أي: مُفسداتِه، جمعُ «ناقضةٍ»، أو «ناقضٍ»، فإنَّ «فاعلًا» يُجمع على «فَواعلَ» إذا كان وصفًا لِما لا يَعقل، كما هنا.
والنَّقضُ حقيقةٌ في البناءِ، مجازٌ في المَعاني؛ كنقضِ الوضوءِ (^١)، وعلاقتُه الإبطالُ.
وهي ثمانيةٌ بالاستقراءِ (^٢)، أشارَ إلى أحدِها بقولِه: (يَنْقُضُهُ) أي: الوضوءَ (خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ)، قُبُلٍ أو دُبُرٍ، إلى ما يَلحقه (^٣) حُكمُ التَّطهيرِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وقولِه ﵇: «ولكنْ مِنْ غائطٍ وبولٍ …» الحديثَ (^٤)، وقولِه في المَذيِ: «يَغسِل ذكَرَه (^٥)، ويَتوضَّأ» (^٦)، وقولِه: «لا يَنصرِفْ حتَّى يَسمعَ صوتًا، أو يَجِد ريحًا» (^٧).
قليلًا كان الخارجُ أو كثيرًا، نادرًا كدَمٍ ودُودٍ، أو معتادًا كبولٍ وغائطٍ، طاهرًا كولدٍ بلا دَمٍ، أو نجسًا كمَذيٍ، ولو ريحًا مِنْ قُبُلِ أُنثى أو ذكَرٍ، أو قطَرَ في إحليلِه
_________________
(١) زيد في (س): ونقض العلة.
(٢) زيد في (ك): أي التتبع.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (إلى ما يلحقه): متعلق بقول المتن: (خارج)، وخروجه إلى هذا المحل، كما إذا خرج الخارج من القبل إلى عين الذكر. انتهى تقرير مؤلفه. وكتب فوقها في (ب): أي محل.
(٤) أخرجه أحمد (١٨٠٩١)، والترمذي (٩٦)، وابن خزيمة (١٧)، وابن حبان (١١٠٠)، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والخطابي. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤١٣، الإرواء ١/ ١٤٠.
(٥) زيد في (د): مرة، وزيد في (ك): وأنثييه.
(٦) أخرجه البخاري (٢٦٩) ومسلم (٣٠٣)، من حديث علي ﵁، واللفظ لمسلم.
(٧) أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١)، من حديث عباد بن تميم عن عمه ﵁.
[ ١٦٣ ]
نحوَ دُهنٍ ثُمَّ خرَج.
فلَو احتَمل في قُبُلٍ أو دُبُرٍ قُطنًا أو مِيلًا، ثمَّ خرَج ولو بِلا بَللٍ؛ نقَض، كما في «الإقناع» (^١).
وقيل: لا نَقْضَ (^٢) إن خرَج بِلا بَللٍ (^٣)، قال صاحبُ «المنتهى» في شرحِه: (وهو المذهبُ) (^٤)، وعلَّله: بأنَّه ليس بينَ المَثانةِ والجوفِ مَنفذٌ، ومُقتضى هذا التعليلِ: أنَّ المُحْتشي في الدُّبُر يَنقض مطلقًا (^٥)، كما ذكرَه المصنِّفُ (^٦).
ولو ظهَر طرفُ مُصْرانٍ أو رأسُ دودةٍ؛ نقَض.
ولو ظهَرَت مَقعدتُه، فإن عَلِم بَلَلَها؛ بطَل وضوءُه، لا إن جَهِل.
الثَّاني مِنْ النَّواقضِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَكَذَا) يَنقض الوضوءَ خارجٌ (مِنْ
_________________
(١) ينظر: الإقناع ١/ ٣٧. كتب على هامش (ب): قوله: (فلو احتمل …) إلخ، في ح ع ن: حاصل ما يفيد كلامه في شرحه ك «الإقناع»: أنَّ للمحتشي ثلاث حالات: إحداها: أن يكون في الدُّبر، فينقض مطلقًا. الثَّانية: في القبل وابتل؛ فكذلك عندهما. الثَّالثة: ألّا يبتل؛ فينقض عند «الإقناع» مع البلَّة على ما قدَّمه في «الفروع»، والله أعلم. ح ع س. وكتب في (ب) أيضًا: لأنَّ ما وصل إليه الخارج إذا لم يلحقه حكم التَّطهير من الخبث؛ لم يلحقه بسببه حكم التَّطهير من الحدث، والجارُّ أيضًا متعلِّق بالخارج. «منتهى» وشرحه.
(٢) في (أ) و(ك): لا ينقض.
(٣) كتب فوقها في (ب): أي من القبل.
(٤) ينظر: معونة أولي النهى ١/ ٣٠٦.
(٥) كتب على هامش (ع) قوله: (محتش وابتلَّ) أي: في المنتهى مفهومه: لو خرج ناشفًا لم ينتقض، وهو المذهب، ووجهه: أنه ليس بين المثانة والجوف منفذ، ولم تصحبه نجاسة، وظاهر كلامهم: لا فرق بين كون طرفه خارجًا أم لا، وعلم من قوله: (ووجهه …) إلخ، أنه لو احتشى في دبره، أنه ينتقض مطلقًا؛ لأنه جوف، وسوى بينهما في الإقناع، فقال بالنقض بخروج المتحشي فيهما [ابتلَّ أم لا]. م خ.
