وهو الدُّعاءُ بطلبِ السُّقيا على صفةٍ مخصوصةٍ.
(وَإِذَا ضَرَّ) النَّاسَ (جَدْبُ أَرْضٍ) أي: مَحْلُها، (وَ) ضرَّهم (قَحْطُ مَطَرٍ) أي: احتباسُه، أو غَورُ ماءِ عيونٍ أو أنهارٍ؛ (صَلَّوْا) جماعةً وفُرادى (صَلَاةَ الاسْتِسْقَاءِ).
وهي سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ لقولِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ: «خرَج النبيُّ ﷺ يَستسقي، فتَوجَّه الى القِبلةِ يَدعو، وحوَّل رِداءَه، ثمَّ صلَّى ركعتَين جهَر فيهما بالقراءةِ» متَّفق عليه (^٣).
والأفضلُ جماعةً، حتى بسفرٍ، ولو كان القحطُ في غيرِ أرضِهم.
_________________
(١) كتب على هامش (ح): وعن أحمد: يصلي لكل آية، وفاقًا لأبي حنيفة، وذكر الشيخ تقي الدين: أن هذا قول محققي أصحاب الإمام أحمد، كما دل على ذلك السنن والآثار، قال في «الإنصاف»: اختاره ابن أبي موسى والآمدي، قال ابن رزين في شرحه: وهو أظهر، وحكى ما وقع له في ذلك، وقال في «النصيحة»: يصلون لكل آية ما أحبوا، ركعتين أو أكثر؛ كسائر الصلوات ويخطب. انتهى من خط الشيخ علي بن عبد الله بن عيسى على هامش المنتهى.
(٢) كما في حديث جابر ﵁: أخرجه مسلم (٩٠٤)، وحديث أُبي بن كعب ﵁: أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢١٢٢٥)، وأبو داود (١١٨٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٣٢٦)، وضعفه ابن عبد البر والبيهقي وابن القيم وغيرهم. ومال إلى تصحيح جميع الروايات جماعةٌ من المحدثين والفقهاء، وذهب الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم إلى أنه صلى ركوعين في ركعتين فقط، قال ابن تيمية: (والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم). ينظر: مجموع الفتاوى ١/ ٢٥٦، فتح الباري ٢/ ٥٣٢.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٢٤)، ومسلم (٨٩٤)، واللفظ للبخاري، ولم يذكر مسلم الجهر بالقراءة.
[ ٤٧٩ ]
ولا استسقاءَ لانقطاعِ مطرٍ عن أرضٍ غيرِ مسكونةٍ ولا مسلوكةٍ؛ لعدمِ الضَّررِ.
وصِفَتُها (كَ) صلاةِ (عِيدٍ فِيمَا تَقَدَّمَ)، مِنْ موضعِها وأحكامِها، قال ابنُ عبَّاسٍ: «سُنَّةُ الاستسقاءِ سُنَّةُ العيدَين» (^١).
فتُسنُّ في الصَّحراءُ، ويُصلِّي ركعتَين، يُكبِّر في الأُولى ستًّا زوائدَ، وفي الثانية خمسًا، مِنْ غيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، قال ابنُ عبَّاسٍ: «صلَّى النبيُّ ﷺ ركعتَين، كما يُصلِّي العيدَ» قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (^٢).
ويَقرأ في الأُولى ب «سبَّحْ»، وفي الثانيةِ بالغاشيةِ.
وتُفعل وقتَ صلاةِ العيدِ.
(وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ الخُرُوجَ لَهَا):
(وَعَدَ النَّاسَ) أي: بيَّن لهم (يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ ليَتهيَّؤوا للخروجِ على الصِّفةِ المسنونةِ.
(وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ) مِنْ المَعاصي، والخروجِ مِنْ المَظالمِ.
