(فصل)
(أَرْكَانُهَا) أي: الصَّلاةِ أربعةَ عشرَ، جمعُ «ركنٍ»، وهو جانبُ الشيءِ الأَقوى، وهو ما كان فيها، ولا يَسقط عمدًا، ولا سهوًا، ولا جهلًا (^١)، وتُسمَّى فروضًا.
أَحدُها: (القِيَامُ فِي) صلاةِ (فَرْضٍ لِقَادِرٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
وحدُّه (^٢): ما لم يَصِر راكعًا، فيَسقط القيامُ في نفلٍ، ولمرضٍ، وخوفٍ، وحبسٍ بمكانٍ لا يَقدر فيه على القيام لقِصَر (^٣) سقفٍ ونحوِه.
(وَ) الثاني: (التَّحْرِيمَةُ) أي: تكبيرةُ الإحرامِ؛ لحديثِ: «تَحريمُها التَّكبيرُ» (^٤).
(وَ) الثَّالثُ: قراءةُ (الفَاتِحَةِ) في كلِّ ركعةٍ، لإمامٍ ومنفرِدٍ؛ لحديثِ: «لا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقرأْ بِفَاتحةِ الكتابِ» (^٥)، ويَتحمَّلها إمامٌ عن مأمومٍ (^٦).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (وهو ما كان فيها …) إلخ، احترازًا عن الشروط، وقوله: (ولا تسقط عمدًا) خرج السنن، وقوله: (ولا سهوًا) خرج الواجبات. قاله م ص.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (وحدُّه) أي: القيام: ما لم يصر راكعًا، أي: ألّا يصير إلى الرُّكوع المجزئ، ولا يضرُّ خفض رأسه على هيئة الإطراق، وظاهر كلامهم: يكفي لو قام على رجل واحدة، وفي «المُذهَبِ»: لا يجزئه، ونقل خطَّاب بن بشر: لا أدري. ا هـ. م ص.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (لقِصَر سقف) كعنب. ا هـ. منه.
(٤) سبق تخريجه ١/ ٣١٤.
(٥) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (ويتحمَّلها إمام عن مأموم) قال ابن قندس: الَّذي يظهر أنَّ قراءة الإمام إنَّما تقوم عن قراءة المأموم إذا كانت صلاة الإمام صحيحة، احترازًا عن الإمام إذا كان محدثًا أو نجسًا ولم يعلم ذلك وقلنا بصحَّة صلاة المأموم، فإنَّه لا بدَّ من قراءة المأموم؛ لعدم صحَّة صلاة الإمام، فتكون قراءته غير معتبرة بالنِّسبة إلى ركن الصَّلاة، فلا يسقط عن المأموم، وهذا ظاهر، لكن لم أجد من أعيان مشايخ المذهب من استثناه، نعم وجدته في كلام بعض المتأخِّرين. انتهى، وتعقَّبه المصنِّف فقال: قد يقال بإبقاء كلام الشيوخ على عمومه؛ دفعًا للحرج والمشقَّة، وهو ظاهر ما استدلوا به من الخبر؛ إذ لم يخصَّص. انتهى، وردَّه الشَّارح بأنَّ تعليله بالمشقَّة ممنوع؛ لندرة هذه الصورة، وفي قطعة ع ب النجدي على «شرح زاد المستقنع» قلت: وردُّه مردود عليه؛ إذ ليست هذه الصورة نادرة، بل أكثر الناس يجهل ذلك، وبالجملة؛ فكلام المصنف متَّجه؛ لوجهين، الأوَّل: أنَّ الخبر إذا أورد عامًّا لم يعدل عنه إلّا لمخصِّص، ولم يوجد، والثَّاني: أنَّ البطلان مختصٌّ بالإمام لا غير؛ إذ لا تأثير لبطلان صلاة المأموم في هذه الحالة، ثمَّ إنِّي رأيت ابن القيم في «بدائع الفوائد» ذكر ما نصُّه: فإن قيل: كيف يتحمَّل الجنب القراءة عن المأموم وليس من أهل التَّحمُّل؟ قيل: لمَّا كان معذورًا بنسيانه حدثه نُزِّل في حقِّ المأموم منزلة الطَّاهر، فلا يعيد المأموم. انتهى، فعلمت حينئذ بأنَّ ما تعقَّب به المصنِّف ظاهر غير خافٍ. انتهى كلام ع ب النجدي، نقلته من بعض المواضع.
[ ٣٤٥ ]
(وَ) الرابعُ: (الرُّكُوعُ)، إجماعًا في كلِّ ركعةٍ (^١).
(وَ) الخامسُ: (الاعْتِدَالُ عَنْهُ) أي: عن الرُّكوعِ؛ لأنَّه ﷺ داومَ على فعلِه، وقال: «صَلُّوا كمَا رَأيتُمُوني أُصلِّي» (^٢).
ولو طوَّله لم تَبطل (^٣)؛ كالجلوسِ بينَ السَّجدتَين.
ويَدخل في الاعتدالِ الرَّفعُ، والمرادُ: إلّا ما بعدَ أوَّلَ مِنْ ركوعٍ واعتدالٍ في كسوفٍ فسُنَّةٌ.
