(فصل)
(وَفُرُوضُهُ) أي: التيمُّمِ (^١) لحدثٍ أو نجاسةٍ، قِسمان: مُشترَكٌ، ومُختصٌّ.
فالمُشترَكُ ثلاثةٌ لا بدَّ منها في كلِّ تيمُّمٍ:
أَحدُها: (مَسْحُ وَجْهِهِ (^٢»؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، سِوَى ما تحتَ شَعرٍ ولو خفيفًا، وداخلِ فَمٍ وأَنفٍ، ويُكرَه.
(وَ) الثَّاني: مَسحُ (يَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ) (^٣)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾، وإذا عُلِّق حُكمٌ بمُطلَقِ اليدَين؛ لم يَدخل الذِّراعُ؛ كقَطعِ (^٤) السارقِ، ومسِّ الفَرجِ، وحديثِ عمارٍ قال: بعثني النبيُّ ﷺ في حاجةٍ، فأَجْنَبتُ، فلَم أَجِد الماءَ، فتَمرَّغتُ في الصَّعيدِ كما تَتمرَّغ الدابَّةُ، ثمَّ أَتيتُ النبيَّ ﷺ، فذكرتُ ذلك له (^٥)، فقال: «إنَّما كان يَكفيكَ أن تَقول (^٦) بيَدَيكَ هكذا»، ثمَّ ضربَ بيَدَيه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسَح الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفَّيه ووجهَه. متَّفق عليه (^٧).
ولو أمرَّ المحلَّ على ترابٍ، أو صَمَدَه أي: نصَبَه لريحٍ، فعَمَّه ومسَحَه
_________________
(١) كتب على هامش (ع): التيمم: استعمال تراب مخصوص لوجه ويدين، بدل طهارة ماء، لكل ما يفعل به عند عجز عنه شرعًا، سوى نجاسة على غير بدن، ولبث بمسجد لحاجة، وهو عزيمة يجوز بسفر المعصية. ا هـ متن «منتهى».
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (مسح وجهه) أي: جميع وجهه، بدليل الاستثناء، فإنَّه معيار العموم. اه. م خ.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (إلى كوعيه) واحدهما: كوع، بضمِّ الكاف، ويقال: كاع أيضًا، وهو طرف الزند الَّذي يلي الإبهام، وطرفه الَّذي يلي الخنصر: كرسوع، بضمِّ الكاف. ا هـ مطلع.
(٤) زيد في (ك) و(ع): يد.
(٥) قوله: (له): سقط من (س).
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (تقول) أي: تفعل، ففيه مجاز، علاقته: الدالِّية والمدلوليَّة. انتهى تقرير المؤلف.
(٧) أخرجه البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨).
[ ٢١٣ ]
به؛ صحَّ، لا إن سَفَتْه فمسَحَه به (^١).
وإن تَيمَّم ببعضِ يَدِه، أو بحائلٍ (^٢)، أو يَمَّمه غيرُه؛ فكَوُضوءٍ (^٣).
(وَ) الثَّالثُ: (تَعْيِينُ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ مَا) أي: شيءٍ (يَتَيَمَّمُ لَهُ (^٤»؛ كصلاةٍ أو طوافٍ، فرضًا أو نفلًا أو غيرَهما، (مِنْ)، مُتعلِّقٌ بقولِه: «يَتَيَمَّمُ»، أو ب «اسْتِبَاحَةٍ»، أي: مِنْ أجلِ (حَدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ، (أَوْ نَجَسٍ) أي: نجاسةٍ ببَدنٍ، ويَكفيه لها تيمُّمٌ واحدٌ، ولو تَعدَّدَت مَواضعُها.
وصِفةُ التَّعيينِ: أن يَنويَ بِتيمُّمِه (^٥) اسْتِباحةَ صلاةِ الظُّهرِ مَثلًا مِنْ الجنابةِ إن كان جنبًا، أو مِنْ الحدثِ الأصغَرِ إن كان حدثُه أصغَرَ (^٦)، أو مِنْ النَّجاسة إن كان نجسًا، وما أَشبَه ذلك.
