﷽
وبه ثِقتي (^١)
الحمدُ لله الذي شرَح صُدورَنا للإسلامِ، ومنَّ علينا بمعرفةِ الحلالِ والحرامِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا محمدٍ خيرِ الأَنامِ، وعلى آلِه (^٢) وصحبِه (^٣) البَرَرَةِ الكرامِ (^٤).
وبعدُ:
فهذا شرحٌ لطيفٌ (^٥)، وتعليقٌ شريفٌ، على المختصَرِ الموسومِ ب «عُمدةِ الطالبِ لِنَيلِ المآرِبِ» للإمامِ العلَّامةِ (^٦)، والحَبرِ البَحرِ الفهَّامةِ، شيخِ شيوخِنا:
_________________
(١) قوله: (وبه ثقتي) هو في (أ): وبه نستعين، وفي (د): وبه ثقتي، وعليه اعتمادي، وفي (ك): وبه ثقتي وعليه توكلي، وهو سقط من (س) و(ع).
(٢) كتب على هامش (ع): قوله: (آله) هو عندنا كل مؤمن تقي في باب الدعاء، فتأمل. س.
(٣) في (أ) و(س): وأصحابه.
(٤) كتب على هامش (أ) و(س): قوله: (البررة) جمع بارٍّ، وهو من غلب عليه أعمال الخير، و(الكرام): جمع كريم، والمراد به هنا: من خرج من نفسه وماله لله، وكل الصحابة كذلك. انتهى، كذا بخط المؤلف.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (لطيف) يطلق على معان متعددة، منها: الشفاف الذي لا يحجب ما وراءه، واسم من أسمائه تعالى. فائدة: قال السهيلي: لما جاء البشير إلى يعقوب ﵇ أعطاه في البشارة كلمات يرويها عن أبيه عن جده عليهما الصلاة والسلام، وهي: يا لطيفًا فوق كل لطيف، الطف بي في أموري كلها كما أحب، ورضني في دنياي وآخرتي.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (العلَّامة) بتشديد اللام، والتاء فيه وفي أمثاله للمبالغة، وهو الجامع لأنواع العلوم المعقولة والمنقولة، قال العصام في «حواشي الجامي»: هذا اللفظ يعني لفظ علامة إنما يناسب فيما بين العلماء من جمع بين العلوم العقلية والنقلية، ولم يحصل الجمع بينهما إلا للقطب الشيرازي؛ لسبقه العلماء كلهم في جميع أقسام العلوم، وأما العالم إنما يطلق بلا قيد على من علم أحد العلوم الشرعية؛ الفقه والحديث والتفسير، ولا بد في إطلاقه عليه أن يعلم من كلِّ بابٍ ما يهتدي به للباقي.
[ ٤٩ ]
الشيخِ مَنصورِ بنِ يونُسَ البُهُوتيِّ ﵀ (^١).
وسمَّيتُه: «هدايةَ الرَّاغبِ لشرحِ عُمدةِ الطَّالبِ»، واللهَ أَسألُ أنْ يَنفع به النَّفعَ العَميمَ، وأنْ يَجعله خالصًا لوجهِه الكريمِ، إنَّه وليُّ ذلك، وهو حَسبي ونِعمَ الوكيلُ.
قال المصنِّفُ ﵀:
(بسم الله الرحمن الرحيم)، أي: أَبتدئُ تَأليفي، أو أُؤلِّف متلبِّسًا ومصاحبًا (^٢)، أو مستعينًا ومتبرِّكًا باسمِ اللهِ، فـ «الباء» في «بِسْمِ اللهِ» (^٣) للمصاحَبةِ أو الاستعانةِ، متعلِّقةٌ بمحذوف، وتقديرُه (^٤) فعلًا خاصًّا مؤخَّرًا أَولى.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): كان كثير العبادة، غزير الإفادة والاستفادة، وصل إليه الحنابلة من الديار الشامية والنواحي النجدية والأراضي المقدسية والضواحي البعلية، وتمثلوا بين يديه، وضربت الإبل آباطها إليه، وعقدت عليه الخناصر، وقال من حظي بنظره: هل من مفاخر؟ فأخذ عنه الشيخ يوسف البهوتي والشيخ عبد الرحمن البهوتي، وسيدي الشيخ محمد أبو المواهب، والشيخ محمد الخلوتي، والشيخ محمد المرداوي، والشيخ ياسين اللبدي، والشيخ عبد الحق ابن عمه، والشيخ يوسف الكرمي، والشيخ محمد بن أبي السرور، وشرح «الإقناع» في ثلاث مجلدات ضخام، وكذلك «المنتهى»، وشرح «المفردات»، و«زاد المستقنع»، وهو أحسن شروحه، وله حاشية على «الإقناع» وحاشية على «المنتهى»، وله مختصر في الفقه، وكان شيخًا جوادًا له مكارم دارَّة، وبشاشة سارَّة، وكان في كل ليلة جمعة يضع ضيافة، ويجمع جماعة المقادسة في داره، ومَن مرض فيهم عاده، وأخذه إلى داره، ومرَّضه أحسن تمريض إلى أن يشفى، وكان الناس يأتونه بالصدقات، فيفرقها على طلبته في المجلس، ولا يأخذ منها شيئًا، وكانت وفاته ﵁ ضحى يوم الجمعة عاشر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف بمصر المحروسة، ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى ورضي عنه، وإلى الآن لم أعلم تاريخ مولده رضوان الله تعالى عليه. اه. م س.
(٢) في (د): أو مصاحبًا.
(٣) قوله: (في بسم الله) سقط من (أ) و(د) و(ك).
(٤) زيد في (ك) و(ع): أي المتعلق وهو المحذوف.
