وفيه فضلٌ عظيمٌ؛ لحديثِ: «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له، الحسنةُ بعَشرِ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعفٍ، فيَقول اللهُ تَعالى: إلّا الصَّومَ؛ فإنَّه لي، وأنا أَجزي به» (^١)، وهذه الإضافةُ للتَّشريفِ والتَّعظيمِ (^٢).
(أَفْضَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ): صومُ (يَوْمٍ وَ) فِطرُ (يَوْمٍ)؛ لأمرِه ﷺ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بذلك، قال: «وهو أفضلُ الصِّيامِ» متَّفق عليه (^٣).
وشرطُه: ألَّا يُضعف البَدنَ حتى يَعجِزَ عمَّا هو أفضلُ، مِنْ القيامِ بحقوقِ اللهِ تَعالى، وحقوقِ عبادِه اللَّازمةِ، وإلّا فتَركُه أفضلُ.
(وَيُسَنُّ) صومُ (ثَلَاثَةِ) أيَّامٍ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَ) يُسنُّ (كَوْنُهَا) أي: الثلاثةِ أيَّامَ اللَّيالي (البِيضِ)؛ لِما روَى أبو ذرٍّ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «إذا صُمتَ مِنْ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فصُمْ ثلاثَ عشرةَ وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ» رَواه التِّرمذيُّ وحسَّنه (^٤) (^٥)، وسُمِّيَت بِيضًا؛ لابْيِضاضِ ليلِها كلِّه بالقمر (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٥١)، بهذا اللفظ، ونحوه عند البخاري (٥٩٢٧).
(٢) كتب على هامش (ع): ويسن تفطير الصائم، وله مثل أجره؛ للخبر. ش منتهى. قال في الفروع: وظاهر كلامهم: أيَّ شيء كان، قال: وقال شيخنا: مراده بتفطيره: أن يشبعه.
(٣) أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩).
(٤) أخرجه أحمد (٢١٤٣٧)، والترمذي (٧٦١)، والنسائي (٢٤٢٤)، وابن خزيمة (٢١٢٨)، وصححه ابن الملقن والألباني. ينظر: البدر المنير ٥/ ٧٥٣، الإرواء ٤/ ١٠٢.
(٥) كتب على هامش (ب): وقيل: لأنَّ الله تاب على آدم وبيَّض صحيفته فيها، فإنَّه روي: «أنَّه أوَّل يوم بيَّض ثلث جسده، وفي الثاني بيَّض الثلث الثاني، وفي الثالث ثلثه الثالث»، وقيل غير ذلك، تقرير. ا هـ.
(٦) زيد في (ك): ونهارًا بالشمس.
[ ٦١٢ ]
(وَ) يُسنُّ (^١) صومُ (الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ)؛ لقولِه ﷺ: «هُما يَومان تُعرَض فيهما الأعمالُ على ربِّ العالَمين، وأُحبُّ أن يُعرَض عملي وأنا صائمٌ» رَواه أحمدُ والنَّسائيُّ (^٢).
(وَ) يُسنُّ صومُ (سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ (^٣»؛ لحديثِ: «مَنْ صامَ رمضانَ، وأَتبَعه بستٍّ (^٤) مِنْ شوَّالٍ؛ فكأنَّما صامَ الدَّهرَ» أَخرجه مسلمٌ (^٥)، (وَالأَفْضَلُ) صومُها (^٦) (عَقِبَ العِيدِ مُتَوَالِيَةً (^٧».
(وَ) يُسنُّ صومُ (شَهْرِ (^٨) اللهِ المُحَرَّمِ)؛ لحديثِ: «أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ» رَواه مسلمٌ (^٩).
(وَآكَدُهُ عَاشُورَاءُ، ثُمَّ تَاسُوعَاءُ (^١٠»؛ لقولِه ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابلٍ لَأَصومنَّ التاسعَ والعاشرَ» احتجَّ به أحمدُ (^١١)، وقال: إن اشتَبَه أوَّلُ الشَّهرِ؛ صامَ
_________________
(١) في (ب): وسنَّ.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٨)، وحسنه المنذري والألباني. ينظر: الإرواء ٤/ ١٠٣.
