(وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ) لعدمِ الماءِ أو غيرِه؛ كالحَرقِ والجُذامِ والتَّبضيعِ (^١)؛ (يُمِّمَ)؛ كالجُنُبِ إذا تَعذَّر عليه الغُسلُ.
وإن تَعذَّر غَسلُ (^٢) بعضه؛ غُسل ما أَمكَن، ويُمِّم الباقي.
(وَ) يَجب (عَلَى غَاسِلٍ سَتْرُ شَرٍّ) رآه مِنْ الميتِ (^٣)؛ كسوادِ وجهٍ وعيبٍ ببدَنِه (^٤)، لا إِظهَارُ خيرٍ (^٥).
ونَرجو للمحسِنِ، ونخافُ على المُسيءِ، ولا نَشهد إلّا لمَن شَهِد له النبيُّ ﷺ.
ويَحرُم سوءُ الظَّنِّ بمسلمٍ ظاهرِ العدالةِ (^٦)، ويُستحبُّ ظنُّ الخيرِ بالمسلم.
(فصل)
في الكَفَن
(يَجِبُ كَفَنُهُ) أي: الميتِ (فِي مَالِهِ)؛ لقولِه ﷺ في المُحرِمِ: «كَفِّنوه في ثَوبَيه» (^٧)، حالَ كونِ الكفنِ (^٨) (مُقَدَّمًا عَلَى دَيْنٍ) على الميِّتِ (^٩) ولو برَهنٍ،
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (والتبضيع) بالضاد المعجمة، أي: التقطيع. انتهى تقرير.
(٢) قوله: (غسل) سقط من (س).
(٣) كتب على هامش (ع): أي: إلا على مشهور ببدعة مضلة، أو قلة دين، أو فجور، فيستحب ستر خيره، وإظهار شره تنفيرًا عنه كما صرحوا به، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٤) قوله: (كسواد وجه وعيب ببدنه) سقط من (أ) و(س).
(٥) كتب على هامش (ب): بل يستحب إن لم يكن متجاهرًا بالذنوب أو من أهل البدع، فيستحب إظهار شره، وستر خيره؛ ليرتدع نظيره. اه. «إقناع».
(٦) كتب على هامش (ع): وأنه لا حرج بالظن السوء لمن ظاهره السوء. [العلامة السفاريني].
(٧) أخرجه البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٨) قوله: (حال كون الكفن) سقط من (أ) و(س).
(٩) قوله: (على الميت) سقط من (أ) و(س).
[ ٥٠٤ ]
(وَغَيْرِهِ) مِنْ وصيَّةٍ وميراثٍ؛ لأنَّ (^١) المُفلِس يُقدَّم بالكِسوةِ على الدَّين، فكذا الميتُ.
فيَجب لحقِّ اللهِ تَعالى وحقِّ الميتِ: ثوبٌ (^٢) لا يَصِف البَشرةَ، يَستر جميعَه مِنْ ملبوسِ مِثلِه (^٣)، ما لم يُوصِ بدونِه، والجديدُ أفضلُ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) للميتِ مالٌ؛ (فَ) كَفنُه ومُؤْنَةُ تجهيزِه (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ)؛ لأنَّ ذلك يَلزمه حالَ الحياةِ، فكذا بعدَ الموتِ.
(غَيْرَ زَوْجٍ (^٤»، فلا يَلزمه كفنُ زوجتِه ولو غنيًّا؛ لأنَّ الكِسوةَ وجبَتْ عليه بالزَّوجيَّة والتمكُّنِ مِنْ الاستمتاعِ، وقد انقَطَع ذلك بالموت.
(ثُمَّ) إن عُدِم مالُ الميتِ ومَن تَلزمه نفقتُه؛ فكفنُه (مِنْ بَيْتِ المَالِ) إن كان مسلمًا.