[ ٥٠ ]
و«الاسمُ» مشتقُّ مِنْ السُّموِّ، وهو العُلوُّ (^١).
و«الله» عَلمٌ لِلذَّات الواجبِ الوجودِ لِذاتِه، المستحقِّ لجميعِ الكَمالاتِ، وهو عربيٌّ مشتقٌّ عند سِيبَوَيه (^٢)، واشتقاقُه (^٣) مِنْ «أَلِهَ»، كعَلِمَ: إذا تحيَّر؛ لتحيُّرِ (^٤) الخلقِ في كُنْهِ ذاتِه تَعالى وتَقدَّس.
وهو الاسمُ الأعظمُ عند أكثرِ أهلِ العلمِ، وعدمُ الاستجابةِ لأكثرِ الناسِ مع الدعاءِ به؛ لعَدمِ بعضِ شروطِه الَّتي مِنْ أهمِّها: الإخلاص، وأكل الحلالِ.
و«الرَّحْمَن»: صفةٌ في الأصل، بمعنَى كثيرِ الرَّحمةِ (^٥) جدًّا، ثم غلَب على البالغِ في الرَّحمة غايتَها؛ وهو اللهُ تَعالى.
و«الرَّحِيم»: ذو الرَّحمةِ الكثيرةِ؛ فالرَّحمنُ أبلغُ منه، وأُتِيَ به؛ إشارةً إلى أنَّ ما دلَّ عليه مِنْ دَقائقِ الرَّحمةِ وإنْ ذُكر بعدَ ما دلَّ على جَلائِلِها الذي هو المقصودُ الأعظمُ مقصودٌ أيضًا؛ لِئلَّا يُتوهَّم أنَّه غيرُ ملتَفتٍ إليه، وكلاهما مشتقٌّ مِنْ «رَحِم» بجَعلِه لازمًا بنَقلِه إلى بابِ «فعُل» (^٦) بضمِّ العينِ، أو بتَنزيلِه منزلةَ اللَّازمِ؛ إذ هُما صِفَتان مشبَّهتان (^٧)، وهي لا تُشتقُّ مِنْ متعدٍّ.
_________________
(١) كتب على هامش (ح): وقيل مشتق من الوسم، وهو العلامة.
(٢) ينظر: الكتاب لسيبويه ٢/ ١٩٥، اشتقاق أسماء الله للزجاجي ص ٢٧. وسيبويه: هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، إمام النحاة، ولد في إحدى قرى شيراز، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد، أشهر مصنفاته: الكتاب، وسيبويه اسم فارسي، معناه: رائحة التفاح، توفي سنة ١٨٠ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٣، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٥١.
(٣) قوله: (عند سيبويه واشتقاقه) سقط من (د).
(٤) في (د): تحيز لتحيز.
(٥) كتب على هامش (ع): أي: حقيقة.
(٦) في (ب): قفُل.
(٧) في (د): مشتبهتان.
[ ٥١ ]
ورحمتُه تَعالى صفةٌ قديمةٌ، قائمةٌ بذاتِه تَعالى، تَقتضي التفضُّلَ (^١) والإنعامَ، وتَفسيرها برِقَّةٍ في القلب تَقتضي الإنعامَ كما في «الكشَّاف» (^٢) إنما يَليق برَحمةِ (^٣) المخلوقِ (^٤).
ونَظيرُ ذلك العلمُ؛ فإنَّ حقيقتَه القائمةَ بالله تَعالى ليسَتْ مِثلَ الحقيقةِ القائمةِ بالمخلوق؛ بل نَفس (^٥) الإرادةِ التي يردُّ بعضُهم الرَّحمةَ إليها هي في حقِّه تَعالى مخالِفةٌ لإرادة المخلوقِ؛ إذ هي مَيلُ قَلبِه إلى الفعلِ (^٦)، وإرادتُه تَعالى بخلاف ذلك (^٧).
وكذا ردُّ الزمخشريِّ (^٨) لها في حقِّه تَعالى إلى الفعلِ بمعنَى الإنعامِ، مع أنَّ فعلَ العبدِ الاختياريَّ إنما يَكون لجَلبِ نفعٍ للفاعل، أو دفعِ ضَررٍ عنه، وفعلُه تَعالى بِخلافِ ذلك، فما فرُّوا إليه فيه مِنْ المحذورِ نَظيرُ ما فرُّوا منه (^٩).
وبهذا يَظهر أنَّه لا حاجةَ إلى دَعوَى المجازِ في رحمتِه تَعالى الذي هو خلافُ الأصلِ المُقتضي لصحَّةِ نَفيِها عنه، وضعفِ المقصودِ منها فيه، كما هو
_________________
(١) في (ب): التفضيل.
(٢) قوله: (كما في الكشاف) سقط من (أ) و(س). وينظر: الكشاف للزمخشري ١/ ٨.
(٣) في (س): إنما هو لرحمة المخلوق.
(٤) كتب على هامش (ح): رد المصنف ﵀ على من زعم أن الرحمة بمعنى النعمة.
(٥) في (أ) و(ع) و(د): تفسير نفس.
(٦) في (ب): للفعل.
(٧) كتب على هامش (ب): قوله: (وإرادته تعالى) وهي صفة ذاتية قديمة باقية متعلقة بكل ممكن، ويراد منها المشيئة. اه. ح م ص.
(٨) هو: محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم، المفسر المعتزلي، من مصنفاته: الكشاف في تفسير القرآن، وأساس البلاغة، والمفصل، وغيرها، مات سنة ٥٣٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ١٦٨، سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٥١.
(٩) قوله: (إذ هي ميل …) إلخ، سقط من (س).
