هذا (كِتَابُ الطَّهَارَةِ) ف «كتابُ»: خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ (^١)، ويَجوز العكسُ، وأن يَكون مفعولًا لفعلٍ محذوفٍ، تقديرُه: اقرأ، أو خُذ، وكذا يُقال في نَظائرِه الآتيةِ.
والكتابُ: مصدرُ كتَب بمعنى جمَع يَكتب، كنصَر يَنصر (^٢)، كَتْبًا وكِتابًا وكِتابةً، وهو هنا بمعنى (^٣) المكتوبِ؛ كالخَلقِ بمعنى المخلوقِ، أي: هذا مكتوبٌ للطَّهارة، أي: مجموعٌ لبيانِ أحكامِها، أو بمعنى الكاتبِ؛ كالعدل بمعنى العادلِ، أي: هذا جامعٌ للطَّهارةِ.
وهي لغةً: النَّظافةُ، والنَّزاهةُ عنِ الأقذارِ، حسيَّةً كانت أو معنويَّةً (^٤).
وشرعًا: ارتفاعُ حدثٍ (^٥)، وما بمعناهُ (^٦)، وزَوالُ نَجَسٍ، أو ارتفاعُ حُكمِ ذلك (^٧).
_________________
(١) في (س): حذف مبتدؤه.
(٢) قوله: (كنصر ينصر) سقط من (س).
(٣) في (د): وهو بمعنى.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (أو معنوية) كالحقد والحسد. ا هـ. وكتب على هامش (ح): كالذنوب المنقصة للإنسان أو المدنسة لعرضه.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (ارتفاع حدث …) إلخ، إنَّما عبَّر في جانب الحدث بالارتفاع، وفي جانب الخبث بالزوال؛ لأنَّ المراد بالحدث هنا: الأمر المعنوي، والإزالة لا تكون إلا في الأجرام غالبًا، فلمَّا كان الخبث قد يكون جرمًا؛ ناسب التَّعبير معه بالإزالة، ولمَّا كان الحدث أمر معنويًّا ناسب التَّعبير عنه بما يناسب وإن ناسب غيره أيضًا، فتفطَّن. م خ.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (وما بمعناه) أي: بمعنى الحدث؛ كغسل اليدين من نوم اللَّيل، وغسل أنثييه بعد خروج مذي. ا هـ.
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (حكم ذلك): اسم الإشارة راجع إلى الثلاثة قبله، من قوله: (ارتفاع حدث، وما بمعناه، وزوال نجس)، مثل التيمم والاستنجاء بالحجر، انتهى تقرير مؤلفه. وكتب على هامش (ب): قوله: (أو حكم ذلك) أي: حكم الحدث، وما في معناه، والنَّجس، بما يقوم مقام الماء؛ كالتيمم والاستجمار.
[ ٦٥ ]
(المِيَاهُ): جمعُ ماءٍ، أقسامُها (ثَلَاثَةٌ)؛ لأنَّ الماءَ إمَّا أن يَجوز الوُضوءُ به أوْ لا، فالأوَّلُ الطَّهورُ، والثَّاني إمَّا أن يَجوز شُربُه أو لا، فالأوَّلُ الطَّاهرُ، والثَّاني النِّجِسُ.
وقد ذكَر المصنِّفُ الأوَّلَ بقَوله: (طَهُورٌ)، بمعنى مطهِّرٍ، أي: أوَّلُها طَهورٌ، (يَرْفَعُ) وحدَه دونَ قَسِيمَيه بقَرينةِ المَقامِ (الحَدَثَ (^١»، أي: يُزيل الوصفَ القائمَ بالبَدنِ، المانعَ مِنْ نحوِ الصلاةِ.
ويُطلق «الحَدثُ»: على الخارج مِنْ السَّبِيلَين، وعلى خُروجِه، وعلى (^٢) ما أَوجَب وُضوءًا ويُسمَّى الأصغرَ، أو غُسلًا ويُسمَّى الأكبرَ.
(ويُزِيلُ) أي: يُذهِب ذلك الطَّهورُ وحدَه أيضًا (النَّجَسِ الطَّارِئِ) أي: النَّجاسةِ الحادثةِ في مَحلٍّ طاهرٍ (^٣).
(وهُوَ) أي: الطَّهورُ: الماءُ (البَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ) أي: صِفَتِه التي خُلِق عليها مِنْ حرارةٍ أو بُرودةٍ، أو عُذوبةٍ أو مُلوحةٍ، أو غيرِها، (ولَوْ) كان بَقاؤه على خِلقَتِه (حُكْمًا)، يعني: أنَّ الباقيَ على خِلقَتِه قِسمان:
_________________
(١) في (س): وهو الحدث وهو.
(٢) قوله: (أي: يزيل الوصف القائم بالبدن) إلى هنا سقط من (س).
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (الحادثة في محلٍّ طاهر) مفهومه: أنَّها إذا لم تطرأ على محلٍّ طاهر أنَّها لا تطهر، وذلك كما لو طرأت نجاسة غير عينية على نجاسة عينية، قال م س: وهذا فيما إذا لم تكن النجاسة الطارئة مغلَّظة دون ما طرأت عليها بأن تساوتا، أمَّا لو طرأ على نحو حمار بولُ كلب وخنزير؛ فالظَّاهر أنَّه يزول حكم النجاسة المغلظة عن النجاسة العينية إذا غسلت سبعًا أُولاهن بالتراب. ا هـ.
[ ٦٦ ]
أحدُهما: ما يَبقى عليها حقيقةً؛ بأن لم يَطرأْ عليه شيءٌ أصلًا؛ كماءٍ نزَل مِنْ السَّماء، مِنْ مطرٍ، وذَوبِ ثَلجٍ وبرَدٍ، وكماءِ بَحرٍ ونَهرٍ وعَينٍ وبِئرٍ.
وثانِيهِما: ما يَبقى عليها حُكمًا، بأن طَرأَ عليه ما لا يَسلُب طَهُوريَّتَه؛ (كَمُتَغَيِّرٍ بِمُكْثِهِ) أي: بطُولِ إقامتِه في مقرِّه؛ لأنَّه ﷺ توضَّأ بماءٍ آجِنٍ (^١)، أي: متغيِّرٍ، يُقال: أجَن الماءُ، أَجنًا وأُجُونًا، من بابي «ضرب» و«قعد»: تغيَّر، إلَّا أنَّه يُشرب، فهو آجِنٌ بالمدِّ، قالَه في «المصباح» (^٢)، ولأنَّه تغيَّر عن غيرِ مخالَطةٍ، أَشبَه المتغيِّرَ بالمُجاوَرة، وحكَاه ابنُ المُنذِر (^٣) إجماعَ مَنْ يَحفظُ قولَه (^٤) مِنْ أهلِ العلمِ، سِوى ابنِ سِيرِينَ فإنَّه كَرِهه (^٥).
(أَوْ) متغيِّرٍ (بِطُحْلُبٍ)، بضمِّ اللام، وفتحُها تخفيفٌ: شيءٌ أخضرُ لَزِجٌ (^٦)،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٢٧٢)، عن عروة في قصة أحد، وما أصاب النبي ﷺ في وجهه، وفيه: فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه فوجد له ريحًا، فقال: «هذا ماء آجن»، فمضمض منه. وإسناده ضعيف؛ فيه عبد الله بن لهيعة، وهو منقطع.
(٢) ينظر: المصباح المنير ١/ ٦.
(٣) هو أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، فقيه حافظ، قال الذهبي: صاحب الكتب التي لم يصنف مثلها. منها: المبسوط في الفقه، والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، والإشراف على مذاهب أهل العلم، مات سنة ٣١٩ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٠٧، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٩٠.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (إجماع من يحفظ قوله): هو بالنصب على الحال، و(من) نكرة موصوفة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٥) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٣٤. وابن سيرين: هو أبو بكر، محمد بن سيرين، مولى أنس بن مالك الأنصاري، إمام ثقة، سمع أبا هريرة وابن عمر ﵃، سكن البصرة وولي القضاء فيها. ينظر: التاريخ الكبير ١/ ٩٠، وتهذيب التهذيب ٩/ ١٩٠.
(٦) كتب على هامش (س): قوله: (وفتحها تخفيف): مبتدأ وخبر، وقوله: (شيء أخضر): بيان لطحلب، واللزج: الذي يعلق بما يصيبه. انتهى تقرير مؤلفه. وكتب على هامش (ب): قوله: (وفتحها): مبتدأ، (تخفيف): خبر، وعلى نية القطع والاستئناف، لا أنَّه معطوف على قوله: (بضمِّ اللَّام)، كما لا يخفى، فتأمَّل. ا هـ.
[ ٦٧ ]
يُخلَق في الماء ويَعلُوه.
