وذكَره في بابِ الوضوءِ؛ لأنَّه بدلٌ عن غَسلِ أو مسحِ ما تحتَه.
ومسحُ الخُفَّين وما في معناهما (^٣) رخصةٌ (^٤)، وأفضلُ مِنْ غَسلٍ؛ لأنَّه ﵇
_________________
(١) ينظر: السنن الكبرى ١/ ١٢٨، تغليق التعليق ٢/ ٩٧.
(٢) ينظر: المهذب في اختصار السنن ١/ ٨٣.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (وما في معناهما) أي: كجورب ونحوه. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): قوله: (وما في معناهما) كالجرموقين والجوربين، وكذا عمامة وخمار. «شرح منتهى».
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (رخصة) وهي لغة: السُّهولة، وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارض راجح، وضدُّها العزيمة، وهي لغة: القصد المؤكَّد، وشرعًا: ما ثبت بدليل شرعيٍّ خالٍ عن معارض راجح، وهما وصفان للحكم الوضعي. «شرح منتهى». وقوله: (ما ثبت على خلاف دليل) احتراز ممَّا ثبت على وفق الدَّليل، فإنَّه لا يكون رخصة بل عزيمة؛ كالصَّوم في الحضر. وقوله: (لمعارض راجح) احتراز مما كان لمعارض غير راجح، بل إمَّا مساوٍ فيلزم الوقف على حصول المرجِّح، أو قاصر فلا يؤثر، مثالها: الميتة حرام بالدَّليل الشَّرعي، وهو قوله عزَّ مِنْ قائل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ …﴾ الآية، فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التَّحريم، وهو راجح عليه؛ حفظًا للنفس، وذلك المعارض هو وجوب تناول الميتة. انتهى اه. قوله: (ما ثبت بدليل شرعي) يتناول الواجب والمندوب، وتحريم الحرام، وكراهة المكروه. وقوله: (شرعي) احتراز من الثَّابت بدليل عقلي، فإنَّ ذلك لا يستعمل في الرُّخصة والعزيمة. وقوله: (خالٍ عن معارض راجح) احتراز ممَّا ثبت بدليل شرعي، لكن له معارض مساوٍ أو راجح؛ لأنَّه إن كان مساويًا؛ لزم الوقف وانتفت العزيمة، ووجب طلب المرجِّح الخارجي، وإن كان راجحًا؛ لزم العمل بمقتضاه، وانتفت العزيمة وثبتت الرُّخصة؛ كتحريم الميتة عند عدم المخمصة هو عزيمة؛ لأنَّه حكم ثابت خلا عن معارض، فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التَّحريم وهو راجح عليه حفظًا للنفس. اه.
[ ١٥١ ]
وأصحابُه إنَّما طلَبُوا الأفضلَ، وفيه (^١) مخالفةُ أهلِ البدعِ، ولحديثِ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أن يُؤخَذ برُخَصِه» (^٢).
ويرفعُ الحدثَ، ولا يُسنُّ أن يَلبس ليَمسح.
(يَصِحُّ المَسْحُ عَلَى خُفٍّ) في رِجلَيه؛ لثبوتِه بالسُّنَّة الصَّريحةِ، قال ابنُ المباركِ: (ليس فيه خلافٌ) (^٣)، وقال الحسنُ: (روَى المسحَ سبعون نَفْسًا، قولًا وفعلًا منه ﵊ (^٤)، وقال الإمامُ أحمدُ ﵀: (ليس في قلبي مِنْ المسح على الخُفَّين شيءٌ أي: شكٌّ (^٥)، فيه أربعون حديثًا عن النبيِّ ﷺ (^٦).
قال في «المبدِعِ»: (ومِن أُمَّهاتها (^٧) حديثُ جريرٍ قال: «رأيتُ النبيَّ ﷺ بالَ، ثمَّ تَوضَّأ، ومسَح على خُفَّيه»، قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: فكان يُعجبهم ذلك؛ لأنَّ إسلامَ جريرٍ كان بعدَ نزولِ المائدةِ. متَّفق عليه (^٨)، فليس منسوخًا بالآيةِ) (^٩).