[ ٥٢ ]
شأنُ المجازِ؛ إذ يصحُّ أنْ تقول لِمَنْ قال: «زيدٌ أسدٌ»: ليس بأسدٍ، وليسَت جُرأتُه كجُرأتِه.
والحاصلُ: أنَّ الصِّفةَ تارةً تُعتبر مِنْ حيثُ هي هي، وتارةً مِنْ حيثُ قِيامُها به تَعالى، وتارةً مِنْ حيثُ قِيامُها بغيرِه تَعالى.
وليسَت الاعتباراتُ الثلاثةُ متماثلةً (^١)؛ إذ ليس كمِثلِه تَعالى شيءٌ، لا في ذاتِه، ولا في شيءٍ مِنْ صِفاتِه، ولا في شيءٍ مِنْ أفعالِه، وهو السميعُ البصيرُ.
فاحفظْ هذه القاعدةَ؛ فإنَّها مهمَّةٌ جدًّا، بل هي التي أَغنَت السَّلفَ الصَّالحَ عن تأويلِ آياتِ الصِّفاتِ وأحاديثِها، وهي العاصمةُ لهُم مِنْ أنْ يَفهموا مِنْ الكتابِ والسُّنَّة مستحيلًا على الله تَعالى مِنْ تَجسيمٍ أو غيرِه.
ثم بعد إثباتي لهذه القاعدةِ، رأيتُها مَنصوصةً في كلام السيِّدِ مُعينِ الدِّينِ الصَّفويِّ (^٢)، ثم رأيتُه قد سبَقَه إليها العلامةُ ابنُ القيِّمِ ﵀ (^٣)، والحمدُ للهِ تعالى (^٤).
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (وليست الاعتبارات الثلاثة متماثلة) لم يوضح الشارح ﵀ الثلاثة اعتمادًا على ما فُهم مما أسلفه مفهومًا ومنطوقًا، وبيان المقصود: أن قوله: (من حيث هي هي) معناه: رقة وتعطف، وقوله: (ومن حيث قيامها به تعالى) أي: صفة قديمة قائمة بذاته، تقتضي التفضل والإنعام، وقوله: (من حيث قيامها بغيره تعالى) أي: رقة القلب وانعطافه، هذا محصل ما فُهم من كلامه، تدبره. انتهى، كاتبه شيخنا غنام النجدي.
(٢) في (د): السيد الصفوي. وكتب على هامش (ح): المدني. وهو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحسيني الإيجي الشافعيّ، من أهل (إيج) بنواحي شيراز، من مصنفاته: جامع البيان في تفسير القرآن، ورسالة في بيان المعاد الجسماني والروح، مات سنة ٩٠٦ هـ. ينظر: الضياء اللامع ٨/ ٣٧، طبقات المفسرين للأدنه وي ١/ ٣٧٣.
(٣) قوله: (بل هي التي أغنت السلف) إلى هنا سقط من (س). وينظر: بدائع الفوائد ١/ ١٥٦.
(٤) قوله: (والحمد لله تعالى) زيادة من (ب).
[ ٥٣ ]
وابتدأَ المصنِّفُ ﵀ بالبسملةِ؛ تأسِّيًا بالكتاب (^١)، وعملًا (^٢) بحديثِ (^٣): «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه (^٤) ببسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فهو أَبتَرُ (^٥)»، أي:
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (تأسيًا) مفعول لأجله، أي: اقتداء، وخصَّ الكتاب بالذِّكر؛ لشرفه، فجميع الكتب مبدوءة بالبسملة لحديث: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم فاتحة كلِّ كتاب»، فهي من الشَّرائع، ولا ينافيه قول السِّيوطي: إنَّها من خصوصيَّات هذه الأمَّة؛ لأنَّ النبي كان يكتب أوَّلًا (باسم الله)، أي: يأمر بكتابتها، فلمَّا نزل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾؛ أمر بكتابة باسم الرَّحمن، فلمَّا نزلت آية النَّمل؛ أمر بكتابة بسم الله الرَّحمن الرَّحيم؛ لأنَّ مراده بهذا التَّرتيب، واللَّفظ العربي من خصوصيَّات هذه الأمة، وما في النَّمل ترجمة عما في كتاب بلقيس، على أنَّه يمكن أن يكون أمر بكتابة ذلك قبل علمه بوجودها في الكتب السَّابقة، فلا ينتج ذلك من خصوصيَّات هذه الأمَّة.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (وعملًا) إنَّما عبَّر في جانب القرآن بالاقتداء، وفي جانب الحديث بالعمل؛ لكون القرآن يقتدى به؛ إذ ليس فيه أمر بذلك لا تصريحًا ولا ضمنًا، والحديث متضمن للأمر كأنَّه يقول: ابدؤوا بالبسملة في كلِّ أمر ذي بال. ا هـ.
