بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
_________________
(١) قوله «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» استفتح كتابه بالبسملة، وفي بعض النسخ الاقتصار على تركها والبداءة بالحمد لله، وعلى كلٍ هذه عادة أهل التأليف أنهم ينوعون في البداءة في مؤلفاتهم، فأحيانًا يجمعون بين البسملة والحمد له، وأحيانًا يقتصرون على ذكر الحمد. وعلى اعتبار أنه استفتح كتابه بالبسملة نقول: ابتدأ بها المؤلف لآمرين: الأول: اقتداءًا بكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، فكتاب الله يبتدأ في ببسم الله الرحمن الرحيم، والنبي -ﷺ- في مراسلاته كان يبدأ فيها ببسم الله الرحمن الرحيم، ومن هنا ابتدأ بها المؤلف. الثاني: أنه ابتدأ بها تبركًا، فإن من طلب البركة أن يبدأ الإنسان في عمله بذكر الله تعالى رجاء حصول البركة، ولذا حث -ﷺ- عليها عند الأكل، والشرب، والملبس، والجماع، ودخول الخلاء، وركوب الدابة، وغير ذلك مما جاءت به السنة. وللكلام على البسملة نقول: قوله «بِسْمِ اللَّهِ» الجار والمجرور كلاهما متعلق بمحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام. فتقديره فعلًا لأن الأصل في الأعمال الأفعال، وكونه مؤخرًا لفائدتين: الأولى: التبرك بالبداءة باسم الله تعالى. الثانية: إفادة الحصر، لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر. وكونه مناسبًا للمقام لأنه أدل على المراد، فلو أن إنسانًا أراد أن يبدأ في =
[ ١ / ١٢ ]
الحمدُ للهِ أهلِ الحمدِ ومستحِقِّهِ (١)،
ــ
= قراءة كتاب مثلًا فقال: بسم الله أبدأ فإنه لا يدري بماذا يبتدى، لكنه لو قال: بسم الله اقرأ فإنه يكون أدل على المراد.
قوله «اللَّهِ» علم على الباري - ﷾ - وهو الاسم الذي ترجع إليه جميع الأسماء.
قوله «الرَّحْمَنِ» اسم من أسمائه - ﷾ - وهو من الأسماء المختصة به لا يطلق على غيره، ومعنى «الرحمن» ذو الرحمة الواسعة.
قوله «الرَّحِيمِ» هو أيضًا اسم من أسمائه - ﷾ - الغير مختصة به كما قال تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، ومعنى «الرحيم» ذو الرحمة الواصلة، أي الموصل رحمته من يشاء.
(١) وقوله «الحمدُ للهِ» جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، والحمد في اللغة: ثناء، يقال: حمد فلان فلانًا، إذا أثنى عليه.
أما في الشرع: فمعنى الحمد، الوصف بالجميل الاختياري على المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد، فقولنا «فلان عالم»، «فلان جواد»، «فلان كريم» وهكذا كل هذا يعد حمدًا.
والألف واللام في الحمد للاستغراق، أي استغراق جميع المحامد وجميع الحمد، واللام (لله) للاختصاص، أي لا تكون هذه المحامد إلا لله وحده لاشريك له.
(٢) قوله «أهلِ الحمدِ ومستحِقِّهِ» هو أهل أن يحمد، بل هو المستحق للحمد، فهو المحمود على كل حال في السراء والضراء، والنعماء والبأساء.
_________________
(١) التوبة: ١٢٨.
[ ١ / ١٣ ]
حمدًا يفضُلُ على كلِّ حمدٍ (١)، كَفَضلِ اللهِ على خلقِهِ (٢). وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لاشَريكَ لَهُ (٣)، شَهادةَ قائمٍ للهِ بحقِّهِ (٤)، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عَبدُه ورسُوله (٥)،
_________________
(١) قوله «حمدًا يفضُلُ على كلِّ حمدٍ» أي حمدًا يزيد على كل حمد.
(٢) قوله «كَفَضلِ اللهِ على خلقِهِ» أي كفضل الخالق - جل وعلا - على المخلوق، ففضل الخالق - سبحانه - على المخلوق لا يحصى ولا يعد، ولذا كان حمد المخلوق له ينبغي أن يفضل على كل حمد.
(٣) قوله «وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ» أي أعلم علمًا يقينًا لاشك فيه أنه (لا إله إلا الله)، أي لا معبود بحق إلا الله. قوله «وحدَهُ لاشَريكَ لَهُ» جملة تأكيدية لما قبلها.
(٤) قوله «شَهادةَ قائمٍ للهِ بحقِّهِ» أي هذه الشهادة المذكورة شهادة من قائم لله بحقها من إفرادالعبادة لله تعالى وحده لا شريك له لأنه المستحق أن يعبد، فلا تصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره، لأن هذا من لوازم شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له.
(٥) قوله «وأشهدُ أنَّ محمّدًا عَبدُه ورسُوله» أي أعلم علمًا يقينًا أن محمدًا -ﷺ- عبد من عباد الله لا يملك من الربوبية شيء، ومع ذلك هو رسول من عند الله تعالى أرسله الله للثقلين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله؛ طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله بما شرع.