وقد استَنبطَه بعضُهم مِنْ القرآنِ، فحمَل قراءةَ النَّصبِ على الغَسلِ، وقراءةَ
_________________
(١) في (س): ومنه.
(٢) أخرجه أحمد (٥٨٦٦)، وابن خزيمة (٢٠٢٧)، وابن حبان (٢٧٤٢)، من حديث ابن عمر ﵄، وصححه الألباني في الإرواء ٣/ ٩.
(٣) ينظر: الأوسط لابن المنذر ١/ ٤٣٣.
(٤) ينظر: الأوسط لابن المنذر ١/ ٤٢٦.
(٥) قوله: (أي شك) سقط من (س).
(٦) ينظر: المغني ١/ ٢٠٦.
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (ومن أمهاتها) أي: من أصولها أي: أصحها. انتهى تقرير مؤلفه.
(٨) أخرجه البخاري (٣٨٧)، ومسلم (٢٧٢).
(٩) ينظر: المبدع ١/ ١٩١. كتب على هامش (ع): قوله: (فليس منسوخًا بالآية) وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، فإن المائدة من آخر ما نزل، وإسلام جرير متأخر عنها، فمن ادَّعى أنها ناسخة للمسح على الخفين يردُّه حديث جرير هذا لتأخره عند نزول المائدة. والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ١٥٢ ]
الجرِّ على المسحِ؛ لِئلَّا تَخلو إحداهُما عن فائدةٍ.
(وَ) يصحُّ المسحُ على (نَحْوِهِ) أي: نحوِ الخُفِّ؛ كجُرْمُوقٍ (^١) خُفٍّ قصيرٍ، وجَوْرَبٍ (^٢) صَفيقٍ، مِنْ صوفٍ أو غيرِه، ولو غيرَ مُجلَّدٍ أو مُنعَّلٍ.
وللمسحِ على الخُفِّ ونحوِه شروطٌ، أشارَ إلى بعضِها بقولِه:
(مُبَاحٍ) بالجرِّ، صفةٌ ل «خفٍّ»؛ لأنَّ المسحَ رخصةٌ، فلا تُستباح بالمعصية، فلا يصحُّ على مغصوبٍ وحريرٍ، ولو في ضرورةٍ؛ كخوفِ سقوطِ أصابعٍ بثلجٍ، لكن يُباح حريرٌ لأُنثى فقط.
(سَاتِرٍ لِمَحَلِّ فَرْضٍ)، وهو القدمُ كلُّه، وإلّا فحُكمُ ما اسْتَتر المسحُ، وما ظهَر الغَسلُ، ولا يُجمع بينهما، فوجَب الغَسلُ؛ لأنَّه الأصلُ.
(يَثْبُتُ) الخفُّ ونحوُه في الرِّجلِ (بِنَفْسِهِ) مِنْ غيرِ شدٍّ؛ إذ الرُّخصةُ (^٣) ورَدَت في المعتادِ، وما لا يَثبت غيرُ معتادٍ، لكن لو ثبَت بنَعلَين؛ صحَّ المسحُ إلى خلعِهما (^٤)، ويَمسح (^٥) على سُيورِ النَّعلَين، وما ظهَر مِنْ الخفِّ.
وإذا ثبَت بنفسِه، لكنْ يَبدو بعضُه لولا شدُّه أو شَرْجُه؛ كزُربُولٍ (^٦) له ساقٌ؛ صحَّ المسحُ عليه.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): فائدة: كلُّ كلمة اجتمع فيها قاف وجيم فهي من المعرَّب لا من العربي. م خ.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (وجورب …) إلخ، قال المصنف في حاشيته على «الإقناع»: قال في القاموس: الجورب: لفافة الرِّجل، الجمع جواربة وجوارب. قال في «شرح المنتهى»: وهو معرَّب، ولعلَّه اسم لكلِّ ما يلبس في الرِّجل على هيئة الخفِّ من غير الجلد. انتهى.
(٣) في (س) و(ك): إذا الرخصة.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (إلى خلعهما) أي: ما دام النعلان في رجليه.
(٥) في (د): ويصح.
(٦) قال في تاج العروس (٣٥/ ١٣٤): (الزربول: وهو ما يلبس في الرجل، مولدة).
