فإن لم يَكُنْ عذرٌ؛ لم تصحَّ؛ لأنَّ الرُّخصةَ ورَدَت في المعذورِ، فلا يُلحَق به غيرُه.
وقدَّم في «الكافي» (^١): تصحُّ (^٢).
(فصل)
في الاقتداء
(يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَأْمُومٍ بِإِمَامٍ) وهُما (فِي مَسْجِدٍ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ رأى المأمومُ إمامَه أو مَنْ وراءَه أو لا، أو كان بينَهما حائلٌ أو لا (^٣)، (إِنْ سَمِعَ) المأمومُ (^٤) (التَّكْبِيرَ)؛ لأنَّه بسماعِ التَّكبيرِ (^٥) يَتمكَّن مِنْ متابعتِه، والمسجدُ مُعَدٌّ للاجتماع.
(وَكَذَا) يصحُّ اقتداءُ مأمومٍ (خَارِجَهُ) أي: المسجدِ الذي به الإمامُ (^٦)؛ (إِنْ رَأَى) المأمومُ (الإِمَامَ (^٧)، أَوْ) رأى (مَنْ وَرَاءَهُ) مِنْ المأمومِين، ولو في بعضِها (^٨)،
_________________
(١) ينظر: الكافي ١/ ٣٠٠.
(٢) كتب على هامش (س): (قوله: وقدم …) إلخ، ضعيف، والصَّحيح الأوَّل. انتهى تقرير المؤلف.
(٣) قوله: (أو لا) سقط من (أ) و(س).
(٤) في (أ) و(س): مأموم.
(٥) قوله: (بسماع التَّكبير) سقط من (أ) و(س).
(٦) كتب على هامش (ع): أو كان المأموم بمسجد والإمام بمسجد آخر، أو كان الإمام خارج المسجد والمأموم بالمسجد. [العلامة السفاريني].
(٧) كتب على هامش (ع): قوله: (إن رأى …) إلخ، الإمام، قلت: والظاهر أن المراد إمكان الرؤية لولا المانع إن كان، فلو كان بالمأموم عمى أو كان في ظلمة، وكان بحيث [يَرى] لولا ذلك [صح] اقتداؤه بحيث أمكنت المتابعة، ولو بسماع التكبير، وكذا إن كان المأموم وحده بالمسجد، أو كان كل منهما بمسجد غير الذي به الآخر، فلا يصح اقتداء إن لم يَرَ المأموم الإمام إذن أو بعض من وراءه. ش ع.
(٨) كتب على هامش (ع): قوله: (أو رأى من وراءه …) إلخ: صادق بما إذا اقتدى بمن اقتدى بمن وراء الإمام، فلا يشترط لصحة الاقتداء كون من وراء الإمام يرى الإمام، بل لو رأى من وراء الإمام مثلًا صحت صلاة من اقتدى به أيضًا؛ لأن مناط الحكم: إمكان الاقتداء بالرؤية، فحيث أمكن برؤية الإمام أو رؤية من وراءه، أو رؤية من رأى من رآه، وهكذا؛ صحت، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٤١٧ ]
أو مِنْ شُبَّاكٍ (^١)، حيثُ أَمكَنَتْه (^٢) المتابعةُ، ولو كان بينَهما أكثرُ مِنْ ثلاثِمائةِ ذراعٍ، ولا يُكتَفَى إذَنْ بسماعِ التَّكبيرِ.
(وَيُكْرَهُ عُلُوُّ إِمَامٍ) أي: ارتفاعُه (^٣) (عَنْهُ) أي: عن مأمومٍ ارتفاعًا كثيرًا، بأنْ يكونَ (^٤) (ذِرَاعًا فَأَكْثَرَ)؛ لحديثِ أَبي داودَ عن حذيفةَ مرفوعًا: «إذا أَمَّ الرَّجلُ القومَ؛ فلا يَقُومَنَّ (^٥) في مكانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكانِهم» (^٦).