(٦) ينظر: شرح منتهى الإرادات ١/ ٦٩.
[ ١٦٤ ]
بَاقِي البَدَنِ) أي: ما سِوَى السَّبيلَين، (إِنْ كَانَ) الخارجُ مِنْ بقيَّةِ البَدنِ، (بَوْلًا أَوْ غَائِطًا) مطلقًا (^١)، (أَوْ) كان (كَثِيرًا نَجِسًا غَيْرَهُمَا) أي: غيرَ البولِ والغائطِ (^٢)؛ (كَقَيْءٍ) ولو بحالِه (^٣)، (وَدَمٍ) وقَيحٍ، ودُودِ جُرحٍ؛ لقولِه ﵇ في حديثِ فاطمةَ: «إنَّه دَمُ عِرْقٍ، فتَوضَّئي لكلِّ صلاةٍ» رَواه الترمذيُّ (^٤).
وعُلم مِنْ قولِه: «كثيرًا» أنَّه لو كان غيرَ البولِ والغائطِ قليلًا؛ لم يَنقض؛ لمفهومِ قولِ ابنِ عباسٍ في الدَّم: «إذا كان فاحشًا فعليه الإعادةُ» (^٥).
والكثيرُ: ما فَحُش (^٦) في نفسِ كلِّ أَحدٍ بحسَبِه، فلو مصَّ علقٌ أو قُرادٌ (^٧) لا ذُبابٌ (^٨) وبعوضٌ دمًا كثيرًا؛ نقَض.
الثَّالثُ مِنْ النَّواقضِ: ما (^٩) أشارَ إليه بقولِه: (وَزَوَالُ عَقْلٍ (^١٠» بجنونٍ، أو
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (مطلقًا) أي: كثيرًا كان البول أو الغائط أو يسيرًا. انتهى «شرح منتهى».
(٢) كتب على هامش (ح): واختار الشيخ تقي الدين: لا نقض بخروج النجاسات من غير السبيلين، وفاقًا لمالك والشافعي. انتهى.
(٣) كتب على هامش (ب): أي: بصفته قبل استعماله، كما لو شرب ماء عرق السُّوس، أو شرب ماء وقذفه في الحال؛ لأنَّ نجاسته بوصوله لا استحالته. ح ع س.
(٤) أخرجه الترمذي (١٢٥)، وأحمد (٢٤١٤٥)، وأبو داود (٢٨٦)، والنسائي (٢١٧)، وابن ماجه (٦٢٤)، من حديث عائشة ﵂، وصححه الألباني. ينظر: الإرواء ١/ ١٤٦.
(٥) أخرجه الأثرم في سننه (ص ٢٦٩)، وابن المنذر في الأوسط (٦٤)، والبيهقي في الكبرى (٤١٠٠)، وإسناده حسن، واحتج به أحمد.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (والكثير ما فحش) يقال: فحش بضمِّ الحاء وفتحها، وأفحش أي: قبح. ح ع س.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (فلو مصَّ علق أو قراد …) إلخ، قال م ص في «شرح المنتهى»: لأنَّ الفرق بين ما خرج بنفسه أو بمعالجة لا أثر له في نقض الوضوء به وعدمه. انتهى.
(٨) كتب على هامش (ب): قوله: (لا ذباب) أي: لا ينقض ما خرج بمصِّ ذباب وبعوض، وهو صغار البقِّ ونحوه؛ كبق وقمل وبراغيث؛ لقلَّته ومشقَّة الاحتراز منه. ا هـ. م ص.
(٩) قوله: (ما) سقط من (أ) و(س) و(ع) و(د).
(١٠) كتب على هامش (ب): قوله: (زوال عقل) قال الشَّيخ عثمان: والتَّحقيق أنَّ العقل غريزة؛ كالنُّور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء، فيعلم وجوب الواجبات، وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، ويتلمَّح به عواقب الأمور، وذلك النُّور يقلُّ ويكثر. عثمان. قال في «المطلع»: وفي محلِّه روايتان نقلهما القاضي: إحداهما: أنَّ محلَّه القلب، وهو قول أكثر أصحابنا، ومروي عن الشَّافعي. والثَّانية: أنَّ محلَّه الدِّماغ، نقله ابن زياد عنه، وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة. انتهى. كتب على هامش (ع) قوله: (وزوال عقل …) إلخ، قال في التحرير وشرحه: العقل: ما يحصل به الميز، وهو شامل لأكثر الأقوال الآتية، وعن الإمام الشافعي: آلة التمييز، وهو بعض العلوم الضرورية عند أصحابنا، وغريزة نصًّا، ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب، بل خلقه الله تعالى يفارق به الإنسان البهيمة، ويستعد به لقبول العلم وتدبير الصنائع الفكرية، فكأنه نور يقذف في القلب كالعلم الضروري، والصبا ونحوه حجاب له، ومحله القلب، وله اتصال بالدماغ، ويختلف، فعقل بعض الناس أكثر؛ لأن كمال الشيء ونقصه يعرف بكمال آثاره وأفعاله، ونحن نشاهد تفاوت آثار العقول في الآراء والحكم والحيل وغيرها، وفيه أقوال وبحوث كثيرة أضربنا عنها اختصارًا.
[ ١٦٥ ]
بِرسامٍ (^١)، أو تَغطيتُه بإغماءٍ أو سُكرٍ، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا.
