(وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا)؛ لقولِه ﵊: «وبُيوتُهنَّ خيرٌ لهُنَّ» (^١)، «ولْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ (^٢)، وظاهرُه: حتى مسجدِ النبيِّ ﷺ.
ولأبٍ، ثمَّ وليٍّ محرمٍ؛ منعُ مَولِيَّتِه إن خَشِي فتنةً أو ضررًا، ومِن الانفرادِ (^٣).
(فصل)
فِي الإِمَامَةِ
(الأَوْلَى بِالإِمَامَةِ الأَقْرَأُ) أي: الأجودُ قراءةً الأفقهُ، ثمَّ الأجودُ قراءةً الفقيهُ (^٤)؛ لحديثِ: «يَؤمُّ القومَ أَقرَؤُهم لكتابِ اللهِ» (^٥).
ثمَّ الأقرأُ (العَالِمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ)، وإن لم يَكُنْ فقيهًا.
ثمَّ مع الاستواءِ في الجودةِ: يُقدَّم الأكثرُ قرآنًا الأفقهُ، ثمَّ الأكثرُ قرآنًا الفقيهُ، ثمَّ قارئٌ أفقهُ، ثمَّ قارئٌ فقيهٌ، ثمَّ قارئٌ لا يَعلمُه (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥٤٦٨)، وأبو داود (٥٦٧)، وابن خزيمة (١٦٨٤)، من حديث ابن عمر ﵄، وصححه ابن خزيمة والنووي والألباني، ينظر: صحيح سنن أبي داود ٣/ ١٠٣.
(٢) أخرجه أحمد (٩٦٤٥)، وأبو داود (٥٦٥)، وابن خزيمة (١٦٧٩)، من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه ابن خزيمة والنووي وابن الملقن، وحسنه الألباني. ينظر: البدر المنير ٥/ ٤٦، الإرواء ٢/ ٢٩٣.
(٣) كتب على هامش (س): أي سكناها منفردة. انتهى تقرير.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (ثمَّ الأجود قراءة الفقيه) أي: الذي يعلم فقه الصلاة وغيرها؛ إذ له مزيَّة بعده. انتهى تقرير.
(٥) أخرجه مسلم (٦٧٣)، من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (لا يعلمه) أي: فقه صلاته. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ع): حاصله: أن الأقرأ بمعنى الأجود قراءة مقدم على ذي الفقه، إلا إذا كان الأقرأ لا يعلم فقه صلاته، وأن الأجود قراءة مقدم على الأكثر قرآنًا، وأن الأكثر قرآنًا مقدم على الأفقه إذا كان عالمًا فقه صلاته، فالأقرأ بمعنى الأجود قراءة والأكثر قرآنًا مقدم على مقابله بشرطه، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٣٩٩ ]
(ثُمَّ) إن استوَوا في عدمِ القراءةِ: قُدِّم (الأَفْقَهُ)، الأعلمُ بأحكامِ الصَّلاةِ؛ لمَزيَّةِ الفقهِ.
(ثُمَّ) إن استوَوا في القراءةِ والفقهِ: فالأَولى (الأَسَنُّ) أي: الأكبرُ سنًّا (^١)؛ لحديثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ مرفوعًا: «إذا حَضَرَت الصَّلاةُ؛ فَلْيُؤذِّنْ لكُم أَحدُكم، ولْيَؤُمَّكمْ أَكبرُكم» متَّفق عليه (^٢)، ولأنَّه أقربُ إلى الخُشوع وإجابةِ الدُّعاءِ.
(ثُمَّ) إن استووا (^٣) في السِّنِّ أيضًا: يُقدَّم (الأَشْرَفُ)، وهو القرشيُّ؛ إلحاقًا للإمامةِ الصُّغرى بالكُبرى، ولقولِه ﵊: «الأئمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ» (^٤).
فتُقدَّم بَنو هاشمٍ، ثمَّ باقي قريشٍ، ثمَّ الأقدمُ هجرةً بنفسِه (^٥)، ثمَّ الأسبقُ إسلامًا.
(ثُمَّ الأَتْقَى)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
(ثُمَّ) إن استوَوا فيما تَقدَّم: قُدِّم عندَ التَّشاحِّ (مَنْ قَرَعَ)، بفتح القاف والراء (^٦)، أي: غَلَب في القُرعة؛ بأن خرجَت له، فيُقدَّم (^٧)؛ قياسًا على الأذانِ.