(أَوْ) متغيِّرٍ (^١) (بِوَرَقِ شَجَرٍ) سقَط في الماء بنَفسِه، أو بفعلِ غيرِ ذي قصدٍ.
(أَوْ) متغيِّرٍ (^٢) (بِمَمَرِّهِ) أي: محلِّ مُرورِه، بأن تغيَّر (^٣) بنحوِ كِبرِيتٍ (وَنَحْوِهِ)؛ كمتغيِّرٍ بآنيةِ أُدْمٍ أي جلودٍ أو آنيةِ نُحاسٍ وحديدٍ.
(أَوْ) متغيِّرٍ (بِمُجَاوِرٍ) بالتَّنوين (^٤) (نَجِسٍ) أي: برِيحِ نحوِ ميتةٍ نجسةٍ بمحلٍّ قريبٍ مِنْ الماء، قال في «الشَّرح» و«المُبدِعِ»: بغيرِ خلافٍ نَعلمه (^٥).
فهذا المتقدِّمُ كلُّه طَهورٌ غيرُ مكروهٍ.
ثمَّ أَشار إلى ما يُكره مِنْ الطَّهور بقَوله: (وَكُرِهَ) بالبناءِ للمفعول، (مِنْهُ) أي: مِنْ الطَّهورِ: (شَدِيدُ حَرٍّ)، نائبُ فاعلِ «كُرِه»، أي: يُكره ماء (^٦) اشتدَّ حرُّه بنارٍ أو شمسٍ؛ لأنَّه يَمنع كمالَ الطَّهارةِ، فلَو بُرِّد لم يُكره، (أَوْ) شَديدُ (بَرْدٍ) أي: يُكره (^٧) ما اشتدَّ بَردُه؛ لِما تقدَّم (^٨).
(وَ) كُره منه ماءٌ (مُسَخَّنٌ بِنَجِسٍ) أي: بنجاسةٍ، ولو بُرِّد؛ لأنَّه لا يَسلم غالبًا مِنْ دُخَانِها، فإن (^٩) تَحقَّق وصولَه إليه، وكان الماءُ يَسيرًا؛ تَنجَّس (^١٠).
_________________
(١) قوله: (متغير) سقط من (س).
(٢) قوله: (متغير) سقط من (س).
(٣) قوله: (بأن تغير) سقط من (س).
(٤) في (س): اسم فاعل منون.
(٥) ينظر: الشرح الكبير ١/ ٤١، المبدع ١/ ٣٦.
(٦) في (س): ما.
(٧) قوله: (يكره) سقط من (س).
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (لما تقدم) أي: لأنَّه يمنع كمال الطهارة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٩) في (س): وإن.
(١٠) كتب على هامش (س): قوله: (وإن تحقق …) إلخ: هو استئناف بياني إذ هو واقع في جواب سؤال مقدر، تقديره: هل هذا الحكم وهو الكراهة ثابت ولو تحقق وصوله إليه، أم ليس كذلك؟ فأجاب بقوله: وإن تحقق، انتهى، قرر المؤلف بعضه، وبعضه أخذ بدلالة الالتزام.
[ ٦٨ ]
وكُرِه إيقادُ النَّجاسةِ في تَسخين ماءٍ وغيرِه.
ويُستثنى مِنْ كَراهة (^١) المسخَّنِ بنَجسٍ: الحمَّامُ، قال في «المبدِع»: لأنَّ الرُّخصةَ في دخول الحمَّامِ تَشمل المَوقودةَ (^٢) بالطَّاهرِ والنَّجسِ. انتهى (^٣).
ومحلُّ كَراهةِ ما اشتَدَّ حرُّه أو بَردُه، أو سُخِّن بنَجسٍ: إذا (لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ)، بأن وُجِد غيرُه، فإن احتِيجَ إليه بأن لم يُوجد غيرُه (^٤)؛ تعيَّن بلا كَراهةٍ؛ لأنَّ الواجبَ لا يَكون مكروهًا، وكذا حكمُ (^٥) كلِّ مكروهٍ.
(أَوْ) أي: وكُرِه منه متغيِّرٌ (بِغَيْرِ مُمَازِجٍ) أي: مخالِطٍ تَذهب أَجزاؤه فيه؛ (كَ) متغيِّرٍ بِ (دُهْنٍ)، بضمِّ الدالِ: ما يُدهن به مِنْ زيتٍ وغيرِه، (وَ) كمتغيِّرٍ بِ (قِطَعِ كَافُورٍ)، وعُودٍ قَمَارِيٍّ بفتحِ القافِ، وعَنبرٍ، لم يُستَهلك ذلك في الماءِ، ولم يَتحلَّل فيه.
(أَوْ) أي: وكُرِه منه متغيِّرٌ (بِمِلْحٍ مَائِيٍّ)، وهو الماءُ الذي يُرسل على السِّباخ، فيَصير مِلحًا.
وفُهِم منه: أنَّ الملحَ المعدنيَّ كباقي الطاهراتِ، فيَسلُب الطَّهوريَّةَ إذا غيَّر كثيرًا، كما سيَجيءُ.
وكذا لو كان الماءُ الذي انعَقَد الملحُ منه مَسلوبَ الطَّهوريَّةِ.
_________________
(١) في (ك) و(د): كراهية.
(٢) في (ك) و(د): الموقدة.
(٣) ينظر: المبدع ١/ ٤٠.
(٤) قوله: (بأن لم يوجد غيره) سقط من (س).
(٥) قوله: (حكم) سقط من (أ) و(د).
[ ٦٩ ]
ومحلُّ (^١) كراهة ما ذُكِر إذا لم يُحتج إليه كما تقدَّم، ولو أخَّر المصنِّفُ قولَه: «لم يُحتَج إليه» إلى هنا لَكان أَولى (^٢).
و(لَا) يُكره مِنْ الطَّهورِ ماءٌ (مُسَخَّنٌ بِشَمْسٍ) مطلقًا، أي: سواءٌ كان في آنيةٍ مُنطَبِعَةٍ؛ كالنُّحاسِ، أو لا؛ كالأُدُمِ، حيثُ لم يَشتدَّ حرُّه، وما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لعائشةَ ﵂ وقد سخَّنَت ماءً في الشمسِ: «لا تَفعَلِي؛ فإنَّه يُورِثُ البَرَصَ» (^٣)، قال النَّوويُّ: (هو حديثٌ ضعيفٌ باتِّفاقِ المحدِّثِين) (^٤)، ومنهم مَنْ يَجعله موضوعًا، ويَعضُد ذلك: إجماعُ أهلِ الطبِّ على أنَّ ذلك لا أثرَ له في البَرصِ.
(أَوْ) أي: ولا يُكره أيضًا مسخَّنٌ (بِطَاهِرٍ)؛ كالحَطَب نصًّا (^٥)؛ لعُمومِ الرُّخصةِ، وعن عمرَ: «أنَّه كان يُسخَّن له ماءٌ في قُمقُمٍ، فيَغتسل به» رَواه الدارَقُطنيُّ بإسنادٍ صحيحٍ (^٦). ومحلُّه: إذا لم يَشتدَّ حرُّه أيضًا.
(وَإِنْ خَلَتْ) امرأةٌ (مُكَلَّفَةٌ) أي: بالغةٌ عاقلةٌ، ولو كافرةً (^٧)، حرَّةً أو أمةً،
_________________
(١) في (أ): وهل.
(٢) قوله: (ومحل كراهة ما ذكر …) إلخ، سقط من (س).
(٣) أخرجه الدارقطني (٨٦)، والبيهقي في الكبرى (١٤)، وفيه خالد بن إسماعيل وهو متروك.
(٤) ينظر: المجموع للنووي ١/ ٨٧.
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٥٦.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٥)، وابن أبي شيبة (٢٥٤)، وأبو عبيد في الطهور (٢٥٥)، وابن المنذر في الأوسط (١٦٦)، والدارقطني (٨٥)، والبيهقي في الكبرى (١١)، وصححه الألباني في الإرواء ١/ ٤٨، وعلقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ٥٠).