(وَلَوْ) كانت تَغطيتُه (بِنَوْمٍ)؛ لحديثِ عليٍّ: «العَينُ وِكَاءُ السَّهِ، فمَن نامَ فَلْيَتوضَّأْ» رَواه أحمدُ (^٢)، والسَّه: حَلْقةُ الدُّبُرِ، ولأنَّ النَّومَ مَظِنَّةُ الحدثِ، فأُقيمَ مُقامَه.
والنَّومُ رحمةٌ مِنْ اللهِ على عبدِه؛ لِيَستريحَ بَدنُه عندَ تَعبِه، وهو غَشيةٌ ثَقيلةٌ تقَع على القلبِ، تَمنع المعرفةَ بالأشياءِ.
فيَنقض النَّومُ الوضوءَ، إلَّا نومَ النبيِّ ﷺ (^٣) على أيِّ حالٍ كان؛ لأنَّه تَنام
_________________
(١) كتب على هامش (س): البرسام نوع من الجنون. انتهى تقرير المؤلف.
(٢) أخرجه أحمد (٨٨٧) وأبو داود (٢٠٣)، عن علي ﵁، وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده (١٦٨٧٩)، والدارمي (٧٤٩)، عن معاوية ﵁، قال أبو حاتم عنهما: (ليسا بقويين)، وضعَّف الحديث ابن عبد البر وابن حجر، وحسنه النووي وابن الصلاح. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٠٦)، التلخيص الحبير ١/ ٣٣٣، صحيح أبي داود للألباني ١/ ٣٦٧.
(٣) كتب على هامش (ب): وفي شرح مسلم: ومثله في ذلك جميع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا أيضًا يؤيِّد أنَّ سؤال عائشة المتقدِّم بقولها: «أتنام قبل أن توتر» كناية عن الصَّلاة بعد النُّوم من غير وضوء، كما تقدَّم. ا هـ.
[ ١٦٦ ]
عَيناه ولا يَنام قلبُه (^١).
و(إِلَّا) نومًا (يَسِيرًا) عُرفًا (^٢) (مِنْ قَاعِدٍ وَقَائِمٍ، غَيْرِ مُسْتَنِدٍ) كِلاهما (^٣)، (وَنَحْوِهِ) أي: نحو (^٤) المستنِدِ؛ كمُتَّكئٍ ومُحْتَبٍ؛ لقولِ أنسٍ: «كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَنتظرون العشاءَ الأخيرةَ حتى تَخفِقَ رُؤوسُهم، ثمَّ يُصلُّون ولا يَتوضَّؤُون» رَواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ (^٥)، ولقولِ ابنِ عبَّاسٍ في قصَّةِ تَهجُّدِه ﷺ: «فجَعلتُ إذا أَغفيتُ يأخذ بشَحمةِ أُذني» رَواه مسلمٌ (^٦).
وقولُه: «حتَّى تَخفِق رُؤوسُهم» قال في «المصباح»: (خفَق برأسِه خَفقةً: أخذَته سِنَةٌ مِنْ النُّعاس فمالَ رأسُه دونَ سائرِ جسدِه) (^٧)، وبابُه: «ضرَب»، وقولُه: «أَغفيتُ» أي: نِمتُ نومةً خفيفةً، قال ابنُ السِّكِّيتِ (^٨) وغيرُه: ولا يُقال: غَفَوتُ. وقلَّله الأزهريُّ (^٩)
_________________
(١) أخرج البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨) من حديث عائشة ﵂.
(٢) كتب على هامش (ح): قال الزركشي: إن سمع القراءة وفهم المعنى؛ فليس بنوم، وإن سمع القراءة ولم يفهم المعنى؛ فهو نوم يسير، وإن لم يسمع ولم يفهم، فهو نوم كثير. انتهى تقرير.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (كلاهما): فاعل (مستند) أي: غير مستند كل منهما. انتهى تقرير المؤلف.
(٤) قوله: (نحو) سقط من (أ) و(س) (ع) و(د).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٠٠)، وأصله في مسلم (٣٧٦)، بلفظ: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون».
(٦) أخرجه مسلم (٧٦٣).
(٧) ينظر: المصباح المنير ١/ ١٧٦.
(٨) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، ابن السكيت، اللغوي النحوي، كان يؤدب أولاد المتوكل، روى عن الأصمعي وأبي عبيدة والفراء وجماعة، من مصنفاته: إصلاح المنطق، والألفاظ، والقلب والإبدال، قُتل سنة ٢٤٤ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٦/ ٣٩٥. وينظر قوله في إصلاح المنطق ص ١٦٧.
(٩) هو: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر، الهروي اللغوي الإمام، كان فقيهًا شافعي المذهب، غلبت عليه اللغة فاشتهر بها، من مصنفات: تهذيب اللغة، والتقريب في التفسير، تفسير ألفاظ مختصر المزني، والانتصار للشافعي، مات سنة ٣٧٠ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣٣٤، طبقات الشافعيين ص ٢٨٧.
[ ١٦٧ ]
كما في «المصباح» (^١).
وعُلم منه: أنَّ الكثيرَ مِنْ قاعدٍ وقائمٍ يَنقض، وأنَّ نحوَ مُستنِدٍ كمُضطجِعٍ (^٢)، بجامعِ الاعتمادِ، فيَنقض مطلقًا.