(وَصَاحِبُ البَيْتِ) الصَّالحُ للإمامةِ ولو عبدًا؛ أحقُّ بالإمامة ممَّن حضرَه
_________________
(١) قوله: (سنًّا) سقط من (أ) و(س).
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤).
(٣) هكذا في (ب)، وفي باقي النسخ: مع الاستواء.
(٤) أخرجه أحمد (١٢٣٠٧)، والنسائي في الكبرى (٥٩٠٩)، من حديث أنس ﵁، وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد (١٩٧٧٧)، من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁، وقال ابن حجر: (إسناده حسن). وأخرج البخاري (٣٥٠١)، ومسلم (١٨٢٠)، من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان». ينظر: التلخيص الحبير ٤/ ١١٦، الإرواء ٢/ ٢٩٨.
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (هجرة) أي: إلى بلاد الإسلام. انتهى، وخرج ب (بنفسه) من هاجر أبوه مثلًا سابقًا. انتهى تقرير المؤلف.
(٦) قوله: (بفتح القاف والراء) سقط من (أ) و(س).
(٧) قوله: (أي: غلب في القرعة بأن خرجت له فيُقدَّم) مكانه في (أ) و(س): أي: خرجت له القرعة.
[ ٤٠٠ ]
في بيتِه؛ لقولِه ﷺ: «لا يُؤَمَّنَّ الرَّجلُ في بيتِه» (^١).
(وَإِمَامُ المَسْجِدِ) الراتبُ الصَّالحُ للإمامةِ ولو عبدًا؛ (أَحَقُّ) بالإمامة فيه، ولو حضَر أفقهُ أو أقرأُ منه (^٢)؛ كصاحب البيتِ، لأنَّ (^٣) ابنَ عمرَ ﵄ أَتى أرضًا له، وعندها مسجدٌ يُصلِّي فيه مَولًى له، فصلَّى ابنُ عمر معهم، فسألوه أن يَؤمَّهم، فأَبى وقال: «صاحبُ المسجدِ أحقُّ» رَواه البيهقيُّ بسندٍ (^٤) جيِّدٍ (^٥)، ولأنَّ التَّقدُّم عليه يُسيء الظَّنَّ به، وينفِّر عنه.
قال في «الفروع»: ويَتَّجه: يُستحبُّ تَقديمُهما (^٦) الأفضلَ منهما.
ومَحلُّ كَونِ صاحبِ البيتِ وإمامِ المسجدِ أحقَّ: حيثُ لم يَحضر ذو سلطانٍ؛ فيُقدَّم؛ لقولِه ﷺ: «ولا في سُلطانِه» (^٧).
وكذا سيِّدُ عبدٍ ببيتِ (^٨) العبدِ؛ لوِلايتِه على صاحبِ البيتِ.
(وَحُرٌّ) أَولى بالإمامةِ مِنْ عبدٍ ومبعَّضٍ؛ لأنَّه أكملُ وأشرفُ (^٩).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٧٣)، بلفظ: «ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه»، وأخرجه أبو داود (٥٨٢) بلفظ المصنف.
(٢) قوله: (منه) سقط من (أ) و(س).
(٣) في (أ) و(س): ولأنَّ.
(٤) في (ب): بإسناد.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٣٨٥٠)، والشافعي في الأم (١/ ١٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٥٣٢٥)، قال النووي في المجموع ٤/ ٢٨٤: بإسناد حسن أو صحيح.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (تقديمهما) مصدر مضاف إلى فاعله، وضميره يعود إلى صاحب البيت وإمام المسجد، ومفعوله الأفضل. انتهى تقرير.
(٧) أخرجه مسلم (٦٧٣).
(٨) في (ب): بيت.