(٧) كتب على هامش (ع): قوله: (كافرة) قال: م ص: لأنها أبعد من الطهارة، ولا يخفى ما فيه، فإن الكافرة لا تصح منها الطهارة لفقد شرطها، وهو النية؛ لأنها لا تصح منها نية على ذلك. [العلامة السفاريني] كتب على هامش (ب): قوله: (ولو كافرة) كذا قال علماؤنا ﵃؛ لعموم الخبر، مع اعتبارهم كمال الطَّهارة، ومن المعلوم أن طهارة الكافرة لا توصف بالكمال؛ إذ من شرط الطهارة النية التي من شرطها الإسلام، فمتى تكون طهارة الكافرة كاملة حتَّى تؤثر خلوتها في الماء؟ وانظر هل مرادهم في غسل لحلِّ وطء الزَّوج أو لا؟ وعندي لا أثر لخلوة الكافرة؛ لأنَّ طهارتها لا تكون كاملة؛ لتخلُّف أقوى شروطها، وأمَّا غسل الكافرة الكتابيَّة لحلِّ زوجها فإنَّما هو لأجل تخفيف ذلك، بدليل عدم صحَّة صلاتها في ذلك لو أسلمت على فرض وجود ذلك، مع أنَّ مجرَّد إسلامها يوجب الغسل في الأصح، والحاصل: أنَّ المختار عدم تأثير خلوة الكافرة بالماء المذكور، وعموم الخبر لا ينافي ذلك؛ لأنَّها ليست من أهل الطهارة المأخوذ في عموم قوله ﵇: «بفضل طهور المرأة» فأنَّى للكافرة طهارة! والأمر في ذلك تعبُّدي فلا يقاس عليه، فقياسها على المسلمين غير صحيح، ولأنَّه قياس مع الفارق. ا هـ. محمَّد سفاريني.
[ ٧٠ ]
(بِ) مَاءٍ (يَسِيرٍ) دونَ القُلَّتَين، (لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) أي: تامَّةٍ، استَعمَلَتْه (^١) فيها، (عَنْ حَدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ، وجوابُ «إنْ» قولُه: (لَمْ يَرْفَعْ) ذلك الطَّهورُ الباقي عن طهارتِها (حَدَثَ رَجُلٍ) أي: ذكَرٍ بالغٍ، وكذا لا يَرفع حدثَ خُنثَى مشكِلٍ بالغٍ، حدثًا أصغرَ أو أكبرَ، بل ليس لهما استعمالُه أيضًا في وُضوءٍ وغُسلٍ مُستحَبَّين، ولا في غَسلِهما مَيِّتَين، كما هو مُقتضَى كلامِ غيرِه.
والأصلُ في ذلك: ما رَوى الحَكَمُ بنُ عَمرٍو الغِفاريُّ قال: «نهَى النَّبيُّ ﷺ أن يَتوضَّأ الرَّجلُ بفَضلِ طَهورِ المرأةِ» رَواه الخمسةُ، إلّا أنَّ النَّسائيَّ وابنَ ماجَه قالَا: «وَضوءِ المرأةِ»، وحسَّنه الترمذيُّ، وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ، واحتجَّ به الإمامُ في روايةِ الأَثرمِ (^٢).
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (استعملته): أي لا بد في هذا من أن تستعمله، وإلا بأن خلت به ولم تستعمله؛ لم يضر، وإن كان ظاهر المتن يعطي خلافه. انتهى تقرير المؤلف.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٦٥٥)، وأبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، والنسائي (٣٤٣)، وابن ماجه (٣٧٣)، وابن حبان (١٢٦٠)، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، ومال إلى عدم صحته أحمد والبخاري. ينظر: العلل الكبير للترمذي (٣٢)، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ٣٩، وينظر احتجاج أحمد في سنن الأثرم ص ٢٥٠.
[ ٧١ ]
والمرادُ بالخَلوة المذكورةِ: ألا يُشاركها، ولا يَحضرها حالةَ الاستعمالِ مَنْ تَزول به خَلوةُ النِّكاحِ، ولو مُميِّزًا، أو أَعمى (^١)، أو كافرًا، ذكرًا (^٢) أو أُنثى، فمتى (^٣) شاركَها أو شاهَدها أحدٌ ممَّن (^٤) ذُكر في الطَّهارة كلِّها أو بعضِها؛ لم يؤثِّر ذلك في الماء.
وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه لا أثرَ لخَلوةِ صغيرةٍ بالماء، ولا لخَلوةِ مكلَّفةٍ بماءٍ كثيرٍ (^٥)، أو ترابٍ، أو لبعضِ طهارةٍ، أو لطهارةٍ مستحبَّةٍ، أو لإزالةِ خَبثٍ، وأنَّه يُزيل خبثَ الرَّجلِ والخُنثَى، وأنَّه يَرفع حدثَ الصغيرِ والأُنثى.
زادَ المصنِّفُ: جوازَ غَسلِ رَجُلٍ ذكَرَه وأُنثيَيه لخروجِ مَذْيٍ. انتهى، ووجهُه: إلحاقُه بالنَّجاسةِ؛ إذ لم يُعتبر فيه نيَّةٌ ولا تَسميةٌ كما سيَجيء (^٦).
القسمُ (الثَّانِي) مِنْ أقسامِ الماءِ: (طَاهِرٌ) في نَفسِه، غير (^٧) مطهِّرٍ لغيرِه، (وَهُوَ) أي: الطَّاهرُ: (مَا تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ)، في غيرِ محلِّ تَطهيرٍ (^٨)، (بِ) مخالَطةِ شيءٍ (طَاهِرٍ) مِنْ غيرِ جنسِ الماءِ، ممَّا لا يَشقُّ صَونُ الماءِ عنه، بطَبخٍ (^٩)؛ كمَرَقِ الباقِلَّا أو غيرِه، كما لو سقَط فيه نحوُ زَعفَرانٍ فتَغيَّر به، فيَسلُبه الطَّهوريَّةَ؛ لأنَّه زالَ إطلاقُ (^١٠) اسمِ الماءِ عليه بلا قَيدٍ، بل يُقال فيه:
_________________
(١) في (س): أعمى أو مميزًا.
(٢) قوله: (ذكرًا) سقط من (أ) و(س).
(٣) في (ب): فمن.
(٤) في (أ) و(س): من.
(٥) قوله: (بالماء، ولا لخلوة مكلفة بماء كثير) هو في (س): ولا لخلوتها بكثير.
(٦) قوله: (ووجهه إلحاقه بالنَّجاسة؛ إذ لم يعتبر فيه نية ولا تسمية كما سيجيء) سقط من (س).
(٧) قوله: (غير): سقط من (أ) و(د).
(٨) كتب على هامش (ب): قوله: (في غير محل تطهير) أي: فإن تغيَّر في محلِّه لم يؤثر. ا هـ. م ص.
(٩) كتب على هامش (س): قوله: (بطبخ): متعلق بقول المتن: تغير. انتهى تقرير مؤلفه.
(١٠) كتب على هامش (س): قوله: (لأنه زال إطلاق …) إلخ: الضمير في (لأنه): ضمير الشأن، و(إطلاق): فاعلُ (زال). انتهى تقرير مؤلفه.
[ ٧٢ ]
ماءُ زَعفَرانٍ، ماءُ باقِلَّا، ونحوُه، ولأنَّ الكثيرَ مِنْ الصِّفة بمَنزلةِ كلِّها.
وعُلم منه: أنَّه لا يَسلُبه (^١) الطَّهوريَّةَ تغيُّرٌ يسيرٌ مِنْ صفةٍ، فلو كان اليسيرُ مِنْ صِفتَين أو ثلاثٍ يَعدِل الكثيرَ مِنْ صفةٍ؛ سلَب الطَّهوريَّةَ.
(غَيْرِ) ترابٍ (^٢)، ولو وُضِع قصدًا، و(مَا مَرَّ) ذِكرُه في الطَّهور ممَّا لا يُمازِج الماءَ؛ كدُهنٍ، وقِطَعِ كافورٍ، وما أصلُه الماءُ كالملحِ المائيِّ، فإنَّ المتغيِّرَ بهذا لا تُسلَب طَهوريَّتُه، سواءٌ سقَط فيه بنَفسِه، أو وَضعَه فيه واضعٌ.
(أَوْ) أي: ومِن أقسامِ الماء (^٣) الطَّاهرِ: ما (رُفِعَ)، بالبناءِ للمفعولِ (بِقَلِيلِهِ) أي: الطَّهورِ، أي: بما دونَ القُلَّتَين، (حَدَثٌ)، نائبُ فاعلِ «رُفِعَ»، يَعني: أنَّ الماءَ اليسيرَ المستعمَلَ في رفعِ حدثٍ أكبرَ أو أصغرَ يَكون (^٤) طاهرًا غيرَ مطهِّرٍ، وكذا يسيرٌ استُعمِل في غَسلِ ميتٍ، لكنْ ما دامَ الماءُ متردِّدًا على الأعضاء؛ فطَهورٌ، ولا يَصير الماء (^٥) مستعمَلًا في الطَّهارتَين (^٦) إلّا بانفصالِه (^٧).
_________________
(١) في (س) و(ك): لا يسلب.
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (تراب) أي: طهور، فأما إذا كان مستعملًا؛ فكباقي الطاهرات، فيسلب الطهورية كما يدل له تعليلهم، صرح به م. ص في ش ع. [العلامة السفاريني].
(٣) قوله: (الماء) سقط من (أ) و(س).