(وَ) أَمَرَهُمْ بِ (تَرْكِ التَّشَاحُنِ)، مِنْ الشَّحناءِ وهي العداوةُ؛ لأنَّها تَحمل على المعصية والبَهتِ، وتَمنع نزولَ الخيرِ؛ لقولِه ﷺ: «خَرجتُ أُخبركم بلَيلةِ القَدْرِ، فتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ، فرُفِعَت» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٢٢٣)، والدارقطني (١٨٠٠)، والحاكم (١٢١٧)، والبيهقي في الكبرى (٦٤٠٥)، فيه محمد بن عبد العزيز، وهو منكر الحديث، وقال الذهبي وابن عبد الهادي عن الأثر: (منكر). ينظر: تنقيح التحقيق للذهبي ١/ ٢٩٨، تنقيح التحقيق ٢/ ٦٠٩.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٣٩)، وأبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٦٦)، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وأبو عوانة وغيرهم، وقال الألباني: (إسناده حسن). ينظر: البدر المنير ٥/ ١٤٣، صحيح أبي داود ٤/ ٣٢٩.
(٣) أخرجه البخاري (٤٩)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
[ ٤٨٠ ]
(وَ) أَمَرهم ب (الصِّيَامِ)؛ لأنَّه وسيلةٌ الى نزولِ الغَيثِ، ولحديثِ: «دَعوةُ الصائمِ لا تُردُّ» (^١).
(وَ) أَمَرهم ب (الصَّدَقَةِ)؛ لأنَّها متضمِّنةٌ للرَّحمة.
ويَتنظَّف لها، ولا يَتطيَّب.
(وَيَخْرُجُ) الإمامُ كغيرِه، حالَة كَونِه (مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا) أي: خاضعًا (مُتَذَلِّلًا) مِنْ الذُّلِّ، أي: الهَوانِ، قال ابنُ نصرِ اللهِ: متواضعًا ببَدنِه، متخشِّعًا بقلبِه وعينَيه (^٢)، متذلِّلًا في ثيابِه أيضًا (^٣)، ويكونُ أيضًا (^٤) متضرِّعًا بلسانِه.
(وَمَعَهُ) أي: الإمامِ (أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ)؛ لسرعةِ إجابةِ دَعوتِهم، (وَ) الصِّبيانُ (المُمَيِّزُونَ)؛ لأنَّه (^٥) لا ذنوبَ لهم.
وأُبيح خروجُ طفلٍ، وعجوزٍ، وبهيمةٍ، والتوسُّلُ بالصَّالحِين (^٦).
ولا تُمنع أهلُ الذِّمَّةِ منفرِدِين عنَّا، لا بيومٍ، وكُرِه إخراجُنا لهم.
(فَيُصَلِّي (^٧) بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَ) صلاةِ (العِيدِ)؛ لِما تَقدَّم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٠٤٣)، والترمذي (٣٥٩٨)، وابن ماجه (١٧٥٢)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه أبو مدلة، قال ابن المديني: (مجهول)، وضعفه الألباني. ينظر: الضعيفة (١٣٥٨).
(٢) في (أ) (س) و(د): عينه.
(٣) قوله: (أيضًا) سقط من (ب).
(٤) قوله: (ويكون أيضًا) سقط من (أ) و(س).
(٥) في (ب): لأنهم.
(٦) أي التوسل بالدعاء منهم، كما كان الصحابة ﵃ يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حياته، وتوسل عمر بالعباس بعد وفاته ﷺ، ومعاوية بيزيد الجرشي، لأن دعوة الصالح مستجابة، وأما التوسل بذوات الصالحين فكالإقسام بهم، ولا يقسم على الله بأحد من خلقه، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة، بل يقتضي تركه والنهي عنه. ينظر: حاشية ابن قاسم ٢/ ٥٤٧.
(٧) في (س): فصلَّى.
[ ٤٨١ ]
(ثُمَّ يَخْطُبُ) خُطبةً (وَاحِدةً)؛ لأنَّه لم يُنقل أنَّ النبيَّ ﷺ خطَب بأكثرَ منها.
ويَخطب على منبرٍ، ويَجلس للاستراحة، ذكَره الأكثرُ؛ كالعيدِ في الأحكامِ، والنَّاسُ جلوسٌ، قالَه (^١) في «المبدِع» (^٢).
(يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَ) خُطبةِ (عِيدٍ)؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: «صنَع رسولُ اللهِ ﷺ في الاستسقاءِ كما صنَع في العيدِ» (^٣).
(وَيُكْثِرُ فِيهَا الاسْتِغْفَارَ وَقِرَاءَةَ آيَاتٍ فِيهَا الأَمْرُ بِهِ)؛ كقولِه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا …﴾ الآياتِ.
ويُكثر فيها الدُّعاءَ، والصَّلاةَ على النبيِّ ﷺ؛ لأنَّ ذلك مَعونةٌ على الإجابة.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) في الدعاء ندبًا؛ لقولِ أنسٍ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَرفع يدَيه في شيءٍ مِنْ (^٤) دعائِه إلّا في الاستسقاءِ، وكان يَرفع حتى يُرى بَياضُ إِبْطَيه» متَّفق عليه (^٥)، وظهورُهما نحوَ السماءِ؛ لحديثٍ رواه مسلمٌ (^٦).
(وَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تأسِّيًا به، وهو: «اللَّهمَّ اسْقِنا غَيثًا مُغيثًا، هنيئًا مريئًا، غَدَقًا مُجلِّلًا سَحًّا، عامًّا طَبَقًا دائمًا (^٧)، اللَّهمَّ اسْقِنا الغيثَ، ولا تَجعلنا مِنْ القانِطِين.
_________________
(١) في (د): ذكره.
(٢) ينظر: المبدع ٣/ ٥٧.
(٣) تقدم تخريجه ١/ ٤٨٠ حاشية (٢).
(٤) في (س): في.
(٥) أخرجه البخاري (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥).
(٦) أخرجه مسلم (٨٩٥)، من حديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء».
(٧) كتب على هامش (ع): (غيثًا) أي: مطرًا، ويسمى الكلأ: غيثًا، (مغيثًا) أي: منقذًا، (هنيئًا): حاصلًا بلا مشقة، (مريئًا) أي: سهلًا نافعًا محمود العاقبة، (غدقًا) أي: كثير الماء والخير، (مجلِّلًا) أي: يعم البلاد والعباد نفعه، (سحًّا) أي: صبًّا، (عامًّا) أي: شاملًا، (طبقًا) أي: يطبق البلاد مطره، (دائمًا) أي: متصلًا إلى الخصب، (القانطين) الآيسين من الرحمة. ش منتهى.
[ ٤٨٢ ]
اللَّهمَّ سُقيَا رحمةٍ، لا سُقيَا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ، اللَّهمَّ إنَّ بالعبادِ والبلادِ مِنْ اللَّأواءِ (^١) والجَهدِ (^٢) والضَّنْكِ ما لا نَشكوه إلّا إليكَ.
اللَّهمَّ أَنبِت لنا الزَّرعَ، وأَدِرَّ لنا الضَّرْعَ، واسْقِنا مِنْ بركاتِ السَّماءِ، وأَنزِل علينا مِنْ بركاتِك.
اللَّهمَّ ارفع عنَّا الجوعَ والجَهدَ والعُريَ، واكشف عنَّا مِنْ البلاءِ ما لا يَكشفه غيرُك.
اللَّهمَّ إنَّا نَستغفرك، إنَّك كنتَ غفَّارًا، فأرسل السَّماءَ علينا مدرارًا»، رَواه ابنُ عمرَ (^٣).
ويَستقبل القِبلةَ في أثناءِ الخُطبةِ، ويُحوِّل رِداءَه، فيَجعل الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ، ويَفعل النَّاسُ كذلك، ويَتركونه حتى يَنزِعوه مع ثيابِهم.
ويَدعو سرًّا فيَقول: «اللَّهمَّ إنَّك أَمرتَنا بدعائِك، ووعَدتَنا إجابتَكَ، وقد دَعوناك كما أَمرتَنا، فاستجبْ لنا كما وعَدتَنا».