وإن رأَى رُؤيا؛ فكثيرٌ (^٣).
الرَّابعُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ (^٤) إليه بقولِه: (وَمَسُّ فَرْجٍ (^٥»، متَّصلٍ، أصلِيٍّ، مِنْ آدميٍّ ولو ميتًا، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، مِنْ الماسِّ أو مِنْ غيرِه، ذكَرًا كان الماسُّ أو أُنثى أو خُنثى، لشهوةٍ أو لا، ولو كان الذَّكرُ أَشلَّ (^٦)، أو قُلفةً (^٧)؛ لحديثِ بُسْرةَ
_________________
(١) ينظر: المصباح المنير ١/ ٤٥٠.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (كمضطجع) أي: حكمه، وهو خبر أنَّ. انتهى تقرير مؤلفه.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (فإن رأى رؤيا …) إلخ، قال في «الغاية» وشرحها لشيخنا: (فلا اعتبار بالرُّؤيا)، قال في «الفروع»: وهي أظهر، وقال في «الإنصاف»: إن رأى رؤيا فيسير، (خلافًا له) أي: ل «الإقناع»، فإنَّه قال: وإن رأى رؤيا فهو كثير، قال الزَّركشيُّ: لا بدَّ في النَّوم النَّاقض من الغلبة على العقل، فمن سمع كلام غيره وفهمه فليس بنائم، فإن سمعه ولم يفهمه؛ فيسير، قال: وإذا سقط السَّاجد عن هيئته أو القائم عن قيامه، ونحو ذلك؛ بطلت طهارته؛ لأنَّ أهل العرف يعدون ذلك كثيرًا. اه. كتب على هامش (ع): وإن سمع كلام غيره ولم يفهمه؛ فيسير. قاله الزركشي. ح عثمان. كتب على هامش (ع): قوله: (وإن رأى رؤيا …) إلخ، عبارة الفروع: وإن رأى رؤيا فكثير، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، وعنه: لا، وهي أظهر انتهى. ومنه تعلم أن الذي يؤيده شاهد الوجود الرواية الثانية فإنه يوجد من أشخاص كثيرة رؤيا في أقل مدة من السنة، فهذا هو الذي استظهر لأجله صاحب الفروع هذه الرواية، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٤) في (د) و(ك) و(ع): ما أشار.
(٥) كتب على هامش (ع): قال الشيخ تقي الدين: لفظ المس واللمس سواء، ومن فرق بينهما فقد فرق بين متماثلين. عثمان.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (أشلّ) أي: حركته بطَّالة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (أو قلفة) أي: لأنَّها من مسمَّى الذَّكر، وأمَّا الفرج فهو اسم لمخرج الحدث، ومنه تعلم الفرق بين قلفة الرَّجل وشفري فرج المرأة، حيث قالوا بالنَّقض في الأوَّل دون الثَّاني، وهذا الفرق مستفاد من الشَّرح. ا هـ. م خ.
[ ١٦٨ ]
بنتِ صَفوانَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذكَرَه فَلْيَتوضَّأْ» رَواه مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم، قال البخاريُّ: أصحُّ شيءٍ في هذا الباب حديثُ بُسْرةَ (^١).
(بِيَدٍ) ولو زائدةً، سواءٌ كان المسُّ ببَطنِ كَفِّه أو ظَهرِها أو حَرفِها، غيرَ ظُفرٍ، فلا نَقْضَ لو مسَّه بغيرِها (^٢)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا أَفْضَى أَحدُكم بِيَدِه إلى ذَكَرِه؛ فقَد وجَب عليه الوُضوءُ» رَواه الشافعيُّ وأحمدُ (^٣).
(أَوْ الذَّكَرِ)، بالجرِّ عطفًا على «فَرجٍ»، يَعني أنَّه يَنقض الوضوءَ مسُّ الذَّكرِ (بِفَرْجٍ)، بالتنوين، (غَيْرِهِ) أي: غيرِ الذَّكرِ، فيَنقض مسُّ الذَّكرِ بقُبلِ أُنثى أو دُبرٍ مطلقًا بلا حائلٍ؛ لأنَّه أَفحشُ مِنْ مسِّه باليدِ.
وعُلم منه: أنَّه لا يَنقض مسُّ ذَكرٍ بذَكرٍ، وكذا لا يَنقض مسُّ بائنٍ أو محلِّه، أو زائدٍ، أو أحدِ قُبلَي خُنثى مُشكِلٍ بلا شهوةٍ، أو بها، ما ليس للَّامسِ مِثلُه (^٤)، كمسِّ ذَكَرٍ قُبلَ الخُنثى (^٥)، أو أُنثى ذكَرَه لشهوةٍ، فلا نَقْضَ، وعكسُهما (^٦) يَنقض
_________________
(١) أخرجه مالك (٥٨)، والشافعي كما في المسند (٨٧)، وأحمد (٢٧٢٩٣)، والترمذي (٨٢)، وابن حبان (١١١٤)، قال الترمذي: (حسن صحيح)، وصححه ابن حبان والدارقطني وغيرهما. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٣٤٠، صحيح أبي داود للألباني ١/ ٣٢٧.
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (بغيرها) أي: بغير اليد. انتهى تقرير المؤلف.
