(وَالأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ) الجمعةُ؛ كمريضٍ ومسافرٍ، (تَأْخِيرُهَا) أي: الظُّهرِ (حَتَّى تُصَلَّى الجُمُعَةُ) أي: إلى أن يَفرغ الإمامُ مِنْ الجمعة.
وعُلم منه: صحَّةُ الظُّهرِ قبلَ تجميعِ الإمامِ ممَّن لا تَلزمه، ولو زالَ عذرُه قبلَه، إلّا الصَّبيَّ إذا بلَغ، ولو بعدَه.
وحضورُها لمعذورٍ، ولمَن اختُلف في وجوبِها عليه كعبدٍ؛ أفضلُ.
ونُدِب تصدُّقٌ بدينارٍ أو نصفِه لتاركِها بلا عذرٍ.
(وَيَحْرُمُ سَفَرُ مَنْ تَلْزَمُهُ) الجمعةُ (فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ) حتى يُصلي، إنْ لم يَخفْ فَوت رُفقتِه (^١).
(وَقَبْلَهُ) أي: الزَّوالِ؛ (يُكْرَهُ) سفرُه حتى يُصلي، (مَا لَمْ يَأْتِ) مسافرٌ (بِهَا) أي: الجمعةِ (فِي طَرِيقِهِ) فيهما (^٢).
(فصل)
و(شَرْطُ (^٣) صِحَّتِهَا) أي: الجمعةِ أربعةٌ، ليس منها إذنُ الإمامِ.
أَحدُها: (الوَقْتُ)؛ لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ، فاشتُرِط لها الوقتُ كبقيَّةِ الصَّلواتِ، فلا تصحُّ قبلَ الوقتِ، ولا بعدَه إجماعًا، قالَه في «المبدِع» (^٤).
(وَهُوَ) أي: وقتُ الجمعةِ، (مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ)؛ لقولِ عبدِ اللهِ بنِ سِيدانَ: «شَهِدتُ الجمعةَ مع أَبي بكرٍ، فكانت خُطبتُه وصلاتُه قبلَ نصفِ
_________________
(١) قوله: (إن لم يخف فوت رفقته) سقط من (أ) و(س).
(٢) كتب على هامش (س): قوله: (فيهما) أي في صورتي الحرمة والكراهة. انتهى تقرير المؤلف.
(٣) في (أ) و(س): شروط.
(٤) ينظر: المبدع ٢/ ٦١٠، الإقناع لابن القطان ١/ ١٦٢.
[ ٤٤٧ ]
النَّهارِ، ثمَّ شَهِدتُها مع عمرَ، فكانت صلاتُه وخُطبتُه إلى أن أقول: قد انتَصَف النَّهارُ، ثمَّ شَهِدتُها مع عثمانَ، فكانت صلاتُه وخُطبتُه إلى أن أقول: زالَ النَّهارُ، فما رأيتُ أحدًا عاب ذلك ولا أَنكَره» رَواه الدَّارَقُطنيُّ، وأحمدُ، واحتجَّ به (^١)، قال: وكذلك رُوي عن ابنِ مسعودٍ وجابرٍ وسعيدٍ (^٢) ومعاويةَ: أنَّهم صلَّوا قبلَ الزَّوالِ (^٣)، ولم يُنكَر.
ويَستمرُّ وقتُ الجمعةِ (إِلَى) دخولِ وقتِ (العَصْرِ) بلا خلافٍ، قالَه في «المبدِع» (^٤).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٥٢١٠)، وابن أبي شيبة (٥١٣٢)، وأحمد كما في التعليقة للقاضي (٣/ ٢٩٩)، والدارقطني (١٦٢٣)، وابن المنذر في الأوسط (٩٩٥)، وإسناده صحيح إلى عبد الله بن سِيدان، قال ابن حجر: (تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة)، وقال ابن المنذر: (غير ثابت)، واحتج أحمد في رواية أبي الحسن الترمذي بالأثر، وقال أبو الخطاب: (وقد صحح أحمد حديثه وأخذ به)، وجوَّد ابن رجب إسناده، وقال الألباني: (وإسناده محتمل للتحسين). ينظر: الانتصار ٢/ ٥٨١، فتح الباري ٨/ ١٧٣، الفتح لابن حجر ٢/ ٣٨٧، الأجوبة النافعة ص ٤٢.
