وهو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذا فصلٌ، أو مبتدأٌ حُذف خبرُه، أي: ممَّا أذكرُه فصلٌ.
وهو في الأصل: الحجزُ بينَ شَيئَين، ومنه فصلُ الرَّبيعِ؛ لحجزِه بينَ الشِّتاءِ والصَّيفِ، وهو في كتبِ العلمِ كذلك؛ لحجزِه بينَ أجناسِ المسائلِ وأنواعِها.
وهو كالكتابِ والبابِ (^٢) عُرفًا: اسمٌ لطائفةٍ مختصَّةٍ مِنْ العلمِ (^٣).
(وَيُبَاحُ كُلُّ إِنَاءٍ) طاهرٍ، أي: يُباح اتِّخاذُه واستعمالُه، (وَلَوْ) كان الإناءُ الطاهرُ (ثَمِينًا) أي: غاليَ الثمنِ؛ كجوهرٍ وبِلَّورٍ وياقُوتٍ وزُمرُّدٍ، وغيرُ الثَّمينِ؛ كخشبٍ وزجاجٍ وجُلودٍ وصُفْرٍ وحديدٍ؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ قال: «أَتانَا رسولُ اللهِ ﷺ، فأَخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فتَوضَّأ» رَواه البخاريُّ (^٤)، والتَّورُ بالمُثنَّاةِ الفَوقيَّةِ كما في «المصباحِ» (^٥): إناءٌ صغيرٌ يُشرَب به، فارسيٌّ معرَّبٌ،
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (الآنية) وهي لغة وعرفًا: الأوعية، جمع إناء ووعاء، كسقاء وأسقية، وجمع الآنية أواني، والأوعية أواعي، وأصل أواني أآني؛ بهمزتين أبدلت ثانيتهما واوًا؛ كراهة اجتماعها، كأوادم جمع آدم. انتهى «شرح المنتهى». وكتب على هامش (ع): هي الأوعية جمع إناء، لما ذكر الماء ذكر ظرفه.
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (وهو كالكتاب …) إلخ، إلا أن مسمى الكتاب لطائفة زائدة على مسمى الباب، والباب لأزيد من الفصل، فالكتاب يشتمل على الباب، والباب على الفصل، والفصل على الفرع. والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٣) في (أ): من العلم مختصة، وقوله: (وهو كالكتاب والباب، عرفًا: اسم لطائفة من العلم) سقط من (س).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٧).
(٥) ينظر: المصباح ١/ ٧٨.
[ ٨٨ ]
وقد ورَد أنَّه ﷺ تَوضَّأ مِنْ جَفنةٍ (^١)، وقِربةٍ (^٢)، فثبَت الحكمُ فيها بفعلِه (^٣)، وما في معناها مَقيسٌ عليها، ولأنَّ العلَّةَ المحرِّمةَ للنَّقدَين مفقودةٌ في الثَّمينِ.
ويُستثنى مِنْ إباحةِ الإناءِ الطاهرِ ما أشارَ إليه بقولِه: (غَيْرَ) عظمِ آدميٍّ وجِلدِه (^٤)، ومغصوبٍ، و(إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (^٥»، أو مُضبَّبٍ بهما، أو بأحدِهما، فيَحرم اتِّخاذُها واستعمالُها على الذَّكر والأُنثى والخُنثى (^٦)، مكلَّفًا كان أو غيرَه، بمعنى أنَّ وليَّه يأثَم بفعلِ ذلك له وبتَمكينِه منه.
والأصلُ في تحريمِ استعمالِ الذَّهبِ والفضَّةِ: ما روَى حذيفةُ ﵁ قال: سَمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا تَشرَبُوا في آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ، ولا تأكلُوا في صِحافِها (^٧)؛ فإنَّها لهم (^٨) في الدُّنيا، ولكُم في الآخرةِ» (^٩)، ورَوَت أمُّ سَلَمةَ ﵂
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، من حديث ابن عباس ﵄، قال: «اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها» الحديث.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣)، من حديث ابن عباس ﵄، وفيه قال: «فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شنٍّ معلق وضوءًا خفيفًا»، والشن القربة.