(وَ) السادسُ: (السُّجُودُ)، إجماعًا (^٤) على الأعضاءِ السَّبعةِ؛ لِما تَقدَّم.
_________________
(١) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٢.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣١).
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (ولو طوَّله لم تبطل) واستوجه العلَّامة م ع في «غايته»: أنَّ المراد بطوَّله: نحو قرب قيامه لا مطلقًا. سفاريني.
(٤) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٢.
[ ٣٤٦ ]
(وَ) السابعُ: (الرَّفْعُ مِنْهُ) أي: مِنْ السُّجودِ.
(وَ) الثامنُ: (الجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)؛ لِقولِ عائشةَ ﵂: «كان النبيُّ ﷺ إذا رفَع مِنْ سجودِه لم يَسجُدْ حتى يَستويَ قاعدًا» رَواه مسلمٌ (^١).
(وَ) التاسعُ: (الطُّمَأْنِينَةُ)، بضمِّ الطاءِ المهملةِ (^٢)، وهي السُّكونُ وإن قلَّ، (فِي الكُلِّ (^٣» أي: كلِّ الأفعالِ المذكورةِ.
(وَ) العاشرُ: (التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ).
(وَ) الحادي عشرَ: (الجُلُوسُ لَهُ) أي: للتَّشهُّدِ الأخيرِ؛ لقولِه ﷺ: «إذا قعَد أَحدُكم في صلاتِه فَلْيَقُلْ: التَّحيَّاتُ للهِ» الخبرَ، متَّفق عليه (^٤).
(وَ) الثاني عشرَ: الجلوسُ (لِلسَّلَامِ).
(وَ) الثالثَ عشرَ: (التَّرْتِيبُ) بينَ الأركانِ؛ لأنَّه ﷺ كان يُصلِّيها مرتَّبةً، وعلَّمها للمُسيءِ صلاتَه (^٥) مرتَّبةً ب «ثمَّ».
(وَ) الرابعَ عشرَ: (التَّسْلِيمُ (^٦»؛ لحديثِ: «وخِتامُها التَّسليمُ» (^٧).
(وَوَاجِبَاتُهَا) أي: الصَّلاةِ، ثمانيةٌ:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٩٨).
(٢) قوله: (المهملة) سقط من (أ) و(س).
(٣) كتب على هامش (ب): التَّحقيق: كونها أقل سكون هو الركن، وما زاد عن ذلك إلى ما يتسع لواجبِ ذكرٍ فواجب، هذا ما ظهر لي، والله أعلم. س.
(٤) في (ك): المتَّفق عليه. وأخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢).
(٥) في (د): في صلاته. وقوله: (صلاته) سقط من (أ) و(س)، والحديث أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧)، عن أبي هريرة ﵁.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (التَّسليم) أي: الإتيان بالتسليمتين. انتهى تقرير المؤلف.
(٧) سبق تخريجه ١/ ٣١٤.
[ ٣٤٧ ]
أَحدُها: (تَكْبِيرُ الانْتِقَالِ)، مِنْ قيامٍ إلى ركوعٍ أو سجودٍ، ومِن سجودٍ إلى رفعٍ منه، ومِن جلوسٍ إلى سجود أو (^١) قيامٍ، فجميعُ ما فيها مِنْ التَّكبيرِ (^٢) واجبٌ، غيرَ تكبيرةِ الإحرامِ فركنٌ، وغيرَ تكبيرةِ ركوعٍ في حقِّ (^٣) مسبوقٍ أدركَ إمامَه راكعًا؛ فسُنَّةٌ، وتأتي.
(وَ) الثاني: (التَّسْمِيعُ) في حقِّ إمامٍ ومنفردٍ، أي: قولُهما في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ (^٤): «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
(وَ) الثالثُ: (التَّحْمِيدُ) في حقِّ كلِّ مُصلٍّ، أي: قولُه: «رَبَّنا ولكَ الحَمدُ» على ما تَقدَّم (^٥)؛ لفعلِه ﵊، وقولِه: «صلُّوا كمَا رَأيتُموني أُصلِّي» (^٦).
ومحلُّ ما يُؤتى به مِنْ ذلك للانتقالِ: بينَ ابتداءٍ وانتهاءٍ، فلَو شرَع فيه قبلُ، أو كمَّله بعدُ؛ لم يُجزِئه (^٧).
(وَ) الرابعُ والخامسُ والسادسُ: (مَرَّةٌ أُولَى فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) أي:
_________________
(١) قوله: (إلى سجود أو) سقط من (أ) و(س).
(٢) في (س): التَّكبيرات.
(٣) قوله: (ركوع في حق) سقط من (أ) و(س).
(٤) قوله: الرفع من الركوع: سقط من (د) و(س).
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (على ما تقَّدم)، أي: من الصيغ الأربع، انتهى تقرير المؤلف.
(٦) أخرجه البخاري (٦٣١).