(٣) أخرجه الشافعي كما في المسند (٨٨)، وأحمد (٨٤٠٤)، وابن حبان (١١١٨)، وفي سنده يزيد ابن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف، وتابعه نافع بن أبي نعيم المقرئ، وهو متكلم فيه، وصحح الحديث ابن السكن وابن عبد البر وغيرهما. ينظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٢٤٢، التلخيص الحبير ١/ ٣٤٧.
(٤) في (س): منه.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (كمس ذكر): مصدر مضاف لفاعله، ومفعوله (قُبل). انتهى.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (وعكسهما) أي: مس ذكر ذكرَ الخنثى، أو الأنثى فرجه، وقوله: (كمسهما) أي: كمسِّ ذكر أو أنثى قُبُلي الخنثى معًا. انتهى تقرير المؤلف.
[ ١٦٩ ]
لشهوةٍ، كمَسِّهما (^١) ولو بلا شهوةٍ.
وكذا لا يَنقض مسُّ شُفْرَي امرأةٍ (^٢)، وهُما حافَتا فَرجِها، دونَ فرجٍ (^٣)، وهو مَخرجُ بولٍ ومَنيٍّ وحَيضٍ.
الخامسُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ (^٤) إليه بقولِه: (وَلَمْسُ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى الآخَرَ)، بالنَّصب، مفعولُ «لَمْس»، وذلك (^٥) بأن يَلمس الذَّكرُ بَشرةَ الأُنثى، أو تمسَّ بَشرتَه (^٦) بلا حائلٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، بشرطِ أن يَكون اللَّمسُ (لِشَهْوَةٍ (^٧»؛ للجمعِ بينَ الآيةِ والأخبارِ.
فلَو حصَل اللَّمسُ بلا شهوةٍ، وهي التَّلذُّذُ بذلك؛ فلا نَقْضَ (^٨)؛ لحديثِ عائشةَ قالت: «كنتُ أنامُ بينَ يدَي رسولِ اللهِ ﷺ، ورِجْلايَ في قِبلَتِه، فإذا سجَد غَمزَني، فقَبضتُ رِجلَيَّ» متَّفق عليه (^٩)، والظاهرُ أنَّ غَمْزَه كان مِنْ غيرِ حائلٍ.
_________________
(١) في (د) و(ك): كمسهما معًا.
(٢) كتب على هامش (ع): أي: بلا شهوة. ع ن.
(٣) كتب على هامش (س): أي فينقض. انتهى.
(٤) في (د) و(ك) و(ع): ما أشار.
(٥) قوله: (بالنصب مفعول لمس وذلك) سقط من (س)
(٦) قوله: (تمس بشرته) هو في (س): عكسه.
(٧) في (س): لكن لا نقض إلا إذا كان اللمس لشهوة. وكتب على هامش (ب): تنبيه: قوله: (لشهوة) هي عبارة «المقنع» وغيره، وعبارة «الوجيز»: (بشهوة)، قال في «المبدع»: وهي أحسن؛ لتدلَّ على المصاحَبة والمقارنة. ش ق. أي: فإنَّ اللَّام ربَّما تشعر بتقديم الشَّهوة وبتأخيرها. ابن نصر الله. ا هـ. فروع.
(٨) كتب على هامش (ب): قوله: (فلا نقض) قال في «الإنصاف»: حيث قلنا: لا ينقض مسُّ الأنثى استحبَّ الوضوء مطلقًا على الصَّحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وقال الشَّيح تقي الدِّين: مستحبٌّ إن لمسها لشهوة وإلَّا فلا. ا هـ «ح إقناع».
(٩) أخرجه البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢).
[ ١٧٠ ]
فيَنقض مع الشهوةِ (^١) لَمسُ أَحدِهما الآخَرَ، ولو بزائدٍ لزائدٍ، أو أشلَّ، أو ميتٍ، أو هَرِمٍ، أو مَحرَمٍ.
(لَا مَنْ دُونَ سَبْعٍ (^٢» أي: لا يَنقض لَمسُ رَجُلٍ أُنثى دونَ سبعٍ، ولا لَمسُ أُنثى ذكَرًا دونَ سبعٍ.
(وَلَا) يَنقض (مَسُّ شَعْرٍ، أَوْ ظُفُرٍ)، أو سِنٍّ، أو عضوٍ مقطوعٍ، ولا المسُّ (^٣) بذلك (^٤).
(أَوْ أَمْرَدَ) يَعني: لا يَنقض وضوءَ رَجلٍ مسُّ أَمردَ، ولو بشهوةٍ؛ لعدمِ تَناولِ الآيةِ له، ولأنَّه ليس بمحلٍّ للشَّهوةِ شرعًا.
قال في «القاموس»: والأمردُ: الشَّابُّ طَرَّ شاربُه ولم تَنبُت لِحيتُه (^٥).
(وَلَا) يَنقض الوضوءَ مسٌّ لفَرجٍ، أو لمسٌ لبَدنٍ، (مَعَ حَائِلٍ)، أَشبَه ما لو لَمَس الحائلَ وحدَه.
(وَلَا) يَنتقض وضوءُ (مَمْسُوسٍ فَرْجُهُ)، بالرَّفع، على أنَّه نائبُ فاعلِ «ممسوس»، (أَوْ) ملموسٍ (بَدَنُهُ) بالرَّفع، عطفًا على ما قَبلَه (^٦)، (وَلَوْ وَجَدَ)
_________________
(١) قوله: (مع الشهوة) سقط من (أ) و(س).