(٣) في (أ) و(س): لفعله.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (غير عظم آدمي وجلده) أي: لحرمته. ا هـ.
(٥) في (س): وفضة. وكتب على هامش (ع): وفي معنى الآنية فيما تقدم: الآلة كالقلم ونحوه؛ كالميل، والمجمرة، والمدخنة، والدواة والمشط، والسكين، والكرسي، والسرير، والخفين، والنعلين، ولا يختلف التحريم بالذكر، [فلذا قال]: وحتى على الأنثى. ش منتهى.
(٦) كتب على هامش (ع): وأيضًا يحرم تحصيلهما بنحو شراء؛ لأن ما حُرِّم استعماله مطلقًا حُرِّم اتخاذه على هيئة الاستعمال؛ كالملاهي. ش. منتهى.
(٧) كتب في هامش (أ): (جمع صحفة، وهي القصعة).
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (فإنها لهم): أي: للكفار؛ إذ الخطاب لسائر أمة الإجابة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٩) أخرجه البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٧).
[ ٨٩ ]
أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذي يَشرب في آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ إنَّما يُجَرجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّم» متَّفق عليهما (^١)، والجَرجَرةُ: صوتُ وقوعِ الماءِ بانحِدارِه في الجَوف.
وغيرُ الأكلِ والشُّربِ في معناهما؛ لأنَّ ذِكرَهما خرَج مَخرجَ الغالبِ، فلا يَتقيَّد الحكمُ به.
(وَ) غير (نَحْوِ مَطْلِيٍّ)، على وزنِ «مرمِيٍّ» بتشديدِ الياءِ، اسمُ مفعولٍ، (بِهِمَا) أي: بالذَّهبِ والفضَّةِ، أو بأحدِهما (^٢)، والطِّلاءُ: أن يُجعل الذَّهبُ أو الفضَّةُ كالورقِ ويُطلَى به الإناءُ.
ونحوُ المطليِّ: المُموَّهُ، بأن يُذاب الذَّهبُ أو الفضَّةُ، ويُلقى فيه الإناءُ مِنْ نُحاسٍ ونحوِه فيَكتسب مِنْ لَونِه، والمُطعَّمُ والمُكْفَتُ.
فيَحرم ذلك كلُّه؛ لِما روَى ابنُ عمرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ شَرِب مِنْ إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ، أو مِنْ إناءٍ فيه شيءٌ مِنْ ذلك؛ فإنَّما يُجَرجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّمَ» رَواه الدارَقُطنيُّ (^٣).
(إِلَّا) إناءً (مُضَبَّبًا بِيَسِيرٍ) عُرفًا (مِنْ فِضَّةٍ لِحَاجَةِ) الإناءِ (^٤)، وهي أن يَتعلَّق بها غرضٌ غيرُ الزِّينةِ، ولو وُجد غيرُها، كما لو انكسَر الإناءُ، فيُباح اتِّخاذُ الضَّبَّةِ المذكورةِ إِذَن واستعمالُها؛ لحديثِ أنسٍ ﵁: «أنَّ قَدَحَ النَّبيِّ ﷺ انكسرَ، فاتَّخَذ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥)، وليس عند البخاري ذكر الذهب.
(٢) قوله: (أو بأحدهما) سقط من (س).
(٣) أخرجه الدارقطني (٩٦)، وقال: (إسناده حسن)، ورجح البيهقي وقفه، وضعفه ابن القطان، وابن تيمية، والذهبي. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٤٣)، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٩، بيان الوهم والإيهام ٤/ ٦٠٧٦٠٨، مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢١/ ٨٥، ميزان الاعتدال ٤/ ٤٠٦.