[ ١٥٣ ]
ومِن شرطِ الخفِّ ونحوِه أيضًا: إمكانُ مشيٍ فيه عرفًا، ولو لم يكن معتادًا؛ كلِبدٍ وخشبٍ.
وطهارةُ عَينِه.
وألّا يَصِف القدمَ لصفائِه كزجاجٍ رقيقٍ أو خِفَّتِه (^١).
(وَ) يصحُّ المسحُ (عَلَى عِمَامَةٍ)؛ لقولِ عمرِو بنِ أُميَّةَ: «رأيتُ النبيَّ ﷺ مسَح على عِمامتِه وخُفَّيه» رَواه البخاريُّ (^٢).
(مُحَنَّكَةٍ) وهي التي يُدار منها تحتَ الحَنكِ كَورٌ بفتح الكافِ أو كَوْران، وإن لم يَكُنْ لها ذُؤابةٌ.
(أَوْ) أي: وعلى عمامةٍ (ذَاتِ) أي: صاحبةِ (ذُؤَابَةٍ)، بضمِّ المعجَمةِ بعدَها همزةٌ مفتوحةٌ، وهي طرفُ العمامةِ المُرخَى، وإن لم تَكُنْ محنَّكةً، قال الإمامُ أحمدُ في روايةِ الأثرمِ وغيرِه: (يَنبغي أن يَرخي خلفَه مِنْ عمامتِه، كما جاءَ عن ابنِ عمرَ: «أنه كان يَعتمُّ ويُرخيها بينَ كَتِفَيه») (^٣)، وعن ابنِ عمرَ قال: «عمَّم النبيُّ ﷺ عبدَ الرحمنِ (^٤) بعمامةٍ سوداءَ، وأَرخاها مِنْ خَلفِه قَدْرَ أربعِ أصابعَ» (^٥).
_________________
(١) كتب على هامش (ع): فائدة: فيما إذا لبس خفًا على آخر دخل فيها أربع صور؛ لأنه إما أن يكونا صحيحين، أو مخرقين، أو الأعلى صحيحًا والأسفل مخرقًا، أو عكسه، ففي الأولى يصح على أيهما شاء، وفي الثانية لا يصح على شيء منهما ولو سترا، وفي الثالثة على الأعلى فقط، وفي الرابعة على أيهما شاء، والله ﷾ أعلم. عثمان.
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٥).
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ٢٧٠. وأثر ابن عمر ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٩٧٦)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٤٥٦)، وإسناده صحيح.
(٤) في (د): عبد الرحمن بن عوف.
(٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٣٢/ ١٩٣)، وفي سنده المسيب بن واضح وهو صدوق سيئ الحفظ، وقال أبو حاتم: (الحديث باطل). ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٤٥٨)، وميزان الاعتدال ٤/ ١١٦.
[ ١٥٤ ]
فلا يصحُّ المسحُ على عمامةٍ صمَّاءَ.
(سَاتِرَةٍ)، بالجرِّ، صفةٌ بعدَ صفةٍ ل «عمامةٍ»، يَعني: أنَّه لا بدَّ في العمامة مِنْ أن تكون ساترةً (لِلمُعْتَادِ) سَترُه مِنْ الرَّأس، فلا يَضرُّ كشفُ مقدَّمِ الرَّأسِ والأُذنَين وجوانبِ الرَّأسِ.
ولا بدَّ مِنْ كَونِها (لِرَجُلٍ (^١»، المرادُ به الذَّكرُ، كبيرًا كان أو صغيرًا، فلا يصحُّ مسحُ أُنثى وخُنثى عليها، ولو لَبِساها لضرورةٍ نحوِ بردٍ.
ولا بدَّ مِنْ كَونِها مباحةً أيضًا، فلا يصحُّ المسحُ (^٢) على مغصوبةٍ وحريرٍ.
(وَ) يصحُّ المسحُ على (خُمُرِ نِسَاءٍ (^٣»، جمعُ «خِمارٍ»؛ ككِتابٍ وكُتُبٍ، وهو ثوبٌ تغطِّي به المرأةُ رأسَها، (مُدَارَةٍ) تلك الخُمرُ (تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ) أي: النِّساءِ؛ لأنَّ «أمَّ سلمةَ ﵂ كانت تَمسح على خِمارِها» ذكَره ابنُ المنذِرِ (^٤).