(٤) قوله: (يكون) سقط من (س).
(٥) قوله: (الماء) سقط من (س).
(٦) قوله: (في الطهارتين) سقط من (س).
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (بانفصاله)، أي: بشرط كمال الطهارة، فيكون استعماله موقوفًا على كمال الطهارة، فإن كملت؛ تبينَّا أنَّه مستعمل من حين انتقاله عن العضو، وإن لم تكمل الطهارة؛ لم يكن الماء مستعملًا، كما يفهم ذلك من كلام «الإنصاف»، هكذا قرَّره عثمان النجدي. وكتب بعده: محمولٌ هذا على الطهارة الصغرى، وأمَّا الطهارة الكبرى يصير مستعملًا مطلقًا، أي: سواء كملت الطهارة أو لا. ا هـ.
[ ٧٣ ]
وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه لو كان الماءُ في الصُّوَر الثَّلاثِ (^١) كثيرًا، كما لو انغَمَس الجُنبُ، أو غمَس المتوضِّئُ أعضاءَ وُضوئِه واحدًا بعدَ واحدٍ، أو غُمس الميتُ في كثيرٍ؛ لم تنسلِب طَهوريَّتُه (^٢).
وأنَّه لو استُعمِل اليسيرُ في طهارةٍ مستحبَّةٍ؛ كتجديدِ وضوءٍ، وغُسلِ جمعةٍ، وغَسلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ؛ لم تنسلِب طَهوريَّتُه أيضًا، لكنْ صرَّح في «الإقناع» (^٣) بكراهةِ هذا النوعِ؛ أَعني: المستعمَلَ في طهارةٍ مستحبَّةٍ (^٤)، وظاهرُ «المُنتهَى» ك «التَّنقيحِ» و«الفروعِ» و«المُبدِعِ» و«الإنصافِ» وغيرِها: عدمُ الكراهةِ، واستوجَه المصنِّفُ (^٥) ما ذكرَه صاحبُ «الإقناعِ».
وقد يُقال: الظَّاهرُ لا يُعارِض الصَّريحَ (^٦)؛ لقوَّته، فلعلَّ ظاهرَ كلامِهم
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (في الصور الثلاث) هي المذكورة في قوله: (حدث أكبر أو أصغر …) إلى قوله: (في غسل ميت)، ودل على ذلك بقوله: (كما لو انغمس …) إلخ، ففيه لف ونشر مرتب. انتهى، قرر المؤلف بعضه، وعُرف الآخر باللازم.
(٢) كتب على هامش (ب): لكن يرد عليه ما في «الإقناع» فإنَّه قال: ولو اغترف المتوضِّئ بيده بعد غسل وجهه من قليل، ونوى رفع الحدث عنها فيه؛ سلبه الطهوريَّة، ثمَّ قال: ويصير الماء مستعملًا في الطَّهارتين بانتقاله من عضو إلى آخر بعد زوال اتِّصاله، لا بتردُّده على الأعضاء المتَّصلة، فلم يشترط كمال الطَّهارة للسَّلب، بل مجرَّد الانفصال كافٍ في سلب الطهورية، فليتأمَّل. أقول: تأمَّلناه فوجدنا ما ذكرته عن «الإقناع» ليس فيه ردٌّ على الشَّارح ﵀؛ لأنَّ كلام «الإقناع» كغيره مطلق، والشَّيخ عثمان قيَّده بما ذكره مستدلًّا بما يفهم من «الإنصاف»، فنسأل الله أن يرزقنا الإنصاف، وأيضًا قد يؤخذ من كلام المصنف كغيره حيث قالوا: (أو رفع بقليله حدث) أي: أصغر أو أكبر، ومن المعلوم أنَّه إذا لم تكمل الطهارة لم يحصل رفع حدث، فحينئذ يتعيَّن ما قاله الشَّارح ﵀. ا هـ. شيخنا غنام النجدي.
(٣) ينظر: كشاف القناع ١/ ٥٤.
(٤) قوله: (أعني: المستعمل في طهارة مستحبَّة) سقط من (س).
(٥) ينظر: كشاف القناع ١/ ٥٤.
(٦) كتب على هامش (ع): قوله: (الظاهر لا يعارض الصريح) يعني ظاهر ما في «المنتهى» و«التنقيح» لا يعارضان صريح «الإقناع»؛ لإمكان أن يكون كظاهر غير مراد، بخلاف الصريح، والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
[ ٧٤ ]
غيرُ مرادٍ (^١).
وأمَّا المستعمَلُ في طهارةٍ غيرِ مستحبَّةٍ؛ كرابعةٍ في وضوءٍ وغُسلٍ، وثامنةٍ في إزالةِ نجاسةٍ بعدَ زوالِها، أو في تبرُّدٍ وتنظُّفٍ؛ فطَهورٌ غيرُ مكروهٍ.
(أَوْ) أي: ومِن الطَّاهر ماءٌ قليلٌ (^٢) (غُمِسَ فِيهِ (^٣»، بالبناء للمفعولِ (^٤) (كُلُّ) أي: جميعُ (يَدِ (^٥) مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، (قَائِمٍ) أي: مستيقِظٍ، (مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) نومًا يَنقض الوضوءَ، ولو غَمسَها (^٦) ناسيًا أو جاهلًا أو مكرَهًا، أو حصَل الماءُ في كلِّها مِنْ غيرِ غَمسٍ؛ بأن صَبَّ على جميعِ يَدِه مِنْ الكُوعِ إلى أطرافِ الأصابعِ، ولو باتَت مَكتوفةً، أو بجِرابٍ ونحوِه، حيثُ كان (^٧) ذلك قبلَ غَسلِها ثلاثًا بنيَّةٍ شُرِطَت، وتسميةٍ وجَبَت.
ولا فرقَ في ذلك بين الذَّكرِ والأُنثى (^٨)، فيَسلُبُه الطَّهوريَّةَ، سواءٌ نوَى الغُسلَ بذلك الغَمسِ أو لا؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁ يَرفعه: «إذا اسْتَيقَظَ أَحَدُكم مِنْ نَومِه، فلا يَغمِسْ يَدَه في الإناءِ حتَّى يَغسِلَها ثَلاثًا؛ فإنَّه لا يَدرِي أينَ باتَتْ يَدُه» متَّفق عليه، ولفظُه لمسلمٍ (^٩).
_________________
(١) قوله: (وقد يقال: الظاهر لا يعارض الصريح؛ لقوَّته، فلعلَّ ظاهر كلامهم غير مراد) سقط من (س).
(٢) قوله: (قليل) سقط من (س).
(٣) قوله: (فيه) سقط من (س).
(٤) زيد في (س): أي في قليل الطهور، ونائب الفاعل قوله.
(٥) قوله: (كُلّ أي: جميع يَدِ) هو في (أ) و(س) كل يد، أي جميع.
(٦) قوله: (غمسها) سقط من (س).
(٧) قوله: (حيث كان) مكانه في (س): وكان.
(٨) كتب على هامش (ع): والخنثى أيضًا.
(٩) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).
[ ٧٥ ]
وعُلم ممَّا تقدَّم (^١): أنَّه لا أثرَ لغَمسِ اليَدِ في الكثيرِ، ولا لغَمسِ غيرِها؛ كرأسٍ ورِجلٍ وذراعٍ؛ إذ المرادُ ب «اليد» هنا: مِنَ الكوعِ إلى أطرافِ الأصابعِ كما تقدَّم (^٢)، ولا لغَمسِ بعضِها بلا نيَّةٍ، خلافًا لجمعٍ، ولا لغَمسِ يَدِ كافرٍ أو صغيرٍ أو مجنونٍ، أو قائمٍ مِنْ نومِ نهارٍ مطلقًا (^٣)، أو مِنْ نومِ ليلٍ نومًا (^٤) لا يَنقض الوضوءَ؛ كيسيرِ نومِ قائمٍ وقاعدٍ.
لكنْ إن لم يَجِد مَنْ وجَبَت عليه طهارةٌ غيرَ هذا النوعِ أَعني: ما غُمِسَت فيه يَدُ القائمِ مِنْ نومِ الليلِ؛ استَعمَله وجوبًا، فيَنوي به رفعَ الحدثِ، ثمَّ يَتيمَّم وجوبًا.
قال المصنِّفُ: قلتُ: فإن كانت الطَّهارةُ عن خبثٍ؛ استَعمَله، ثمَّ يَتيمَّم إن كانت بالبَدنِ. انتهى (^٥).
وأَولى مِنْ هذا النوعِ: ما خلَت به المرأةُ، كما في «المنتهَى» (^٦)، فيقدَّم عليه (^٧).