(٩) كتب على هامش (ع): قوله: (وحر …) إلخ؛ أي: إذا كان صالحًا للإمامة، ولو لم يكن مساويًا للعبد؛ كصاحب البيت وإمام المسجد، فيقدم كل منهم حيث صلح للإمامة على الأقرأ الأفقه، نعم ذكر في الفروع عن ابن عقيل اعتبار التساوي في إمام المسجد وصاحب البيت، يعني: أنه إنما يقدمان على غيرهما بشرط: أن لا يكون الغير أقرأ منهما مثلًا وذكر فيه أيضًا في جانب العبد رواية باعتبار بالتساوي، والحاصل أن المعتمد: عدم اعتبار التساوي في الجميع، واعتباره مرجوح، والله تعالى أعلم، كاتبه، انتهى.
[ ٤٠١ ]
ولا تُكرَه إمامةُ عبدٍ في غيرِ جمعةٍ وعيدٍ (^١).
(وَمُقِيمٌ) أَولى مِنْ مسافرٍ سفرَ قصرٍ (^٢)؛ لأنَّه ربَّما قصَر، ففاتَ المأمومِين بعضُ الصَّلاةِ جماعةً.
ولا تُكرَه إمامةُ مسافرٍ بمقيمٍ إن قصَر، فإن أَتمَّ؛ كُرِهت.
(وَبَصِيرٌ) أَولى مِنْ أَعمى؛ لأنَّه أقدرُ على تَوقِّي النَّجاسةِ، واستقبالِ القِبلةِ.
وذلك معنى قولِه: (أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ) المتقدِّمِ بيانُه.
(وَلَا تَصِحُّ) الصَّلاةُ (خَلْفَ) إمامٍ (فَاسِقٍ (^٣» باعتقادٍ، أو قولٍ، أو فعلٍ محرَّمٍ، سواءٌ أَعلن فِسقَه، أو أَخفاه؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾، وحديثِ ابنِ ماجَه عن جابرٍ مرفوعًا: «لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رَجلًا، ولا أَعرابيٌّ (^٤)
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (في غير جمعة وعيد) أما فيهما؛ فلا تصحُّ كما يأتي. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): قوله: (ولا تكره إمامة عبد في غير جمعة وعيد) مفهومه: أنَّ إمامة العبد في الجمعة والعيد مكروهة مع الصِّحَّة، وليس كذلك، بل لا تصحُّ إمامة العبد فيهما أصلًا، كما هو مقرَّر. ا هـ. لكاتبه. وكتب على هامش (ع): قوله: (في غير جمعة وعيد) أما فيهما فلا تصح إمامته؛ لأن شرط الإمام فيهما: كونه ممن يحسب من العدد. انتهى. [العلامة السفاريني].
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (ومقيم أولى …) إلخ؛ ظاهر إطلاقهم أن الثلاثة أولى من ضدهم، ولو كان مع عدم التساوي حيث كانوا صالحين للإمامة، كما صرحوا به في جانب الحر مع العبد، والله تعالى أعلم.
(٣) كتب على هامش (ع): ظاهر كلامهم: لا فرق في الفاسق بين الحنبلي وغيره، لكن مشايخنا يقولون خاص بالحنبلي. [العلامة السفاريني]. وكتب على هامش (ع): فلا تصح الفريضة خلف المميز الشافعي، فما الفرق بين الفاسق والمميز؟! محمد.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (أعرابي) بفتح الهمزة. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٤٠٢ ]
مهاجرًا، ولا فاجرٌ مؤمِنًا، إلّا أن يَقهَره بسلطانٍ يَخاف سَوطَه وسَيفَه» (^١).
وتصحُّ خلفَ نائبِه العدلِ.
ولا يَؤمُّ فاسقٌ فاسقًا.
ويُعيد مَنْ صلَّى خلفَ فاسقٍ مطلقًا (^٢)، إلّا في جمعةٍ وعيدٍ تَعذَّرَا خلفَ غيرِه (^٣)، وإن خافَ أذىً؛ صلَّى خلفَه وأعاد.