(٣) كتب على هامش (ع): وظاهره: لو صام ستة نذرًا أو كفارة؛ لا يجزئ عنها، فلا بد من صيام ستة أخر. مرعي.
(٤) في (أ): ستّ.
(٥) أخرجه مسلم (١١٦٤).
(٦) في (ب) و(ع): صومهما.
(٧) كتب على هامش (ع): ما لم يكن عليه قضاء. [العلامة السفاريني]. وكتب على هامش (ع): وسمى بعض الناس الثامن عيد الأبرار، وقال الشيخ تقي [الدين]: لا يجوز اعتقاد ثامن شوال عيدًا، فإنه ليس بعيد، ولا شعائره شعائر العيد، والله أعلم. فروع.
(٨) كتب على هامش (ع): قال ابن الأثير: والشهر هو الهلال، سُمِّي به لشهرته وظهوره. فروع.
(٩) أخرجه مسلم (١١٦٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(١٠) كتب على هامش (ع): ممدودان، وحكي قصرهما. فروع.
(١١) أخرجه مسلم (١١٣٤) من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع».
[ ٦١٣ ]
ثلاثةَ أيَّامٍ؛ ليَتيقَّن صومَهما (^١).
وصومُ عاشوراءَ كفَّارةُ سَنةٍ، ويُسنُّ فيه التَّوسعةُ على العِيال (^٢).
(وَ) يُسنُّ صومُ (تِسْعِ ذِي الحِجَّةِ (^٣»؛ لقولِه ﷺ: «ما مِنْ أيَّامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أَحبُّ إلى الله مِنْ هذه الأيَّامِ العشرِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلَّا رَجلًا خرَج بنفسه ومالِه، فلَم يَرجِعْ مِنْ ذلك بشيءٍ» رَواه البخاريُّ (^٤).
(وَأَفْضَلُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ (^٥) لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا)، وهو كفَّارةُ سَنتَين؛ لحديثِ: «صيامُ يومِ (^٦) عرفةَ أَحتسبُ على الله أن يُكفِّر السَّنةَ التي قبلَه والسَّنةَ التي بعدَه» (^٧).
وقال في صيامِ عاشوراءَ: «إنِّي أَحتسبُ على الله أن يُكفِّر السَّنةَ التي قبلَه»
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٣٤٨.
(٢) كتب على هامش (ع): قال الشيخ تقي الدين: ولم يستحب أحد من الأئمة فيه غسلًا ولا كحلًا ولا خضابًا ونحو ذلك، والخبر بذلك كذب، وغلط من صححه. فروع. وكتب على هامش (ع): [عاشوراء إنما وجب] في العام الثاني من الهجرة، فوجب يومًا ثم نسخ برمضان ذلك العام. فروع. وكتب على هامش (ع): من وسع على عياله يوم عاشوراء؛ وسع الله [عليه] سائر السنة، قال ابن عيينة: قد جربناه منذ خمسين أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرًا. فروع.
(٣) كتب على هامش (ع): وعشر ذي الحجة أفضل من العشر الأخير من رمضان، ومن سائر الشهور. [العلامة السفاريني].
(٤) أخرجه البخاري (٩٦٩).
(٥) كتب على هامش (ع): سمي بذلك لوقوف الناس فيه، وقيل: لأن جبريل حج بإبراهيم ﵇، فلما أتى عرفة قال: قد عرفت، وقيل: لتعارف حواء وآدم فيها. انتهى. فروع.
(٦) قوله: (يوم) سقط من (أ).
(٧) كتب على هامش (ع): قال في الفروع: والمراد به الصغائر، حكاه في شرح مسلم عن العلماء، فإن لم تكن صغائر؛ يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن كبائر؛ رفعت درجات. انتهى. ش منتهى، والله أعلم.