وإنَّما اعتَبَرنا (^٧) التَّعيينَ تقويةً لضَعفِه، فإن نوَى حدثًا وأَطلَق؛ لم يُجزِئْه عن
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (لا إن سفته …) إلخ، أي: بلا سبق نية، فالفارق بين نصبه وسفَّة الريح إنما هو وجود النية في الأول دون الثاني. انتهى تقرير.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (أو بحائل) أي: كخرقة ونحوها، فكوضوء يصح حيث مسح ما يجب مسحه لوجود المأمور به. ا هـ «منتهى».
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (فكوضوء) يعني: أنَّه يصحُّ كما لو وضَّأه غيره، وتعتبر النيَّة في المتيمم دون الميمِّم؛ لأنَّه الَّذي يتعلَّق به الإجزاء والمنع. شرح صاحب «المنتهى» عليه. كتب على هامش (ع): قوله: (فكوضوء) يصح حيث مسح ما يجب مسحه لوجود المأمور به، وأن يكون نواه متيمم، ولم يُكره ميَمِّم. ش منتهى.
(٤) كتب على هامش (ع): قوله: (استباحة ما يتيمم له …) إلخ، هذا باعتبار اختلاف أجناس الأحداث، أما باعتبار تعددها من جنس واحد؛ فلا يجب التعيين في أحدها، كأن يلزم حدث جنابة ونفاس وحيض، أو حدث نواه وخارج؛ فلا يلزم تعيين أحد المذكورات، بل نية ما يوجب الغسل كافية، وكذلك نية ما يوجب الوضوء؛ لما يأتي في كلام المصنف ﵀، وفي كلام غيره، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٥) قوله: (بتيممه) سقط من (أ).
(٦) قوله: (من الحدث الأصغر إن كان حدثه أصغر) هي في (أ) و(س): من الحدث إن كان محدثًا.
(٧) في (أ) و(س): اعتبروا.
[ ٢١٤ ]
الحدثَين (^١)، أو نوَى رَفْعَ حدثٍ؛ لم يصحَّ تيمُّمُه؛ لأنَّه مُبيحٌ لا رافعٌ؛ لأنَّه (^٢) طهارةُ ضرورةٍ.
وأمَّا المُختصُّ فشَيئان، أشارَ إليهما بقولِه: (وَكَذَا تَرْتِيبٌ)، بأن يَمسح وجهَه قبلَ يدَيه، (وَمُوَالَاةٌ)، بأن لا يُؤخِّر مَسْحَ يدَيه عن وجهِهِ (^٣) بحيثُ لو كان وجهُه مَغسولًا لَجَفَّ في زمنٍ معتدلٍ، أو قَدْرِه مِنْ غيرِه.
فهَذان لا يَجِبان في كلِّ تيمُّمٍ، بل (فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ) خاصَّةً (^٤)، فلا يَجِبان في حدثٍ أكبرَ، أو نجاسةٍ ببَدنٍ؛ لأنَّ التَّيمُّمَ مَبنيٌّ على طهارةِ الماءِ، وهُما فَرْضان في الوضوءِ دونَ ما سِواه.
(وَإِنْ نَوَى) مُحدِثٌ ببَدنِه نجاسةٌ (حَدَثًا) فقط؛ لم يُجزِئْه عن النَّجاسةِ، (أَوْ) نوَى (نَجَسًا) أي: نجاسةً ببَدنِه فقط؛ (لَمْ يُجْزِئْهُ) التَّيمُّمُ (عَنْ الآخَرِ) أي: الحدثِ، بل يُجزِئُه عمَّا نَواه فقط.
وكذا لو نوَى حدثًا أصغرَ أو أكبرَ؛ لم يُجزِئه عن الآخَرِ.
