إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣)، أمابعد:
فلقد جاء ديننا الحنيف بالحث على العلم والترغيب فيه، قال الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٥).
وقال -ﷺ-: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٦).
_________________
(١) آل عمران: ١٠٢.
(٢) النساء: ١.
(٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١.
(٤) آل عمران: ١٨.
(٥) الزمر: ٩.
(٦) رواه البخاري - كتاب العلم - باب من يرد الله به خيرا يفقه في الدين (١/ ١٢٦) رقم (٦٩)، ومسلم - كتاب العلم - باب النهي عن المسألة (٥/ ٢٤١) رقم (١٧٢١).
[ ١ / ٣ ]
وقال -ﷺ-: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (١).
والعلماء في الأمة هم العارفون بشرع الله، العاملون بعلمهم على هدىً وبصيرة، وهم الذين يعتمد عليهم الناس بعد الله في أمور دينهم ودنياهم، وهم منارات الهدى، ومصابيح الدجى، وهم ورثة الأنبياء.
وهم كما قال علي بن أبي طالب -﵁-: «العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة».
وهم كما قال معاذ بن جبل -﵁-: «يرفع الله بالعلم أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة، يقتدى بهم، أدلة في الخير، تقتضى آثارهم وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها ».
وقال الحسن -﵀-: «لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم».
وقال يحيى بن معاذ -﵀-: «العلماء أرحم بأمة محمد -ﷺ- من آبائهم وأمهاتهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة».
والعلم دليل الإيمان والعمل ثمرته، وهو أفضل من سائر العبادات، بل الاشتغال به أفضل ما يتطوع به المرء، ونفعه لايقتصر على الدنيا بل يشمل الدنيا والآخرة، فيجمع لحامليه بين الحسنيين، ويرفع درجاتهم عند الله وعند الناس، فثمراته معجلة، وقطوفه دانية.
_________________
(١) رواه البخاري - كتاب العلم - باب العلم قبل القول والعمل (١/ ١١٩)، ومسلم - كتاب العلم - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (١٣/ ٢١٢) رقم (٤٨٦٧).
[ ١ / ٤ ]
ولذلك اجتهد الكثيرون للظفر بهذا الفضل، وتلك الخيرية التي وعد بها رسولنا -ﷺ- في قوله: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١)، فعكف العلماء من السلف والخلف على تعلم العلم وتعليمه، والجلوس له، والتأليف فيه.
وكانوا فيه أصنافًا عديدة، منهم السابقون، ومنهم الجادون، ومنهم المشمرون الحريصون على بلوغ أعلى الدرجات ومراتب الكمال، والله - جل وعلا - يؤتي فضله وحكمته من يشاء.
وقد أوضح ربنا - جل وعلا - مراتب الكمال وغايته في سورة العصر، وهي أربع مراتب:
الأولى: معرفة الحق، والثانية: العمل به، والثالثة: تعليمه من لا يحسنه، والرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه.
وقد بذل العلماء في كل زمان ومكان جهدهم في استنباط الأحكام الشرعية، وألفوا المؤلفات الكثيرة المطولة والمختصرة، ومنها ما هو على شكل متون دقيقة العبارة تحتاج إلى شرح وإيضاح، والمعول عليه عند أهل العلم في بيان الأحكام وتقريرها هو الدليل من الكتاب والسنة.
ولذا اجتهد العلماء في تقرير الأحكام الشرعية، وعولوا على الدليل، بل إن الأئمة الكبار كالأئمة الأربعة أمروا بترك أقوالهم، والإعراض عنها إذا خالفت الدليل، وهذا أمر متقرر معلوم، فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم -ﷺ-.
ورغم ذلك نبتت نابتة بعدت عن العلماء، وسلكت غير سبيلهم، فزهدت بكتب أهل العلم وطرحها، وهؤلاء لهم سلف من الخوارج الذين سلكوا غير سبيل المؤمنين، وطعنوا في العلماء، فضلوا وأضلوا - عياذًا بالله -.
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٣.