فلا يَجوز المسحُ على الوقايةِ؛ لأنَّها كطاقيَّةِ الرَّجلِ، لأنَّه (^٥) لا يَشقُّ نزعُ
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (لرجل) قال في «شرح الوجيز»: فرع: إن لبست المرأة عمامة الرَّجل، أو الرَّجل خمارًا؛ لم يجز لهما المسح؛ لأنَّ شبه كلِّ واحد من الصِّنفين بالآخر معصية للنهي عنه، فلا تناط به الرُّخصة، فإن اتَّفق لهما عذر فهو نادر لا يناط به حكم، قال الطوفي في «شرح الخرقي»، قلت: أهل الرِّيف والسَّواد كثيرًا ما يستعمل رجالهم القناع في الأوجاع، فينبغي أن يرخص لهم في المسح عليه؛ كالجبيرة والعمامة، وليس ذلك نادرًا فيهم، وإن سلِّم ندوره فبالنِّسبة إلى كلِّ فرد فرد منهم، أمَّا بالنِّسبة إلى صنف الرجال فليس بنادر. انتهى، والله أعلم.
(٢) في (أ): (مسح)، وسقط من (س).
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (خمر نساء) وهي الفوطة الَّتي تغطِّي المرأة بها رأسها. ا هـ. م خ. وكتب على هامش (س): قوله: (نساء): خرج به الخنثى، فلا يمسح على خماره، فتلخص أنه لا يمسح إلا على الخف. انتهى تقرير المؤلف.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٣، ٢٤٩)، وابن المنذر في الأوسط (٤٩٨)، ولا بأس بإسناده.
(٥) قوله: (لأنه) سقط من (أ) و(س) و(ك) و(ع) و(د).
[ ١٥٥ ]
واحدةٍ منهما (^١).
وإنَّما يصحُّ المسحُ على جميعِ ما تَقدَّم (فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ)، لا أكبرَ؛ لحديثِ صفوانَ قال: «أَمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن لا نَنْزِع خِفافَنا ثلاثةَ أيَّامٍ ولَياليهنَّ إلّا مِنْ جَنابةٍ» (^٢).
وقولُه (^٣): (يَوْمًا وَلَيْلَةً): ظَرفان للمسحِ، يَعني: أنَّه يصحُّ المسحُ على الخفِّ ونحوِه وعلى العمامةِ (^٤) والخُمُرِ مدَّةَ يومٍ وليلةٍ (لِمُقِيمٍ) وعاصٍ بسفرِه، أو دونَ المسافةِ، (وَثَلَاثَةَ) أيَّامٍ (بِلَيَالِيهِنَّ بِسَفَرِ قَصْرٍ) أي: في سفرٍ تُقصر فيه الصَّلاةُ، بأن كان مباحًا، مسافتُه يَومان فأكثرُ، كما سيَجيء في بابِه، وذلك لِما روَى شُريحُ بنُ هانئٍ قال: سألتُ عائشةَ عن المسحِ على الخُفَّين، فقالت: سَلْ عليًّا؛ فإنه كان يُسافر مع النبيِّ ﷺ، فسألتُه فقال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «للمسافرِ ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمُقيمِ يومًا وليلةً» رَواه مسلمٌ (^٥).
ويَخلع عندَ انقضاءِ المدَّةِ، فإن خافَ أو تَضرَّر رَفيقُه بانتظارِه؛ تَيمَّم، فلَو مسَح وصلَّى؛ أعادَ، نصَّ عليه (^٦).
ويَمسح المدَّةَ المذكورةَ، ولو نحوَ مستحاضةٍ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): أي: من الوقاية والطَّاقية بخلاف الخمار.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٠٩١)، والترمذي (٩٦)، وابن خزيمة (١٧)، وابن حبان (١١٠٠)، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان وغيرهم.
(٣) قوله: (وقوله) سقط من (س).