فإن كان مع الإمامِ أَحدٌ مُساوٍ له أو أعلى منه؛ زالَت الكراهةُ، نقَله ابنُ نصرِ اللهِ (^٧) عن «المُغْني».
فإن كان العلوُّ يسيرًا دونَ ذراعٍ؛ كدرجةِ مِنبَرٍ؛ لم يُكرَه.
ولا بأسَ بالعلوِّ ولو كثيرًا لمأمومٍ (^٨).
_________________
(١) قوله: (شباك) هو في (د): شاك.
(٢) في (أ) و(س): (أمكنه).
(٣) قوله: (إمام أي: ارتفاعه) هو في (أ) و(س): إمامه.
(٤) قوله: (ارتفاعًا كثيرًا بأن يكون) سقط من (أ) و(س).
(٥) في (أ) و(س) و(د): يَؤُمَّنَّ.
(٦) أخرجه أبو داود (٥٩٨)، وفيه راوٍ لم يسم، وله شاهد عند أبي داود (٥٩٧)، صححه الإشبيلي والألباني، وأخرجه الدارقطني (١٨٨٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁، بلفظ: «نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه». ينظر: الأحكام الوسطى ١/ ٣٣٦، صحيح أبي داود ٣/ ١٥١.
(٧) هو محب الدين، أبو الفضل، أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد التستري نسبة إلى تُسْتَر، مدينة في شمال الأهواز البغدادي، أخذ عن جملة من العلماء، منهم: والده جلال الدين، والكرماني شارح البخاري، وابن رجب الحنبلي، وقد ولي التدريس بالمدرسة المستنصرية، من مصنفاته: حاشية على الفروع، حاشية على المحرر للمجد، وغيرها، توفي سنة ٨٤٤ هـ. ينظر: المقصد الأرشد ١/ ٢٠٢.
(٨) كتب على هامش (ع): فائدة: لا بأس بقطع الصف، إلا عن يسار الأبعد بقدر مقام ثلاثة رجال، فتبطل صلاته، قاله ابن حامد، وجزمه به في الرعاية الكبرى.
[ ٤١٨ ]
(وَ) تُكره (صَلَاتُهُ) أي: الإمامِ، (فِي الطَّاقِ) أي: المحرابِ، إن منَع ذلك مشاهَدتَه، رُوي عن ابنِ مسعودٍ وغيرِه (^١)، فيَقِف عن يمينِ المحرابِ نصًّا (^٢) إن لم يَكُنْ حاجةٌ.
فإن لم يَمنع مشاهَدتَه (^٣)؛ لم يُكره.
(وَ) يُكره (تَطَوُّعُهُ) أي: الإمامِ، (مَوْضِعَ) صلاةٍ (مَكْتُوبَةٍ بَعْدَهَا)، نصًّا (^٤)؛ لحديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ مرفوعًا: «لا يُصلِّينَّ الإمامُ في مَقامِه الذي صلَّى فيه المكتوبةَ حتى يَتنحَّى عنه» رَواه أبو داودَ (^٥)، ولأنَّ في تحوُّلِه إعلامًا بأنَّه صلَّى فلا يُنتظر.
وفُهِم مِنْ قولِه: «بَعْدَهَا»: أنَّه لا يُكره تطوُّعُه قبلَ المكتوبةِ في موضعِها (^٦).
(وَ) يُكره لإمامٍ (إِطَالَةُ قُعُودِهِ (^٧) مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بَعْدَهَا) أي: بعدَ المكتوبةِ،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٧٠٠)، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله ﵁: «اتقوا هذه المحاريب»، وهو مرسل صحيح. وأخرج ابن أبي شيبة (٤٦٩٨)، عن عبيد بن أبي الجعد، قال: كان أصحاب محمد يقولون: «إن من أشراط الساعة: أن تتخذ المذابح في المساجد» يعني الطاقات.
(٢) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٣٢٨.
(٣) قوله: (مشاهدته) هو في (ك): (مشاهدة).