(أَوْ كَانَ) قليلُ الطَّهورِ (آخِرَ غَسْلٍ)؛ كالسَّابعة أو ما بعدَها في نجاسةٍ على غيرِ نحوِ أرضٍ (^٨) (زَالَتْ بِهِ) أي: بذلك
_________________
(١) كتب على هامش (ع): المتقدم قول الشارح: (ومن الطاهر ماء قليل غمس) فتأمل. [العلامة السفاريني].
(٢) قوله: (وذراع؛ إذ المراد ب «اليد» هنا: من الكوع إلى أطراف الأصابع، كما تقدَّم) سقط من (س).
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (مطلقًا)، أي: سواء كان ذلك النوم ناقضًا للوضوء أو لا، وهذا إطلاق سابق في مقابلة قيد لاحق. ا هـ. تقرير شيخنا غنام النجدي.
(٤) قوله: (نومًا) سقط من (س).
(٥) ينظر: كشاف القناع ١/ ٥٦.
(٦) ينظر: المنتهى مع حاشية عثمان ١/ ٦.
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (فيقدم عليه): أي مع التيمم كما مر. انتهى تقرير مؤلفه.
(٨) كتب على هامش (س): قوله: (على غير نحو أرض): أما ما على نحوها؛ كحائط متصلة بها؛ فيكفي غسلة واحدة. انتهى.
[ ٧٦ ]
القليلِ (^١) (النَّجَاسَةُ) أي: طَهُر محلُّها (^٢)، (وانْفَصَلَ) القليلُ عن المحلِّ الَّذي طَهُر (غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ) بالنَّجاسة؛ فإنَّه طاهرٌ؛ لأنَّ المنفصِلَ بعضُ المتَّصِلِ، والمتَّصِلُ طاهرٌ.
وعُلم منه: أنَّ ما انفصَل قبلَ طهارةِ المحلِّ؛ فنَجسٌ مطلقًا إن كان قليلًا، ولو بعدَ السَّابعةِ، وكذا لو انفصَل بعدَ طهارةِ المحلِّ، وكان متغيِّرًا، وأمَّا لو انفصَل عن محلٍّ طَهُر أو لم يَطهُر (^٣) وكان كثيرًا غيرَ متغيِّرٍ؛ فطَهورٌ.
القسمُ (الثَّالِثُ) مِنْ أقسامِ الماءِ (^٤): (نَجِسٌ)، بتَثليثِ الجيمِ وسكونِها، (وَهُوَ) لغةً: المستقذَرُ، وهنا: (مَا تَغَيَّرَ بِنَجَسٍ) أي: بنجاسةٍ (^٥)، قليلًا كان الماءُ (^٦) أو كثيرًا، قلَّ التغيُّرُ أو كثُر، في غيرِ محلٍّ قابلٍ للتَّطهير (^٧).
وفيه (^٨): طَهورٌ إن كان الماءُ واردًا، فإن كان مَورودًا، بأن غُمِس متنجِّسٌ
_________________
(١) في (س): أي بالقليل.
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (أو كانت آخر غسلة …) إلخ؛ في عبارته إجمال، فإن السابعة لا تخلو: إما أن تكون كثيرة أو لا، وعلى كل: إما تكون متغيرة بالنجاسة، أو عين النجاسة فيه أو لا، أما إذا كان متغيرًا فنجس مطلقًا، وأما إذا لم يكن متغيرًا، لا يخلو إما أن يكون كثيرًا أو لا، وعلى كلٍّ: إما أن تكون عين النجاسة به أو لا، أما إذا كان كثيرًا فطهور، ولو مع بقاء النجاسة، وأما إذا كان قليلًا فإن كانت عين النجاسة به فنجسٌ، وإلا فطاهر كغيره من الطاهرات. والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٣) قوله: (أو لم يطهر) سقط من (س).
(٤) في (د): المياه.
(٥) في (أ)، (س) و(ك) و(د): نجاسة.
(٦) قوله: (الماء) سقط من (ب) و(س).
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (في غير محلٍّ قابل للتَّطهير …) إلخ، وعلم منه: أنَّه إذا لم يكن المحل قابلًا للتطهير؛ كجلد الميتة ونحوه، أنه يكون نجسًا إن كان كثيرًا وتغيَّر، أو يسيرًا وإن لم يتغيَّر. ا هـ.
(٨) كتب على هامش (ب): قوله: (وفيه) أي: في المحلِّ القابل للتَّطهير. ا هـ.
[ ٧٧ ]
في ماءٍ، فإن كان قليلًا؛ نَجُس بمجرَّدِ المُلاقاةِ، أو كثيرًا وتغيَّر؛ نَجُس أيضًا، وإلَّا فلا، فإن تغيَّر بعضُه؛ فما تغيَّر فنَجسٌ، وغيرُه طَهورٌ إن كَثُر.
(وَيَسِيرٌ) بالرفع، عطفًا على «مَا تَغَيَّرَ»، أي: ومِن النجسِ: ماءٌ قليلٌ دونَ القُلَّتَين (لَاقَى نَجَاسَةً) أي: اختَلَط (^١) بها، ولو كانت صغيرةً لا يُدرِكها طَرْفٌ، أو لم يَمضِ زمنٌ تَسرِي فيه (^٢)؛ كمائعٍ وطاهرٍ (^٣) ولو كَثُرا (^٤).
(لَا بِمَحَلِّ تَطْهِيرٍ) يَعني: أنَّ القليلَ الواردَ على محلٍّ نَجسٍ يُمكن تطهيرُه، لا يَنجُس بمجرَّدِ المُلاقاةِ للنَّجاسةِ، وإلّا لم يُمكن تطهيرُ نجاسةٍ بماءٍ قليلٍ.
وههُنا مسألةٌ يَغلط فيها بعضُ حنابلةِ مصرَ، وهي: ما إذا نزَل مِنْ نحوِ راويةٍ أو إبريقٍ ماءٌ على نجاسةٍ، فيُنجِّسون بذلك ما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ مِنْ الماء، ولا وجهَ لتَنجيسِه أصلًا؛ فإنَّ الأصحابَ قسَّموا النَّجسَ إلى قِسمين: متغيِّرٍ بالنَّجاسةِ، وملاقٍ لها، والتقسيمُ في موضعِ البيانِ يُفيد الحصرَ، وما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ (^٥) مِنْ الماء في الصورة المذكورةِ ليس واحدًا مِنْ القِسمَين، وقد صرَّح بمعنى ذلك في «التَّلخيص» (^٦)، وأشارَ إليه في «الرِّعاية الكُبرى».
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (اختلط): المراد بالاختلاط مطلق المباشرة، لا الاختلاط المقابل للمجاورة. انتهى تقرير مؤلفه.
(٢) في (د): فيه النجاسة.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (كمائع) من نحو زيتٍ خلٍّ ولبن، (وطاهر)، أي: وماء طاهر غير مطهر كمستعمل، فينجسان بمجرَّد الملاقاة ولو كثر؛ لحديث الفأرة تموت في السمن، ولأنَّهما لا يدفعان النجاسة عن غيرهما، فكذا عن نفسهما، وما ذكر من نجاسة الطاهر بمجرَّد الملاقاة ولو كثر، جزم به في «التنقيح»، وصحَّح في «الإنصاف» أنَّه إذا كان كثيرًا لا ينجس إلّا بالتغيُّر كالطهور، وقدَّمه في «المغني» وغيره، وتبعه في «الإقناع»، انتهى «شرح منتهى». وقال الشَّيخ: المائع كخلٍّ ونحوه كالماء الطَّهور، وهي رواية عند الإمام أحمد وفاقًا لأبي حنيفة ﵄.
(٤) في (ب): كثر، وفي (ك): كثيرًا.
(٥) في (س) و(د): والإبريق.
(٦) في (ب): التخليص.
[ ٧٨ ]
وقد رأيتُ بخطِّ شيخِ شيخِنا الشيخِ عبدِ الرَّحمنِ البهوتيِّ (^١) شيخِ المصنِّفِ أيضًا ما معناه: أنَّه لو صبَّ مِنْ الإبريق على محلِّ الاستنجاءِ؛ لم يَتنجَّس (^٢) ما في الإبريق. انتهى، وهو ممَّا لا يشكُّ في تطهيره (^٣) مَنْ له أدنَى اشتغالٍ بالفقهِ، فتأمَّل، واللهُ أعلمُ.
ثمَّ أشارَ إلى كيفيَّةِ تطهيرِ هذا الماءِ المتنجِّسِ، فقال (^٤): (وَيَطْهُرُ) الماءُ النَّجسُ، قليلًا كان أو كثيرًا، أي: يَصير طَهورًا (بِإِضَافَةِ) طَهورٍ (كَثِيرٍ (^٥» أي: قُلَّتَين فصاعدًا، إِلَيْهِ (^٦)، مَعَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ إِنْ كَانَ متغيِّرًا (^٧)؛ لأنَّ الكثيرَ يَدفع النَّجاسةَ عن نفسه وعمَّا اتَّصل به، ولا ينجس إلَّا بالتغيُّر، وتَكون الإضافةُ إمَّا بصبٍّ بحسَبِ الإمكانِ عُرفًا ولو لم (^٨) يتَّصل الصَّبُّ (^٩)، أو بإجراءِ ساقيةٍ إليه، أو بنَبعٍ فيه.
