(يَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى مُحِلٍّ وَمُحْرِمٍ) إجماعًا (^٢)؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ يومَ فتحِ مكَّةَ: «إنَّ هذا البلدَ حرَّمَه اللهُ يومَ خلقَ السَّمواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرمةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ» (^٣).
(وَحُكْمُهُ) أي: حُكمُ صيدِ الحرمِ؛ (كَصَيْدِ مُحْرِمٍ) في وجوبِ الجزاءِ، حتَّى على الصَّغيرِ والكافرِ، لكنْ بَحريُّه لا جزاءَ فيه.
(وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجرِ الحرمِ، (وَحَشِيشِهِ) اللَّذَين لم يَزرَعهما آدميٌّ؛ لحديثِ: «ولا يُعضَدُ (^٤) شَجرُها، ولا يُحَشُّ حَشِيشُها» (^٥).
(إِلَّا اليَابِسَ وَالإِذْخِرَ)، فيَجوز قطعُهما، والإذخِرُ: حَشيشٌ طيِّبُ الرِّيحِ.
ويُباح انتفاعٌ بما زالَ أو انكسَر بغيرِ فعلِ آدميٍّ، ولو لم يَنفصل (^٦).
وتُضمَن شجرةٌ صغيرةٌ عرفًا بشاةٍ (^٧)، وما فوقَها ببقرةٍ، رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ (^٨)، ويُفعل فيهما كجزاءِ صيدٍ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (صيد الحرمين) أي: حرم مكَّة والمدينة، قال الحازمي: مكة حرم الله، والمدينة حرم رسول الله ﷺ، فائدة: مكَّة حرَّمها الله يوم خلق السماوات والأرض وأظهر إبراهيم تحريمها، والمدينة حرَّمها رسول الله ﷺ.
(٢) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٦٠.
(٣) أخرجه البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣).
(٤) كتب على هامش (ب): أي: يقطع.
(٥) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) كتب على هامش (ب): ويحرم انتفاع بما كسره آدمي، ولا جزاء فيه. ا هـ.
(٧) في (د): شاة.
(٨) ذكره القاضي في التعليقة ٢/ ٤٣٣، والمغني ٣/ ٣٦١ وغيرهما، عن ابن عباس ﵄، ولم نقف عليه، وكذا لم يقف عليه ابن الملقن كما في البدر المنير ٦/ ٤٠٩، وابن حجر كما في التلخيص ٢/ ٦٠١، والألباني كما في الإرواء ٤/ ٢٥٢. وأخرج الفاكهي في أخبار مكة (٢٢٣٣)، من طريق حمزة بن عتبة، قال: حدثني غير واحد من مشيخة أهل مكة: «أن مما رخصوا في قطع شجر الحرم إذا اضطروا إلى قطعه في منازلهم، ويدونه، أن عبد الله بن الزبير ﵄ لما بنى دوره بقعيقعان قطع شجرًا كانت في دوره، ووداه كل دوحة ببقرة»، وإسناده ضعيف، حمزة لا يُعرف، وحديثه منكر كما في الميزان ١/ ٦٠٨، ويروي عن مبهمين.
[ ٢ / ٤٤ ]
ويُضمَن حَشيشٌ ووَرقٌ بقِيمته، وغُصنٌ بما نقَص، فإن استَخلَف شيءٌ منها؛ سقَط ضمانُه، كردِّ شجرةٍ فتنْبتُ (^١)، لكن يُضمَن نقصُها.
(وَيَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ المَدِينَةِ)؛ لحديثِ عليٍّ: «المدينةُ حرامٌ ما بينَ عَيْرٍ إلى ثورٍ، لا يُختَلى خَلاها (^٢)، ولا يُنفَّر صَيدُها، ولا يَصلح أن تُقطع منها شجرةٌ، إلّا أنْ يَعلِف رَجلٌ بَعِيرَه» رَواه أبو داودَ (^٣).