(٣) كتب على هامش (ب): قوله: (بحديث) هو بلا تنوين لإضافته إلى ما بعده إضافة بيانيَّة، أو من إضافة الأعم إلى الأخص؛ كشجر أراك، وبالتَّنوين على إبدال ما بعده منه، أو على أنَّه خبر عن مبتدأ محذوف تقديره: هو.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (لا يُبدأ فيه) صفة ثانية ل (أمر)، ففيه جري على الأحسن، وهو تقديم النّعت المفرد على النَّعت الجملة، ونائب فاعل (يبدأ): ضمير مستتر يعود على (أمر)، أو قوله: (بسم الله …) إلخ، ولا ضمير في (يُبدأ)، وحكمة الإتيان بفي الظرفية مع أن المعنى يستقيم بدونها؛ قال بعضهم: ويمكن أن يقال: إنَّما أُتي بها للإشارة إلى أنَّه إذا لم يأت بالبسملة في الابتداء يستحبُّ أن يأتي بها في الانتهاء، وحذفها لا يفيد ذلك. وقد يقال: لفظ (يبدأ) يبعد ما أشار إليه. وأجيب: بأن (في) سببية، والتَّقدير: لا يبدأ بسم الله الرَّحمن الرَّحيم بسببه، ولا خلاف أنَّ البداءة بالبسملة لا بدَّ أن يكون لأجل الأمر لا لأجل غيره، فإذا كان شارعًا في السَّفر مع الأكل، وبسمل لأجل السَّفر؛ فلا تحصل البداءة بالبسملة بالنِّسبة للأكل؛ لأنَّها إنَّما هي لأجل السَّفر وبسببه، لا بسبب الأكل. ا هـ.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (بسم الله …) إلخ، روي بباء واحدة وبباءين، فعلى الرِّواية الأولى: المطلوب باسم الله، أيَّ اسمٍ كان، وعلى الثَّانية: المطلوب البداءة بلفظ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، والأولى أصح، فالأحسن إرجاع الثَّانية إليها بإلغاء القيد. وقوله: (فهو أبتر) دخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ هنا باسم الشَّرط في العموم، لكن هذا قليل. اه.
[ ٥٤ ]
ذاهبُ البركةِ، رَواه الخطيبُ بهذا اللفظِ في كتابه «الجامع» (^١).
(الحَمْدُ لِلَّهِ) أي: الوصفُ بالجميلِ الاختياريِّ على قَصدِ التَّعظيمِ ثابتٌ، ومملوكٌ، ومستحَقٌّ لله تَعالى، وهذا هو الحمدُ لغةً (^٢).
وأمَّا (^٣) عُرفًا (^٤): فهو فعلٌ يُنْبِئُ عن تعظيم المنعِمِ مِنْ حيثُ إنَّه منعمٌ على الحامد أو غيرِه.
والشُّكرُ لغةً: هو الحَمدُ العُرفيُّ.
وعُرفًا (^٥): صرفُ العبدِ جميعَ ما أنعمَ اللهُ عليه به إلى ما خُلِق لأجلِه (^٦).
_________________
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لآداب الراوي (١٢١٠)، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «أقطع»، بدل «أبتر»، وفيه أحمد بن محمد بن عمران، قال فيه الخطيب: (وكان يُضَعَّف في روايته)، وقال الألباني: (ضعيف جدًّا آفته ابن عمران هذا). ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٤٤، الإرواء ١/ ٢٩.
(٢) كتب على هامش (ح): وبين الحمد والشكر اللغويين عموم وخصوص وجهي، فعموم الحمد: أنه لمبدأ النعمة وغيرها، وخصوصه أنه لا يكون إلا باللسان، وعموم الشكر أنه يكون بغير اللسان، وخصوصه أنه لا يكون إلا لمبدأ النعمة، قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا وقيل: هما سواء، انتهى من شرح كافي المبتدي لأحمد بن عبد الله الشهير بالخطيب البعلي الحنبلي وتصنيفه سنة ١١٣٧ هـ.
(٣) قوله: (وهذا هو الحمد لغة وأما) سقط من (س)، ومكانه: والحمد.
(٤) كتب على هامش (ب): قوله: (وأمَّا عرفًا) قيل: العرف والاصطلاح متساويان، وقيل: الاصطلاح هو العرف الخاص، وهو ما يعين ناقله، والعرف إذا أطلق فالمراد به العام، وهو ما لم يتعيَّن ناقله، وعلى كلٍّ؛ فالمراد من العرف والاصطلاح: اللَّفظ المستعمل في معنى غير لغوي، ولم يكن ذلك مستفادًا من كلام الشَّارع، بأن أُخذ من القرآن أو السنَّة، وقد يطلق الشرعيُّ مجازًا على ما كان في كلام الفقهاء، وليس مستفادًا من الشَّارع. انتهى.
(٥) في (س): والحمد عرفًا.
(٦) كتب على هامش (ح): قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.
[ ٥٥ ]
و«أَلْ» في «الحمد» للجنس أو الاستغراقِ أو العهدِ.
واللامُ في «لله» للمِلك أو الاستحقاقِ (^١).
وأَردَف البسملةَ بالحمدلةِ؛ اقتداءً بأسلوبِ الكتابِ، وعمَلًا بما صحَّ مِنْ قولِه ﷺ: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ أي: صاحبِ (^٢) بالٍ (^٣) يُهتمُّ به شرعًا (^٤) لا يُبدأُ فيه بالحمد للهِ (^٥) فهو أَجذَمُ»، وفي روايةٍ: «أَقطعُ»، وفي أخرى: «أَبترُ»، أي: قليلُ البركةِ، وفي روايةٍ: «لا يُبدأُ فيه (^٦) بذِكرِ اللهِ» (^٧)، وبها تبيَّن أنَّ المرادَ: البُداءةُ بأيِّ ذِكرٍ كان، على أنَّه يُمكن حَملُ الابتداءِ في البسملة على الحقيقيِّ، وهو كونُ الشَّيءِ قبلَ كلِّ شيءٍ، وفي الحمدلة على الإضافيِّ، أي: بالنسبة لِما بعدَها، ولم يُعكس؛ لأنَّ ما تقدَّم هو الموافقُ للكتاب والإجماعِ.
_________________
(١) كتب على هامش (ع): قوله: (واللام في لله للملك أو الاستحقاق) نعم إذا كانت بين ذات ومعنى تكون للاستحقاق، وإذا كانت بين ذاتين تكون للملك، مثاله: المال للخليفة، وقد تكون للاختصاص مثاله: [اللجام] للفرس. تقرير. ن ح إبراهيم.
