ (اعْتَقَدَهُ لَيْلًا، فَبَانَ نَهَارًا) أي: ظهَر طلوعُ فجرٍ، أو عدمُ غروبِ شمسٍ؛ (قَضَى) الواجبَ؛ لأنَّه لم يُتمَّ.
وكذا يَقضي إن أكَل ونحوُه يَعتقده نهارًا فبانَ ليلًا، ولم يُجدِّد نيَّتَه لواجبٍ (^٥).
لا مَنْ أكَل ونحوُه ظانًّا غروبَ شمسٍ ولم يَتبيَّن له الخطأُ.