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (لا من دون سبع) أي: ما لم يكن الممسوس منه الفرج، فإن مسَّ فرج الآدمي ينقض مطلقًا، ولو ممن دون سبع، كما صرَّح به شيخنا في الحاشية. ا هـ. م خ.
(٣) في (د) و(ع): اللمس.
(٤) كتب على هامش (ب): أي: بالشَّعر أو الظُّفر أو السِّنِّ؛ لأنَّها تنفصل في حال السَّلامة، أشبه لمس الدَّمع، ولذلك لا يقع طلاق ونحوه أُوقع بها. «شرح منتهى».
(٥) ينظر: القاموس المحيط ص ٣١٩.
(٦) قوله: (بالرفع عطفًا على ما قبله) سقط من (س).
[ ١٧١ ]
ممسوسٌ أو ملموسٌ (شَهْوَةً)؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا يصحُّ قياسُه على اللَّامسِ؛ لفَرطِ شَهوتِه (^١).
ومتى لم يَنقض مسُّ أُنثى؛ استُحبَّ الوضوءُ.
السَّادسُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ إليه بقولِه: (وَيَنْقُضُ) الوضوءَ (غَسْلُ)، بفتحِ الغَينِ المعجَمةِ أي: تَغسيلُ (^٢) (مَيْتٍ (^٣» أو بعضِه (^٤)، ولو في قَميصٍ؛ لِما روَى عطاءٌ: «أنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عبَّاسٍ كانَا يَأمُران غاسلَ الميتِ بالوضوء» (^٥)، وعن أَبي هريرةَ: «أَقلُّ ما فيه الوضوءُ» (^٦)، ولم يُعرف لهُم مخالِفٌ.
والغاسل: مَنْ يُقلِّبه ويُباشِره ولو مرَّةً، لا مَنْ يَصبُّ الماءَ ونحوُه، ولا مَنْ يَمَّمه.
ولا فرقَ في الميتِ بينَ المسلمِ والكافرِ، والرَّجلِ والمرأةِ، والكبيرِ والصَّغيرِ؛ للعمومِ.
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (شهوته) أي: اللامس. انتهى تقرير المؤلف.
(٢) قوله: (بفتح الغين المعجمة أي تغسيل) سقط من (س).
(٣) كتب على هامش (ح): وهو من مفردات المذهب، وبعض الفقهاء لا يرونه. انتهى تقرير.
(٤) كتب على هامش (ب): ظاهره سواء كان بعض الميِّت متَّصلًا أو منفصلًا، فلو غسل يدًا انتقض وضوءه، ومفهومه: لا نقض بغسل نحو يد سارقٍ قُطعت، فإنَّها بعض حيٍّ. ا هـ. تغلبي.
(٥) أثر ابن عمر ﵄: أخرجه عبد الرزاق (٦١٠٧)، والبيهقي في الكبرى (١٤٦٥)، عن ابن عمر قال: «إذا غسلت الميت فأصابك منه أذىً فاغتسل، وإلا إنما يكفيك الوضوء»، وفي إسناده عبدالله العمري وهو ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق (٦١٠٦)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٦٥٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢٩٦٢)، عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر: أغتسل من الميت؟ قال: «أمؤمن هو؟» قلت: أرجو، قال: «فتمسح من المؤمن ولا تغتسل منه»، وإسناده صحيح. وأثر ابن عباس ﵄: أخرجه عبد الرزاق (٦١٠١)، وابن أبي شيبة (١١١٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢٩٦١)، والبيهقي في الكبرى (١٤٥٩)، عن عطاء: سئل ابن عباس أعلى من غسل ميتًا غسل؟ قال: «لا، قد إذن نجسوا صاحبهم، ولكن وضوء»، وإسناده صحيح.
(٦) لم نقف عليه.
[ ١٧٢ ]
السَّابعُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ إليه بقولِه: (وَأَكْلُ لَحْمِ إِبِلٍ خَاصَّةً)؛ لقولِه ﷺ: «تَوضَّؤوا مِنْ لحومِ الإبلِ، ولا تَتوضَّؤوا مِنْ لحومِ الغَنمِ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ، مِنْ حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ (^١)، وروَى مسلمٌ معناه مِنْ حديثِ جابرِ ابنِ سَمُرةَ (^٢).
فعَلى هذا: لا فرقَ بينَ قليلِه وكثيرِه، وكَونِه نيئًا أو غيرَه.
وعُلم مِنْ كلامِه: أنَّه لا نَقْضَ بشربِ لبنٍ ومرقِ لحمٍ، وأكلِ كبدٍ وطِحالٍ وسَنامٍ وجِلدٍ وكَرِشٍ ونحوِه.
الثَّامنُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ إليه بقولِه: (وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا، سِوَى مَوْتٍ)؛ كجماعٍ وانتقالِ مَنيٍّ وإسلامٍ (^٣)، (أَوْجَبَ وُضُوءًا)، وأمَّا الموتُ فإنَّه (^٤) يُوجِب الغُسلَ دونَ الوضوءِ، كما سيَجيء (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٨)، وأبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨٢)، وابن خزيمة (٣٢)، وإسناده صحيح. ينظر: تنقيح التحقيق ١/ ٣٠٩.
(٢) أخرجه مسلم (٣٦٠).