(وَإِنْ نَوَاهُمَا) أي: الحدثَ والنَّجاسةَ، أو نوَى الأصغرَ والأكبرَ والنَّجاسةَ
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (لم يجزِئه عن الحدثين) أي: ولا عن واحد منهما؛ لضعفه، بخلاف الوضوء، كما صرَّح بذلك الخلوتي، وكذا المصنف.
(٢) في (ب): لأنَّها.
(٣) قوله: (عن وجهه) سقط من (أ) و(س).
(٤) كتب على هامش (ب): قال م ص في الحاشية: ولو تيمم للحدثين معًا فهل يسقط التَّرتيب والموالاة؟ لم أر من تعرَّض له. قال المجد: قياس المذهب عندي: أنَّ التَّرتيب لا يجب في التيمم، وإن وجب في الوضوء؛ لأنَّ بطون الأصابع لا يجب مسحها بعد الوجه في التيمم بالضَّربة، بل نعتدُّ بمسحها معه. ا هـ. كتب على هامش (ب): أي: ولو مع حدث أكبر، بخلاف الغسل فيما يظهر، وإذا أراد استباحة أمر يتوقَّف على وضوء وغسل وإزالة نجاسة؛ أجزأه عن ذلك، وإذا نوى حدثًا وأطلق لم يجزئه عن شيء. م خ.
[ ٢١٥ ]
بتَيمُّمٍ واحدٍ (^١)؛ (كَفَى) أي: أَجزأه ذلك، قلت (^٢): والظاهرُ هنا اعتبارُ التَّرتيبِ والمُوالاةِ (^٣).
وإن تنوَّعَت أسبابُ أَحدِ الحَدثَين، فنوَى أَحدَهما (^٤)؛ أَجزأ عن الجميعِ، لكن لو نوَى الاستِباحةَ مِنْ أَحدِها على أن لا يَستبيحَ مِنْ غيرِه؛ لم يُجزِئْه، على قياسِ ما تَقدَّم في الوضوءِ وأَولى؛ لضَعفِه.
(وَإِنْ نَوَى) بتَيمُّمِه (نَفْلًا) أي: استِباحةَ نَفلِ الصَّلاةِ؛ لم يُصلِّ به فرضًا، (أَوْ أَطْلَقَ) النيَّةَ للصَّلاةِ، بأن نوَى استِباحةَ الصَّلاةِ، ولم يَنوِ فرضًا ولا نَفلًا؛ (لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرْضًا)؛ لأنَّه لم يَنوِه، فلَم يَحصل له، بل يُصلِّي به نَفلًا في الصُّورتَين، أمَّا في الأُولى؛ فلِنيَّتِه النَّفلَ، وأمَّا في الثانيةِ؛ فلأنَّه أقلُّ ما يُحمل عليه الإطلاقُ.
وطوافٌ كصلاةٍ فيما تَقدَّم.
(وَإِنْ نَوَاهُ) أي: الفرضَ بتَيمُّمهِ؛ (صَلَّى كُلَّ وَقْتِهِ فُرُوضًا وَنَوَافِلَ)، فمَن تَيمَّم لظُهرٍ مَثلًا؛ صلَّى ما دامَ الوقتُ ما شاء مِنْ الفَرضِ والنَّفلِ، أمَّا الفَرضُ فلنِيَّتِه، وأمَّا النَّفلُ فلأنَّه أخفُّ، ونيَّةُ الفَرضِ تَتضمَّنُه.
_________________
(١) قوله: (واحد) سقط من (س).
(٢) قوله: (قلت) سقط من (س).