(٤) قوله: (وعلى العمامة) هو في (أ) و(س): والعمامة.
(٥) أخرجه مسلم (٢٧٦).
(٦) كتب على هامش (س): أي الإمام. انتهى تقرير مؤلفه. وينظر: مسائل أبي داود ص ١٦، مسائل حرب الطهارة ص ٣٨٩.
[ ١٥٦ ]
وابتداءُ مدَّةٍ مِنْ حدثٍ بعدَ لُبسٍ إلى مِثلِه (^١) مِنْ الثَّاني في حقِّ المقيمِ (^٢)، أو الرابعِ في حقِّ المسافرِ، فلَو مضَت المدَّة ولم يَمسح فيها؛ خلَع (^٣).
(وَ) يصحُّ المسحُ (عَلَى جَبِيرَةٍ)، وهي: أخشابٌ أو نحوُها، تُربط على كسرٍ أو نحوِه، سُمِّيَت بذلك تفاؤلًا؛ لحديثِ جابرٍ عنه ﷺ في صاحبِ الشَّجَّةِ: «إنَّما كان يَكفيه أن يَتيمَّم، ويَعضد أو يَعصِب على جُرحِه خرقةً، ويَمسحَ عليها، ويَغسلَ سائرَ جسدِه (^٤)» رَواه أبو داودَ (^٥).
إن (^٦) (لَمْ تَتَجَاوَزْ) تلك الجَبيرةُ (قَدْرَ حَاجَةٍ)، وهو موضعُ الكسرِ ونحوِه، وما لا بدَّ مِنْ وضعِ الجبيرةِ عليه مِنْ الصَّحيحِ؛ لأنَّه محلُّ حاجةٍ، فتقيَّد بقَدْرِها.
ويُجزِئ المسحُ بلا تيمُّمٍ (^٧)، وحديثُ صاحبِ الشَّجَّةِ يَحتمل أنَّ الواوَ (^٨) فيه بمعنى «أو»، ويَحتمل أنَّ التَّيمُّمَ فيه لشدِّه العصابةَ على غيرِ طهارةٍ.
وعُلم منه: أنَّه لا يَمسح عليها حيثُ تَجاوزَت قَدْرَ الحاجةِ، بل يَجب نَزعُها،
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (مثله): الضمير فيه عائد على محذوف مفهوم من السياق، أي: إلى مثل وقت حدثه. انتهى تقرير المؤلف.
(٢) قوله: (في حق المقيم) سقط من (س).
(٣) في (س): فلو مضت ولم يمسح. وكتب على هامش (س): قوله: (ولم يمسح …) إلخ، أي: بأن كان تيمم لعدم الماء مثلًا هذه المدة، فإنه إن وجد ماء بعد ذلك؛ فإنه يخلع. انتهى مؤلفه.
(٤) كتب على هامش (س): قوله في الحديث: (ويغسل سائر جسده) أي: باقيه إذ هو المتعين هنا، ويطلق أيضًا ويراد به: الجميع.
(٥) أخرجه أبو داود (٣٣٦)، والدارقطني (٧٢٩)، وفي سنده الزبير بن خُريق، وهو لين الحديث. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٣٩٤.
(٦) قوله: (إن) سقط من (س).
(٧) في (س): ويجزئ بلا تيمم.
(٨) في (س): يحتمل الواو. وكتب على هامش (ب): أي: في قوله: «ويمسح». ا هـ منه.
[ ١٥٧ ]
فإن خافَ ضررًا؛ تَيمَّم لزائدٍ، ومسَح قَدْرَ الحاجةِ، وغسَل الباقيَ، فيَجمع إذَنْ بينَ الثلاثةِ.
ويَمسح على الجبيرةِ (وَلَوْ فِي) حدثٍ (أَكْبَرَ)؛ لحديثِ جابرٍ، ولأنَّ الضَّررَ يَلحق بنَزعِها، بخلافِ نحوِ الخُفِّ.
ولا يَتقدَّر مسحُ الجَبيرةِ بمدَّةٍ، بل يَمسح عليها (إِلَى حَلِّهَا (^١» أي: نَزعِها؛ لأنَّ مَسْحَها للضَّرورة، فتقدَّر بقَدْرِها، وهي داعيةٌ إلى مَسحِها إلى حَلِّهَا (^٢)، فقُدِّر به، وبُرؤُها كحَلِّها، بل أَولى.