وعُلم منه: أنَّه لا يَطهر بإضافةِ غيرِ الماءِ مِنْ ترابٍ ونحوِه، ولا بإضافةِ
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن يوسف بن علي البهوتي، من مشايخه: والده وجده والفتوحي الحنبلي صاحب منتهى الإرادات، كان حيًّا سنة ١٠٤٠ هـ، له حاشية على تفسير البيضاوي، ذكره تلميذه عبد الباقي في ثبته، وقال: ومن جملة مشايخي الشيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي، وعاش نحوًا من مائة سنة وثلاثين سنة. ينظر: خلاصة الأثر ٢/ ٤٠٥، معجم المؤلفين ٥/ ٢٠٠.
(٢) في (أ) و(س) و(ع): لم ينجس.
(٣) في (أ): فيه.
(٤) قوله: (وههنا مسألة يغلط …) إلى هنا سقط من (س).
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (كثير) ويتَّجه صحَّة عدم اشتراط ماء كثير في إضافة، جزم به في «المستوعب»، وعلَّله بأنَّه لو زال بطول المكث طهر، فأولى أن يطهر بمخالطة لماء دون القلَّتين، قاله في «النكت»، فخالف في هذه الصورة أكثر الأصحاب. ا هـ.
(٦) قوله: (أي: قلتين فصاعدًا، إليه) سقط من (س).
(٧) كتب على هامش (ع): قوله: (متغيرًا) أي: لو انفصل بعد طهارة المحل وكان متغيرًا، وأما لو انفصل عن محل طهر أو لم يطهر وكان كثيرًا غير متغير فطهور. [العلامة السفاريني].
(٨) قوله: (ولو لم) هو في (أ): ولم.
(٩) قوله: (الصب) سقط من (س).
[ ٧٩ ]
يسيرٍ، ولو زالَ به التغيُّرُ (^١).
(وَ) يَطهر أيضًا (^٢) (الكَثِيرُ) المتنجِّسُ بالتغيُّرِ (^٣) (بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ)؛ كالخمرةِ (^٤) تَنقلب خَلًّا، (وَبِنَزْحٍ) أي: إخراجِ بعضِ الماءِ النَّجسِ، سواءٌ قلَّ النَّزحُ أو كثُر (^٥)، فيَصير طهورًا إن (بَقِيَ بَعْدَهُ) أي: بعد (^٦) النَّزحِ (كَثِيرٌ) غيرُ متغيِّرٍ.
والحاصلُ: أنَّ النَّجسَ القليلَ يَصير طهورًا بأمرٍ واحدٍ، وهو الإضافةُ، بشَرطِ زوالِ التغيُّرِ إن كان (^٧)، وأنَّ النَّجسَ الكثيرَ يَطهر (^٨) بأحدِ ثلاثةٍ: الإضافةِ والنَّزحِ بشرطِهما (^٩)، وزوالِ تغيُّرِه بنفسه.
_________________
(١) كتب على هامش (س): قوله: (ولو زال به التغير) محله: ما لم يكن المتغير كثيرًا، وإلا طهر بزوال تغيره، وهو داخل في قوله في: (الحاصل) الآتي (الإضافة). انتهى. قرر بعضه مؤلفه.
(٢) قوله: (أيضًا) سقط من (س).
(٣) زيد في (س): زيادة على ما تقدم. وكتب على هامش (ب): بلغ مقابلة على نسخة مؤلفه.
(٤) في (أ) و(س): كالخمر.
(٥) كتب على هامش (ع): قوله: (سواء قلَّ النزح …) إلخ، والمنزوح طهور بشرطين: الأول: عدم التغير، والثاني: عدم بقاء عين النجاسة فيه وهو دون القلتين، وحكم بطهوريته؛ لأن له حكم المنزوح منه؛ لأنه بعضه، فساواه حكمًا، قال ابن قندس: والمراد آخر ما نزح من الماء، وزال معه التغير، ولم يضف إلى غيره من المنزوح الذي لم يزل التغير بنزحه، نقله عنه ش ح ع. ومقتضى التعليل: أنه لا يحكم بطهوريته مع القلة إلا إذا زال تغير المنزوح منه، فأما مع بقاء نجاسة المنزوح منه فلا يحكم بطهارة المنزوح القليل ولو زال تغيره ولم تكن عين النجاسة فيه. والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٦) قوله: (بعد) سقط من (أ) و(س) و(د) و(ك).
(٧) قوله: (بشرط زوال التغير إن كان) سقط من (س) وزيد في (د) تغير.
(٨) قوله: (يطهر) سقط من (س).
(٩) قوله: (بشرطهما) سقط من (س). وكتب على هامش (ب): قوله: (بشرطهما) أي: الإضافة والنزح، فشرط الإضافة: أن يكون المضاف كثيرًا؛ أعني: قلَّتين فصاعدًا مع زوال التغير إن كان، وشرط النزح: أن يبقى بعده كثير غير متغير. ا هـ.
[ ٨٠ ]
ثمَّ أشارَ إلى بيان حدِّ الكثيرِ وحُكمِه، فقال (^١): (فَإِنْ بَلَغَ) الماءُ الطَّهورُ (قُلَّتَيْنِ) فصاعدًا، (وَهُمَا) أي: القُلَّتان: (أَرْبَعُمَائَةِ رِطْلٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ) رِطلًا (وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ مِصْرِيٍّ؛ لَمْ يَنْجُسْ) بمُلاقاةِ النَّجاسةِ، ولو كانت بولَ (^٢) آدميٍّ أو عذِرَتَه، (إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن الماء يَكون بالفَلَاةِ، وما يَنُوبُه مِنْ الدَّوابِّ والسِّباعِ، فقال: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ لَم يُنَجِّسْهُ شَيءٌ»، وفي روايةٍ: «لَم يَحمِل الخَبَثَ» رَواه الخمسةُ والحاكمُ، وقال: على شرطِ الشَّيخَين، ولفظُه لأحمدَ (^٣)، فدلَّ بمَنطوقِه على رفعِ القُلَّتَين للنَّجاسةِ عنهما (^٤)، وبمفهومِه على نجاسةِ ما لم يَبلُغهما؛ فلذلك جَعَلْناهما حدَّ الكثيرِ.
وأمَّا حديثُ أَبي أُمامةَ مرفوعًا: «الماءُ لا يُنَجِّسُه شيءٌ، إلَّا ما غَلَب على رِيحِه وطَعمِه ولَونِه» رَواه ابنُ ماجَه والدارَقُطنيُّ (^٥)؛ فمطلقٌ حُمل على خبرِ القُلَّتَين المقيَّدِ.
والقُلَّتان: تَثنيةُ «قُلَّةٍ»، وهي اسمٌ لكلِّ ما ارْتفَع وعَلَا، ومنه: «قُلَّةُ الجبلِ»، والمرادُ بها هنا (^٦): الجرَّةُ الكبيرةُ، سُمِّيَت قُلَّةً؛ لارتفاعِها وعلوِّها، أو لأنَّ الرَّجلَ العظيمَ يُقِلُّها بيدِه، أي: يَرفعها.
_________________
(١) قوله: (ثم أشار إلى بيان حد الكثير وحكمه فقال) سقط من (س).
(٢) في (س): ولو بول آدمي.
(٣) أخرجه أحمد (٤٦٠٥)، وأبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢)، وابن ماجه (٥١٧)، والحاكم (٤٥٨)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي وغير واحد. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ١٣٥.
(٤) في (س): عن أنفسهما.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٥٢١)، والدارقطني (٤٧)، وقال الشافعي: (هذا الحديث لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكنه قول العامة لا أعلم بينهم فيه خلافًا)، والصواب أنه مرسل كما قال أبو حاتم. ينظر: العلل لابن أبي حاتم (٩٧)، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٦٠.
(٦) قوله: (هنا) سقط من (س).