(٣) كتب على هامش (ع): قوله: (والظاهر …) إلخ، لعل مراد المصنف ﵀ خصوص هذه الصورة أعني المشتملة على الحدث الأصغر والأكبر والنجاسة، ووجه ما ذكره المصنف: أن التيمم حيث وقع عن الثلاثة؛ لم يندرج الأصغر في الأكبر، فيسقط الترتيب والموالاة كما قالوه في الغسل، فالأحوط في هذه الصورة القول بوجوب الترتيب والموالاة، أما إذا كان التيمم عن الحدث الأصغر والأكبر معًا؛ فلا خفاء لا يجبان، أعني الترتيب والمولاة إذ وجوبهما في التيمم إنما هو لبناء التيمم على الوضوء، والمبني عليه لا يجب فيه ذلك فكذا المبني، كما لا يخفى، على أنه يمكن المناقشة فيما ذكره المصنف، فإن التيمم عن الحدثين لا ترتيب ولا موالاة فيه، كما تقدم، فضم نية النجاسة إليهما لا تقتضي وجوبهما أيضًا، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٤) في (أ) و(ك): أحدها. والمثبت هو الموافق للفروع وتصحيح الفروع ١/ ٣٠١.
[ ٢١٦ ]
فمَن نوَى شيئًا؛ استَباحَه ومِثلَه ودُونَه، لا ما فَوقَه، فأَعلاه: فَرضُ عَينٍ (^١)، فنَذرٌ (^٢)، فكِفايةٌ (^٣)، فنافلةٌ (^٤)، ففَرضُ طوافٍ (^٥)، فنَفلُه، فمَسُّ مُصحَفٍ، فقراءةٌ، فلُبثٌ (^٦).
قال المصنِّفُ: وسُكوتُهم عن الوَطءِ (^٧) يُعلم منه: أنَّه دونَ الكلِّ (^٨).
(وَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ) مطلقًا (^٩) (بِخُرُوجِ وَقْتٍ) أو دخولِه، ولو لغيرِ صلاةٍ (^١٠)،
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (فرض عين) كواحدة من الخمس. ا هـ.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (فنذر) قال المجد في شرحه: لو تيمم للحاضرة، ثمَّ نذر في الوقت صلاة؛ لم يجز فعل المنذورة. م خ.
(٣) كتب على هامش (ب): أي: كصلاة عيد. ا هـ.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (فنافلة) ظاهره: أنَّ الرَّاتبة وغيرها في مرتبة واحدة. م خ.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (ففرض طواف) قال المصنِّف في الحاشية بحثًا: وهل يستبيح بنيَّة الطَّواف ركعتين لتبعيتهما له؟ أم لا؛ لأنَّ نفل الصَّلاة أعلى من الطَّواف [بقسميه]؟ قال: والثَّاني أظهر؛ لإطلاقهم: أنَّ من نوى شيئًا لم يستبح أعلى منه. وكتب على هامش (ع): (فرض طواف) يعني فنذره، والظاهر والله أعلم: فواجبه؛ كطواف الوداع، كما يعلم من كلامه. [العلامة السفاريني].
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (فلبث) لعلَّ بعده: استباحة وطء حائض ونفساء، وجزم به م ص. عثمان.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (عن الوطء) أي: تيمم الحائض والنُّفساء لأجل حلِّ وطئهما حيث شرع التَّيمم. س م.
(٨) ينظر: كشاف القناع ١/ ٤١٦.
(٩) كتب على هامش (س): قوله: (مطلقًا) أي: سواء تيمم لصلاة أو غيرها. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ع): (وبطل تيممه …) إلخ، أي: سوى [تيمم] جنب لقراءة أو لبث في مسجد، أو حائض لطواف أو وطء ونحوه أو لنجاسة أو جنازة أو نافلة أو نحوها، فلا يبطل بخروج الوقت؛ لأنها لا تقضى، ثم هل يبطل بمجرد السلام منها، أو يستمر إلى الوقت التالي؟ لم أر من تعرض له، والأول أقرب. ح ش إقناع.
(١٠) كتب على هامش (ب): قوله: (ولو لغير صلاة) هو غاية للتيمم، يعني: ولو كان المتيمم لغير صلاة، كالتيمم للبث في المسجد ونحوه، وليس هو غاية للوقت كما لا يخفى. ا هـ.