(ثُمَّ) إن تَعذَّر بيتُ المالِ؛ فكفنُه (عَلَى غَنِيٍّ) مسلمٍ (عَلِمَ بِهِ) أي: الميتِ، قال الشيخُ تقيُّ الدِّينِ: مَنْ ظنَّ أنَّ غيرَه لا يَقوم به؛ تَعيَّن عليه (^٥).
(وَسُنَّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ مِنْ قُطْنٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كُفِّن رسولُ اللهِ ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّة جُدُدٍ يَمانِيَةٍ (^٦) ليس فيها قميصٌ ولا
_________________
(١) في (أ): لأنَّه.
(٢) كتب في هامش (أ): بدلٌ من (كفن)، أو خبر لمحذوف تقديره: [والواجب] ثوبٌ. إقناع.
(٣) كتب على هامش (ع): أي في الجمع والأعياد. [العلامة السفاريني].
(٤) كتب على هامش (ع): قوله: (غير زوج) أي: إن لم يكن قريبًا للزوجة كابن العم، فإذا كان وارثًا لها بجهة القرابة؛ كانت عليه نفقتها مع إيساره، فيجب عليه تكفينها إذن، والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٥) ينظر: الفروع ٣/ ٣١٥.
(٦) زاد في (أ) و(س): بالتخفيف.
[ ٥٠٥ ]
عمامةٌ، أُدرِج فيها دَرْجًا» متَّفق عليه (^١).
والسَّحوليَّة: نسبةً إلى سَحولَ؛ ك: «رَسول»، بلدةٍ باليمن، تُجلَب منها الثِّيابُ، وتُنسب (^٢) إليها على لفظها، كما في «المصباح» (^٣).
ويُقدَّم بتكفينٍ مَنْ يُقدَّم (^٤) بغسلٍ، ونائبُه كهُو، والأَولى تولِّيه بنفسه.
(تُجَمَّرُ)، بضمِّ التاء المثنَّاةِ فوقُ (^٥)، وفتحِ الميمِ (^٦) المشدَّدةِ، أي: تُبخَّر اللَّفائفُ بعدَ رشِّها بماءِ وردٍ أو غيرِه؛ ليَعلَقَ بها البَخُورُ (^٧).
(وَيُبْسَطُ بَعْضُهَا) أي: اللَّفائفِ (عَلَى بَعْضٍ)، ويَكون أَوسعُها وأَحسنُها أَعلاها، وهي (^٨) ما يَلِي الأرضَ حالَ بَسطِها؛ لأنَّ عادةَ الحيِّ جعلُ الظاهرِ أَفخَر ثيابِه.
(وَ) يُجعل (الحَنُوطُ) وهو أخلاطٌ مِنْ طيبٍ، يُعَدُّ للميتِ خاصَّةً (^٩) (فِيمَا بَيْنَهَا (^١٠» أي: اللفائفِ (^١١)، لا فوقَ العُليا؛ لكراهةِ عمرَ (^١٢)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٤٨٦٩)، والبخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١)، واللفظ لأحمد.
(٢) في (س): ونسب.
(٣) ينظر: المصباح المنير ١/ ٢٦٨.
(٤) في (س): وتقدم بتكفين من تقدم.
(٥) قوله: (فوق) سقط من (ب)، وهو في (د) و(ك) و(ع): الفوقية.
(٦) قوله: (الميم) سقط من (د).
(٧) قوله: (بها البخور) سقط من (أ).
(٨) كذا في (ب)، وفي باقي النسخ: وهو.
(٩) قوله: (خاصة) سقط من (د).
(١٠) في (د) و(ع): بينهما.
(١١) قوله: (أي اللفائف) سقط من (أ) و(س)، وهو في (ك): أي بين اللفائف.
(١٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١١٠٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٨٩٦)، عن عمر ﵁ قال: «لا تحنطوني بمسك»، مداره على حجاج بن أرطاة وهو ضعيف.
[ ٥٠٦ ]
وابنِه (^١) وأَبي هريرةَ ﵃ (^٢).