(٤) كتب على هامش (ع): وتكره مباشرتها في محل الشرب إلا لحاجة، فإن احتاج بأن كان الماء يتدفق، أو شرب من غير جهتها ونحوه لا يكره؛ دفعًا للحرج. ش. منتهى.
[ ٩٠ ]
مكانَ الشَّعْبِ سِلسِلةً مِنْ فِضَّةٍ» رَواه البخاريُّ (^١)، وهذا مخصِّصٌ لعُمومِ الأحاديثِ المتقدِّمةِ.
وعُلم مِنْ كلامه: أنَّ ضبَّةَ الذَّهبِ حرامٌ مطلقًا، وكذا الكبيرةُ عرفًا مِنْ الفضَّةِ، ولو لحاجةٍ، وأنَّ التي لغيرِ (^٢) حاجةٍ حرامٌ، ولو يسيرةً مِنْ فضَّةٍ.
(وَتَصِحُّ طَهَارَةٌ)، وُضوءًا كانت أو غُسلًا أو غيرَهما، (مِنْ إِنَاءٍ مُحَرَّمٍ)؛ كغصبٍ أو غيرِه، بأنْ يَغترف منه بيَدِه.
وكذا تصحُّ به، وفيه، وإليه (^٣)، بخلافِ الصلاةِ؛ لأنَّ الإناءَ والمكانَ لَيسَا شرطًا للطَّهارةِ.
(وَتُبَاحُ آنِيَةُ كُفَّارٍ)، أهلِ كتابٍ أو غيرِهم، إن جُهِل حالُها، (وَ) تُباح (ثِيَابُهُمْ) أي: ثيابُ الكفَّارِ (إِنْ جُهِلَ حَالُهَا (^٤»، بأن لم تُعلم نَجاستُها، حتى ما وَلِي عَوراتِهم، يَعني: أنَّه يَجوز للمسلمِ أن يَستعير مِنْ الكافرِ أَوانِيَه، وثِيابَه المجهولةَ، ونَحكم بطهارتِها، وأنَّها متى حصلَت في أَيدِينا؛ لم يَجب علينا تطهيرُ ما لم نَعلم نَجاستَه منها؛ لأنَّ «النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه تَوضَّؤُوا مِنْ مَزادةِ مُشرِكةٍ»
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٠٩).
(٢) في (س): والتي لغيرها.
(٣) كتب على هامش (ع): قوله: (تصح به) أي: تصح الطهارة بالإناء المحرم، بأن يغترف الماء به، (وفيه) بأن يتخذ الإناء المحرم يسع قلتين ويغتسل ويتوضأ داخله. قوله: (إليه) بأن يجعله مصبًّا لفضل طهارته، فيقع فيها الماء المنفصل عن العضو بعد غسله. ش إقناع.
(٤) كتب على هامش (ع): وسئل أحمد عن صبغ اليهود بالبول، قال: المسلم والكافر في هذا سواء، ولا يسأل عن هذا ولا يبحث عنه، فإن علمت فلا تصلِّ فيه حتى تغسله. انتهى. ويطهر بغسله ولو بقي اللون، وسأله أبو الحارث عن اللحم يُشترى من القصاب، فقال: يغسل، وقال الشيخ: بدعة. انتهى. ش. منتهى.
[ ٩١ ]
متَّفق عليه (^١)، ولأنَّ الأصلَ الطَّهارةُ، لكنْ ما لاقَى عَوراتِهم؛ كالسَّراويلِ، فرُوي عن الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّه قال: أحَبُّ إليَّ أن يُعيد إذا صلَّى فيه (^٢).
(وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ مَيْتَةٍ (^٣» نَجُس بمَوتِها (بِدَبْغٍ) له، هذا قولُ عمرَ (^٤)، وابنِه (^٥)، وغيرِهما (^٦)؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُكَيمٍ قال: أَتانَا كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ قبلَ وَفاتِه بشهرٍ أو شهرَين: «أنْ لَا تَنتَفِعُوا مِنْ المَيتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ» رَواه الخمسةُ (^٧)، ولم يَذكر التوقيتَ غيرُ أَبي داودَ وأحمدَ، وقال: (ما أَصلَح إسنادَه!) (^٨)، وفي روايةِ الطَّبرانيِّ والدارَقُطنيِّ: «كنتُ رخَّصتُ لكُم في جُلودِ المَيتةِ، فإذا جاءَكُم كِتابي هذا فلا تَنتَفِعوا مِنْ المَيتةِ بإهابٍ ولاعَصَبٍ» (^٩)، وهو
_________________
(١) هذا حديث مشهور بهذا اللفظ في كتب الفقه، ومرادهم حديث عمران بن حصين ﵁ الطويل في قصة نومهم من صلاة الفجر، وذكر فيها مزادتي المرأة المشركة، أخرجها البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢)، وفيه أنه: «أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه عليك»، قال النووي في المجموع ١/ ٢٦٣: (وليس فيه أن النبي ﷺ توضأ منه صريحًا، لكن الظاهر أنه ﷺ توضأ منه؛ لأن الماء كان كثيرًا، وإن لم يكن توضأ فقد أعطى الجنب ما يغتسل به، وبهذا يحصل المقصود وهو طهارة إناء المشرك).
(٢) ينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ٣٧٧.
(٣) كتب على هامش (ع): ويباح اتخاذ منخل من شعر نجس؛ كشعر بغل في يابس لا مائع؛ لتعدي نجاسته إليه. والله أعلم. ش منتهى.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (٢٧٤٧)، والبيهقي في الكبرى (١٩٣٩٠)، وفي إسناده عبد الرحمن ابن زياد الإفريقي، وهو ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٧٦٥) وإسناده صحيح.
(٦) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٨٥٠)، عن محمد بن سيرين، قال: «كان ممن يكره الصلاة في الجلد إذا لم يكن ذكيًا عمر، وابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وابن جابر».
(٧) أخرجه أحمد (١٨٧٨٠)، وأبو داود (٤١٢٧) والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي (٤٢٤٩)، وابن ماجه (٣٦١٣)، وقال أحمد: (إسناده جيد)، وحسنه الترمذي؛ وضعَّفه الخطابيُّ والبيهقيُّ وابنُ عبد البر. ينظر: تنقيح التحقيق ١/ ١٠٤، البدر المنير ١/ ٥٨٩.
(٨) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٩٣، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ١٠٤.
(٩) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٠٤)، وفي إسناده فضالة بن مفضل المصري، قال العقيلي: (في حديثه نظر). ينظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣٤٩، ولم نقف عليه في سنن الدارقطني ولا في العلل.
[ ٩٢ ]
دالٌّ على سَبقِ الرُّخصةِ وأنَّه متأخِّرٌ، فيَتعيَّن الأخذُ به.
والمرادُ ب «الميتةِ» في عُرفِ الشَّرعِ كما في «المصباحِ»: ما ماتَ حتفَ أَنفِه، أو قُتل على هيئةٍ غيرِ مشروعةٍ، إمَّا في الفاعلِ، أو المفعولِ (^١)، فما ذُبح للصَّنم، أو في الإحرام، أو لم يُقطع منه الحُلقومُ: ميتةٌ، وكذا ذبحُ ما لا يُؤكَل لا يُفيد الحلَّ ولا الطَّهارةَ. انتهى (^٢).
والموتُ: عدمُ الحياةِ عمَّا مِنْ شأنِه الحياةُ، كما في «المطوَّلِ» (^٣)، أو عدمُ الحياةِ عمَّن اتَّصف بها، كما قالَه السَّيِّدُ (^٤)، وهو أظهرُ، وقد يُطلق الموتُ على ما لا حياةَ فيه أصلًا، كما قال تَعالى في حقِّ الأصنامِ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (^٥).
(وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ) أي: جلدِ الميتةِ (بَعْدَهُ) أي: بعدَ الدَّبغِ بطاهرٍ مُنشِّفٍ للرُّطوبةِ، مُنقٍّ للخَبثِ؛ بحيثُ لو نُقِع الجلدُ بعدَه في الماءِ لم يَفسد.
_________________
(١) في (د): أو في المفعول.
(٢) ينظر: المصباح ٢/ ٥٨٣.
(٣) ينظر: المطول على التلخيص للتفتازاني ص ٣١٢.
(٤) كتب على هامش (ع): الفرق بين السعد في المطول والسيد الشريف: أن الجنين قبل أن تحله الروح ميت على كلام السعد، وغير ميت على كلام السيد؛ لأنه لم يتصف بالحياة قبل، والله أعلم. [العلامة السفاريني]. ينظر: حاشية السيد على المطول ص ٣١٢. والسيد: هو علي بن محمد بن علي الحنفي الشريف الجرجاني، قال العيني: (عالم بلاد الشرق؛ كان علامة دهره)، من مصنفاته: شرح المواقف للعضد، وشرح التجريد للنصير الطوسي، وحاشية المطول، مات سنة ٨١٤ هـ. ينظر: بغية الوعاة ٢/ ١٩٦، طبقات المفسرين للداوودي ١/ ٤٣٢.
(٥) كتب في هامش (أ) و(س): وتظهر فائدة الخلاف في المضغة، فيقال لها ميتة على الأول دون الثاني؛ لعدم اتِّصافها بالحياة.
[ ٩٣ ]
وجَعلُ مُصرانٍ وكَرِشٍ وَتَرًا (^١): دِباغٌ (^٢).
(فِي يَابِسٍ)؛ كدراهمَ ودنانيرَ ودقيقٍ، (إِنْ كَانَ) الجلدُ المدبوغُ (مِنْ) حيوانٍ (طَاهِرٍ فِي حَيَاةٍ)؛ كإبلٍ (^٣) وبقرٍ وغنمٍ وظِباءٍ ونحوِها، ولو جلدَ غيرِ مأكولٍ؛ كالهرِّ وما دونَه في الخلقة؛ لأنَّه ﵊ وجَد شاةً ميتةً أُعطيَتْها مَولاةٌ لمَيمونةَ مِنَ الصَّدقةِ، فقال ﵇: «أَلَا أَخذُوا إهابَها فدَبَغُوه فانْتَفعُوا به!» رَواه مسلمٌ (^٤).
وفُهِم مِنْ كلامِه: أنَّه لا يُباح انتفاعٌ به قبلَ دَبغِه مطلقًا (^٥)، ولا بعدَه في مائعٍ، ولا إن كان جلدَ حيوانٍ نَجسٍ في حياةٍ؛ كحمارٍ أهليٍّ.
(وَكُلُّ أَجْزَاءِ المَيْتَةِ)؛ مِنْ لحمٍ وشحمٍ ومُخٍّ وعَظمٍ وعَصبٍ وقَرنٍ وظُفرٍ وحافرٍ وأصولِ شَعرٍ ونحوِه نُتِف؛ نَجسٌ.
(وَ) كذا (لَبَنُهَا) أي: لبنُ الميتةِ (نَجِسٌ)؛ لأنَّه مائعٌ لاقَى وعاءً نَجسًا، فتَنجَّس.
(غَيْرَ نَحْوِ شَعْرٍ) لغنمٍ، (وَصُوفٍ) لضأنٍ (^٦)؛ كوَبَرِ إبلٍ، وريشِ طائرٍ، ولو غيرَ مأكولةٍ، فذلك طاهرٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، والآيةُ سِيقَت للامْتِنانِ، فالظَّاهرُ شُمولُها لِحالتَي الحياةِ
_________________
(١) كتب على هامش (س): أي: وتر القوس المرمي. انتهى.