[ ٢١٧ ]
ما لم يَكُنْ في صلاةِ جمعةٍ (^١)، أو يَنوي وهو في وقتِ الأُولى الجمعَ في وقتِ ثانيةٍ (^٢)، ثمَّ يتَيمَّم (^٣) للمجموعة، أو لفائتةٍ؛ فلا يَبطل بخروجِ وقتِ الأُولى.
(وَ) يَبطل تيمُّمُه أيضًا بشيءٍ (مُبْطِلٍ مَا تَيَمَّمَ لَهُ) مِنْ الطَّهارتَين، فيَبطل تيمُّمُه عن وضوءٍ بما يُبطله مِنْ نومٍ ونحوِه، وعن غُسلٍ بما يَنقضه؛ كخروجِ مَنيٍّ بلذَّةٍ.
ولو تَيمَّم لحدثٍ وجنابةٍ تيمُّمًا واحدًا، ثمَّ خرَج منه ريحٌ مثلًا؛ بطَل تيمُّمُه للحَدث، وبَقِي تيمُّمُه للجَنابةِ بحالِه (^٤).
(وَ) يَبطل تيمُّمُه أيضًا بِ (وُجُودِ مَاءٍ) مَقدورٍ على استِعمالِه بلا ضررٍ على ما مرَّ.
ولو انْدَفَق الماءُ، أو كان قليلًا؛ فيَستعملُه، ثمَّ يَتيمَّم لِما بَقِي.
(وَلَوْ) كان وجودُه الماءَ (فِي صَلَاةٍ (^٥» أو طوافٍ، فيَبطُلان فيَتوضَّأ أو
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (ما لم يكن في صلاة جمعة) أي: خرج وقتها وهو فيها فلا تبطل. انتهى تقرير المؤلف.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (في وقت ثانية) متعلِّق بالجمع لا ب (ينوي)، ومفهومه: لو نوى الجمع في وقت أولى؛ بطل بخروج وقتها، فتدبَّر. ا هـ عثمان.
(٣) في (س): تيمم.
(٤) كتب على هامش (ع): قوله: (وبقي بحاله) أي: فله أن يفعل ما يجوز للمحدث حدثًا أصغر، فيجوز له قراءة واللبث في المسجد والحالة هذه؛ لبقاء تيممه بالنسبة إلى الجنابة. والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (ولو كان وجوده الماء في صلاة ..) إلخ، ليس هنا مناقضًا لقوله فيما سبق: (ما لم يكن في صلاة جمعة)؛ لأنَّ تلك مفروضة في حالة رؤية ما يشك معه في وجود الماء، وقد يوجد الماء وقد لا يوجد، وهذه مفروضة في حالة وجود الماء تحقيقًا، وفرق بينهما. وبخطِّه أيضًا على قوله: (في صلاة): عمومها يشمل الجمعة، ولعلَّه مراد، ويفرَّق بين ما هنا وما تقدَّم فيما إذا خرج الوقت وهو في الصَّلاة حيث استثنوا الجمعة، وقد يوجد الفرق من تعليلهم، حيث قالوا هناك: لأنَّها لا تقضى، يعني: وأمَّا هنا فالوقت باق، فيمكن تداركها بأن يتطهَّر، ويدرك الجماعة ما لم يكن من العدد المعتبر، وإلّا استأنفوا جميعًا؛ لبطلان صلاتهم ببطلان صلاته، فتدبَّر. م خ.
[ ٢١٨ ]
يَغتسل، ويَبتدئ الصَّلاةَ أو الطَّوافَ.
و(لَا) إعادةَ على واجد الماء (بعدها) أي: الصَّلاة، أي: بعد انقضاء الصَّلاة، وكذا الطواف.
لكن يستحبُّ لواجد الماءَ في الوقت استعمالُه، وإعادةُ الصَّلاة، كما بحثه المصنِّف (^١)، ومحلُّه في نحو ظهرٍ كعِشاء (^٢)، لا صبح وعصر؛ لأنَّ ذلك وقت نهي.
ويبطل التيمُّم أيضًا بزوال مبيح؛ كبرء مرضٍ أو جرحٍ تيمَّم له.