(٢) هكذا في النسخ المعتمدة، والصواب: (سعد)، وهو سعد بن أبي وقاص، كما سيأتي في المصادر الحديثية.
(٣) أثر ابن مسعود ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (٩٩٧)، عن عبد الله بن سَلِمة، قال: صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: «خشيت عليكم الحر»، واحتج به أحمد، وحسن الألباني إسناده. ينظر: مسائل عبد الله ص ١٢٥، الإرواء ٣/ ٦٢. وأثر جابر ﵁: لم نقف عليه. وأثر سعد بن أبي وقاص ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٢١)، ومسدد كما في المطالب العالية (٧٠٠)، عن مصعب بن سعد، قال: «كان سعد يقيل بعد الجمعة»، وهو صحيح كما قال الحافظ في المطالب. وأثر معاوية ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٣٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (١٥٩٤)، وابن المنذر في الأوسط (٩٩٨)، عن سعيد بن سويد، قال: «صلى بنا معاوية الجمعة ضحى»، وسعيد أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤/ ٢٩ وسكت عنه، وذكره البخاري في تاريخه وقال بعد ذكره الأثر: (ولا يتابع عليه).
(٤) ينظر: المبدع ٢/ ٦١٢، الإقناع لابن القطان ١/ ١٦٢.
[ ٤٤٨ ]
وفعلُها بعدَ الزَّوالِ أفضلُ.
(فَإِنْ خَرَجَ) وقتُها (قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ) أي: قبلَ أن يُكبِّروا للإحرام بالجمعة؛ (صَلَّوْا ظُهْرًا) قال في «الشَّرح» (^١): لا نَعلم فيه خلافًا، (وَإِلَّا)، بأن أَحرَموا بها في الوقت؛ صلَّوا (جُمُعَةً)؛ كسائرِ الصَّلواتِ، لإدراكِها (^٢) أداءً بتكبيرةِ الإحرامِ في الوقت.
ولا تَسقط بشكٍّ في خروجه، فإن بقيَ مِنْ الوقت قَدْرُ ما يُجزِئ مِنْ الخُطبةِ والتَّحريمةِ؛ لَزِمَهم فعلُها، وإلّا لم يَجْزِ (^٣).
(وَ) الشَّرطُ الثاني: (حُضُورُ أَرْبَعِينَ) رجلًا (^٤)، ولو بالإمام، الخُطبةَ والصَّلاةَ، (مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا)، صفةً ل «أربعين» (^٥)، أي: أربعين كائنين ممَّن تلزمهم الجمعة (^٦)، وتَقدَّم بيانُهم، قال الإمامُ أحمدُ: (بعَث النبيُّ ﷺ مُصعبَ بنَ عُميرٍ إلى أهلِ المدينةِ، فلمَّا كان يومُ الجمعةِ جمَّع بهم، وكانوا أَربعينَ، وكانت
_________________
(١) ينظر: الشرح الكبير ٥/ ١٩٠.
(٢) في (أ) و(س): تُدرَك.
(٣) في (أ) و(س): لم تجز. كتب على هامش (ع): قوله: (فإن بقي …) إلخ؛ أي: تجب إقامة الجمعة والحالة هذه للتمكن من فعلها، إذ وقت الجمعة يدرك بالتحريمة على المذهب، لا بالركعة كما عليه أكثر الأصحاب؛ لأنه ﵇ خص إدراكها بالركعة، كما نقله في «شرح الإقناع» عن ابن منجى، أقول: ويتجه إذا لم يتسع الوقت للخطبة والتحريمة: المبادرة إلى الإحرام بالظهر؛ لأنه أمكن أن يكون فعلها إذًا، فلا يتراخى عنه حتى تصير قضاء، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٤) قوله: (رجلًا) سقط من (أ) و(س). كتب على هامش (ح): اشتراط حضور الأربعين من مفردات المذهب، قال في الاختيارات: وتنعقد الجمعة بثلاثة، واحد يخطب واثنان يسمعان، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة. ا هـ.
