قال أبو يوسف ﵁: وإذا كان لرجل على رجل دين فكفل له به عنه رجل، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: للطالب أن يأخذ أيهما شاء، فإن كانت حوالة لم يكن له أن يأخذ الذي أحاله لأنه قد أبرأه. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: ليس له أن يأخذ الذي عليه الأصل فيهما جميعًا لأنه حيث قبل منه الكفيل فقد أبرأه من المال
[ ٥٤ ]
إلا أن يكون المال قد توى قبل الكفيل فيرجع به على الذي عليه الأصل، وإن كان كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه كان له أن يأخذ أيهما شاء في قولهما جميعا.
قال: وإذا أخذ الرجل من الرجل كفيلا بنفسه ثم أخذ منه بعد ذلك آخر بنفسه، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هما كفيلان جميعا، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: قد برئ الكفيل الأول حين أخذ الكفيل الآخر.
قال: وإذا كفل الرجل للرجل بدين غير مسمى، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هو له ضامن. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يجوز عليه الضمان في ذلك لأنه ضمن شيئا مجهولا غير مسمى، وهو أن يقول الرجل للرجل: أضمن ما قضى لك به القاضي عليه من شيء وما كان لك عليه من حق وما شهد لك به الشهود، وما أشبه هذا، فهو مجهول.
[ ٥٥ ]
قال: وإذا ضمن الرجل دين ميت بعد موته وسماه ولم يترك الميت وفاء ولا شيئا ولا قليلا ولا كثيرا، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا ضمان على الكفيل لأن الدين قد توى. وكان ابن أبي ليلى يقول: الكفيل ضامن. وبه نأخذ. وقال أبو حنيفة ﵁: إن ترك شيئا ضمن الكفيل بقدر ما ترك، وإن كان ترك وفاء فهو ضامن لجميع ما تكفل به.
قال: وإذا كفل العبد المأذون له في التجارة، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: كفالته باطلة لأنها معروف وليس يجوز له المعروف، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: كفالته جائزة لأنها من التجارة وإذا أفلس المحتال عليه، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يرجع على الذي أحاله حتى يموت المحتال عليه ولا يترك مالا. وكان ابن أبي ليلى
[ ٥٦ ]
﵀ يقول: له أن يرجع إذا أفلس. وبهذا نأخذ.
قال: وإذا وكل الرجل رجلا في شيء فأراد الوكيل أن يوكل بذلك غيره، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: ليس له ذلك إلا أن يكون صاحبه أمره أن يوكل بذلك غيره، وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يوكل غيره إذا أراد أن يغيب أو مرض، فأما إذا كان صحيحا حاضرًا فلا. قال أبو حنيفة: وكيف يكون له أن يوكل غيره ولم يرض صاحبه بخصومه غيره وإنما رضى بخصومه؟!
[ ٥٧ ]
قال: وإذا وكل رجل رجلا بخصومه وأثبت الوكالة عند القاضي ثم أقر على صاحبه الذي وكله أن تلك الخصومة حق لصاحبه الذي يخاصمه أقر به عند القاضي، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: إقراره جائز. قال محمد: وبه نأخذ. وإن أقر عند غير القاضي وشهد عليه الشهود، فإقراره باطل ويخرج من الخصومة. وقال أبو يوسف: إقراره عند القاضي وعند غيره جائز عليه. وكان ابن أبي ليلى يقول: إقراره باطل.
قال: وإذا وكل رجل رجلا في قصاص أوحد، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا تقبل في ذلك وكالة. وبه نأخذ. وروى أبو يوسف أن أبا حنيفة قال: أقبل من الوكيل البينة في الدعوى في الحد والقصاص ولا أقيم الحد ولا القصاص حتى يحضر المدعى. وقال أبو يوسف: لا أقبل البينة إلا من المدعى ولا أقبل في ذلك وكيلا. وكان ابن أبي ليلى يقول: تقبل في ذلك الوكالة.
قال: وإذا كانت في يدى رجل دار فادعاها رجل فقال الذي هي في يديه وكلني بها فلان لرجل غائب أقوم له عليها، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا أصدقه إلا أن يأتي على ذلك ببينة وأجعله خصما. وبه نأخذ
[ ٥٨ ]
وقال أبو يوسف ﵀ بعد: إن كان متهما أيضا لم أقبل منه بينة وجعلته خصما إلا أن يأتي بشهود أعرفهم. وكان ابن أبي ليلى يقول: أقبل منه وأصدقه ولا نجعل بينهما خصومة. وكان ابن أبي ليلى بعد ذلك يقول: إذا اتهمته سألته البينة على الوكالة فإن لم يقم البينة جعلته خصما.
قال: وإذا كان للرجل على الرجل مال فجاء رجل فقال: قد وكلني بقبضه منك فلان، فقال الذي عليه المال: صدقت، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: أجبره على أن يعطيه إياه، وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى
[ ٥٩ ]
يقول: لا أجبره على ذلك إلا أن يقيم بينة عليه وأقول: أنت أعلم فإن شئت فأعطه وإن شئت فاتركه.
قال: وإذا وكل الرجل رجلا في شيء، فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا تثبت وكالته إلا أن يأتي معه بخصم. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: نقبل بينته على الوكالة ونثبتها له وليسمعه خصم. وقد كان أبو يوسف ﵀ إذا جاءه رجل قد عرفه يريد أن يغيب فقال: هذا وكيلي في كل حق لي يخاصم فيه، قبل ذلك وأثبت وكالته، وإذا تغيب الخصم وكل له وكيلا وقضى عليه.
قال: وإذا وكل رجل رجلا بكل قليل وكثير، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يجوز بيعه لأنه لم يوكله بالبيع إلا أن يقول: ما صنعت من شيء فهو جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا وكله في كل قليل وكثير فباع دارًا أو غير ذلك كان جائز.
[ ٦٠ ]
قال: وإذا وكلت المرأة وكيلا بالخصومة وهي حاضرة، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا أقبل إلا أن يرضى الخصم. وكان ابن أبي ليلى يقول: نقبل ذلك ونجيزه. وبه نأخذ.