[ ٨١ ]
والتحديدُ وقَع بقِلالِ هَجَرَ قريةٍ قُرْبَ المدينةِ؛ لِما روَى الخطَّابيُّ بإسنادِه إلى ابنِ جُرَيجٍ، عن النبيِّ ﷺ مرسَلًا: «إذا كانَ الماءُ قُلَّتَينِ بِقِلالِ هَجَرَ» (^١)، ولأنَّها مشهورةُ الصِّفةِ، معلومةُ المِقدارِ، لا تَختلف؛ كالصِّيعان، قال عبدُ الملكِ بنُ جُرَيجٍ: رأيتُ قِلالَ هَجَرَ، فرأيتُ القُلَّةَ تَسَعُ قِربَتَين، أو قِربَتَين وشيئًا. انتهى (^٢)، والاحتياطُ إثباتُ الشيءِ وجعلُه نِصفًا؛ لأنَّه أقصَى ما يُطلق عليه اسمُ «شيءٍ» منكَّرًا، فيَكون مجموعُهما: خمسَ قِرَبٍ بقِرَبِ الحجازِ، والقِربةُ: تَسَعُ (^٣) مِائةَ رِطلٍ عراقيٍّ، باتِّفاقِ القائلِين بتحديدِ الماءِ بالقِرَبِ (^٤)، فالقُلَّتان بالرِّطلِ العراقيِّ (^٥): خمسُمَائَةِ رِطلٍ، وبالمصريِّ ما ذكَره المصنِّفُ.
وقَدْرُ القُلَّتَين بالصَّاع: ثلاثةٌ وتسعون صاعًا وثلاثةُ أرباعِ صاعٍ، أي: ثلاثةُ أمدادٍ، والصاعُ: قَدَحان بالقَدَحِ المِصريِّ تقريبًا (^٦)، فالقُلَّتان بالإردبِّ المِصريِّ: إردبَّان إلَّا أربعةَ أقداحٍ ونصفَ قَدَحٍ.
(وَإِنْ شَكَّ فِي تَنَجُّسِ مَاءٍ) أي: طُرُوِّ نجاسةٍ عليه، (أَوْ) شكَّ في تنجُّسِ (غَيْرِهِ) أي: غيرِ الماءِ مِنْ الطاهراتِ؛ كثوبٍ وإناءٍ، ولو مع تغيُّرِ الماءِ؛ (بَنَى
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٨/ ٨٢)، وقال: (قوله في متن هذا: «من قلال هجر» غير محفوظ)، وعلَّته: المغيرة بن سقلاب الحراني، قال ابن عدي: (منكر الحديث)، ووافقه ابن حجر والألباني، وقوَّاه ابن الملقن.
(٢) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ١٨.
(٣) قوله: (تسع) سقط من (ب).
(٤) كتب على هامش (ب): بلغ مقابلة على نسخة مؤلفه.
(٥) في (س): فالقلتان بالعراقي.
(٦) قوله: (تقريبًا) سقط من (س). وكتب على هامش (ب): قوله: (والصاع قدحان …) إلخ، يفهم ممَّا ذكره: أنَّ القلَّتين بالقدح المصري: مائة قدح وسبعة وثمانون قدحًا ونصف قدح، وأنَّ الإردب بالقدح: ستَّة وسبعون قدحًا، والله أعلم. انتهى، كاتبه شيخنا غنام النجدي.
[ ٨٢ ]
عَلَى اليَقِينِ) أي: على أصلِه الذي كان عليه قبلَ الشَّكِّ (^١).
وكذا لو شكَّ في طهارتِه بعدَ تيقُّنِ نجاستِه؛ لأنَّ الشيءَ إذا كان على حالٍ، فانتقالُه عنها يَفتقر إلى ثلاثةِ أمورٍ: عدمِها، ووجودِ أُخرى، واستمرارِ هذه الأُخرى، وأمَّا بقاءُ الأُولى فإنَّه لا يَفتقر إلَّا إلى مجرَّدِ البقاءِ، وهو أيسرُ مِنْ الحدوثِ وأكثرُ (^٢)، والأصلُ إلحاقُ الفردِ بالأعمِّ الأغلبِ.
لكن إن احتمل تغيُّرُ الماءِ بشيءٍ فيه مِنْ نجسٍ أو غيرِه؛ عُمل به، وإن احتمل التغيُّرُ بالطَّاهر والنَّجسِ أي: بأحدِهما فقط؛ فطَهورٌ إن كان التغيُّر يسيرًا، وإلَّا فنجسٌ ولو كثيرًا (^٣)؛ لأنَّه طاهرٌ لاقَى نجاسةً، وهو لا يَدفعها عن نفسه.
ولا يَلزم سؤالٌ عمَّا لم يتيقَّن (^٤) نجاستُه، ويَلزم مَنْ عَلِم (^٥) النَّجسَ إعلامُ
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (وإن شكَّ …) إلخ، أي: تردد، فالمراد بالشك معناه اللُّغوي، فلو أدخل كلبٌ رأسَه في إناء وأخرجها، وبفمه رطوبة ولم يعلم ملاقاته للماء؛ لم ينجس، وقال في «المغني»: ذكره ابن عقيل فيمن ضرب حيوانًا مأكولًا فوقع في ماء، ثمَّ وجده ميتًا، ولم يعلم هل مات بالجراحة أو بالماء، فالماء على أصله في الطهارة، والحيوان على أصله في الحظر، إلَّا أن تكون الجراحة موحية، فالحيوان أيضًا مباح؛ لأنَّ الظاهر موته بالجراحة والماء طاهر، إلا أن يقع فيه دم، انتهى، وفيه أيضًا: لو مات بالماء حيوان وشك في نجاسته بالموت؛ لم ينجس الماء؛ لأنَّ الأصل طهارته. ا هـ.
(٢) في (س): وإن كثر.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (إن كان التغير يسيرًا)؛ لأنَّ الطهور إذا خالطه يسير من الطاهر لا يسلبه الطهورية، فيكون قوله: (وإلَّا فنجس) أي: وإلَّا يكن التغير يسيرًا فنجس؛ لأنَّ الماء إذا كان متغيرًا كثيرًا بحيث يسلبه الطهوريَّة؛ ينجس بمجرَّد ملاقاة النجاسة؛ لكونه صار مستعملًا. انتهى، كاتبه شيخنا غنام.
(٤) في (أ): لم تُتيقن.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (ويلزم من علم) فلو لم يعيِّن السبب، أو عيَّن وكان غير عدلٍ؛ لم يقبل ما لم يترجح عنده صدقه، ثم رأيت الشافعية صرحوا بذلك، قال المؤلف: ثم رأيتها.
[ ٨٣ ]
مَنْ أرادَ استعمالَه (^١) في طهارةٍ أو شربٍ أو غيرِهما.
ومَن أخبرَه مكلَّفٌ عدلٌ ولو مستورًا، أو امرأةً، أو قِنًّا، أو أعمَى بنجاسةِ شيءٍ؛ وجَب قَبولُه (^٢) إن عيَّن السببَ (^٣)، وإلَّا لم يَلزم ولو كان المخبِرُ فقيهًا موافقًا، كما نُقل عن إملاءِ التقيِّ الفُتُوحيِّ (^٤).
قال المصنِّفُ: قلتُ: وكذا إذا أخبرَه بما يَسلُب الطَّهوريَّةَ مع بقاءِ الطَّهارةِ؛ فيَعمل المخبَرُ بمَذهبِه فيه (^٥).
(وَإِنِ اشْتَبَهَ) أي: الْتَبَس عليه (مَاءٌ طَهُورٌ بِنَجِسٍ)، ولم يُمكن تطهيرُه به، وإلَّا؛ بأن كان الطَّهورُ قُلَّتَين، وعندَه إناءٌ يَسعُهما؛ وجَب عليه ذلك؛ (لَمْ يَتَحَرَّ) أي: لم يجِب عليه أن يَنظر أيُّهما يَغلب على ظنِّه أنَّه الطَّهورُ فيَستعملَه، بل لا يَجوز له التَّحرِّي للطَّهارة؛ لأنَّه قد اشتَبَه المباحُ بالمحظورِ في موضعٍ لا تُبيحُه
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (من أراد استعماله) لعلَّه إذا كان نجسًا عندهما لا عند أحدهما، ومثله الطاهر إذا رأى من أراد أن يتوضَّأ منه مثلًا، ا هـ. ع ن. وكتب أيضًا: قوله: (من أراد استعماله) فظاهره ولو قيل: إنَّ إزالتها ليست شرطًا لصحَّة الصَّلاة، خلافًا لما في «الإقناع». ا هـ. م ص.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (وجب قبوله) قال م ص في «شرح المنتهى»: وشمل كلامه: لو أخبره بأن كلبًا ولغ في هذا الإناء دون الآخر، وعاكسه آخر؛ فيعمل بكلٍّ منهما في الإثبات دون النفي؛ لاحتمال صدقهما، ما لم يُعيِّنَا كلبًا واحدًا ووقتًا لا يمكن شربه فيه منهما، فيتساقطا، وإن أثبت أحدهما ونفى الآخر؛ قدِّم قول المثبِت، إلَّا أن يكون لم يتحقَّقه، مثل الضرير الَّذي يُخبر عن حسه، فيقدَّم قول البصير. انتهى.