(٥) في (ب): الأربعين.
(٦) قوله: (صفة لأربعين) إلى هنا سقط من (أ) و(س).
[ ٤٤٩ ]
أوَّلَ جمعةٍ جُمِّعَت بالمدينة (^١» (^٢)، وقال جابرٌ: «مضَت السُّنَّةُ أنَّ في كلِّ أَربعينَ فما فوقُ جمعةً وأَضحى وفِطرًا» رَواه الدارَقُطنيُّ، وفيه ضعفٌ (^٣)، قالَه في «المبدِع» (^٤).
الشَّرطُ الثالثُ: أن يَكونوا (مُسْتَوْطِنِينَ بِقَرْيَةٍ)، مبنيَّةٍ بما جَرَت به العادةُ، فلا تَتمُّ مِنْ مكانَين متقارِبَين، ولا تصحُّ مِنْ أهلِ الخيامِ وبيوتِ الشَّعَرِ ونحوِهم؛ لأنَّ ذلك لم يُقصد للاستِيطانِ غالبًا، وكانت قبائلُ العربِ حولَ النبيِّ ﷺ ولم يَأمرهم بها.
وتصحُّ بقريةٍ خرابٍ عزَموا على إصلاحها (^٥) والإقامةِ بها.
(وَتَصِحُّ) أي: الجمعةُ (^٦) (فِيمَا قَارَبَ البُنْيَانَ) مِنْ الصَّحراءِ ولو بلا عذرٍ، فلا يُشترط لها البنيانُ.
(فَإِنْ نَقَصُوا) أي: الأربعون (قَبْلَ إِتْمَامِهَا) أي: الجمعةِ؛ (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) أي: ابتَدَؤُوا صلاةَ الظُّهرِ إن لم تُمكن (^٧) إعادةُ الجمعةِ.
(وَيُدْرِكُهَا) أي: الجمعةَ، (مَسْبُوقٌ بِ) إدراكِ (رَكْعَةٍ) منها (مَعَ إِمَامِهِ) حيثُ أَحرَم بها في الوقت؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ أَدرَك ركعةً مِنْ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٢٩٤)، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال ابن حجر: (وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف)، وأخرجه عبد الرزاق (٥١٤٦)، والبيهقي (٥٧٠٢)، مرسلًا عن الزهري، وليس فيه ذكر العدد. ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ١٣٩، الإرواء ٣/ ٦٨.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٩/ ٤٨١٣.
(٣) أخرجه الدارقطني (١٥٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٥٦٠٧)، وقال: (تفرد به عبد العزيز القرشي، وهو ضعيف). ينظر: التحقيق ١/ ٥٠٠، التلخيص ٢/ ١٣٧.
(٤) ينظر: المبدع ٢/ ٦١٧.
(٥) في (س): صلاحها.
(٦) قوله: (أي الجمعة) سقط من (س).
(٧) في (أ): يمكن.
[ ٤٥٠ ]
الجمعةِ فقَد أَدرَك الصَّلاةَ» رَواه الأثرمُ (^١).
(وَإِنْ أَدْرَكَ) مسبوقٌ (دُونَهَا) أي: دونَ الرَّكعةِ؛ بأن رفَع الإمامُ رأسَه مِنْ الثانيةِ ثمَّ دخَل معه؛ (أَتَمَّهَا ظُهْرًا)؛ لمفهومِ ما سبَق، (إِنْ) كان (دَخَلَ وَقْتُهُ) أي: الظُّهرِ (وَنَوَاهُ) عندَ إحرامه.
(وَإِلَّا)، بأن لم يَدخل وقتُ الظُّهرِ، أو دخَل ولم يَنوِه، بل نوَى جمعةً؛ (فَ) تكون صلاتُه (نَفْلً) ا، أمَّا في الأُولى؛ فكمَن أَحرم بفرضٍ فبانَ قبلَ وقتِه، وأمَّا في الثانية؛ فلِحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (^٢).