(وَالتَّيَمُّمُ آخِرَ الوَقْتِ) المختارِ، بحيثُ يُدرِك الصَّلاةَ كلَّها قبلَ خروجِه، (لِرَاجِي) وجودِ (المَاءِ: أَوْلَى)؛ لأنَّ الطَّهارةَ بالماءِ فريضةٌ، والصَّلاةَ في أوَّلِ الوقتِ فضيلةٌ، وانتظارُ الفريضةِ أَولى.
وكذا لو اسْتَوى عندَه احتمالُ وجودِ الماءِ وعَدمِه، وأمَّا العالِمُ وجودَه فمِن بابِ أَولى.
والأصلُ في ذلك: قولُ عليٍّ في الجُنُبِ: «يَتلوَّم ما بينَه وبينَ آخرِ الوقتِ، فإن وجَد الماءَ، وإلّا تَيمَّم» (^٣)، ومعنى «يَتلوَّم»: يَمكُث ويَنتظر.
_________________
(١) ينظر: كشاف القناع ١/ ٤١٩.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (كعشاء) يحتمل إرادة الكاف للتشبيه، فتدخل المغرب، ويحتمل إرادة الكاف للتَّمثيل، فلا تدخل، وسكوته عنها يشعر بذلك، وذلك لأنَّ إعادة المغرب مكروهة، وعلى بحث الشَّيخ منصور: مسنونة الإعادة، فتعارض المكروه والمسنون، فلم يتجاسر المصنِّف على ترجيح أحدهما، والَّذي يظهر والله أعلم: عدم الإعادة في المغرب إلَّا أن يقال: الكراهة تزول لأدنى حاجة، وهذه حاجة، ولا يظهر كون هذا يزيل الكراهة، والله أعلم. س م.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٠٣٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥٥٧)، والدارقطني (٧٢٠)، والبيهقي في الكبرى (١١٠١)، وفيه الحارث الأعور، قال البيهقي: (لا يحتج به)، وقال في موطن آخر: (وهذا لم يصح عن علي)، وضعفه الألباني في الضعيفة ٦/ ٢٦٧.
[ ٢١٩ ]
فإن تَيمَّم وصلَّى؛ أَجزأه ولو وجَد الماءَ بعدُ.
وعُلِم ممَّا تَقدَّم: أنَّ التَّقديمَ لمتحقِّقِ العدمِ أو ظانِّه أَولى.
(وَصِفَتُهُ) أي: التيمُّمِ: (أَنْ يَنْوِيَ) استِباحةَ ما يَتيمَّم له؛ كفَرضِ الصَّلاةِ، مِنْ حدثٍ أصغرَ أو أكبرَ، أو نجاسةٍ.
(ثُمَّ يُسَمِّيَ) وجوبًا (^١)، فيَقول: «باسم الله»، لا يَقوم غيرُها مَقامَها، وتَسقط سهوًا.
(وَيَضْرِبَ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ) حالَ كَونِهما (مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابِعِ)؛ لِيَصِل التُّرابُ إلى ما بينَهما، (بَعْدَ نَزْعِ نَحْوِ خَاتَمٍ (^٢»؛ كحَلْقةٍ بيدِه (^٣)؛ لِيَصِل التُّرابُ إلى ما تحتَه، (ضَرْبَةً)، بالنصبِ مفعولٌ مطلَقٌ، عاملُه «يَضرب» أي: يَضرب التُّرابَ ضربةً واحدةً، قال الأَثرمُ: قلتُ لأَبي عبدِ اللهِ: التَّيمُّمُ ضربةٌ واحدةٌ؟ فقال: نعم، للوجهِ والكفَّين، ومَن قال: ضَربتَين فإنَّما هو شيءٌ زادَه. انتهى (^٤).
فإن كان التُّرابُ ناعمًا، فوضعَ يدَيه بلا ضربٍ، فعَلِق بهما؛ كفَى.