(وَيُوضَعُ) الميتُ (عَلَيْهَا) أي: اللفائفِ حالَ كَونِه (مُسْتَلْقِيًا)؛ لأنَّه أَمكنُ لإدراجه فيها.
(وَيُجْعَلُ قُطْنٌ مُحَنَّطٌ)، بتشديد النُّونِ المفتوحةِ (^٣)، أي: فيه حنوطٌ (بَيْنَ أَلْيَتَيهِ) أي: الميتِ، (وَيُشَدُّ) أي: يُربطُ (^٤) (عَلَيْهِ) أي: القطنِ (بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفِ) كالتُّبَّانِ، وهو سراويلُ بلا أكمامٍ، (تَجْمَعُ) الخِرقةُ (أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتَهُ) أي: الميتِ؛ لرَدِّ الخارجِ، وإخفاءِ ما ظهَر مِنْ الرَّوائحِ.
(وَ) يُجعل الباقي مِنْ القطنِ المحنَّطِ (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ)؛ عَينَيه، ومَنخِرَيه (^٥)، وأُذنَيه، وفمِه؛ لِما في ذلك مِنْ منعِ دخولِ الهوامِّ.
(وَ) على (مَوَاضِعِ سُجُودِهِ)؛ رُكبتَيه، ويدَيه، وجَبهتِه، وأنفِه، وأطرافِ قدمَيه؛ تشريفًا لها.
وكذا مغابنُه؛ كطيِّ رُكبتَيه، وتحتَ إبطيَه، وسرَّتِه؛ «لأنَّ ابنَ عمرَ كان يَتتبَّع (^٦) مَغابنَ الميتِ ومَرافِقَه بالمِسكِ» (^٧).
وإن طُيِّب كلُّه فحسنٌ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١١١٥٨)، عن ابن عمر: «أنه كره الحنوط على النعش»، وفيه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف.
(٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣٢٠٩)، عن قيس بن رافع: «أن أبا هريرة أوصى أهله حين توفي: أن لا يظهروا عليه الطيب، ولا يجعلوه في قطيفة حمراء»، ولا بأس بإسناده.
(٣) قوله: (بتشديد النون المفتوحة) سقط من (أ) و(س).
(٤) قوله: (أي يربط) سقط من (أ).
(٥) في (س): ومنخره.
(٦) في (ب): يتبع.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٦١٤١)، وابن المنذر (٢٩٩٤)، وإسناده صحيح.
[ ٥٠٧ ]
(وَيُلَفُّ) الميتُ بعدَ ذلك (فِيهَا) أي: اللَّفائفِ، فيُردُّ طَرفُ (^١) اللِّفافةِ العُليا وهي التي تَلِي جسدَ الميتِ مِنْ الجانب الأيسرِ على شِقِّه الأيمنِ، ثمَّ يُردُّ طرفُها الأيمنُ على الأيسر، ثمَّ الثانيةُ ثمَّ الثالثةُ كذلك.
(وَيُجْعَلُ أَكْثَرُ فَاضِلِ كَفَنٍ) مِنْ لِفافةٍ فأكثرَ (عِنْدَ رَأْسِهِ)؛ لشرفِه، ويُعيد الفاضلَ على وجهِه ورجلَيه بعدَ جَمعِه؛ ليصيرَ الكفنُ كالكيس فلا يَنتشر، ثمَّ يَعقد اللَّفائفَ، وتُحَلُّ في القبر.
(وَإِنْ كُفِّنَ) رجلٌ (فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ؛ جَازَ) أي: لم يُكره؛ «لأنَّه ﵊ أَلبَس عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ قميصَه لمَّا ماتَ» رَواه البخاريُّ (^٢)، وعن عمرِو بنِ العاصِ: «أنَّ الميتَ يُؤزَّر ويُقمَّص، ويُلَفُّ بالثالثة (^٣)» (^٤).