(٢) قوله: (صاحب) سقط من (س).
(٣) في (أ) و(س) و(ك) و(ع) و(د): حال.
(٤) قوله: (شرعًا) سقط من (س). وكتب على هامش (ب): خرج المكروه والمحرم، فإن البسملة عليهما مكروهة.
(٥) كتب على هامش (ب): قوله: (بالحمدُ لله) بالرَّفع، فإنَّ التَّعارض لا يحصل إلا بشروط خمسة: رفع الحمد؛ لأنَّه لو قرئ بالحركات بمعنى رواية: (لا يبدأ فيه بحمد الله)، ولا تعارض عليها؛ لأن معناها: بالثَّناء على الله، وتساوي الرِّوايتين، وكون رواية البسملة بباءين، وكون الباء صلة ل (يبدأ)، كما هو المتبادر؛ لأنها لو كانت للاستعانة متعلِّقة بحال محذوفة لم يحصل التَّعارض؛ لأنَّ الاستعانة (ببسم) لا تنافي الاستعانة بآخر، وأن يراد بالابتداء فيهما واحد، وهو الابتداء الحقيقي، والمراد الحمد العرفي، فيحصل بالقلب. ا هـ.
(٦) قوله: (لا يبدأ فيه) سقط من (س).
(٧) أخرجه أبو داود (٤٨٤٠)، وابن ماجه (١٨٩٤)، وابن حبان (١)، من حديث أبي هريرة ﵁، أعله النسائي والدارقطني بالإرسال، وصححه ابن حبان وأبو عوانة، وحسنه النووي وابن الملقن، ينظر: العلل للدارقطني (٨/ ٣٠)، البدر المنير (٧/ ٥٢٨)، الإرواء (١/ ٣٠).
[ ٥٦ ]
(رَبِّ العَالَمِينَ) أي: خالقِ جميعِ الخَلقِ، ومالِكِهم ومُربِّيهِم، والربُّ في الأصل مصدرٌ بمعنى التربيةِ والمِلكِ. وقد يُراد بالعالَمين: جميعُ الخلقِ، كما في مَقام الحمدِ، وقد يُراد بهم (^١): الإنسُ والجنُّ؛ كما في قوله تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
وهو اسمُ جمعٍ لعالَم بفتح اللَّام لا جمعٌ له؛ لكَونِه يكون (^٢) أخصَّ منه، والعالَمُ (^٣): يعمُّ كلَّ موجودٍ سِوَى اللهِ تَعالى (^٤)، واختارَه ابنُ مالكٍ (^٥).
(والصَّلَاةُ) وهي مِنْ اللهِ: رحمةٌ، ومِن الملائكةِ: استغفارٌ (^٦)، ومِن غيرِهم: تضرُّعٌ (^٧) ودعاءٌ (^٨).
_________________
(١) قوله: (جميع الخلق، كما في مقام الحمد، وقد يراد بهم) سقط من (س).
(٢) قوله: (يكون) سقط من (س).
(٣) في (س): إذ العالم.
(٤) زيد في (س): وصفاته.
(٥) أي: اختار أن العالمين اسم جمع، لا جمع. ينظر: شرح التسهيل ١/ ٨١. وابن مالك: هو محمد بن عبد الله الطائي الجيّاني، أبو عبد الله، جمال الدين، من أئمة العربية، من مصنفاته: الألفية في النحو، وتسهيل الفوائد، وشرحه، وغيرها، مات سنة ٦٧٢ هـ. ينظر: فوات الوفيات ٣/ ٤٠٧.
(٦) كتب على هامش (ب): قوله: (ومن الملائكة استغفارًا) أي: بلفظه أو مرادفه، وليس المراد بالاستغفار بخصوص صيغته؛ لحديث: «إذا صلَّى أحدكم؛ لم تزل الملائكة تصلِّي عليه، تقول: اللَّهمَّ صلِّ عليه، اللَّهمَّ ارحمه»، وقال بعضهم: ينظر ما معنى استغفارهم له ﷺ الذي الكلام فيه، مع أنَّ الاستغفار طلب المغفرة، وهو معصوم، فإن قلنا: المراد الاستغفار بالمعنى اللُّغوي الذي هو طلب الستر، وقصد الحيلولة بينه وبين الذنب؛ فيرجع إلى العصمة؛ قلت: بعد تسليمه إنَّما يظهر في استغفارهم له في حياته، أمَّا بعد وفاته فلا وإن كان حيًّا؛ لأنَّه ليس في دار تكليف، فإن قلت: المراد من استغفارهم مطلق الدُّعاء والتضرُّع؛ قلت: فما حكمة المغايرة في التَّعبير بين دعائهم ودعاء المؤمنين، انتهى؛ أجيب عن الإشكال: بأنه من باب: حسناتُ الأبرار سيِّئاتُ المقرَّبين. ا هـ.
(٧) كتب على هامش (ب): هو سؤال مع خضوع وذلة، والدعاء أعم منه.
(٨) كتب على هامش (ح): وقيل: صلاة الله عليه ثناؤه عليه، وإرادة إكرامه برفع ذكره ومنزلته وتقريبه، وأن صلاتنا نحن عليه: سؤالنا الله تعالى أنه يفعل ذلك به، اختاره ابن القيم ﵀. هـ ش كافي المبتدي.
[ ٥٧ ]
(والسَّلَامُ) بمعنى التَّحيَّةِ، أو السَّلامةِ مِنْ النَّقائصِ والرَّذائلِ.