[ ٦١٤ ]
رَواه مسلمٌ (^١).
(ثُمَّ) يَلي يومَ عرفةَ في الآكديَّةِ: (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ)، وهو الثامنُ.
(وَكُرِهَ إِفْرَادُ رَجَبٍ) بصومٍ؛ لأنَّ فيه إحياءً لشعائرِ الجاهليَّةِ، فإن أَفطَر منه، أو صامَ معه شهرًا مِنْ السَّنةِ؛ زالَت الكراهةُ (^٢).
(وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (السَّبْتِ)؛ لحديثِ: «لا تَصوموا يومَ السَّبتِ إلّا فيما افتُرِض عليكم» رَواه أحمدُ (^٣).
(وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (الجُمُعَةِ (^٤»؛ لقولِه ﷺ: «لا تَصوموا يومَ الجمعةِ إلّا وقبلَه يومٌ أو بعدَه (^٥) يومٌ» متَّفق عليه (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٦٢).
(٢) كتب في هامش (ع): ويكره صوم الدهر؛ لما فيه من الضعف. وكتب على هامش (ع): وقال في شرح المنتهى: ولا يكره صوم الدهر إن لم يترك به حقًّا، ولا يخاف منه ضررًا، ولا صام أيام النهي.
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٠٧٥)، وأبو داود (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤)، والنسائي في الكبرى (٢٧٧٣)، وابن ماجه (١٧٢٦)، وابن خزيمة (٢١٦٣)، وابن حبان (٣٦١٥)، والحاكم (١٥٩٢)، قواه جماعة من الأئمة، قال الترمذي: (حديث حسن)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والألباني، وقال أبو داود: (منسوخ)، وضعفه جماعة من الأئمة، طعن فيه: مالك والزهري والأوزاعي، وأعله النسائي بالاضطراب، ونقل عن الأثرم: (وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر). ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٣، البدر المنير ٥/ ٦٧٣، الإرواء ٤/ ١١٨.
(٤) كتب على هامش (ع): إلا أن يوافق عادة، أو يصله؛ كأن يكون يوم الجمعة يوم عرفة، ومن عادته صوم عرفة. م ر. وكذا كل [ما] كره إفراده إذا وافق عادة؛ لم يكره، أو يصله بغيره. والله أعلم.
(٥) في (أ) و(س) و(ك) و(د) و(ع): وبعده.
(٦) أخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤). كتب على هامش (ع): مسلم: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصوم من بين الأيام، إلا أن يكون في يوم يصومه أحدكم». فروع. وكتب على هامش (ع): وكره تقدم صوم رمضان بصوم يوم أو يومين، لا بأكثر؛ لحديث أبي هريرة. منتهى.
[ ٦١٥ ]
(وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (عِيدٍ لِكُفَّارٍ بِصَوْمٍ)، وصومُ النَّيرُوزِ والمِهْرَجانِ (^١)، وكلِّ يومٍ يُفردونه بالتَّعظيم.
(وَ) كُرِه صومُ (يَوْمِ شَكٍّ (^٢»، وهو يومُ الثلاثين مِنْ شعبانَ (إِنْ كَانَ لَيْلَتَهُ صَحْوٌ)، بأن لا يَكون دونَ مَطلعِ الهلالِ تلك الليلةَ غَيمٌ ولا قَتَرٌ، كما تَقدَّم؛ لقولِ عمارٍ: «مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشكُّ فيه فقد عصَى أبا القاسمِ ﷺ» رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وصحَّحه، والبخاريُّ تعليقًا (^٣).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قال في «المصباح»: النيروز فيعول بفتح الفاء، والنوروز لغة، وهو معرَّب، وهذا أول السنة، لكنَّه عند الفرس عند نزول الشمس أول الحمل، وعند القبط أول توت، والمهرجان عيد للفرس، وهي كلمتان: «مهر» وزان «حمل» و«جان»، لكن كبست الكلمتان حتَّى صارتا كالكلمة الواحدة، ومعناها: محبة الروح، وقال في «المطلع»: يوم النيروز والمهرجان عيدان للكفّار، قال الزمخشري: النيروز الرابع من شهر الربيع، والمهرجان اليوم السابع عشر من الخريف، وذلك في مقدِّمات الأدب، والظاهر أنَّه بكسر الميم. ابن قندس على «المحرر» باختصاره. وكتب على هامش (ع): قال الزمخشري: النيروز: اليوم الرابع من شهور الربيع، والمهرجان: اليوم التاسع من الخريف. وكتب على هامش (ع): قال في الفروع: وكذا يكره إفراد يوم النيروز والمهرجان عند أصحابنا (خ). انتهى. قال ابن نصر الله: يؤخذ من كراهة الإفراد: أنه لو صام قبله أو بعده يومًا؛ زالت الكراهة، كالجمعة والسبت. انتهى.
