﷽
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد؛
فإن التفقُّهَ في الدِّين من أعظمِ ما يَزدلِف به العبد إلى مولاه، وأجلِّ ما يشتغل به المسلم في دنياه، فما شُغلت الأوقات بشيء يدانيه، ولا استُغِلَّت الأعمار بأمر يساميه، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقال النبي ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^١)، وقال الإمام أحمد ﵀: «العِلمُ لا يَعدِله شيءٌ» (^٢)، ولعظيم قَدْرِ العلم في الشريعة؛ نهض الموفَّقون إليه وأعطوه سنام أوقاتهم، وانشغل المبارَكون به فأرخَصوا من أجله دُنياهم.
ومن أولئك العلماء الموفَّقين المبارَكين: العالم المحقِّق، والفقيه المدقِّق، عثمان بن أحمد بن سعيد بن عثمان بن قائد، النَّجدي الحنبلي ﵀، الذي صنَّف كتابه الفرد: «هِدايَةَ الرَّاغبِ لِشَرْحِ عُمْدَةِ الطَّالِبِ»، أتى به على ذلك المتن المبارك لعلَّامةِ المذهَبِ منصورِ بنِ يُونُسَ البُهُوتيِّ، فشرحه شرحًا مزجيًّا على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)، من حديث معاوية ﵁.
(٢) ينظر: مسائل ابن هانئ (١٩٣١).
[ ٥ ]
طريقة المتأخرين، فأبدع فيه وحقَّق، واجتهد في توضيحه ودقَّق، فلم يترك مسألة إلا بيَّنها، ولا كلمة مشكلةً إلا حرَّرها، وكساه بجملة من الأدلة الشرعية، وزيَّنه ببعض الحُلَل اللغوية، حتى صار مَقصِدًا للمتعلمين، وقِبلةً للطالبين، وهدايةً للراغبين، وتوالت عليه عناية العلماء بالشرح والتدريس، وسُطِّرت حواشي نُسخه الخطيَّة بجملة من التعليقات، وطُرِّزت بأنواع من الفوائد والتقريرات.
ولما كان الكتاب في ظنِّنا بحاجةٍ إلى تحقيقٍ علميٍّ وفق المتعارَفِ عليه في تحقيقِ التراث، وإلى إبرازِ الحواشي المفيدة التي عليه؛ عَزَمْنا مستعينين بالله تعالى على تَحقيقِه وخِدمتِه قَدْر الإمكان.
وقد وَقَفْنا بتوفيق الله تعالى على إحدى عشرة نسخةً خطيةً، غالبها مطرَّز بالحواشي، وانتقينا منها ست نُسخ، منها ما كُتب في حياة المؤلف ﵀، ومنها ما قوبل على نسخته، فلله الحمد أولًا وآخرًا.
وقد تَمثَّلت خدمتُنا لهذا الكتابِ المباركِ في أمور:
التمييزُ بين الإبرازة الأولى للكتاب والإبرازة الثانية، ومقابلةُ النسخ المعتمدة، وإثباتُ الفروق بينها في هامش الكتاب.
تقويمُ نصِّ الكتاب قَدْر المستطاع.
تخريجُ الأحاديث والآثار تخريجًا مختصرًا يفي بالغرض.
ضَبطُ جميعِ كلماتِ متنِ «عمدة الطالب» بالشَّكْلِ، وضبطُ ما يحتاجُ إلى ضَبْطٍ مِنْ كلماتِ الشرحِ، صَرْفًا وإعرابًا.
العنايةُ بتفقير الكتاب؛ تسهيلًا على القارئ، وتمييزًا للمسائل بعضها عن بعض.
[ ٦ ]
إخراجُ ما على النسخ الخطية من حواش وتقريرات، منها ما هو للمؤلف الشيخ عثمان النجدي ﵀، ومنها ما كان لعلماء المذهب بعده؛ كالعلامة محمد السفاريني والشيخ غنام النجدي، وعبد الله السفاريني، وأحمد البعلي، وغيرهم، ولم نُضمِّن تلك الحواشي حاشيةَ أحمد بن عوض المسماة «فتح مولى المواهب»؛ لطولها، وقد طبعت من قبل.
هذا ما قمنا به من جهدٍ في تحقيق الكتاب وخدمتِه، فما كان في هذا العمل من صواب فمن الله وحده، وما كان من اجتهاد خاطئ فمنَّا ومن الشيطان، ونرجو من الله العفو والغفران، ومن القارئ النصح والبيان.
والحمد لله رب العالمين
المحققان
[ ٧ ]