(وَهُوَ) أي: حرمُ المدينةِ: بَرِيدٌ (^٤) في بَرِيدٍ، وهو ما بينَ عَيْرٍ إلى ثورٍ (^٥)، كما تَقدَّم، وذلك (^٦) (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)، تَثنيةُ «لابةٍ»، وهي الحَرَّةُ، أي: أَرضٌ تَركَبها حجارةٌ سُودٌ.
_________________
(١) في (أ): فنبتت.
(٢) كتب فوقها في (ب): أي: لا يقطع حشيشها ولا ورقها. وكتب على هامش (س): أي: يجتنى حشيشها. انتهى تقرير المؤلف. وكتب في هامش (أ): أي: لا يحش حشيشها لغير علف.
(٣) أخرجه أحمد (٩٥٩)، وأبو داود (٢٠٥٣)، وصحح إسناده النووي، وصححه الألباني. ينظر: المجموع ٧/ ٤٧٨، صحيح أبي داود ٦/ ٢٧٤.
(٤) كتب على هامش (ب): وهو نصف يوم. م خ.
(٥) زيد في (ك): وهو جبل مشهور. وكتب على هامش (ب): قوله: (وعير وثور …) إلخ، وثور جبل صغير يضرب لونه إلى الحمرة بتدوير، أي: لا استطالة فيه، وعير جبل مشهور بها. ا هـ.
(٦) في (د): ذلك.
[ ٢ / ٤٥ ]
(وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) أي: فيما حَرُم مِنْ صَيدها وشَجرِها وحَشيشِها.
قال الإمامُ أحمدُ في روايةِ بكرِ بنِ محمدٍ: (لم يَبلغنا أنَّ النبيَّ ﷺ ولا أحدًا مِنْ الصحابةِ حكَموا فيه بجزاءٍ) (^١).
(وَيُبَاحُ) أخذُ (الحَشِيشِ) مِنْ حَرمِ المدينةِ (لِلعَلَفِ)؛ لِما تَقدَّم.
(وَ) يُباح اتِّخاذُ (آلَةِ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمَسانِدَ، وآلةِ رَحْلٍ، (مِنْ شَجَرِهِ) أي: شَجرِ حَرمِ المدينةِ؛ لِما روَى أحمدُ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا حرَّم المدينةَ (^٢) قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّا أصحابُ عملٍ وأصحابُ نَضحٍ، وإنَّا لا نَستطيع أرضًا غيرَ أَرضِنا، فرخِّصْ لنا، فقال: «القائِمَتانِ والوِسادةُ والعارضَةُ والمِسْنَدُ، فأمَّا غيرُ ذلك فلا يُعضَد (^٣) ولا يُخبَط (^٤) منها شيءٌ» (^٥)، والمِسندُ: عُودُ البَكَرةِ.
ومَن أَدخَلها صيدًا؛ فلَه إمساكُه وذبحُه (^٦).
_________________
(١) ينظر: الفروع ٦/ ٢٣.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (حرَّم المدينة …) إلخ، لحديث: «إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة ودعا لأهلها، وإنِّي حرَّمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكَّة ودعوت في صاعها ومدِّها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكَّة» متَّفق عليه.
(٣) زيد في (ك): القائمتان هي: عود الرَّحل. وكتب على هامش (ب): أي: يقطع.
(٤) في (ب): يحطب.
(٥) لم نقف عليه عند أحمد، وأخرجه ابن خزيمة كما في إتحاف المهرة (١٦٠٢٣)، وابن عدي في الكامل (٧/ ١٩٠)، والطبراني في الكبير (١٨)، من طريق كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده: «أن رسول الله ﷺ أذن بقطع المسد والقائمتين والمنجدة عصا الدابة»، وكثيرٌ متروك، والحديث ضعفه الهيثمي به، وعدّه ابن عدي من مناكيره.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (فله إمساكه وذبحه) لحديث: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟».
[ ٢ / ٤٦ ]
(بَابٌ)