(٢) في (أ): الشك. كتب على هامش (ع): وفي الفروع: (وقلنا لا يجب صومه)، وقال ابن نصر الله: وينبغي أن يقال: (وقلنا لا يصام)؛ ليدخل في ذلك ما إذا قلنا يصام وجوبًا أو استحبابًا أو إباحة، فإنه حينئذ لا يكون يوم شك؛ لأن يوم الشك صيامه إما مكروه أو حرام. انتهى.
(٣) أخرجه البخاري تعليقًا (٣/ ٢٧)، وأبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٢١٨٨)، وابن ماجه (١٦٤٥)، قال الترمذي: (حسن صحيح)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني. ينظر: البدر المنير ٥/ ٦٩١. كتب على هامش (ع): وكره وصال، إلا للنبي ﷺ، لا إلى السحر، وتركه أولى.
[ ٦١٦ ]
(وَيَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمِ عِيدِ (^١» فطرٍ أو أَضحى إجماعًا (^٢)؛ للنَّهيِ المتَّفق عليه (^٣)، (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ صامَهما عن فرضٍ أو لا (^٤).
(وَ) يَحرُم صومُ (أَيَّامِ تَشْرِيقٍ)؛ لقولِه ﷺ: «أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ، وذكرِ الله ﷾» رَواه مسلمٌ (^٥).
(إِلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ)، فيصحُّ صومُ أيَّامِ التَّشريقِ لمَن عَدِمَ الهَديَ؛ لقولِ ابنِ عمرَ وعائشةَ: «لم يُرَخَّص في أيَّامِ التَّشريقِ أن يُصَمن إلّا لمَن لم يَجِد الهَديَ» رَواه البخاريُّ (^٦).
(وَمَنْ دَخَلَ فِي فَرْضٍ) موسَّعٍ مِنْ صومٍ أو غيرِه؛ (حَرُمَ قَطْعُهُ)، كالمضيَّق، فيَحرُم خروجُه مِنْ فرضٍ بلا عذرٍ؛ لأنَّ الخروجَ مِنْ عُهدةِ الواجبِ متعيِّنٌ (^٧)، ودخلَت التَّوسعةُ في وقته رِفقًا ومَظِنَّةً للحاجةِ، فإذا شرَع تَعيَّنتِ (^٨) المصلحةُ في إتمامه (^٩).
_________________
(١) كتب على هامش (ع): أي: يحرم ولا يصح أيضًا، وكذا أيام التشريق، قال في الفروع: إجماعًا، سواء أوجبه على نفسه أو كان واجبًا بأصل الشرع. مرعي.
(٢) ينظر: المغني ٣/ ١٦٩.
(٣) أخرجه البخاري (١٩٩٠)، ومسلم (١١٣٧)، من حديث عمر ﵁.
(٤) كتب على هامش (ع): وعنه: يصح صوم العيد فرضًا مع التحريم.
(٥) أخرجه مسلم (١١٤١)، من حديث نبيشة الهُذَلِيِّ ﵁.
(٦) أخرجه البخاري (١٩٩٧).