فإن سُقوا، وإلّا عادوا ثانيًا وثالثًا.
(وَيُنَادَى)، بالبناءِ للمفعولِ (^٤)، (لَهُ) أي: للاستسقاءِ، أي: لصلاتِه، (كَمَا) يُنادى (لِكُسُوفٍ) وعيدٍ، بخلافِ جنازةٍ وتراويحَ (^٥)، فيَقول المقيمُ: (الصَّلَاةُ
_________________
(١) كتب على هامش (ع): اللأواء؛ أي: الشدة، والجهد بفتح الجيم: الطاقة، قاله الجوهري، وقال ابن منجى: هما المشقة. ش منتهى.
(٢) كتب على هامش (ع): الجهد، بفتح الجيم: المشقة، وبضمها: القوة. م ر.
(٣) أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٢٧٨)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٧٢٠٩)، وفيه إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك.
(٤) قوله: (بالبناء للمفعول) سقط من (أ) و(س).
(٥) كتب على هامش (ح): الصحيح: أن النداء مختص بالكسوف. ا هـ.
[ ٤٨٣ ]
جَامِعَةٌ)، برفعِهما على المبتدأِ والخبرِ، وبِنصبِهما (^١)؛ فالأوَّلُ على الإغراء، أي: الْزَموا (^٢)، والثاني على الحال.
(وَسُنَّ (^٣) وُقُوفٌ فِي أَوَّلِ مَطَرٍ، وَإِخْرَاجُ مَتَاعِهِ)؛ كثيابٍ وما يَستصحبه مِنْ أثاثٍ (^٤)؛ (لِيُصِيبَهُ) المطرُ؛ لقولِ أنسٍ: أصابَنا ونحن مع رسولِ اللهِ ﷺ مطرٌ، فحسَر ثوبَه حتى أَصابه مِنْ المطرِ، فقلنا: لم صنعتَ هذا؟ فقال (^٥): «لأنَّه حديثُ عهدٍ بربِّه» رَواه مسلمٌ (^٦).
وذكَر جماعةٌ: يَتوضَّأ ويَغتسل؛ لأنَّه رُوي أنَّه ﷺ كان يَقول إذا سالَ الوادي: «اخرُجوا بنا إلى الذي جعَله اللهُ طهورًا، فنتطهَّرَ به» (^٧).
وفي معناه: ابتداءُ زيادةِ النِّيلِ ونحوِه.
(وَ) سُنَّ لمَن مُطِر (قَوْلُهُ: «مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ) ورحمتِه»؛ لأنَّه اعترافٌ بنعمةِ اللهِ تَعالى.
(وَيَحْرُمُ) قولُه: «مُطِرنا (بِنَوْءِ)، أي: كوكبِ (كَذَا»)؛ كالثُّريا (^٨)؛ لأنَّه كفرٌ بنعمةِ اللهِ ﷿، كما يَدلُّ عليه خبرُ الصَّحيحَين (^٩).
ويُباح: مُطِرنا في نوءِ كذا؛ لأنَّه لا يَقتضي الإضافةَ إلى النَّوء.
_________________
(١) في (د) و(س) و(ك) و(ع): ونصبهما. وفي (أ): وبرفعهما.
(٢) في (د) و(ك): الزموا الصَّلاة.
(٣) في (أ) و(س) و(د): ويسن.
(٤) في (أ) و(س): الأثاث.
(٥) في (أ) و(س) و(ك): قال.
(٦) أخرجه مسلم (٨٩٨).
(٧) أخرجه البيهقي في الكبرى (٦٤٥٧)، وقال: (منقطع)، وضعفه النووي والألباني. ينظر: الخلاصة ٢/ ٨٨٤، الإرواء ٣/ ١٤٤.
(٨) قوله: (كالثريا) سقط من (أ) و(س).
(٩) أخرجه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١). كتب على هامش (ع): وإضافة المطر إلى النوء دون الله ﷾ كفر إجماعًا، قاله في المبدع والله أعلم.
[ ٤٨٤ ]