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (وجعل مصران …) إلخ، كذا ذكروه، وهذا يقتضي أن الكرش والمصران كالجلد في ذلك كما لا يخفى، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٣) في (س): من إبل.
(٤) أخرجه مسلم (٣٦٣)، بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري من غير لفظ الدباغ (١٤٩٢)، وأعلَّ الإمام أحمد ذكر الدباغ فيه. ينظر: مسائل أحمد رواية صالح (١٤١٦).
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (مطلقًا) أي: سواء كان في مائع أو جامد. ا هـ.
(٦) في (س): ضأن.
[ ٩٤ ]
والموتِ، والرِّيشُ مَقيسٌ على الثَّلاثةِ.
وحَرَّم في «المستوعِبِ» نَتْفَ ذلك مِنْ حيٍّ؛ لإيلامِه، وكَرِهه في «النِّهايةِ» (^١).
(وَمَا أُبِينَ)، بالبناءِ للمفعولِ (^٢): أي: فُصل، (مِنْ) حيوانٍ (حَيٍّ)، مِنْ قَرنٍ وأَلْيَةٍ ونحوِهما؛ فهو (كَمَيْتَتِهِ)، طهارةً ونجاسةً (^٣)؛ لقولِه ﵇: «ما يُقطَع مِنْ البَهِيمةِ وهي حَيَّة فهُو مَيتةٌ» رَواه الترمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ (^٤).
ودخَل في كلامِه: ما يَتساقط مِنْ قُرونِ الوُعولِ (^٥).
ويُستثنى مِنْ ذلك: طريدةٌ (^٦)، وولدٌ، وبيضةٌ صَلُبَ قِشرُها (^٧)، وصوفٌ ونحوُه ممَّا تَقدَّم، ومِسكٌ، وفأرتُه (^٨).
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ١٢٢.
(٢) قوله: (بالبناء للمفعول) سقط من (س).
(٣) قوله: (طهارة ونجاسة) هو في (ب): طاهرة في الحياة أو نجسة.
(٤) أخرجه أحمد (٢١٩٠٣)، وأبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠)، وهذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، واختلف في صحابيِّ الحديث؛ فقيل: ابن عمر ﵄، وقيل: أبو سعيد الخدري ﵁، ورجح إرساله أبو زرعة والدارقطني. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٤٧٩)، علل الدارقطني ٦/ ٢٩٧.
(٥) كتب على هامش (س): وهي تيوس الجبل. انتهى تقرير مؤلفه.
(٦) كتب على هامش (س): بمعنى مطرودة؛ أي: تطاردها قوم كل منهم قطعة، فهي طاهرة بشرط التسمية. انتهى تقرير مؤلفه.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (صلب قشرها) أي: فلو لم يصلب قشرها فنجسة؛ لأنَّها جزء من الميتة. ا هـ «شرح منتهى».
(٨) كتب على هامش (ب): قوله: (وفأرته)، أي: بالهمز وتركه كما قال النووي: وعاؤها. انتهى، وفي «الغاية» وشرحها: وكذا زباد طاهر، قال في «شرح المنتهى»: خلافًا له أي: ل «لإقناع» فإنَّه جزم بنجاسته، ويقتضي كلامه في «الفروع» طهارته؛ لأنَّه عرق سنور بري، قال الشريف الإدريسي: الزباد نوع من الطيب، يجمع من بين أفخاذ حيوان معروف يكون بالصحراء، ويصاد ويطعم اللَّحم، ثمَّ يعرق فيكون من عرق بين فخذيه حينئذ، وهو أكبر من الهرِّ الأهلي. انتهى، والعنبر طاهر أيضًا؛ لأنَّه يخرج من البحر، قال في «القاموس المحيط»: العنبر من الطيب، روث دابَّة بحريَّة، أو نبع عين فيه، ويؤنَّث. كتب على هامش (ع): تتمة: جلد الثعلب كلحمه. ش. منتهى.
[ ٩٥ ]