(٣) كتب على هامش (ب): وقال الشَّيخ تقي الدِّين: له فائدة تظهر بما إذا عاد إلى الإسلام، فإنَّا نوجب عليه الوضوء والغسل، فإن نواهما بالغسل أجزأه، وإن قلنا: لم تنقض وضوءه؛ لم يجب عليه إلا الغسل، قال الزَّركشيُّ: ومثل هذا لا يخفى على القاضي، وإنَّما أراد القاضي: أنَّ وجوب الغسل ملازم لوجوب الطَّهارة الصُّغرى. ح م ص.
(٤) قوله: (وأما الموت) سقط من (س). وكتب على هامش (س): قوله: (فإنه) أي: الموت. انتهى تقرير المؤلف.
(٥) قوله: (كما سيجيء) سقط من (س). وكتب على هامش (ب): قال م ص في «شرح المنتهى»: وعلم ممَّا سبق: أنَّه لا نقض بنحو كذب، وغيبة، ورفث، وقذف نصًّا، ولا بقهقهة بحال، ولا بأكل ما مسَّته النَّار، لكن يسنُّ الوضوء من كلام محرم كما تقدَّم، ومن مسِّ المرأة حيث قلنا: لا يوجب الوضوء، وحديث الأمر بإعادة الوضوء والصَّلاة من القهقهة ضعَّفه أحمد وعبد الرحمن بن مهدي والدارقطني، وهو من مراسيل أبي العالية، قال ابن سيرين: «لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية فإنَّهما لا يباليان عمَّن أخذا»، والقهقهة: أن يضحك حتَّى يحصل من ضحكه حرفان، ذكره ابن عقيل. انتهى.
[ ١٧٣ ]
فهذه هي النَّواقضُ المُشتَركةُ بينَ كلِّ متطهِّرٍ، وأمَّا المختصَّةُ بالماسحِ كفراغ المدَّةِ؛ فتقدَّمَت، والمختصَّةُ بالمُتيمِّمِ ستَأتي.
(وَمَنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةً وَشَكَّ فِي حَدَثٍ، أَوْ عَكْسُهُ)؛ بأنْ تَيقَّن حدثًا وشكَّ (^١) في طهارةٍ؛ (بَنَى عَلَى يَقِينِهِ (^٢» الذي كان قبلَ طُروِّ الشَّكِّ عليه، وهو الطَّهارةُ في الصورةِ الأُولى، والحدثُ في الصورةِ الثَّانيةِ، وذلك لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ قال: شُكِي إلى النبيِّ ﷺ الرَّجلُ (^٣) يُخيَّل إليه أنَّه يَجِد الشَّيءَ في الصَّلاةِ، فقال: «لا يَنصَرِفْ حتَّى يَسمعَ صَوتًا، أو يَجِدَ رِيحًا» متَّفق عليه (^٤)، ولأنَّه إذا شكَّ تَعارضَ عندَه أَمران، فوجَب سُقوطُهما والرُّجوعُ إلى الأصلِ، فيُعمل به ولو عارَضه ظنٌّ.
والمرادُ بالشَّكِّ هنا: خلافُ اليَقينِ، كما هو مَعناه لغةً، على ما في «القاموس» (^٥).
فإن تَيقَّن الطَّهارةَ والحدثَ (^٦)، وجَهِل أَسبَقهما، فإن جَهِل حالَه قَبلَهما؛
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (وشكَّ) قال في القاموس: الشكُّ خلاف اليقين. وهذا المراد عند الفقهاء، وقال الأصوليُّون: ما استوى طرفاه فشكٌّ، وما اختلفا فالرَّاجح ظنٌّ، والمرجوح وَهمٌ. م ص في حاشيته.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (يقينه) قال الموفَّق في مقدِّمة «الرَّوضة» في الأصول: اليقين ما أذعنت النَّفس للتَّصديق به وقطعت به، وقطعت بأن قطعها صحيح. وفي «الكشَّاف»: هو إتقان العلم بانتفاء الشَّك والشُّبهة عنه. وقال البيضاويُّ: هو [إتقان] العلم بنفي الشَّكِّ والشُّبهة عنه بالاستدلال، ولذلك لم يوصف به علم الباري ولا العلوم الضَّروريَّة. م ص في حاشيته. اه.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (الرجل) أي: أمره، فهو على حذف مضاف. انتهى.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).
(٥) ينظر: القاموس المحيط ص ٩٤٥.
(٦) كتب على هامش (ب): (فإن تيقَّن الطَّهارة والحدث) أي: بكونه مرَّة محدثًا ومرَّة متطهِّرًا، فهما بالمعنى الوضعي لا الفعلي، كما أشار إليه الشَّيخ، فلا تكرار مع ما سيأتي. ا هـ. م خ.
[ ١٧٤ ]
تَطهَّر (^١)، وإلَّا فعَلى ضدِّها (^٢).
(وَيَحْرُمُ بِحَدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ، أي: بسَببِه أو معَه، (صَلَاةٌ)، بالرَّفع، فاعلُ «يَحرُم»، فرضًا كانت الصَّلاةُ أو نفلًا، ولو صلاةَ جنازةٍ، وسجودَ تلاوةٍ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَقبل اللهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ» رَواه مسلمٌ (^٣)، وهو يَعمُّ ما ذكَرْنا، فلَو صلَّى محدِثًا ولو عالمًا؛ لم يَكفُر، خلافًا لأَبي حنيفةَ (^٤).