ومحلُّ صحَّةِ المسحِ على ما تَقدَّم: (إِذَا لَبِسَ الكُلَّ) مِنْ الخُفِّ ونحوِه، والعمامةِ والخُمُرِ والجَبيرةِ (بَعْدَ كَمَالِ طَهَارَةٍ بِمَاءٍ)؛ لِما روَى أبو بَكرةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ رخَّص للمسافرِ ثلاثةَ أيَّامٍ ولَياليهنَّ، وللمقيمِ يومًا وليلةً، إذا تَطهَّر فلَبِسَ خُفَّيه أن يَمسح عليهما» رَواه الشافعيُّ وابنُ خُزيمةَ والطَّبرانيُّ، وحسَّنه البخاريُّ، وقال (^٣): هو صحيحُ الإسنادِ (^٤).
_________________
(١) في (أ): أجلها. كتب على هامش (ع): قوله: (وجبيرة إلى حلها) يعني: أو برء ما تحتها، ولا فرق في ذلك بين المسافر وغيره، ويفارق مسح الجبيرة الخف في أشياء، منها: أنه لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، بأن خشي أن تزداد وجعًا أو شدة، بخلاف الخف، ومنها: أن يجب استيعابها بالمسح؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به، والخف يشق تعميم جميعه ويتلفه المسح، كغسله عمامة الرجل وخمار المرأة، وإن كان بعضها في محل الفرض وبعضها في غيره؛ مسح ما حاذى محل الفرض نصًّا، ومنها: أنه يمسح على الجبيرة من غير توقيت؛ لأن مسحها للضرورة، فيقيد بقدره، ومنها: جواز المسح عليها في الطهارة الكبرى للحوق الضرورة فيها، بخلاف غيرها، ومنها: أن المسح عليها عزيمة. [العلامة السفاريني].
(٢) في (أ): أجلها.
(٣) أي: الخطابي وليس البخاري كما سيأتي في التخريج.
(٤) أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٥٠)، وابن خزيمة (١٩٢)، وابن حبان (١٣٢)، وحسنه البخاري، وقال الخطابي: (هو صحيح الإسناد)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ينظر: العلل الكبير ص ٥٤، التلخيص الحبير ١/ ٤١٢، الصحيحة (٣٤٥٥)، ولم نقف عليه عند الطبراني.
[ ١٥٨ ]
والطُّهرُ المطلَقُ يَنصرف إلى الكاملِ، ولو مسَح فيها على حائلٍ (^١)، أو تَيمَّم لجُرحٍ (^٢).
وعُلم منه: أنَّه لا يَمسح على حائلٍ لَبِسَه على طهارةِ تيمُّمٍ.
وأنَّه لو غسَل رِجلًا، فأَدخلها الخُفَّ قبلَ غَسلِ الأُخرى؛ خلَع ثمَّ لَبِس بعدَ غَسلِ الأُخرى؛ لتَكمُل الطَّهارةُ قبلَ اللُّبسِ.
وكذا لو لَبِس العمامةَ بعدَ مسحِ رأسِه، وقبلَ غَسلِ رِجلَيه؛ فإنَّه لا يَمسح إلَّا إذا نزَعها، ثمَّ لَبِسَها بعدَ غَسلِ رِجلَيه.
ولو شدَّ الجَبيرةَ على غيرِ طهارةٍ بماءٍ؛ نزَع، فإن خافَ؛ تَيمَّم.
فلَو عمَّت الجَبيرةُ وجهَه ويدَيه؛ كفَى المسحُ بالماء عن التَّيمُّمِ (^٣).
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (فيها) أي: الطهارة، كأنْ مسح فيها على عمامته، أو تيمم فيها لجرح؛ كأنْ وضع جبيرة على نجاسة فتيمم عليها. انتهى تقرير المؤلف. كتب على هامش (ب): قوله: (ولو مسح فيها على حائل) بأن توضَّأ وضوءًا كاملًا مسح فيه على نحو عمامة أو جبيرة، ثمَّ لبس نحو خفٍّ فله المسح عليه؛ لأنَّها طهارة كاملة رافعة للحدث كالتي لم يمسح فيها على حائل. انتهى «شرح منتهى».