(وَ) الشَّرطُ الرابعُ: (تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، والذِّكرُ هو الخُطبةُ، ولقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ يَخطب خُطبتَين وهو قائمٌ، يَفصل بينَهما بجلوسٍ» متَّفق عليه (^٣).
وهما بدلُ ركعتَين لا مِنْ الظُّهرِ.
(مِنْ شَرْطِهِمَا) أي: مِنْ شرطِ صحَّةِ الخُطبتَين: (حَمْدُ اللهِ تَعَالَى) بلفظِ: «الحمدُ للهِ»؛ لقوله ﷺ: «كلُّ كلامٍ لا يُبدأ فيه بالحمد للهِ فهُو أَجذَمُ» رَواه أبو داودَ عن أَبي هريرةَ (^٤).
(وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ) محمَّدٍ (عَلَيْهِ) الصَّلاةُ و(السَّلَامُ)؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ
_________________
(١) أخرجه النسائي (٥٥٧)، وابن ماجه (١١٢١)، وابن خزيمة (١٨٥١)، والدارقطني (١٦٠١)، ورجح أبو حاتم أن ذكر الجمعة وهم، والصواب ما في الصحيح: «من أدرك من صلاة ركعة، فقد أدركها»، وبنحوه قال ابن عدي وابن حبان. ينظر: علل ابن أبي حاتم ٢/ ٤٣١، الكامل ٢/ ٥٢٧، صحيح ابن حبان ٤/ ٣٥٢، الإرواء ٣/ ٨٤.
(٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٩٢٨)، ومسلم (٨٦١).
(٤) تقدم تخريجه ١/ ٥٦ حاشية (٧).
[ ٤٥١ ]
افتَقَرَت إلى ذكرِ الله افتَقَرَت إلى ذكرِ رسوله؛ كالأذان (^١).
ويتعيَّن لفظُ الصَّلاةِ، والظاهرُ: أنَّ المجزِئَ منها كما يُجزئُ (^٢) في تشهُّدِ الصَّلاةِ، كما أَفتَى به بعضُ مشايخِنا.
(وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ؛ لقولِ جابرِ بنِ سَمُرةَ: «كان النبيُّ ﷺ يَقرأ آياتٍ، ويُذكِّر النَّاسَ» رَواه مسلمٌ (^٣).
قال أحمدٌ: (يَقرأ ما شاء) (^٤)، وقال أبو المَعالي (^٥): لو قرأ آيةً لا تستقلُّ بمعنىً أو حكمٍ؛ كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾؛ لم يَكفِ.
والمذهبُ: لا بدَّ مِنْ قراءةِ آيةٍ ولو جُنُبًا، مع تحريمِها.
فلَو قرأ ما تَضمَّن الحمدَ والموعظةَ، ثمَّ صلَّى على النبيِّ ﷺ؛ أَجزأ.
(وَالوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ) ﷿؛ لأنَّه المقصودُ.
قال في «المبدِع»: (ويَبدأ (^٦) بالحمدِ للهِ، ثمَّ الصَّلاةِ، ثمَّ الموعظةِ، ثمَّ القراءةِ، في ظاهرِ كلامِ جماعةٍ) (^٧).
ولا بدَّ في كلِّ واحدةٍ مِنْ الخُطبتَين مِنْ هذه الأركانِ.
_________________
(١) كتب على هامش (ع): قوله: (لأن كل عبادة …) إلخ، فجعل هذا دليلًا على المدعى نظر، فإن مقتضاه إنما هو وجوب اقتران ذكر الرسول ﷺ بذكره ﷿، وكان مأخذ وجوب الصلاة من ضم شيء زائد إلى ذلك، وهو الأمر بالصلاة عليه ﷺ كما ذكر. [العلامة السفاريني].
(٢) قوله: (أنَّ المجزِئَ منها كما يُجزئُ) هو في (أ) و(س): كما.
(٣) أخرجه مسلم (٨٦٢).