(٣) كتب على هامش (ب): أي: سبب ما أخبر به من نجاسة الماء. اه.
(٤) هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، تقي الدين، الشهير بابن النجار، قال الشعراني: (صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه، وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا منه، ولا أكثر أدبًا مع جليسه)، من مصنفاته: منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، وشرحه وغيرهما، مات سنة ٩٧٢ هـ. ينظر: خلاصة الأثر ٣/ ١٠٩.
(٥) ينظر: كشاف القناع ١/ ٧٩.
[ ٨٤ ]
الضَّرورةُ، فيَتركُهما وجوبًا، (ويَتَيَمَّمُ (^١) لِعَدَمِ غَيْرِهِمَا) أي: المُشتبِهَين، ولا يَلزمه إراقتُهما، ولا خَلطُهما (^٢).
وعُلم منه: أنَّه لو وَجَد طَهورًا بيَقينٍ (^٣)؛ تعيَّن استعمالُه.
وكذا يَترك مباحًا اشتَبَه بمحرَّم ويَتيمَّم مِنْ غيرِ تَحَرٍّ لعدمِ غيرِهما.
ثمَّ إن عَلِم الطَّهورَ أو المباحَ بعدَ فعلِ ما تَيمَّم له؛ لم يُعِد، وقبلَ فراغِه (^٤)؛ يَتطهَّر ويَستأنف.
وعُلم مِنْ قولنا: «لا يَتحرَّى للطَّهارةِ» (^٥) أنَّه يَتحرَّى لحاجةِ أكلٍ وشربٍ (^٦)، بل يَلزمه (^٧) ذلك، لا غسلُ فَمِه بعدَه؛ لعدمِ تيقُّنِ نجاسةِ ما استعملَه (^٨).
(وَإِنِ اشْتَبَهَ) طَهورٌ (بِطَاهِرٍ؛ تَوَضَّأَ) منهما (وُضُوءًا وَاحِدًا)، يأخذ (مِنْ كُلِّ) واحدٍ مِنْ الماءَين (غَرْفَةً) (^٩)، يَعُمُّ بكلِّ غَرفةٍ المحلَّ مِنْ مَحالِّ الوُضوءِ؛
_________________
(١) في (س): فيتركهما ويتيمم وجوبًا.
(٢) قوله: (ولا يلزمه إراقتهما ولا خلطهما) سقط من (س). كتب على هامش (ع): فائدة: لو توضأ من أحدهما حال الاشتباه، ثم بان أنه طهور، لم يصح وضوءه. ش منتهى، والله أعلم.
(٣) في (س): وجد غير مشتبه.
(٤) في (س): قبله، وفي (ك): قبله فراغه.
(٥) قوله: (وعُلم مِنْ قولنا: «لا يَتحرَّى للطَّهارةِ») هو في (س): وعلم مما تقدم.
(٦) في (ب): أو شرب. وكتب على هامش (ع): قوله: (أنه يتحرى لحاجة …) إلخ، ظاهر صنيعه: أن ذلك في صورتي اشتباه الطهور بالنجس، والمحرم بالمباح، فيتحرى فيهما. والله أعلم. [العلامة السفاريني].
(٧) في (س): يلزم.
(٨) قوله: (لعدم تيقن نجاسة ما استعمله) سقط من (س).
(٩) كتب على هامش (ع): قوله: (من كلٍّ غرفة) فإنه يصح؛ لأنه يجزم بنية كونه رافعًا للحدث، بخلاف الوضوءين فإنه لا يدري أيهما رافعًا للحدث ش. منتهى.
[ ٨٥ ]
ليُؤَدِّيَ الفرضَ بيَقينٍ، ويَجوز له ذلك بلا تَحرٍّ، ولو كان عندَه طَهورٌ بيَقينٍ، ويُصلِّي (^١) صلاةً واحدةً.
قال المصنِّفُ: قلتُ: والغُسلُ فيما تَقدَّم كالوُضوء، وكذا إزالةُ النَّجاسةِ. انتهى (^٢).
لكن لو غسَل النَّجاسةَ مِنْ أحدِ الماءَين سبعًا، ثم غسَلها مِنْ الآخَرِ سبعًا؛ جازَ؛ لعدمِ افتِقارِها إلى نيَّةٍ.
وكذا لو اغتَسل كاملًا مِنْ أحدِ الماءَين، ثم اغتَسل كاملًا مِنْ الآخَرِ بنيَّةٍ واحدةٍ؛ جازَ؛ لأنَّ بدنَ المغتسِلِ كعضوٍ واحدٍ (^٣)، ففِي إطلاقِه نظرٌ (^٤).
(وَإِنِ اشْتَبَهَتْ) عليه (ثِيَابٌ) أي: ثَوبان فأكثرُ (^٥)، (طَاهِرَةٌ بِ) ثيابٍ (نَجِسَةٍ)، ولم يَكُنْ عندَه ثوبٌ (^٦) طاهرٌ بيَقينٍ؛ (صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ) صلاةً واحدةً، يُكرِّرها (بعَدَدِ) الثِّيابِ (النَّجِسَةِ، وَزَادَ) على عددِ النَّجِسةِ (صَلَاةً)، فلَو كانت النَّجسةُ خمسةً مثلًا؛ صلَّى في ستةِ ثيابٍ ستَّ صلواتٍ، في كلِّ ثوبٍ صلاةً؛ بأن يَلبس واحدًا، ويصلِّي صلاةً، ثمَّ يَنزعه ويَلبس الآخَرَ ويُصلي، وهكذا إلى آخِرِ الستَّةِ (^٧)؛ ليُصلِّيَ في ثوبٍ طاهرٍ يقينًا، يَنوي بكلِّ صلاةٍ الفرضَ؛ كمَن
_________________
(١) في (س): وصلى.
(٢) ينظر: كشاف القناع ١/ ٨٣.
(٣) قوله: (وكذا لو اغتَسل كاملًا م) إلى هنا سقط من (س).
(٤) كتب على هامش (ع): قوله: (ففي إطلاقه نظر) قد يقال: إنما لم ينبه على ذلك م ص لوضوحه، وإنما قصده أن الغسل وإزالة النجاسة يساويان الوضوء في أنه يستعمل لهما الماء الطهور والطاهر، وأنه لا يتحرى فيهما إذا اشتبه الطهور بالنجس. والله تعالى أعلم. [العلامة السفاريني].
(٥) في (س): أي نجسة.
(٦) قوله: (ثوب) سقط من (س).
(٧) قوله: (بأن يَلبس واحدًا، ويصلِّي صلاةً) إلى هنا، هو في (س): وينزعه ثم يلبس الآخر إلى آخر الستة.
[ ٨٦ ]
نَسِي صلاةً مِنْ يومٍ.
والفرقُ بينَ الثِّيابِ والمياه: أنَّ الماءَ يَلصَق ببَدنِه فيُنجِّسه، وأنَّ الصلاةَ في النَّجسِ جائزةٌ عندَ العدمِ، بخلافِ الماءِ.
والفرقُ بينَ الثِّيابِ وبينَ القِبلةِ أيضًا حيثُ لم نُوجِب تعدُّد الصلاةِ بحسَبِ الجهاتِ: كثرةُ (^١) الاشتِباهِ فيها، بخلافِ الثِّيابِ.
(وَكَذَا أَمْكِنَةٌ) جمعُ «مكانٍ»؛ كزمانٍ وأزمنةٍ، (ضَيِّقَةٌ) تَنجَّس بعضُها واشتَبهَت، ولا بقعةَ طاهرةَ بيَقينٍ، فإذا تَنجَّسَت (^٢) زاويةٌ مِنْ بيتٍ وتَعذَّر خروجُه منه وما يَفرُشه عليه؛ صلَّى الفرضَ مرَّتين في زاويتَين، وإن تَنجَّسَ (^٣) زاويتان صلَّى ثلاثَ صلواتٍ (^٤) في ثلاثِ زَوايا، وهكذا، هذا مع ضيقِ المكانِ (^٥).
(وَيُصَلِّي فِي) بقعةٍ (وَاسِعَةٍ) تَنجَّس بعضُها واشتَبَه كصحراءَ، وحَوشٍ كبيرٍ حيثُ شاءَ، (بِلَا تَحَرٍّ)؛ للحرج والمشقَّةِ.
ولمَّا كان الماءُ جوهرًا سيَّالًا؛ احتاجَ إلى بيانِ أحكامِ أَوانِيه عَقِبه، فقال:
_________________
(١) في (أ) و(س): لكثرة.
(٢) في (س): تنجس.
(٣) في (ك) و(د): تنجست.
(٤) في (س): مرات.
(٥) قوله: (هذا مع ضيق المكان) سقط من (س).
[ ٨٧ ]