(عَلَى سَيِّدِنَا) أي: أَشرَفِنا وأَكرَمِنا على الله تَعالى، (مُحَمَّدٍ (^١»، عَلمٌ منقولٌ مِنْ اسمِ مفعولِ المضعَّفِ، سُمِّي به نبيُّنا بإلهامٍ مِنْ الله تَعالى؛ تفاؤلًا بأنه يَكثُر حَمدُ الخلقِ له لكثرةِ صِفاتِه الجميلةِ.
(وعَلَى آلِهِ) أي: أَتباعِه على دِينِه (^٢)، (وصَحْبِهِ)، اسمُ جمعٍ ل «صاحبٍ»، بمعنى الصَّحابيِّ، وهو مَنْ اجتمَع بالنبيِّ ﷺ ولو لحظةً، وإن لم يَره ولم يَروِ (^٣) عَنه، مؤمنًا، ومات مؤمنًا.
(وتَابِعِيهِمْ) أي: تابعي الصَّحبِ، يُقال: تَبِعه مِنْ بابَي «ضرَب» و«سلِم»: إذا مشَى خلفَه، وهو اصطلاحًا: مَنْ اجتمَع بالصَّحابيِّ، والمرادُ هنا: مَنْ اقتَدَى بهم في أقوالِهم (^٤) وأفعالِهم (^٥) إلى يوم القيامةِ.
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (محمَّد) استنبط بعضهم من (محمَّد) ثلاثمائة وأربعة عشر رسولًا، فقال: فيه ثلاث ميمات، وإذا بسطت كل منها؛ قلت: م ي م وعِدَّتُها بحسب الجُمَّل الكبير: تسعون، فيحصل منها مائتان وسبعون، وإذا بسطت الحاء والدال؛ قلت: دال بخمسة وثلاثين، وحاء بتسعة؛ فالجملة ما ذكر، ففي اسمه الكريم إشارة إلى أنَّ جميع الكمالات الموجودة في المرسلين موجودة فيه. ا هـ.
(٢) كتب على هامش (ح): نص على هذا القول الإمام أحمد وعليه أكثر الأصحاب، وقيل: أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب، وقيل: أهله. ا هـ. بعلي.
(٣) في (ك) و(د): أو يرو عنه.
(٤) كتب على هامش (س): الضمير عائد على (من) أي: أقوال نفسه، وأفعال نفسه. انتهى تقرير مؤلفه.
(٥) في (أ) و(س) و(ك) و(د): أقواله وأفعاله.
[ ٥٨ ]
(أَجْمَعِينَ)، تأكيدٌ للآلِ والصَّحبِ والتَّابعين، مُفيدٌ للإحاطة (^١) والشُّمولِ.
(وبَعْدُ (^٢» كلمةٌ يُؤتَى بها؛ للانتِقال مِنْ أُسلوبٍ إلى آخَرَ، وكان ﷺ وأصحابُه يأتُون بأصلِها (^٣)، وهو «أمَّا بعدُ» في خُطَبِهم لذلك (^٤)، ولكَونِ أصلِها ذلك لَزِمَتها الفاءُ في حَيِّزها.
وأصلُ الأصلِ (^٥): مَهما يَكُنْ مِنْ شيءٍ بعدَ الحمدِ والصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ.
(فَهَذَا) المؤلَّفُ الحاضرُ في الذِّهن (مُخْتَصَرٌ (^٦»، قلَّ لفظُه وكَثُر مَعناه (^٧)، (فِي الفِقْهِ)، هو (^٨) لغةً: الفهمُ، أي: إدراكُ معنى الكلامِ (^٩)، وعُرفًا: معرفةُ
_________________
(١) في (س): لإفادة الإحاطة.
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (وبعد) اختلف في أوَّل من نطق بها، فقيل: داود ﵇، وعن الثَّعلبي: أنَّها فصل الخطاب الَّذي أوتيه داود. وقيل: يعقوب ﵇. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل كعب بن لؤي. وقيل: قس بن ساعدة. وقيل: سحبان بن وائل. والأوَّل أشبه كما قاله الحافظ ابن حجر، والجمع ممكن، ونظم ذلك الشمس الميداني فقال: جرَى الخُلفُ «أمَّا بعدُ» مَنْ كان بادئًا … بها عُدَّ أقوالًا وداودُ أقربُ ويعقوبُ، أيُّوبُ الصَّبورُ، وآدمٌ … وقُسٌّ، وسَحبانُ، وكعبٌ، ويَعربُ ا. هـ من «شرح الآداب» لمحمد السفاريني.
(٣) قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٠٦): (وقد تتبعَ طرقَ الأحاديث التي وقع فيها (أما بعد)؛ الحافظُ عبدُ القادر الرهاوي في خطبة الأربعين المتباينة له، فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابيًّا)، منها في صحيح البخاري المواضع التالية: (٩٢٢)، (٩٢٣)، (٩٢٤)، وغيرها من المواضع.
(٤) كتب على هامش (س): قوله: (لذلك): إشارة للانتقال من أسلوب إلى آخر. انتهى تقرير مؤلفه.
(٥) في (س): والأصل.
(٦) كتب على هامش (ح): أي: موجز.
(٧) كتب على هامش (س): قوله: (قل لفظه …) إلخ: هو صفة كاشفة لقول المصنف مختصر. انتهى.
(٨) في (أ) و(د): وهو.
(٩) كتب على هامش (س): قوله: (إدراك معنى): أي سواء كان الإدراك بسرعة أم لا، وقيل: يعتبر فيه أن يكون بسرعة. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٥٩ ]
الأحكامِ (^١) الشرعيَّةِ الفرعيَّةِ بالفعلِ (^٢) أو القوَّةِ القريبةِ (^٣).