قال في «المنتهى» وغيره: (وتصحُّ خلفَ من خالَف في فرعٍ لم يَفسُق به) (^٤)، ومفهومُه: لا تصحُّ إذا فَسَق به، مع كون مذهبِ الإمامِ مخالفًا لمذهبِ المأموم، وربَّما يدخل في عموم قولهم: (لا تصحُّ إمامة فاسق مطلقًا) انتهى. فلا بدَّ من التَّقليدِ عند فِسقِ الإمام، وأما الرجوعُ إلى عقيدةِ الإمامِ ففي أركانِ الصلاةِ وشروطِها، لا في شروطِ الإمامةِ، على ما يدلُّ عليه مواضعُ مِنْ كلامِهم (^٥).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (إلَّا أن يقهره بسلطان …) إلخ، أي: فإن صلَّى خلفه أعاد صلاته، وإن وافقه في الصلاة ولم يأتم به صحَّت، ولا إعادة عليه. ا هـ. ش ق. والحديث أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٥٤)، وهو حديث ضعيف، في سنده الوليد بن بكير، قال الدارقطني: (متروك)، وفيه أيضًا: عبد الله بن محمد العدوي، قال البخاري وأبو حاتم: (منكر الحديث). ينظر: فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٥، الإرواء ٣/ ٥٠.
(٢) كتب على هامش (س): أي سواء أَعَلِم فسقه في الصلاة أو بعدها. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): قوله: (مطلقًا) سواء علم بفسقه قبل الصلاة أو بعدها، وسواء كان فسقه في الصلاة أو قبلها، والله أعلم. ا هـ.
(٣) كتب تحتها في (ب): أي ولا إعادة.
(٤) ينظر: الإقناع ١/ ١٦٨، المنتهى مع حاشية عثمان ١/ ٣٠٣.
(٥) قوله: (قال في «المنتهى» وغيره: وتصحُّ خلف من خالف) إلى هنا سقط من (أ) و(س). كتب على هامش (ع): فائدة: من صلى بأجرة لم يصلَّ خلفه، قاله ابن تميم، وإن أعطي بلا شرط؛ فلا بأس. ش منتهى. وكتب على هامش (ع): قال ابن تيمية: من أوجب تقليد إمام بعينه يستتاب، فإنه تاب وإلا قتل، ومن كان متبعًا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى؛ فقد أحسن، ولم يقدح في عدالته بلا نزاع. مرعي.
[ ٤٠٣ ]
(وَلَا) تصحُّ إمامةُ (امْرَأَةٍ) لرَجلٍ؛ لحديثِ ابنِ ماجَه السَّابقِ (^١).
وكذا لا تصحُّ إمامةُ امرأةٍ لخنثى؛ لاحتمالِ كونِه رجلًا (^٢).
(وَ) لا تصحُّ إمامةُ (خُنْثَى لِرَجُلٍ) أو خُنثى؛ لاحتمالِ أن يَكون الإمامُ امرأةً والمأمومُ رَجلًا، يقينًا أو احتمالًا (^٣).
(وَلَا) تصحُّ إمامةُ (صَبِيٍّ)، وهو مَنْ لم يَبلغ، (لِبَالِغٍ) في فرضٍ؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: «لا يَؤمُّ الغلامُ حتى تَجِب عليه الحدودُ» (^٤).
(وَلَا) تصحُّ صلاةٌ خلفَ (أَخْرَسَ)، ولو مِنْ أخرسَ؛ لأنَّه لم يأتِ بفرضِ القراءةِ ولا بَدلِه (^٥).
(وَلَا) تصحُّ خلفَ (عَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ)؛ كركوعٍ أو سجودٍ أو غيرِهما، (أَوْ) عاجزٍ عن (شَرْطٍ)؛ كاستقبالِ القِبلةِ، (إِلَّا بِمِثْلِهِ) في العجزِ عن ذلك الرُّكنِ أو الشَّرطِ.
_________________
(١) قوله: (لحديث ابن ماجه السابق) هو في (أ) و(س): لما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعًا: «لا تؤُمَّنَّ امرأة رجلًا».
(٢) قوله: (وكذا لا تصح إمامة امرأة لخنثى؛ لاحتمال كونه رجلًا) سقط من (أ) و(س).
(٣) كتب على هامش (ع): قوله (يقينًا أو احتمالًا) باعتبار الصورتين؛ أي: إذا كان المأموم رجلًا أو خنثى. [العلامة السفاريني].
(٤) أخرجه الأثرم كما في تعليقة القاضي أبي يعلى (٢/ ٣٤٠)، عن أبي هاشم الرُّمَّاني، عن ابن مسعود ﵁، ولم نقف على من خرَّجه، قال ابن رجب في الفتح ٦/ ١٧٣: (وخرَّجه الأثرم أيضًا بإسناد منقطع).