(٤) ينظر: المبدع ٢/ ٦٢٧.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (وقال أبو المعالي …) إلخ، هو الصحيح. انتهى تقرير المؤلف.
(٦) كتب على هامش (س): أي هذا هو الأفضل. انتهى تقرير.
(٧) ينظر: المبدع ٢/ ٦٢٩.
[ ٤٥٢ ]
(وَ) مِنْ شَرطِ صحَّةِ الخُطبتَين: (حُضُورُ العَدَدِ المُعْتَبَرِ) لسماعِ القَدْرِ الواجبِ؛ لأنَّه ذِكرٌ اشتُرِط للصَّلاة؛ فاشتُرِط له العددُ؛ كتكبيرةِ الإحرامِ.
فإن نقَصوا وعادُوا قبلَ فَواتِ (^١) ركنٍ منها؛ بَنَوا، وإن كَثُر التَّفريقُ، أو فاتَ منها ركنٌ، أو أَحدَث فتَطهَّر؛ استأنفَ مع سعةِ الوقتِ.
ويُشترط أيضًا لهُما (^٢): الوقتُ، وأن يَكون الخطيبُ يَصلح إمامًا فيها.
(وَ) مِنْ شرطِ صِحَّة الخُطبتين (^٣): (الجَهْرُ) بهما (بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمْ) بضم أوله، أي: يُسمِعُ الخَطيبُ (^٤) الجماعةَ المعتبَرَ حضورُهم القَدْرَ الواجبَ مِنْ الخُطبتين (^٥)، حيثُ لا مانعَ؛ كنومٍ أو غفلةٍ، أو صَمَمِ بعضِهم.
فإن لم يَسمعوا لخفضِ صوتِه، أو بُعدِهم عنه ونحوِه؛ لم تصحَّ؛ لعدمِ حصولِ المقصودِ.
ومِن شرطِهما أيضًا: النِّيَّةُ، والاستِيطانُ للقَدْرِ الواجبِ مِنْ الخُطبتَين، والموالاةُ بينَهما وبينَ الصَّلاةِ (^٦).
و(لَا) يُشترط لهُما (الطَّهَارَتَانِ) مِنْ الحدثَين (^٧)، (وَ) لا (سَتْرُ العَوْرَةِ)، وإزالةُ (^٨) النجاسة، (وَلَا أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ)، بل يُستحبُّ ذلك؛ لأنَّ
_________________
(١) هكذا في (ب)، وفي باقي النسخ: فوت.
(٢) في (د): لهما أيضًا.
(٣) قوله: (ومن شرط صحة الخطبتين) سقط من (أ) و(س).
(٤) قوله: (بضم أوله، أي: يسمع الخطيب) هي في (أ) و(س): أي.
(٥) قوله: (من الخطبتين) سقط من (أ) و(س).
(٦) قوله: (والاستيطان للقدر الواجب من الخطبتين، والموالاة بينهما وبين الصَّلاة) هو في (ب) و(د) و(ك) و(ع): والموالاة بين الخطبتين والصلاة.
(٧) قوله: (من الحدثين) هو في (أ) و(س): من الحدث والجنابة.
(٨) في (أ) و(س): ولا إزالة.
[ ٤٥٣ ]
الخُطبةَ منفصلةٌ عن الصَّلاةِ، أَشبَهَا الصَّلاتَين.
ولا يُشترط أيضًا حضورُ مُتولِّي الصَّلاةِ الخُطبةَ (^١).
ويُبطِلهما كلامٌ محرَّمٌ، ولو يَسيرًا.
ولا تُجزِئ بغيرِ العربيَّةِ مع القدرةِ.
(وَسُنَّ أَنْ يَخْطُبَ) حالَ كونِه (^٢) (قَائِمًا عَلَى مِنْبَرٍ)؛ لفعلِه ﵊ (^٣)، وهو بكَسرِ الميمِ، مِنْ النَّبْرِ، وهو الارتفاعُ، واتِّخاذُه سُنَّةٌ مجمعٌ عليها، قالَه في «شرحِ مسلمٍ» (^٤).