وكُرِه نَفخُ ترابِ يدَيه إن كان قليلًا، فإن ذهَب به (^٥)؛ أعادَ الضَّربَ.
ثمَّ (يَمْسَحَ وَجْهَهُ) جَميعَه (بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ (^٦»، فإن بَقِي منه شيءٌ لم يَصِل
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (ثمَّ يسمِّي وجوبًا) أي: ولو كان التَّيمم عن نجاسة بالبدن، كما ذكره م خ، وكذا الشَّارح نقلًا عن م ص. ا هـ.
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (بعد نزع خاتم …) إلخ، وهو من المفردات. [العلامة السفاريني].
(٣) قوله: (بيده) سقط من (س).
(٤) ينظر: المغني ١/ ١٧٩.
(٥) قوله: (به) سقط من (س).
(٦) كتب على هامش (ب): فائدة: قال العلَّامة م ع في «غايته»: وسُنَنُ تيمُّم: ترتيب وموالاة في غير حدث أصغر، وتفريج أصابعه وقت ضرب، وتقديم يمنى على يسرى في مسح، وأعلى وجه على أسفله كما في وضوء، ونزع نحو خاتم عند مسح وجه؛ ليمسح جميعه بجميع يد، وفي مسح يد يجب نزعه؛ ليصل تراب إلى محلِّه، ولا يكفي تحريكه، بخلاف ماء لسريانه، وإدامة يد على عضو حتَّى يفرغ من مسحه، والإتيان بالشَّهادتين مع ما بعدهما كما في وضوء، وعند القاضي والشيرازي وابن الزاغوني وأبي البركات: وتجديد ضربة ليديه، ومسحهما إلى المرفقين، وهو حسن، وإن كان خلاف المنصوص؛ خروجًا من خلاف من أوجبه. انتهى ﵀.
[ ٢٢٠ ]
التُّرابُ إليه؛ أَمرَّ يدَه عليه إن لم يَفصِلها عنه؛ لأنَّ الواجبَ تَعميمُ المسحِ، لا تَعميمُ التُّرابِ.
فإن فصَلَها وقد بَقِي عليها غبارٌ؛ مسَح بها ما بَقِي، وإلّا أعادَ الضَّربَ.
(وَ) يَمسح ظاهرَ (كَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ (^١» استحبابًا؛ لحديثِ عمَّارٍ وتَقدَّم.
فإن قِيل: قد ذُكِر (^٢) في حديثِ عمارٍ لفظُ: «المَرفِقَين» (^٣)، فتَكون مفسِّرةً للمرادِ ب «الكَفَّين».
أُجيبَ: بأنَّه لا يُعوَّل على هذا الحديثِ، إنَّما رَواه سلمةُ وشكَّ فيه، ذكَرَه النَّسائيُّ، مع أنَّه قد أُنكِر عليه، وخالفَ به سائرَ الرُّواةِ الثِّقاتِ.
ولو مسَح وجهَه بيَمينِه، ويَمينَه بيَسارِه، أو عكَس؛ صحَّ.
(وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ)؛ ليَصِلَ التُّرابُ إلى ما بينَها.
وإن مسَح بضَربتَين: بإِحداهُما وجهَه، وبالأُخرى يدَيه؛ جازَ (^٤).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (براحتيه) واحدتها راحة، وهي بطن اليد، وقيل: هي اليد كلُّها، وجمعها راحات وراح، عن ابن سيده. مطلع.
(٢) في (س): قيل.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٨)، وأخرجه النسائي (٣١٩)، بالشك فقال: لا أدري قال فيه: إلى المرفقين أو الكفين؟ وضعفه الألباني. ينظر: ضعيف أبي داود ١/ ١٣٤.
(٤) كتب على هامش (ع): ولو نوى وصمد للريح حتى عمَّت محل الفرض بالتراب، أو أمرَّه عليه ومسحه صح، لا إن سفته بلا تصميد فمسحه به، فلا يكفي لعدم القصد، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٢٢١ ]