والسُّنَّةُ إذَنْ: أن يُجعل المِئزَرُ ممَّا يَلِي جسدَه، ثمَّ يُلبَس القميصَ، ثمَّ يُلَفُّ، كما يَفعل الحيُّ، وأن يَكون القميصُ بكُمَّين ودَخَارِيصَ (^٥)؛ كقميصِ الحيِّ.
ولا يُحَلُّ الإزارُ في القبر.
ولا يُكره تكفينُ رَجلٍ في ثَوبَين؛ لِما تَقدَّم في المُحرِمِ مِنْ قولِه ﷺ: «وكفِّنوه في ثَوبَيه» (^٦).
(وَيُكْرَهُ) تكفينُه في أكثرَ مِنْ ثلاثِ لَفائفَ، و(تَعْمِيمُهُ) أي: الميتِ؛ لما
_________________
(١) في (أ) و(س): طرفه.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٦٩)، ومسلم (٢٤٠٠)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) في (ب) و(ك): بالثلاثة. والمثبت موافق لمصادر الحديث.
(٤) أخرجه مالك (١/ ٢٢٤)، ومن طريقه عبد الرزاق (٦١٨٨)، والبيهقي في الكبرى (٦٦٨٩)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وليس عن عمرو ﵄. وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.
(٥) في (أ) و(س): ودخارص.
(٦) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).
[ ٥٠٨ ]
تقدَّم في حديثِ عائشةَ مِنْ قولِها: «ولا عمامة» (^١).
(وَ) يُكره تطييبُه بوَرْسٍ و(زَعْفَرَانٍ)؛ لأنَّ العادةَ غيرُ جاريةٍ بالتطيُّب به، وإنَّما يُستعمل لغذاءٍ أو زينةٍ.
(وَتُكَفَّنُ امْرَأَةٌ) وخُنثى ندبًا (فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ) بِيضٍ مِنْ قُطنٍ، وهي (إِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ)، قال ابنُ المنذِرِ: أكثرُ مَنْ نَحفظ عنه مِنْ أهلِ العلمِ يَرى أن تُكفَّن (^٢) المرأةُ في خمسةِ أثوابٍ. انتهى (^٣)، فتُؤزَّر بالمِئزَرِ، ثمَّ تُلبَس القميصَ، ثمَّ تُخمَّر بالمِقنَعةِ، ثمَّ تُلَفُّ باللِّفافتَين، كما في «المبدِع» (^٤).
ويُكفَّن صبيٌّ في ثوبٍ، ويُباح في ثلاثةٍ ما لم يَرِثه غيرُ مكلَّفٍ.
وصغيرةٌ في قميصٍ ولِفافتَين.
(وَالوَاجِبُ) للميتِ مطلقًا (ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ)؛ لأنَّ العورةَ المغلَّظةَ يُجزِئ في سَترها ثوبٌ واحدٌ، فكفنُ الميتِ أَولى.
(وَيَحْرُمُ) تكفينُ الميتِ ولو امرأة (بِحَرِيرٍ) (^٥).
(وَلَا يُجْبَى)، بالبناء للمفعول، أي: لا يُجمع مِنْ النَّاس (كَفَنٌ لِعَدَمِ) ما يُكفَّن به ميتٌ (إِنْ أَمْكَنَ سَتْرُهُ) أي: الميتِ (بِحَشِيشٍ وَنَحْوِهِ)؛ كورقِ شجرٍ ونحوِه؛ لحصولِ المقصودِ بلا إهانةٍ.
_________________
(١) قوله: (لما تقدَّم في حديث عائشة من قولها: ولا عمامة) هو في (أ) و(س): لحديث عائشة. والحديث أخرجه البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١).
(٢) في (ب): تكفين.
(٣) ينظر: الأوسط ٥/ ٢٥٦.
(٤) ينظر: المبدع ٣/ ١٣٥.
(٥) قوله: (ولو امرأة بحرير) هو في (أ) و(س): بحرير ولو لامرأةٍ.
[ ٥٠٩ ]
(فصل)