[ ١ / ١٤ ]
غيرَ مُرتابٍ في صدقهِ، صلَّى اللهُ عليهِ (١)، وعلى آلهِ وصحبِه (٢)، ما جَادَ سَحابٌ بوَدقِهِ، وما رَعدَ بعد بَرقِهِ (٣).
ــ
(١) قوله «غيرَ مُرتابٍ في صدقهِ» أي ليس عندي شك ولا ريب في كونه رسول من عند الله، وأن ما يبلغه عن ربه صدق لأن الله تعالى زكاه في النقل عنه فقال ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١)
قوله «صلَّى اللهُ عليهِ» هذه جملة خبرية دعائية، فهي من جهة الإخبار، فهي خبر عن أن الله تعالى صلى عليه، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٢).
وهي أيضًا دعائية، فهي في طلب من الله تعالى أن يصلي على نبيه، وهذا زيادة في تشريفه وتكريمه -ﷺ-، ومعنى «-ﷺ-» أي أثني عليه في الملأ الأعلى.
(٢) قوله «وعلى آلهِ وصحبِه» الآل هنا هم المؤمنون من قرابته، مثل بناته - ﵅ - وعميه العباس وحمزة، وأبناء عمه علي وابن عباس - ﵄.
والمراد بالصحب: كل من اجتمع به مؤمنًا، ومات على ذلك ولو لم يره، ولو لم تطل الصحبة بخلاف غيره.
(٣) قوله «ما جَادَ سَحابٌ بوَدقِهِ، وما رَعدَ بعد بَرقِهِ» الودق: هوالمطر، والمعنى أي أسألك يا إلهي أن تصلي عليه بعدد قطرات الماء التي تنزل من السحاب، وبعدد الرعد الذي يجيء بعد البرق.
_________________
(١) النجم: ٣، ٤.
(٢) الأحزاب: ٥٦.
[ ١ / ١٥ ]
هذا كتابُ أحكامٍ في الفِقه (١)، اختَصرتُه حَسَبَ الإمْكَان (٢)، واقتصَرتُ فيه على قولٍ واحدٍ (٣)؛
_________________
(١) قوله «هذا كتابُ أحكامٍ في الفِقه» أي هذا كتاب في علم الفقه الذي يختص بالأحكام العملية التي تنقسم إلى قسمين: الأول: العبادات: وهي تشمل الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وما يتبعها من الأيمان، والنذور، وغيرها. الثاني: المعاملات؛ سواء كانت مالية كالبيع، والإجارة، والرهن، والشركة، والقرض، والوكالة، والكفالة. أو كانت معاملات شخصية كالنكاح، والطلاق، والرجعة، والخلع، وغير ذلك. أو معاملات جنائية قضائية، فهذا هو الذي يشمله الفقه.
(٢) قوله «اختَصرتُه حَسَبَ الإمْكَان» أي جعلته مختصرًا، والمختصر كما قال أهل العلم: هو ما قل لفظه وكثر معناه، ولما كان اختصار الكلام أمر صعب وعزيز قال -﵀- «حسب الإمكان» أي على حسب قدرتي وطاقتي، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
(٣) قوله «واقتصَرتُ فيه على قولٍ واحدٍ» بين المؤلف هنا منهجه في هذا المختصر، وأنه جعله على قول واحد في مذهب الحنابلة، وذلك لأن العلماء في المذاهب لهم أقوال، فتارة ما يكون الجائز عند بعضهم لا يكون جائزًا عند الآخر، وتارة ما يكون مكروهًا عند البعض لا يكون مكروهًا عند الآخر، ومن هنا تعددت الأقوال في المذهب، لكن المؤلف لما كان شيخ المذهب ذكر هنا قوله.
[ ١ / ١٦ ]
ليكونَ عُمدةً لقارئِه (١)، ولا يَلتبِسَ عليه الصَّوابُ باختلاف الوُجوهِ والرِّواياتِ (٢).
سأَلني بعضُ أصحابنا تلخيصَهُ؛ ليقرُبَ على المتعلِّمِين (١)،
_________________
(١) قوله «ليكونَ عُمدةً لقارئِه» ذكر المؤلف هنا السبب الذي من أجله اختصرهذا الكتاب، وجعله على قول واحد فقال «ليكون عمدة لقارئه» وعمدة الشيء ما يقوم عليه، فإذا كان عند طالب العلم قول واحد جعل الحكم عنده أمرًا واضحًا، ولا يحصل عنده نوع تذبذب ولا تشتت، وهذا أمر مهم جدًا لطالب العلم أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره فيبدأ بالمختصرات لينضبط عنده العلم، وهذا هو دأب العلماء الكبار، فإنهم كانوا يبدأون بالمختصرات حفظًا ودراية، ثم بعد ذلك يبدأون بالأوسط ثم المطولات.