(٧) كتب على هامش (ع): ما الحكم لو قلبه نفلًا ليتوصل إلى الفطر؟. م ر.
(٨) في (أ): تعين. وفي (ع): بقيت.
(٩) كتب على هامش (ع): ويجب قطعه برد معصوم عن هلكة، وإنقاذ غريق ونحوه، ويجب إذا دعاه النبي ﷺ، وقال م ر: وتبطل به، ويجيب والديه في نفل فقط، وتبطل، وتخرج زوجة لحق زوج. والله أعلم.
[ ٦١٧ ]
(وَلَا يَلْزَمُ إِتْمَامُ نَفْلٍ) مِنْ صومٍ وصلاةٍ ووضوءٍ وغيرِها؛ لقولِ عائشةَ: يا رسولَ اللهِ، أُهدي لنا حَيْسٌ، فقال: «أَرِنِيه، فلَقَد أصبحتُ صائمًا»، فأكَل. رَواه مسلمٌ وغيرُه (^١)، زاد (^٢) النَّسائيُّ بإسنادٍ جيدٍ: «إنَّما مَثلُ صومِ التطوُّعِ مَثلُ الرَّجلِ يُخرج مِنْ مالِه الصَّدقةَ، فإن شاء أَمضَاها، وإن شاء حَبَسها» (^٣).
وكُرِه خروجُه منه بلا عذرٍ.
(وَلَا) يَلزم (قَضَاءُ فَاسِدِهِ) أي: النَّفلِ، (غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) فيَجب إتمامُهما؛ لانعقادِ الإحرامِ لازمًا، فمتى أَفسَدهما أو فسَدَا؛ لَزِمه القضاءُ.
(وَتُرْجَى لَيْلَةُ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (^٤»؛ لقولِه ﷺ: «تَحرَّوا ليلةَ القَدْرِ في العَشرِ الأَواخرِ مِنْ رمضانَ» متَّفق عليه (^٥)، وفي الصَّحيحَين: «مَنْ قامَ ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفر له ما تَقدَّم مِنْ ذنبِه» (^٦)، زاد أحمدُ: «وما تأخَّرَ» (^٧)، وسُمِّيَت بذلك؛ لأنَّه يُقدَّر فيها ما يَكون في تلك السَّنةِ، أو لِعِظَمِ قَدْرِها
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٥٤)، وأبو داود (٢٤٥٥)، والترمذي (٧٣٤)، والنسائي (٢٣٢٢)، وابن ماجه (١٧٠١).
(٢) في (أ) و(س) و(د) و(ك): وزاد.
(٣) أخرجه النسائي (٢٣٢٢)، وقال الألباني في الإرواء ٤/ ١٣٦: (على شرط مسلم).
(٤) كتب على هامش (ع): فائدة: أمارة ليلة القدر: «أنها ليلة صافية، بلجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية، لا برد [فيها] ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمي سهمه فيها حتى تصبح، وتطلع الشمس من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها»، وفي بعض الروايات: «مثل الطست»، وفي بعضها: «مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل لشيطان أن يخرج معها يومئذ»، ورمضان أفضل الشهور، وعشر ذي الحجة أفضل من العشر الأخير من رمضان ومن سائر الشهور. انتهى. ش منتهى. وقوله: (ساكنة ساجية) علق عليها: من قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، قيل: سكن، وقيل: أظلم، وقيل: ذهب.
(٥) أخرجه البخاري (٢٠١٧)، ومسلم (١١٦٩) من حديث عائشة ﵂.
(٦) أخرجه البخاري (١٩٠١)، ومسلم (٧٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) وقعت هذه الزيادة عند أحمد (٢٢٧١٣، ٢٢٧٦٥)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وحسَّن أحد إسناديه ابن حجر. وأما من حديث أبي هريرة ﵁؛ فوقعت الزيادة عند النسائي في الكبرى (٢٥٢٣)، واستنكرها ابن عبد البر والألباني، وقوَّى الزيادة ابن حجر. ينظر: التمهيد ٧/ ١٠٥، الفتح ٤/ ١١٦، السلسلة الضعيفة (٥٠٨٣).