(٥) في (ب): ولا بدل له، وفي (د): ولا ببدله. وكتب على هامش (س): أي بدل فرض القراءة. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٤٠٤ ]
وكذا عاجزٌ عن قيامٍ؛ لا تصحُّ إمامتُه في الفرضِ إلّا بمِثلِه، (سِوَى إِمَامِ الحَيِّ) أي: الإمامِ (^١) الراتبِ بمسجدٍ، إذا عجَز عن القيامِ لمرضٍ، بشرطٍ أشارَ إليه بقولِه (^٢): (المَرْجُوِّ)، بصيغةِ اسمِ المفعولِ، الَّذي يُرجى (^٣) (زَوَالُ مَرَضِهِ)؛ فتصحُّ خلفَه.
(وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا نَدْبًا)، ولو مع قُدرتِهم على القيام؛ لحديثِ عائشةَ ﵂: صلَّى النبيُّ ﷺ في بيتِه وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا، وصلَّى وَراءَه قومٌ قيامًا، فأشارَ إليهم أنِ اجلِسُوا، فلمَّا انصرفَ قال: «إنَّما جُعل الإمامُ ليُؤتمَّ به» إلى أن قال: «فإذا صلَّى جالسًا فصَلُّوا جلوسًا أَجمعينَ» متَّفق عليه (^٤)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (هذا مِنْ طُرقٍ متواترةٍ) (^٥).
وتصحُّ خلفَه قيامًا؛ لأنَّه الأصلُ.
(وَإِنِ ابْتَدَأَ) الإمامُ (بِهِمْ) أي: بالمأمومِين الصَّلاةَ (^٦)، حالةَ كَونِه (قَائِمًا، وَعَجَزَ) عن القيام في أثنائِها، (فَجَلَسَ) الإمامُ؛ (أَتَمُّوا) أي: المأمومُون (خَلْفَهُ قِيَامًا) وجوبًا؛ «لأنَّه ﷺ صلَّى في مرضِ موتِه قاعدًا، وصلَّى أبو بكرٍ والنَّاسُ خلفَه قيامًا» متَّفق عليه (^٧) مِنْ حديثِ عائشةَ (^٨)، وكان أبو بكرٍ ابتدأَ بهم الصَّلاةَ قائمًا، كما أجابَ به الإمامُ أحمدُ (^٩)، فوجَب أن يُتِمُّوها كذلك.
_________________
(١) في (د): لإمام.
(٢) قوله: (بشرط أشار إليه بقوله) سقط من (أ) و(س).
(٣) قوله: (بصيغة اسم المفعول، الذي يرجى) سقط من (أ) و(س).
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢).
(٥) ينظر: التمهيد ٦/ ١٣٨.
(٦) كتب على هامش (ع): لعله الإمام الراتب، لكن ما حُكم غيره؟ ظاهره: مثله، كما يؤخذ من كلام الحلواني. انتهى. [العلامة السفاريني].
(٧) قوله: (عليه) سقط من (ب).
(٨) أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨).
(٩) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦٥، مسائل صالح ٣/ ٢٣٩.
[ ٤٠٥ ]
(وَلَا) تصحُّ الصَّلاةُ (خَلْفَ مُحْدِثٍ)، حدثًا أكبرَ أو أصغرَ، يَعلمُ ذلك، (أَوْ) أي: ولا تصحُّ خلفَ (نَجِسٍ) أي: مَنْ ببَدنِه أو ثوبِه أو بُقعتِه نجاسةٌ غيرُ معفوٍّ عنها، (يَعْلَمُ ذَلِكَ) أي: حَدثَه أو نَجسَه؛ لأنَّه أخلَّ بشرطِ الصَّلاةِ مع القدرةِ، أَشبه المتلاعبَ.
(فَإِنْ جَهِلَ) إمامٌ حَدثَه أو نَجسَه، (مَعَ) جَهلِ (مَأْمُومٍ) بذلك (حَتَّى انْقَضَتِ) الصَّلاةُ؛ (صَحَّتِ) الصَّلاةُ (لِمَأْمُومٍ) وحدَه (^١)؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ: «إذا صلَّى الجُنُبُ بالقومِ أعادَ صلاتَه، وتَمَّت للقوم صلاتُهم» رَواه محمدُ ابنُ الحسينِ الحَرَّانيُّ (^٢).