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (أو تيمم لجرح) أي: أو تيمم في طهارة بماء لجرحٍ في بعض أعضائه، ثمَّ لبس نحو خفٍّ جاز له المسح عليه؛ لتقدُّم الطَّهارة بالماء في الجملة. ا هـ «شرح منتهى».
(٣) كتب على هامش (ب): مطلب: (إذا عمَّت الجبيرة وجهه ويديه كفى المسح بالماء عن التَّيمم) ويعايا بها فيقال: إن الأصل ناب عن الفرع، وذلك لأنَّ التُّراب فرع عن الماء في الوضوء، وهو نائب عن التُّراب في هذه المسألة، فيكون قد ناب الأصل وهو الماء عن الفرع وهو التُّراب، فتأمَّل. اه.
[ ١٥٩ ]
(وَمَنْ مَسَحَ) على غيرِ جَبيرةٍ، وهو (فِي سَفَرِ) قَصرٍ (ثُمَّ أَقَامَ)؛ أتمَّ بقيَّةَ مسحِ مقيمٍ إن بَقِي منها شيءٌ (^١)، وإلّا خلَع؛ لانقطاعِ السَّفرِ، فلَو أحرمَ بصلاةٍ في سفينةٍ، فدخلَت محلَّ الإقامةِ في أثنائِها بعدَ اليومِ والليلةِ؛ بطَلَت، وكذا لو نوَى الإقامةَ.
(أَوْ عَكْسُهُ)؛ بأن مسَح مُقيمٌ أقلَّ مِنْ يومٍ وليلةٍ ثمَّ سافرَ؛ (فَمَسْحُ مُقِيمٍ) أي: فمسحُه الجائزُ إذَن بقيَّةُ مسحِ المقيمِ؛ تغليبًا للإقامة؛ لأنَّها الأصلُ.
وكذا لو شكَّ مسافرٌ هل ابتدأَ المسحَ حضرًا أو سفرًا؛ فإنَّه يُتمُّ مسحَ مقيمٍ.
ومَن شكَّ في بقاءِ مدَّةٍ؛ لم يَمسح، فإن فعَل فبان بقاؤها؛ صحَّ وضوءُه، فإن صلَّى قبلَ التبيُّنِ؛ أعادها.
وعُلم ممَّا تَقدَّم: أنَّه لو أَحدَث ثمَّ سافر قبلَ المسحِ؛ أتمَّ مَسْحَ مسافرٍ؛ لأنَّه ابتدأَ المسحَ مسافرًا.
وإذا تَقرَّر ذلك: (فَيَمْسَحُ) وجوبًا (ظَاهِرَ عِمَامَةٍ) أي: أكثرَ دوائرِها دونَ وسَطِها؛ لأنَّه يُشبه أسفلَ الخُفِّ.
ولا يَجب أن يَمسح مع عِمامةٍ ما جرَت عادةٌ بكَشفِه مِنْ رأسٍ، بل يُسنُّ.
(وَ) يَمسح وجوبًا (ظَاهِرَ قَدَمِ خُفٍّ) ونحوِه، أي: أكثرَ أَعلى القدمِ، قال في «الإنصاف»: على الصَّحيحِ مِنْ المذهبِ (^٢)، ولا يُسنُّ استيعابُه (^٣).
_________________
(١) قوله: (إن بقي منها شيء) مكانه في (س): إن كانت.
(٢) ينظر: الإنصاف ١/ ٤١٥.
(٣) كتب على هامش (ع): فائدة: نظم المحب ابن نصر الله الفروق الثمانية التي بين الجبيرة والخف، فقال: عزيمة ضرورة لم يشمل … والخرقَ والتوقيتَ فيها أَهْمِل وكلَّها امسح في الطهارتين … وقبلها الطهر على قولين
[ ١٦٠ ]
ويَبتدئُ المسحَ (مِنْ أَصَابِعِهِ إِلَى سَاقِهِ)، فيَضع يدَيه مُفرَّجتَي الأصابعِ على أطرافِ أصابعِ رِجلِيه، ثمَّ يُمِرُّهما على ظاهرِ قدمَيه (^١) إلى ساقَيه (^٢) مرَّةً واحدةً، وتُكره الزيادةُ عليها.