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (فلو شرع فيه قبل) أي: قبل شروعه في الانتقال، بأن كبَّر لسجود قبل هويه إليه، أو سمَّع قبل رفعه من ركوع؛ لم يجزئه، (أو كمله بعد) أي: بعد انتهائه؛ كأن أتمَّ تكبيرة الركوع فيه؛ (لم يجزئه)؛ لأنَّه في غير محلِّه، وكذا لو شرع في تسبيح ركوع أو سجود قبل أو كمَّله بعده، وكذا سؤال المغفرة لو شرع فيه قبل الجلوس أو كمَّله بعده، وكذا تحميد إمام ومنفرد لو شرع فيه قبل اعتداله أو كمَّله بعد هويه منه؛ كتكملة واجب قراءة راكعًا، أو كشروعه في تشهُّد قبل قعود للتشهُّد الأوَّل أو الأخير، قال المجد: هذا قياس المذهب، ويحتمل أن يُعفى عن ذلك؛ لأنَّ التحرُّز عنه يعسر والسهو به يكثر، ففي الإبطال به أو السجود له مشقَّة. انتهى «منتهى» شرحًا ومتنًا.
[ ٣٤٨ ]
قولُه المرَّة الأُولى: «سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ» في الرُّكوعِ، و«سُبحانَ رَبِّيَ الأَعلَى» في السُّجودِ، (وَ) قوله المرَّةَ الأولى (^١): («رَبِّ اغْفِرْ لِي» بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ).
(وَ) السابعُ: (تَشَهُّدٌ أَوَّلُ، وَ) الثامنُ: (جَلْسَتُهُ) أي: الجلوس (^٢) للتشهد الأوَّل (^٣)؛ للأمرِ بذلك في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (^٤).
ويَسقط التشهُّدُ الأوَّلُ عمَّن قام إمامُه سهوًا؛ لوجوبِ متابعتِه.
والمجزِئُ منه: «التحيَّاتُ للهِ، سلامٌ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ، سلامٌ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصَّالحِين، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ»، أو: «عبدهُ ورسولُه».
والمجزئُ (^٥) في التَّشهُّدِ الأخيرِ؛ ذلك مع: «اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ» بعدَه.
(وَمَا سِوَى ذَلِكَ) المذكورِ مِنْ الأركانِ والواجباتِ (مِمَّا تَقَدَّمَ) في صفةِ الصَّلاةِ: (سُنَنُ) أقوالٍ؛ كاستفتاحٍ، وتعوُّذٍ، وبسملةٍ، و«آمينَ»، وقراءةِ سورةٍ، وقولِ: «مِلْءَ السَّماءِ …» إلخ، وما زادَ على المرَّةِ في تسبيحِ ركوعٍ وسجودٍ، وفي سؤالِ (^٦) مغفرةٍ، وتعوُّذٍ (^٧) ودعاءٍ في تشهُّدٍ أخيرٍ، والصَّلاةِ فيه على الآلِ، والبركةِ عليه وعليهم، وما زادَ على ما يُجزِئ في تشهُّدٍ أوَّلَ، وقنوتِ وترٍ.
_________________
(١) في (أ) و(س): مرةٌ أولى في قوله.
(٢) في (ك): جلوسه.
(٣) قوله: (أي الجلوس للتشهد الأوَّل) سقط من (أ) و(س).
(٤) أخرجه مسلم (٤٠٣).
(٥) قوله: (المجزئ في) سقط من (أ) و(س).
(٦) قوله: (وفي سؤال) هو في (أ) و(س): وسؤال.
(٧) في (ك): المغفرة والتعوذ.
[ ٣٤٩ ]
وسُنَنُ أفعالٍ؛ كرفعِ اليدَين في مواضعِه، ووضعِ اليُمنى (^١) على اليُسرى تحتَ سُرَّتِه، ونظرٍ إلى موضعِ سجودِه، ووضعِ اليدَين على الرُّكبتَين في الرُّكوعِ، والتَّجافي فيه وفي السُّجودِ، ومدِّ الظَّهرِ معتدِلًا، وغيرِ ذلك ممَّا مرَّ لك (^٢) مفصَّلًا.
ومنه: جهرٌ، وإخفاتٌ (^٣)، وترتيلٌ، وإطالةٌ وتقصيرٌ في مواضعِها.
و(لَا يُشْرَعُ) أي: لا يَجب ولا يُسنُّ (لِتَرْكِهِ سُجُودَ) سهوٍ (^٤)؛ لعدمِ إمكانِ التحرُّزِ مِنْ تَركِه، (وَإِنْ سَجَدَ) لتَركِه سهوًا؛ (فَلَا بَأْسَ) أي: فهو مباحٌ.
(وَإِنْ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صلاتُه، (وَ) إن ترَك واجبًا (سهوًا؛ سَجَدَ لَهُ) وجوبًا، وتَبطل بتَركِ ركنٍ مطلقًا.
_________________
(١) في (أ): اليمين.
(٢) قوله: (لك) سقط من (د).
(٣) كتب على هامش (س): الإسرار. انتهى تقرير المؤلف.
(٤) قوله: (سهو) سقط من (أ) و(س).
[ ٣٥٠ ]