وإنَّما تصحُّ صلاةُ المأمومِ إنْ كان قَرَأ (^٣) الفاتحةَ؛ لأنَّ الإمامَ إنَّما يَتحمَّلُها عنه مع صحَّة إمامتِه، كما ذَكَره ابنُ قُندُسٍ (^٤).
وعُلِم منه: أنَّه إن عَلِم الإمامُ أو بعضُ المأمومِين، قبلَ الصَّلاةِ، أو فيها؛ أعاد الكلُّ.
وظاهرُه: ولو نَسِي بعدَ عِلمِه؛ فيُعيدون.
إلّا إن كانوا (^٥) بجمعةٍ أو عيدٍ وهم بإمامٍ أو بمأمومٍ
_________________
(١) كتب على هامش (ع): فلو جهل بعض المأمومين دون بعض فما الحكم؟ أو قال: إني صليت عالمًا حدث نفسي؟ لعله لا يقبل قوله في الحدث؛ لأنه بذلك يصير فاسقًا من حيث عدم قبول قوله. مرعي.
(٢) أخرجه الدارقطني (١٣٦٦)، والبيهقي (٤٠٧٦)، من حديث البراء بن عازب ﵁، وفيه جويبر ابن سعيد الأزدي وهو ضعيف جدًّا، قال البيهقي: (وهذا غير قوي)، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢١٣)، من حديث عليٍّ ﵁، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف. ينظر: البدر المنير ٤/ ٤٤١، الضعيفة (٢٣٧٦).
(٣) في (د): إن قرأ.
(٤) قوله: (وإنما تصح صلاة المأموم إن كان قرأ) إلى هنا سقط من (أ) و(س).
(٥) كتب على هامش (س): قوله: (إلا إن كانوا …) إلخ، مستثنى من قول المتن: (فإن جهل …) إلخ. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٤٠٦ ]
كذلك (^١) أربعونَ؛ فيُعيد الكلُّ (^٢).
(وَلَا) تصحُّ (إِمَامَةُ) أُمِّيٍّ إلَّا بمثلِه (^٣)، وهو (مَنْ لَا يُحْسِنُ) أي: يَحفظُ (الفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ) فيها (مَا) أي: حرفًا (لَا يُدْغَمُ)؛ كإدغامِ هاءِ «لله» (^٤) في راءِ «ربِّ»، وهو الأرتُّ (^٥)، بالمثنَّاةِ الفوقيةِ، قال في «المصباحِ» (^٦): الرُّتة بالضم، حُبسةٌ في اللِّسان (^٧).
(أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا) منها (ب) حرفٍ (آخَرَ) لا يُبدَل به، وهو الأَلثغُ؛ لحديثِ: «لِيَؤُمَّكُم أَقرَؤُكم» رَواه البخاريُّ وأبو داودَ (^٨)، (غَيْرَ ضَادِ «المَغْضُوبِ»، وَ) ضادِ («الضَّالِّينَ»)، إذا أبدلَها (بظاءٍ) عجزًا (^٩)، فلا يَصير به أُمِّيًّا، فتصحُّ إمامتُه ولو بغيرِ مِثلِه (^١٠)، سواءٌ عَلِم الفرقَ بينَهما لفظًا ومعنًى أو لا (^١١).
(أَوْ يَلْحَنُ)، عطفٌ على «لا يُحسن (^١٢)»، أي: ولا تصحُّ إمامةُ مَنْ يَلحن،
_________________
(١) كتب على هامش (ع): أي محدث أو نجس. [العلامة السفاريني].
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (وهم بإمام أو بمأموم كذلك) أي: محدث أو نجس؛ (فيعيد الكل)، أي: الإمام والمأمومون؛ لأنَّ المحدث أو النجس وجوده كعدمه، فينقص العدد المعتبر للجمعة والعيد. ا هـ. «شرح منتهى».
(٣) قوله: (إلا بمثله) سقط من (أ) و(س).
(٤) في (د) و(ك): الله.
(٥) في (أ) و(س): الأرثُّ.
(٦) ينظر: المصباح المنير ١/ ٢١٨.