(وَ) يَحرُم بحدثٍ (طَوَافٌ) ولو نَفلًا؛ لحديثِ: «الطَّوافُ حولَ البيتِ مِثلُ الصَّلاةِ، إلَّا أنَّكم تَتكلَّمون فيه، فمَن تَكلَّم فلا يَتكلَّم إلّا بخيرٍ» رَواه الترمذيُّ (^٥).
(وَ) يَحرُم بحدثٍ (مَسُّ مُصْحَفٍ وَبَعْضِهِ)، بيَدٍ وغيرِها (^٦)، حتى جِلدِه المتَّصلِ به وحَواشِيه؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، أي: لا يَمسُّ
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (فإن جهل حاله قبلهما؛ تطهَّر) أي: وجوبًا؛ لأنَّ وجود الطَّهارة انعدم بالشَّك، فلم يبق له حالة متيقَّنة ولا مستصحبة، ولا بد من شيء من ذلك يرجع إليه، فأوجبنا عليه الطَّهارة. ا هـ. م خ.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (وإلَّا فعلى ضدها) أي: ضد حاله قبلهما، فإن كان متطهِّرًا؛ فهو الآن محدث، وإن كان محدثًا؛ فهو الآن متطهِّر؛ لأنَّه قد تيقَّن زوال تلك الحال إلى ضدِّها، والأصل بقاؤه؛ لأنَّ ما يغيره مشكوك فيه، فلا يلتفت إليه. اه. م ص.
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٤).
(٤) ينظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١/ ٨١.
(٥) أخرجه الترمذي (٩٦٠)، وابن خزيمة (٢٧٣٩)، وابن حبان (٣٨٣٦)، عن ابن عباس ﵄، واختلف في رفعه ووقفه، ورجَّح وقفه النسائي والبيهقي وابن عبد الهادي، وصححه مرفوعًا ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم. ينظر: المحرر لابن عبد الهادي (٨٨)، البدر المنير ٢/ ٤٨٧، التلخيص الحبير ١/ ٣٥٨، الإرواء ١/ ١٥٤.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (وغيرها) قال في «الغاية» وشرحها لشيخنا: ويتَّجه أنَّه يحرم مسُّه حتَّى بظفر وشعر وسنٍّ قبل انفصالها عن محالِّها؛ تعظيمًا له واحترامًا، وهو متَّجه. ا هـ.
[ ١٧٥ ]
القرآنَ، وهو خبرٌ بمَعنى النَّهي.
ورُدَّ: بأنَّ المرادَ: اللَّوحُ المحفوظُ، والمطهَّرون: الملائكةُ؛ لأنَّ المطهَّر مَنْ طهَّره غيرُه، ولو أُريد بَنو آدمَ لقِيل: المتطهِّرون.
والجوابُ: أنَّ بَني آدمَ على قياسِهم، بدليلِ حديثِ ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كتَب إلى أهلِ اليمنِ كتابًا، وكان فيه: «لا يَمَسُّ القرآنَ إلّا طاهرٌ»، قال الأثرمُ: احتجَّ به أحمدُ، ورَواه مالكٌ مُرسَلًا (^١).
لكن إنَّما يَحرُم المسُّ إذا كان (بِلَا حَائِلٍ)؛ لأنَّ النَّهي إنَّما ورَد عن مَسِّه، ومع الحائلِ إنَّما يَكون المسُّ له دونَ المصحفِ.
(وَلَهُ) أي: للمحدِثِ (حَمْلُهُ) أي: المصحفِ (بِلَا مَسٍّ)؛ كحَملِه بعِلاقةٍ، وفي كِيسٍ وكُمٍّ، (وَ) لمحدِثٍ (تَصَفُّحُهُ) أي: تقليبُ أوراقِه (^٢) (بِكُمِّهِ، وَبِ) نحوِ (عُودٍ)، ولا فرقَ في ذلك بينَ الصَّغيرِ والكبيرِ، لكن لصغيرٍ مسُّ لَوحٍ فيه قرآنٌ، ولا يَجوز لوَليِّه تَمكينُه مِنْ مسِّ المحلِّ المكتوبِ فيه.
ويَجوز لمحدِثٍ مسُّ تفسيرٍ ولو قلَّ، ورسائلَ فيها قرآنٌ، ومنسوخٍ تلاوتُه.
فإن رفَع الحدثَ عن بعضِ أعضاءِ الوضوءِ؛ لم يَجُز مسُّ المصحفِ به قبلَ كمالِ الطَّهارةِ، ولو قلنا: يَرتفع الحدثُ عنه، وفيه وجهان، قال في «الإنصاف» (^٣): الذي يَظهر أنَّ ذلك مُراعًى، فإن أَكمَله؛ ارتفَع، وإلَّا فلا.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب (٢٣٤)، وأبو داود في المراسيل (٩٢)، والدارقطني (٤٣٥)، وكتاب عمرو بن حزم مشهور عند أهل العلم، تلقوه بالقبول، ينظر: التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ٣٩٦، البدر المنير ٢/ ٤٤٩، الإرواء ١/ ١٥٨.
(٢) قوله: (أي تقليب أوراقه) هو في (س) بعد قوله: (عود).
(٣) ينظر: الإنصاف ٢/ ٧٦.
[ ١٧٦ ]