ويَصعدُه على تُؤَدَةٍ (^٥) إلى الدَّرجةِ التي تَلِي السَّطحَ.
(أَوْ) يَخطبَ على (مَوْضِعٍ عَالٍ) إن عَدِم المنبرَ؛ لأنَّه في معناه، عن يمينِ مُستقبِلِي القِبلةِ، أي: المحرابِ (^٦)، وإن خطَب بالأرضِ؛ فعَن يَسارهم.
(وَ) سنَّ للخَطيبِ (^٧) أَنْ (يُسَلِّمَ عَلَى المَأْمُومِينَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ)؛ لقولِ جابرٍ: «كان النبيُّ ﷺ إذا صَعِد المِنْبَرَ سلَّم» رَواه ابنُ ماجَه (^٨)، ورَواه الأثرمُ عن
_________________
(١) في (أ): والخطبة.
(٢) قوله: (حال كونه) سقط من (أ) و(س).
(٣) أخرجه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤)، من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٤) ينظر: شرح مسلم ٦/ ١٥٢.
(٥) كتب على هامش (س): والتؤدة: السكينة، بتخفيف الكاف. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): أي تأنٍّ.
(٦) كتب على هامش (ب): أي الذي يكون بالمحراب.
(٧) قوله: (سنَّ للخطيب) سقط من (أ) و(س).
(٨) أخرجه ابن ماجه (١١٠٩)، وابن عدي (٥/ ٢٤١)، والبيهقي في الكبرى (٥٧٤١)، وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وسئل عنه أبو حاتم فقال: (موضوع)، وضعفه الإشبيلي والنووي، وقواه الألباني بما ورد من عمل الخلفاء الراشدين. ينظر: العلل لابن أبي حاتم ٢/ ٥٥٩، الخلاصة للنووي ٢/ ٧٣٩، تنقيح التحقيق ٢/ ٥٦٥، الصحيحة (٢٠٧٦).
[ ٤٥٤ ]
أبي بكرٍ، وعمرَ (^١)، وابنِ مسعودٍ (^٢)، وابنِ الزُّبيرِ (^٣)، ورَواه البخاريُّ (^٤) عن عثمانَ (^٥)، كسلامِه (^٦) على مَنْ عندَه مِنْ المأمومِين في خروجه إليهم.
(وَ) يُسنُّ أن (يَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الأَذَانِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ يَجلسُ إذا صَعِد المِنبرَ حتى يَفرُغَ المؤذِّنُ، ثمَّ يَقومُ فيخطُبُ» رَواه أبو داودَ (^٧).
(وَ) أن يَجلسَ (بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ قَلِيلًا)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ المتقدِّمِ (^٨).
(وَ) أن (يَعْتَمِدَ) الخطيبُ (عَلَى نَحْوِ سَيْفٍ)؛ كقوسٍ، أو عصًا؛ لفعلِه ﵊، رَواه أبو داودَ عن الحكَمِ بنِ حربٍ (^٩)، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّينَ
_________________
(١) أخرج عبد الرزاق (٥٢٨٢)، وابن أبي شيبة (٥١٩٥)، ومن طريقه الأثرم كما في التحقيق لابن الجوزي (٨٠١)، عن مجالد، عن الشعبي: «أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يفعلانه»، قال في البدر المنير ٤/ ٦١٥: (مع إرساله؛ فيه مجالد وهو لين).
(٢) لم نقف عليه، وقد ذكره الزركشي في شرح الخرقي ٢/ ١٦٦.
(٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١٨٠٠)، عن سليمان بن نشيط قال: «رأيت ابن الزبير ﵁ صعد المنبر، فلما قام عليه سلم ثم جلس»، وابن نشيط سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم، وقال: (رُوي عن ابن الزبير، مرسل). ينظر: التاريخ الكبير ٤/ ٤٠، الجرح والتعديل ٤/ ١٤٧.