(٢) قوله «ولا يَلتبِسَ عليه الصَّوابُ باختلاف الوُجوهِ والرِّواياتِ» وذلك لأن طالب العلم إذا أهمل جانب المختصرات وسلك طريق الخلافات والروايات حصل عنده نوع التباس، لأن المذهب الواحد قد يكون فيه أكثر من قول كما ذكرت آنفًا، ولذا نجد القاضي أبو يعلى له كتاب في ذلك باسم «الروايتان والوجهان» هذا في مذهب واحد، فكيف إذا انضم إلى ذلك الروايات والوجوه في المذاهب الأخرى.، ثم انشغل بذلك طالب العلم، فهل يستطيع أن يحصل علمًا من واقع الخبرة؟ لا يستطيع أبدًا أن يحصِّل شيء، ولذا نجد الكثير ممن يبدأون في الطلب إذا انشغل بذلك يحصل عنده نوع فتور ثم يترك طلب العلم أو تجده ما حصَّل شيء من العلم. ولذا أنصح طالب العلم أن يهتم بمختصرات المذاهب ويحفظها ويقرأ شروحها، ويجعل له مختصرًا واحدًا يعلق عليه، ويفهم ألفاظه، وهذا ولله الحمد يكفيه في تحصيل العلم.
(٣) قوله «سأَلني بعضُ أصحابنا تلخيصَهُ؛ ليقرُبَ على المتعلِّمِين» وذلك =
[ ١ / ١٧ ]
ويسهُلَ حِفظُه على الطَّالبين (١)؛ فأَجبتُهُ إلى ذلك، مُعْتمِدًا عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ في إِخلاصِ القَصدِ لِوجههِ الكَريم (١)، والمعُونةِ على الوصول إلى رِضوانِهِ العظيم (١)، وهو حَسبُنَا ونعم الوكيلُ (١)،
_________________
(١) = لكي يسهل عليهم ضبط العلم، ويحصل لهم بذلك العلم الذي به ينتفعون وينفعون.
(٢) قوله «ويسهُلَ حِفظُه على الطَّالبين» هذا أيضًا من مميزات المختصرات أنه يسهل حفظها عند طالب العلم، ومن هنا كانت قيمة المختصرات عند طالب العلم فإنها بإذن الله تكون عمدة لقارئها، وأنها تكون سهلة عليه، وأنها تكون مانعًا له بعد الله تعالى من الشتات.
(٣) قوله «فأَجبتُهُ إلى ذلك، مُعْتمِدًا عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ في إِخلاصِ القَصدِ لِوجههِ الكَريم» أي أجبته إلى ما سألني من اختصار الفقه على مذهب الإمام أحمد -﵀- معتمدًا على الله تعالى في اختصاري قاصدًا بهذا الاختصار وجه الرب - سبحانه وتعالاـ.
(٤) قوله «والمعُونةِ على الوصول إلى رِضوانِهِ العظيم» أي طالبًا من الرب - ﷾ - العون وذلك للوصول إلى رضوانه، وهذا من أعظم ما يسأل العبد به ربه، أي أن يرضى عنه، فإذا رضي الله تعالى عن العبد أرضاه في الدنيا والآخرة. قوله «وهو حَسبُنَا ونعم الوكيلُ» أي هو - ﷾ - حسبي، أي كافيني، ونعم الوكيل، أي وربي نعم الوكيل الذي هو قائم على كل خلقه مدبر شؤونهم وأمورهم.
[ ١ / ١٨ ]
وأودعتُهُ أحاديثَ صحيحةً (١)؛ تَبرُّكًا بها، واعتِمادًا عليها، وجعلتها من الصِّحَاح لأَستغني عن نسبتها إليها (١).
ــ
(١) قوله «وأودعتُهُ أحاديثَ صحيحةً» أي جعلت فيه أحاديث صحيحة، وهذا لأمور ذكرها بقوله:
(٢) قوله «تَبرُّكًا بها، واعتِمادًا عليها، وجعلتها من الصِّحَاح لأَستغني عن نسبتها إليها» هذه هي الأمور التي جعلته يودع في مختصره الأحاديث الصحيحة: أولًا: تبركًا بها، فكما أن القرآن مبارك كما قال تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (١)، فكذلك السنة النبوية فيها البركة، فهي كالقرآن في التماس البركة منها، قال -ﷺ-: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (٢).
ثانيًا: واعتمادًا عليها، أي ذكرتها أيضًا للاعتماد عليها، فالحديث الصحيح الذي سلم من القدح في الحقيقة لكون الاحتجاج به أقوى، والاعتماد عليه أولى، ولذا إن كان الدليل صحيحًا استراح طالب العلم ومن هنا جعل المؤلف في هذا الكتاب الأحاديث الواردة فيه صحيحة.
ثالثًا: وجعلها ايضًا من الصحاح: لكي يستغنى عن نسبتها إليها، والأحاديث التي أوردها المؤلف في كتابه أغلبها من الصحيحين، وهناك أيضًا من غير الصحيحين لكنها أحاديث صحاح.
انتهى شرح مقدمة المؤلف.
_________________
(١) الأنعام: ٩٢.
(٢) رواه أحمد بسند صحيح (٣٥/ ٣٧)، وخرجه الألباني في الثمر المستطاب (٢/ ٥٤١).
[ ١ / ١٩ ]