(عَلَى مَذْهَبِ)، بفَتحِ الميمِ، مِنْ ذهَب يَذهب: إذا مضَى، بمعنى الذَّهابِ، أو مكانِه، أو زمانِه، ثمَّ نُقل إلى ما قالَه المجتهدُ بدليلٍ، ومات قائلًا به، وكذا ما جرَى مَجراه (^٤).
_________________
(١) كتب على هامش (ح): الأحكام جمع حكم، وهو في اللغة: القضاء والحكمة، وفي الاصطلاح: مدلول خطاب الشرع، فإن ورد بطلب فعل مع جزم مقتضٍ للوعيد على الترك؛ فإيجاب، نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وإن ورد بطلب فعل ليس معه جزم؛ فندب، نحو: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وإن ورد بطلب ترك مع جزم؛ أي: قطع مقتضٍ للوعيد على الفعل؛ فتحريم، نحو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ وإن ورد بطلب ترك ليس معه جزم؛ فكراهة؛ كقوله ﵇: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد؛ فلا يشبك بين أصابعه فإنه في صلاة»، وإن ورد بتخيير بين الفعل والترك؛ فإباحة؛ كقوله ﵇ حين سئل عن الوضوء من لحم الغنم: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ»، وإن لم يرد خطاب الشرع بشيء من هذه الصيغ الخمسة، وورد بنحو صحة أو فساد أو نصب الشيء سببًا أو مانعًا أو شرطًا، أو كون الفعل أداء أو قضاء أو رخصة أو عزيمة؛ سمِّي خطاب الوضع، ويسمى الأول: خطاب التكليف، ولا تتقيد إفادة الأحكام من صريح الأمر والنهي، بل تكرره بنص أو إجماع أو قياس، والمشكوك ليس بحكم، والوقف مذهب، والله أعلم. ش كافي مبتدئ.
(٢) كتب على هامش (ب): أي: الاستدلال.
(٣) كتب على هامش (ح): وقيل: إن الفقه الأحكام نفسها، والفقيه: من عرف جملة غالبة فيها. ا هـ ش كافي. وكتب على هامش (س): قوله: (بالفعل …) إلخ: متعلق بمعرفة، وهي بالفعل كالاستحضار، وبالقوة القريبة؛ كمن تقدم له معرفة المسألة لكنه غير مستحضر لها، أما البعيدة؛ فهي كمعرفة العامي الذي لم يعرف بالفعل. انتهى تقرير المؤلف. وكتب على هامش (ب): قوله: (وعرفًا: معرفة الأحكام …) إلخ، احترز ب (معرفة الأحكام) عن معرفة الذَّوات؛ كزيد وعمرو، وب (الشرعية) عن معرفة الأحكام غير الشَّرعيَّة؛ كاللُّغويَّة وسائر العلوم غير الأصوليَّة، وب (الفرعيَّة) عن الأصوليَّة؛ كأصول الدِّين وأصول الفقه، والأحكام العقليَّة؛ كنسبة الشَّيء إيجابًا؛ كقام زيد، أو سلبًا؛ كلم يقم، والحكم الشرعي مدلول خطاب الشرع، والمراد بقولهم: بالفعل، أي: بالاستدلال، وبالقوَّة القريبة، أي: من الفعل المتهيِّئ لمعرفتها بالاستدلال. ا هـ. يوسف على «المنتهى» ﵀.
(٤) في (س): ما أجري مجراه. وكتب على هامش (س): قوله: (أجري …) إلخ: أي: بأن قيس على قوله. انتهى تقرير المؤلف.
[ ٦٠ ]
(الإِمَامِ) المقتَدَى به في الدِّينِ، (الأَمْثَلِ) أي: الأَشبهِ بكلِّ خيرٍ، أَبي عبدِ اللهِ، (أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ) الشَّيبانيِّ، المَرْوَزيِّ، البغداديِّ، الزاهدِ، الرَّبَّانيِّ، والصِّدِّيقِ الثاني (^١).
قال عليُّ بنُ المَدِينيِّ شيخُ البخاريِّ (^٢): أيَّد اللهُ هذا الدِّين برَجُلين لا ثالثَ لهما: أبو بكرٍ الصدِّيقُ يومَ الرِّدَّةِ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ يومَ المِحنَةِ، انتهى (^٣).
والشَّيبانيُّ: نسبةً إلى أَحدِ أَجدادِه، وهو شَيبانُ بنُ ذُهْلِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ عُكَابةَ، لا شَيبانُ بنُ ثَعلَبَةَ بنِ عُكَابةَ.
حملَت به ﵁ أمُّه بمَرْوَ، ووُلِد ببغدادَ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أربعٍ وستِّين
_________________
(١) كتب على هامش (ب): قوله: (الزَّاهد) من الزُّهد، وهو الإعراض بالقلب عن الدُّنيا، وقسَّمته ثلاثة أوجه، ذكرتها في الحاشية. قوله: (وقسمته ثلاثة أوجه): الأوَّل: زهد العوام بالقلب، وهو زهد العوام من المسلمين، والثَّاني: ترك الفضول من الحلال بالقلب، وهو زهد الخواص منهم، والثَّالث: ترك ما يشغل العبد عن الله بالقلب، وهو زهد العارفين، وهم خواص الخواص. ا هـ. ذكره في ح ش. وقال الإمام أحمد: الزهد قصر الأمل، والإياس عمَّا في أيدي النَّاس. قوله: (الرَّباني)، أي: المتألِّه العارف بالله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، ولا يقال: رباني إلَّا إذا اجتمع فيه ثلاث خصال: علم وعمل وتعليم. قوله: (والصِّديق)، أي: البالغ في الصِّدق، وهو ضد الكذب، (الثَّاني) لُقِّب به لنصرته للسنة، وصبره على المحنة؛ كصبر الصِّديق الأوَّل أبي بكر ﵁، قال إسحاق بن راهويه: لولا أحمد بن حنبل وبذل نفسه لمَا بذلها لذهب الإسلام، وعن بشر بن الحارث أنَّه قيل له حين ضرب أحمد بن حنبل: أبا نصر لو أنك خرجت فقلت، أي: على قول أحمد بن حنبل، فقال بشر: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟! إنَّ أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء. نقله في المطلع. ا هـ.