[ ١ / ٥ ]
لكن أهل العلم وقفوا لهم بالمرصاد، وبينوا خطأهم، وجاهدوهم بألسنتهم وأقلامهم، وهم في كل زمن يأخذون أشكالًا مختلفة، لكن يجمعهم هدف واحد، وطريق واحد، وهو الطعن في أهل العلم، والتنقص منهم، وتزهيد الناس بهم، وصد الناس عن الاستفادة من كتبهم، والتشويش على العامة.
وقد دفعني حب العلماء والدفاع عنهم على التطفل على موائدهم، والحرص على سلوك دربهم رجاء اللحاق بهم، وأن يحشرني الله في زمرتهم، فعقدت العزم على تدريس كتاب (عمدة الفقه لابن قدامة) وشرحه للطلاب بأسلوب واضح، وعبارة سهلة في مناطق متعددة وبلدان كثيرة، وكنت أنا المستفيد أكثر من الطلاب في مراجعة العلم وتثبيت مسائله.
وقد اخترت هذا الكتاب لأنه من أفضل متون الحنابلة وأوضحها عبارة، وأقواها وأكثرها أدلة، ولندرة من شرحه، ثم إن مؤلفه هو شيخ المذهب كما هو المصطلح عليه عند الحنابلة.
وقد يسر الله لي شرحه في دروس كثيرة، ودروات عديدة في أماكن مختلفة - من مملكتنا الغالية - ومن هذه البلدان الزلفي، الخبراء، بريدة، المجمعة، الأفلاج، حوطة بني تميم، مكة، المدينة، الأحساء، الدمام، الجبيل، تبوك، تيماء، حقل، ضباء، البدع، الغاط، الطائف، السر، الباحة، المذنب، الدلم، حفر الباطن، حائل، الرياض.
وأكملت شرح هذا الكتاب المبارك في كل من الزلفي، ومكة، والأفلاج، وكان أول درس ألقيته في هذا الكتاب المبارك في: ١٠/ ١٠/١٤٠١ هـ، ولا زلت إلى اليوم أشرحه في أماكن متفرقة.
[ ١ / ٦ ]
وطريقتي في تدريسه للطلاب أنني أوضح عبارة ابن قدامة في العمدة، وأوضح المذهب، وأشير أحيانًا للرواية الثانية، وأحرص على ذكر راي شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن سعدي، وشيخينا الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ محمد بن عثيمين - ﵏ - قدر الاستطاعة، كما حرصت على بيان الراجح عندي في معظم المسائل التي تعرضت لها، كما حرصت على ذكر الدليل حسب ما يتيسر لي.
وقد تم هذا الشرح كما قلت في أوقات متفاوتة، وأماكن متفرقة في دروس أسبوعية، وشهرية، وخلال دورات علمية مكثفة، وكنت أقيد على كتابي ما يظهر لي خلال مطالعتي أثناء شرحه.
وقد تم تسجيله في أماكن متفرقة، وتم تفريغه من الأشرطة، وأعدت النظر فيه، فحذفت منه ما يستغنى عنه خشية الإطالة والتكرار، وأضفت ما لاغنى لطالب العلم عنه، فأضفت إليه أقوال المذاهب الأربعة اكتفاءًا بذكر قولهم دون التعرض لأدلتهم، ثم بينت الراجح من أقوال هذه المذاهب مع ذكر دليل الترجيح، ومن رجح هذا القول كشيح الإسلام، وتلميذه ابن القيم، والعلامة ابن سعدي، وسماحة شيخنا ابن باز، وشيخنا محمد الصالح العثيمين - ﵏ - وكذا اللجنة الدائمة.
ومتى قلت: قال شيخنا، فأعني به شيخنا العلامة التقي الثبت الضابط المدقق في سائر علوم الشريعة شيخنا الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين -﵀- رحمة واسعة.
وإذا قلت: قال به شيخنا الشيخ عبد العزيز، فأعني به إمام العلماء في عصره العالم الرباني الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- رحمة واسعة.
[ ١ / ٧ ]
وإذا قلت: قال به الشيخان، فأعني به الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين.
وإذا قلت: قال به شيخ الإسلام، فأعني به الحبر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.
وإذا قلت: قال به الإمام المجدد، فأعني به الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀-.
أ. د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
الزلفي - ص. ب: ١٨٨ - الرمز البريدي: ١١٩٣٢
في: ١/ ١/ ١٤٢٨ هـ
[ ١ / ٨ ]