(٧) قوله: (بالمثنَّاةِ الفوقيةِ) إلى هنا سقط من (أ) و(س).
(٨) أخرجه البخاري (٤٣٠٢)، وأبو داود (٥٨٥)، واللفظ له، من حديث عمرو بن سلمة ﵁.
(٩) قوله: (إذا أبدلها بظاء عجزًا) هي في (أ) و(س): بظاء.
(١٠) قوله: (فتصح إمامته ولو بغير مثله) سقط من (أ) و(س).
(١١) كتب على هامش (س): قوله: (سواء علم …) إلخ، أي: بشرط ألَّا يقدر على عدم التغيير. انتهى تقرير المؤلف.
(١٢) في (ب): من لا يحسن.
[ ٤٠٧ ]
(فِيهَا) أي: في الفاتحة، (لَحْنًا يُحِيلُ) أي: يُغيِّر (المَعْنَى)؛ كفتحِ همزةِ «اهدِنا»، وكسرِ كافِ «إيَّاكَ»، وضمِّ تاءِ «أَنعمتَ»؛ لأنَّه عاجزٌ عن فرضِ القراءةِ.
فلا تصحُّ إمامتُه (إِلَّا بِمِثْلِهِ) في ذلك العَجزِ، فلا يصحُّ اقتداءُ عاجزٍ عن نصفِ الفاتحةِ الأوَّلِ، بعاجزٍ عن نصفِها الأخيرِ، أو عكسُه (^١).
(فَإِنْ (^٢» تَعمَّد غيرُ الأُمِّيِّ إدغامَ ما لا يُدغَم، أو إبدالَ ما لا يُبْدَلُ، أو اللَّحنَ المُحيلَ للمعنى، أو (قَدَرَ) الأُمِّيُّ (عَلَى إِصْلَاحِهِ) فتَركه؛ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)؛ لأنَّه أَخرجه بذلك عن كَونِه قرآنًا، فهو كسائرِ الكلامِ. قال في «الفروع»: ويَكفر إن اعتَقَد إباحتَه (^٣).
(وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ لَحَّانٍ)، بتشديدِ الحاءِ المهمَلةِ، أي: كثيرِ لحنٍ لم يُحِل معنى؛ كجرِّ دالِ «الحمدُ»، وضمِّ هاءِ «لله» (^٤)، سواءٌ كان المؤتمُّ مِثلَه أو لا؛ لأنَّ مَدلولَ اللفظِ باقٍ.
فإن لم يَكُنْ كثيرَ اللَّحنِ؛ لم تُكرَه إمامتُه (^٥).
(وَتُكْرَهُ) إمامةُ (فَأْفَاءٍ)، بالمدِّ: الَّذي يُكرِّر الفاءَ، (وَنَحْوِهِ)؛ كتَمتامٍ يُكرِّر التاءَ.
(وَ) تُكرَه إمامةُ (مَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الحُرُوفِ)؛ كالقافِ والضادِ.
(وَ) تُكرَه إمامةُ (أَقْطَعِ يَدَيْنِ، أَوْ) أقطعِ (رِجْلَيْنِ، أَوْ) أقطعِ (إِحْدَاهُمَا)
_________________
(١) قوله: (أو عكسه) هو في (أ) و(س): ولا عكس.
(٢) في (د) و(ك): وإن.
(٣) ينظر: الفروع ٢/ ٢٨٩.
(٤) في (أ) و(س) و(ك) و(د): الله.
(٥) قوله: (لم تُكرَه إمامتُه) هو في (أ) و(س): لم يكره.
[ ٤٠٨ ]
أي: أقطعِ يدٍ أو رِجلٍ إذا أَمكَنه القيامُ، وإلّا فبِمثلِه، (أَوْ) أقطعِ (أَنْفٍ)؛ للاختلافِ في صحَّةِ إمامةِ مَنْ ذُكِر.
(وَ) كُرِه (أَنْ يَؤُمَّ) رَجلٌ امرأةً (أَجْنَبِيَّةً) منه (فَأَكْثَرَ) مِنْ امرأةٍ (لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ)؛ «لأنَّه ﵇ نهَى عن خلوةِ الرَّجلِ بالأجنبيَّةِ» (^١)، ولِما فيه مِنْ مخالطةِ الوَسواسِ، لكنْ إن كانت إمامتُه للأجنبيَّةِ على وجهِ الخلوةِ (^٢)؛ حَرُم.