(٢) هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح ابن المديني، أبو الحسن، البصري، أمير المؤمنين في الحديث، حدث عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة ويحيى القطان وغيرهم، توفي سنة ٢٣٤ هـ. ينظر: الطبقات ١/ ٢٢٥، سير أعلام النبلاء ١١/ ٤١.
(٣) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٣.
[ ٦١ ]
ومائةٍ، وتوفِّي ببغدادَ يومَ الجمعةِ ثاني عشرَ ربيعٍ الأوَّلِ أو الآخِرِ (^١) سنةَ إحدَى وأَربعين ومِائتَين، وله سبعٌ وسبعون سنةً، وأسلَم يومَ موتِه عشرون ألفًا مِنْ اليهودِ والنَّصارى والمجوسِ.
ومِن مُصنَّفاتِه ﵁: «المسنَدُ» ثلاثونَ ألفًا (^٢)، و«التفسيرُ» مائةٌ وخمسونَ ألفًا، وغيرُ ذلك، وفضائلُه ومَناقبُه كثيرةٌ شهيرةٌ، رَضي اللهُ تَعالى عنه.
ومن أَعيانِ أصحابِه الذين نَقلُوا مَذهبَه: وَلَدَاه عبدُ اللهِ وصالحٌ، والمَرُّوذِيُّ (^٣)، والأَثْرَمُ (^٤)، والحربيُّ (^٥).
ثمَّ وصَف المختصَرَ أيضًا بأنَّه (تَشْتَدُّ إِلَيْهِ) أي: إلى المختصَرِ (حَاجَةُ المُبْتَدِئِينَ) في الفقهِ.
ثمَّ ذكَر السَّببَ الحاملَ له على تَصنيفه فقال (^٦): (سَأَلَنِيهِ) أي: طلَب منِّي
_________________
(١) قوله: (أو الآخر) سقط من (د).
(٢) كتب على هامش (ب): قوله: (ثلاثون ألفًا)، أي: غير المكرَّر، فهو أربعون ألفًا. انتهى.
(٣) هو أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المروذي، وهو المقدم من أصحاب أحمد لورعه وفضله، وكان الإمام أحمد يأنس به وينبسط إليه، وهو الذي تولى إغماضه لما مات وغسله، توفي سنة ٢٧٥ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٣/ ٢٣، المقصد الأرشد ١/ ١٥٦.
(٤) هو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال الكلبي، الأثرم، الإسكافي، أبو بكر، جليل القدر، حافظ إمام، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وصنفها ورتبها أبوابًا. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٦٦.
(٥) قوله: (ومن أعيان أصحابه …) إلخ، سقط من (س). كتب على هامش (ع): قوله: (ومن أعيان أصحابه) إلخ، ومتى أطلقت الجماعة، فالمراد بهم هؤلاء، وأيضًا من الجماعة: الميموني وأبو طالب. [العلامة السفاريني]. وكتب على هامش (ح): وأبو زرعة الرازي وأبو زرعة الدمشقي وأبو داود السجستاني وغيرهم هـ. والحربي: هو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشر بن عبد الله بن ديسم، أبو إسحاق الحربي، كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، ونقل عن الإمام أحمد مسائل، توفي سنة ٢٨٥ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٨٦.
(٦) قوله: (ثمَّ ذكر السبب الحامل له على تصنيفه فقال) سقط من (س).
[ ٦٢ ]
تأليفَه (بَعْضُ المُقَصِّرِينَ) في طَلبِهم مع قُدرَتِهم على ما هو أَطولُ منه، (و) بعضُ (العَاجِزِينَ) الذين لا قُدرةَ لهم على ما هو (^١) أطولُ منه.
(جَعَلَه اللهُ) أي: جعَل اللهُ جَمعَه مِنْ متفرِّقاتِ الكتبِ، (خَالِصًا لِوَجْهِهِ) أي: لطَلبِ مَرْضاتِه سبحانَه، غيرَ مرادٍ به سِواه (^٢)، (الكَرِيمِ) أي: المتفضِّلِ بجميعِ النِّعمِ (^٣)، (وسَبَبًا) أي: وجعَله سببًا (لِلزُّلْفَى) أي: القُربِ (لَدَيْهِ) أي: عندَه تَعالى، (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) المُعدَّةِ للمؤمِنين، (ونَفَعَ بِهِ) أي: بهذا المختصَرِ (^٤) المبتدِئِين وغيرَهم، (إِنَّهُ) أي: اللهَ سبحانَه (هُوَ الرَّؤُوفُ) أي: ذو الرَّأفةِ، وهي كما في «القاموس»: أشدُّ الرَّحمةِ، أو أرقُّها (^٥)، (الرَّحِيمُ) أي: ذو الرَّحمةِ العظيمةِ (^٦).
_________________
(١) قوله: (ما هو) سقط من (أ) و(س).
(٢) قوله: (لطلب مرضاته سبحانه، غير مراد به سواه) هو في (س): ذاته.
(٣) قوله: (بجميع النعم) مكانه في (س): على من شاء بما شاء.
(٤) في (س): أي بالمختصر.
(٥) ينظر: القاموس المحيط ص ٨١١.
(٦) قوله: (أي: ذو الرحمة العظيمة) سقط من (س).
[ ٦٣ ]