(٤) كذا في النسخ الخطية، وفي المبدع ٢/ ٦٣٣: النجاد. وهو الصواب.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٩٦)، عن أبي نضرة، قال: «كان عثمان ﵁ قد كبر، فإذا صعد المنبر سلم، فأطال قدر ما يقرأ إنسان أم الكتاب»، إسناده صحيح كما قال الألباني. ينظر: الصحيحة ٥/ ١٠٧.
(٦) كذا في النسخ الخطية، وفي المبدع ٢/ ٦٣٣: وكسلامه.
(٧) أخرجه أبو داود (١٠٩٢)، وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، وأصله في البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١)، بلفظ: «كان النبي ﷺ يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن»، قال ابن حجر في الفتح ٢/ ٤٠٦: (جُلُّ الروايات عن ابن عمر ليست فيها هذه الجلسة الأولى، وهي من رواية عبد الله العمري المضعَّف).
(٨) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.
(٩) هكذا في النسخ الخطية، وصوابه: (حزن)، والحديث أخرجه أبو داود (١٠٩٦)، وابن خزيمة (١٤٥٢)، وصححه ابن السكن وابن خزيمة، وحسن إسناده النووي وابن حجر والألباني. ينظر: الخلاصة ٢/ ٧٩٧، البدر المنير ٤/ ٦٣٢، التلخيص الحبير ٢/ ١٥٨، الإرواء ٣/ ٧٨.
[ ٤٥٥ ]
فُتح به (^١).
قال في «الفروع» (^٢): ويَتوجَّه (^٣) باليُسرى (^٤) والأُخرى بحرفِ المنبرِ، فإن لم يَعتمد؛ أَمسَك شِمالَه بيمينه، أو أَرسَلهما.
(وَ) أن (يَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ)؛ لفعلِه ﵊ (^٥)، ولأنَّ في الْتفاتِه عن أحدِ جانبَيه إعراضًا عن الآخرِ، وإن استَدبَرهم؛ كُرِه.
ويَنحرفون إليه إذا خطَب؛ لفعلِ الصحابةِ (^٦)، ذكَره في «المبدِع» (^٧).
_________________
(١) كتب على هامش (ع): قوله: (وفيه إشارة إلى أن هذا الدين فتح به) كذا قال جماعة من أصحابنا وغيرهم، وأنكر ذلك الإمام العلامة المحقق ابن القيم في «الهدي»، وشنع على قائل ذلك بما يطول، فراجعه إن شئت، وقد ذكرت طرفًا من كلامه في «شرح الدليل» وفي كتابي «اللمعة في فضل الجمعة، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٢) ينظر: الفروع ٣/ ١٧٧.
(٣) في (ب): ويتَّجه. والمثبت موافق لما في الفروع.
(٤) وكتب على هامش (س): (ويتوجه)، أي: الاعتماد المفهوم من «يعتمد» أن يكون باليسرى. انتهى تقرير المؤلف.
(٥) قال ابن رجب في الفتح ٨/ ٢٥٠: (استقبال الإمام أهل المسجد واستدباره القبلة مجمع عليه، والنصوص تدل عليه). وأما كونه لم يلتفت؛ فقد قال الحافظ في التلخيص ٢/ ٢٥٨: (لم أره في حديث إلا إنْ كان يؤخذ من مطلق الاستقبال).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٢٢٦)، وأبو داود في المراسيل (٥٤)، والبيهقي في الكبرى (٥٧١٢)، عن عدي بن ثابت، قال: «كان النبي ﷺ إذا خطب؛ استقبله أصحابه بوجوههم»، وهو مرسل حسن. وأخرج ابن أبي شيبة (٥٢٣٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٨١٤)، عن المستمر بن الريان، قال: «رأيت أنس بن مالك جاء يوم الجمعة، فاستند إلى الحائط واستقبل الإمام»، إسناده صحيح. وأخرج البيهقي في الكبرى (٥٠٩٨)، عن نافع: «أن ابن عمر كان إذا خرج الإمام لم يقعد الإمام حتى يستقبله»، وإسناده جيد، وعلقهما البخاري في الصحيح ٢/ ١٠ بصيغة الجزم.
(٧) ينظر: المبدع ٢/ ٦٣٧.
[ ٤٥٦ ]