[ ٦١٨ ]
عندَ اللهِ، أو لأنَّ للطَّاعةِ فيها قَدْرًا عظيمًا.
وهي أفضلُ اللَّيالي، وهي باقيةٌ لم تُرفع؛ للأخبارِ.
(وَأَوْتَارُهُ آكَدُ)؛ لقولِه ﷺ: «اطْلُبُوها في العَشرِ الأواخرِ في ثلاثٍ بَقِينَ، أو سَبعٍ بَقِينَ، أو تِسعٍ بَقِينَ» (^١).
(وَأَبْلَغُهَا) أي: أبلغُ الأوتارِ في الآكديَّة: (لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ (^٢»؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ (^٣) وأُبيِّ بنِ كَعبٍ (^٤) وغيرِهما (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٤٠٤)، والترمذي (٧٩٤)، وابن خزيمة (٢١٧٥)، وابن حبان (٣٦٨٦)، من حديث أبي بكرة ﵁، وأخرجه البخاري (٢٠٢٢)، من حديث ابن عباس ﵄ بمعناه.
(٢) كتب على هامش (ع): فمن حلف، قال لزوجته: أنت طالق ليلة القدر؛ فإن كان قبل مضي ليلة أولى العشر؛ وقع الطلاق في الليلة الأخيرة، وإن كانت مضت؛ وقعت في الليلة الأخيرة من العام المقبل، ومثله: العتق واليمين ونحوهما. م ر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٧٩)، والطبراني في الكبير (١٠٦١٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٥٥٨)، وأخرجه ابن خزيمة (٢١٧٢)، والحاكم (١٥٩٧)، والبيهقي في الشعب (٣٤١٢)، من طريق أخرى عن ابن عباس ﵄. وأسانيده صحيحة، وصححه ابن خزيمة والحاكم، وقال الذهبي ٤/ ١٦٩٢: (غريب جدًّا).
(٤) أخرجه مسلم (٧٦٢).
(٥) جاء ذلك عن: معاوية بن أبي سفيان عند أبي داود الطيالسي (١٠٥٤)، وأخرجه أبو داود (١٣٨٦)، وابن حبان (٣٦٨٠)، عن معاوية مرفوعًا، وصحَّحه ابن حبان والألباني، وقال ابن رجب عن المرفوع: (وله علة، وهي وقفه على معاوية، وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني). وأخرج ابن أبي شيبة (٨٦٦٧)، عن قنان بن عبد الله النهمي، قال: سألت زرًّا عن ليلة القدر، فقال: «كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله ﷺ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين تبقى ثلاث»، وقنان قال فيه ابن حجر: (مقبول). ينظر: لطائف المعارف ص ٢٠٠، صحيح أبي داود ٥/ ١٣١.
[ ٦١٩ ]
وحكمةُ إخفائِها: ليَجتهدوا في طلبها.
ويُكثِر فيها مِنْ الدُّعاء؛ لأنَّه مستجابٌ.
(وَيَكُونُ مِنْ دُعَائِهِ فِيهَا) ما ورَد عن عائشةَ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنْ وافقتُها فبِمَ أَدعو؟ قال: «قُولي: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي») رَواه أحمدُ وابنُ ماجَه، وللتِّرمذيِّ معناه، وصحَّحه (^١)، ومعنى «العَفوِ»: التَّركُ (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٥٣٨٤)، والترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، قال الترمذي (حسن صحيح)، وصححه الحاكم، وأُعلَّ بالانقطاع. ينظر: تهذيب التهذيب ٥/ ١٨٥، أحاديث معلة ظاهرها الصحة ص ٤٦٠.
(٢) كتب على هامش (ب): وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة»، فالشرُّ الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمُّنها دوام العافية، والله أعلم.
[ ٦٢٠ ]