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٨٠، مسائل ابن هانئ ١/ ٦١. كتب على هامش (ع): وتركها لمأموم أولى، ولا بأس به لمأموم. [العلامة السفاريني].
(٥) أخرجه أبو داود (٦١٦)، وابن ماجه (١٤٢٨)، وفيه ضعف، وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه أحمد (٩٤٩٦)، والبيهقي في الكبرى (٣٠٤٤)، وضعفه البخاري في الصحيح (٨٤٨). وأخرج ابن أبي شيبة (٦٠٢٧) عن علي قال: «من السنة ألَّا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه»، حسَّن ابن حجر إسناده، وصحح الألباني الحديث بشواهده. ينظر: الفتح ٢/ ٣٣٥، صحيح أبي داود ٣/ ١٧٧.
(٦) قوله: (وفهم من قوله: «بعدها» أنَّه لا يكره تطوعه قبل المكتوبة في موضعها) سقط من (أ) و(س).
(٧) قوله: (قعوده) هو في (ب): (قعود).
[ ٤١٩ ]
أي: عقبَ السَّلامِ (^١) (إِلَّا لِحَاجَةٍ)؛ كأنْ يَكون ثَمَّ نساءٌ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂: «كان النبيُّ ﷺ إذا سلَّم لم يَقعد إلّا مِقدارَ ما يَقول: اللَّهمَّ أنتَ السَّلامُ، ومنكَ السَّلامُ، تبارَكتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ» رَواه مسلمٌ (^٢).
ويُستحبُّ لمأمومٍ ألّا يَنصرف قبلَه إن لم يَطُل لُبثُه.
فإن كان ثَمَّ نساءٌ؛ مكَث هو والرِّجالُ حتى يَنصرف النِّساءُ؛ لِئلَّا يَختلط الرِّجالُ بالنِّساء.
(وَيُكْرَهُ وُقُوفُ مَأْمُومِينَ بَيْنَ سَوَارٍ)، جمعُ ساريةٍ؛ كجاريةٍ وجوارٍ، وهو (^٣) الأُسطوانةُ، قاله في المِصباح (^٤)، (تَقْطَعُ الصُّفُوفَ) عرفًا (^٥)؛ لقولِ أنسٍ: «كنَّا نَتَّقي هذا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ، وإسنادُه ثقاتٌ (^٦)، قال أحمدُ: (لأنَّه يَقطع) (^٧).
فإن كان الصَّفُّ صغيرًا قَدْرَ ما بينَ السَّاريتَين؛ لم يُكره.
ومحلُّ الكراهةِ: إذا كان (^٨) (بِلَا حَاجَةٍ)؛ كضِيقِ مسجدٍ، أو مطرٍ، وإلا لم يُكره (^٩).
_________________
(١) قوله: (أي: عقب السلام) سقط من (أ) و(س).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٢).
(٣) في (د) و(ك) و(ع): وهي.
(٤) ينظر: المصباح ١/ ٢٧٥. وقوله: (جمع: سارية؛ كجارية) إلى هنا سقط من (أ) و(س).
(٥) كتب على هامش (ع): أي يرجع في القاطع للعرف، وقال ابن منجى في «شرحه»: شرط بعض أصحابنا أن يكون عرض السارية ثلاثة أذرع؛ لأن ذلك هو الذي يقطع الصف، ونقله أبو المعالي، قال في الفروع: ويتوجه أكثر من ثلاثة أذرع أو العرف مثل نظائره. ح ع.
(٦) أخرجه أحمد (١٢٣٣٩)، وأبو داود (٦٧٣)، والترمذي (٢٢٩)، وصححه ابن خزيمة والحاكم والذهبي وابن حجر وغيرهم. ينظر: الفتح ١/ ٥٧٨، صحيح أبي داود ٣/ ٢٥١.
(٧) ينظر: مسائل أبي داود ص ٧٠.
(٨) قوله: (ومحل الكراهة إذا كان) سقط من (أ) و(س).
(٩) قوله: (وإلا لم يكره) سقط من (أ) و(س).
[ ٤٢٠ ]
(فصل)