وإن أَمَّ مَحارمَه، أو أجنبيَّاتٍ معهنَّ رَجلٌ أو مَحْرَمُه؛ فلا كراهةَ.
(أَوْ) أي: وكُرِه أن يَؤمَّ (قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ بِحَقٍّ)؛ كما لو كَرِهوهُ (^٣) لخللٍ في دِينِه أو فضلِه؛ لحديثِ أَبي أُمامةَ مرفوعًا: «ثلاثةٌ لا تُجاوِز صَلاتُهم آذانَهم: العبدُ الآبِقُ حتَّى يَرجعَ، وامرأةٌ باتَت وزوجُها عليها ساخطٌ، وإمامُ قومٍ وهُم له كارهون» رَواه التِّرمذيُّ (^٤).
فإن كَرِهوه بغيرِ حقٍّ؛ لم يُكرَه أن يَؤمَّهم.
(وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يَقْضِي صَلَاةً بِمُؤَدِّيهَا)؛ كأنْ يُصلِّيَ شخصٌ الظُّهرَ مَثلًا قضاءً خلفَ إمامٍ يُصلِّيها أداءً.
(وَ) يصحُّ (^٥) (عَكْسُهُ)، وهو ائتمامُ مؤدِّي صلاةٍ بقاضِيها؛ كأنْ يُصلِّيَ الظُّهرَ
_________________
(١) قوله: (بالأجنبية) سقط من (أ) و(س). والحديث أخرجه البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) قوله: (إن كانت إمامته للأجنبية على وجه الخلوة) هي في (أ) و(س): إن كان مع خلوةٍ.
(٣) قوله: (كما لو كرهوه) هي في (أ) و(س): أي.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٦٠)، والطبراني في الكبير (٨٠٩٠)، قال الترمذي: (حديث حسن غريب من هذا الوجه)، وفي سنده أبو غالب البصري، قال ابن حجر: (صدوق يخطئ)، وقال البيهقي عن الحديث: (ليس بالقوي)، ورجح النووي تحسينه، وقال أحمد شاكر في حاشيته على الترمذي: (بل هو حديث صحيح). ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٥٣٤٢)، الخلاصة ٢/ ٧٠٤، صحيح أبي داود ٣/ ١٤٥، الصحيحة (٦٥٠، ٢٣٢٥).
(٥) في (ب): وتصحُّ.
[ ٤٠٩ ]
أداءً خلفَ إمامٍ (^١) يُصلِّيها قضاءً؛ لأنَّ الصَّلاةَ واحدةٌ، وإنَّما اختَلَف الوقتُ.
و(لَا) يصحُّ ائتمامُ (مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ)؛ كما لو صلَّى الظُّهرَ خلفَ مَنْ تَطوَّع بأربعِ ركعاتٍ؛ لقولِه ﷺ: «فلا تَختلِفُوا عليه» (^٢)، وكَونُ صلاةِ المأمومِ غيرَ صلاةِ الإمامِ اختلافٌ عليه؛ لأنَّ صلاةَ المأمومِ لا تُؤدَّى (^٣) بنيَّةِ صلاةِ الإمامِ، لكن تصحُّ العيدُ خلفَ مَنْ يَقول: إنَّها سُنَّةٌ، وإن اعتَقَد المأمومُ أنَّها فرضُ كفايةٍ؛ لعدمِ الاختلافِ عليه فيما يَظهر، قاله المصنِّفُ (^٤).
ويستثنى من ذلك (^٥): إذا صلَّى بهم في خوفٍ صلاتَين، فيصحُّ ائتمامُ المفترِضِ بالمتنفِّلِ في هذه الصُّورِ (^٦).
وكذا يصحُّ ائتمامُ متنفِّلٍ بمفترضٍ (^٧).
(وَلَا) يصحُّ ائتمامُ مُصلٍّ نحوَ (ظُهْرٍ خَلْفَ) إمامٍ يُصلِّي (نَحْوَ عَصْرٍ)؛ لاختلافِ اسمِ (^٨) الصَّلاتَين.
(فصل)