وكيف مسَح أجزأَ.
(دُونَ أَسْفَلِهِ) أي: الخُفِّ (وَعَقِبِهِ)، فلا يُجزِئ مَسْحُهما، بل ولا يُسنُّ.
ويَمسح وجوبًا على جميعِ جَبيرةٍ؛ لأنَّه لا ضررَ في تَعميمها، بخلافِ خُفٍّ ونحوِه، فإنَّه يَشقُّ تَعميمه، ويُتلفه المسحُ.
(وَمَتَى ظَهَرَ بَعْضُ مَحَلِّ فَرْضٍ)، مِنْ قدمٍ ورأسٍ، وفَحُش (^٣) فيه فقط (^٤)، أو ظهَر ما (^٥) تحتَ جَبيرةٍ (بَعْدَ حَدَثٍ) وقبلَ انقضاءِ مدَّةٍ غيرِ جَبيرةٍ (^٦)؛ استأنَف الطَّهارةَ.
وعُلم منه: أنَّه لو نزَع الخُفَّ أو العمامةَ أو الجَبيرةَ قبلَ الحدثِ، بأن نزَع ما ذُكِر وهو على الطَّهارةِ التي لَبِس فيها (^٧)؛ لم تَبطل طهارتُه.
_________________
(١) في (د) و(س) و(ك) و(ع): مشطي قدميه. وشُطب عليها في (أ) و(ب).
(٢) في (ب): ساقه.
(٣) كتب على هامش (س): قوله: (وفحش) أي: الظهور المفهوم من (ظهر)، وقوله: (فيه) أي: ظهور بعض الرأس. انتهى قرر بعضه المؤلف.
(٤) كتب على هامش (ب): أو انتقض بعض عمامة ولو كان المنتقض كورًا واحدًا؛ استأنف الطهارة، أشبه نزع الخف. انتهى.
(٥) قوله: (أو ظهر ما) هو في (س): وما.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (غير جبيرة) قيد به؛ لأن الجبيرة لا تقيد بمدة. انتهى.
(٧) قوله: (بأن نزع ما ذُكر وهو على الطَّهارة التي لبس فيها) سقط من (س).
[ ١٦١ ]
(أَوْ تَمَّتْ مُدَّتُهُ) أي: المسحِ، وهي اليومُ والليلةُ، أو الثلاثةُ؛ (اسْتَأْنَفَ) أي: ابتدأَ (الطَّهارةَ)، سواءٌ فاتَت المُوالاةُ أو لم تَفُت (^١)، فيَتطهَّر ويَغسل ما تحتَ الحائلِ، وبطَلَت الصَّلاةُ (^٢) إن وُجِد ذلك في أثنائِها.
وعُلم ممَّا ذكَرْنا: أنَّ انكشافَ يسيرٍ مِنْ الرَّأس لا يَضرُّ، قال الإمامُ أحمدُ: إذا زالَت عن رأسه فلا بأسَ به ما لم يَفحُش (^٣)؛ لأنَّه معتادٌ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): وهذا مبنيٌّ على أنَّ المسح يرفع الحدث، وعلى أنَّ الحدث لا يتبعَّض في النَّقض، فإذا خلع عاد الحدث إلى العضو الذي مسح الحائل عليه، فيسري إلى بقيَّة الأعضاء، فيستأنف الوضوء وإن قرب الزمن، قال أبو المعالي وغيره: إنَّ هذا هو الصَّحيح من المذهب عند المحقِّقين. انتهى «غاية».
(٢) في (س): الطهارة.
(٣) قوله: (ما لم يفحش) سقط من (ب) و(د) و(ك) و(ع). والمثبت موافق لما في الفروع ١/ ٢١٥، كشاف القناع ١/ ٢٧٩. وينظر: مسائل حرب كتاب الطهارة ص ٣٦٧.
[ ١٦٢ ]