قال أبو يوسف ﵁: وإذا وهبت المرأة لزوجها هبة أو تصدقت أو تركت له من مهرها ثم قالت: أكرهني وجاءت على ذلك ببينة، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا أقبل بينتها وأمضى عليها ما فعلت من ذلك. وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: أقبل بينتها على ذلك وأبطل ما صنعت.
قال: وإذا وهب الرجل هبة وقبضها الموهوب له وهي دار فبناها بناء وأعظم النفقة، أو كانت جارية صغيرة فأصلحها أو صنعها حتى شبت وأدركت، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يرجع الواهب في شيء من ذلك ولا في كل هبة زادت عند صاحبها خيرا، ألا ترى أنه قد حدث فيها في ملك الموهبة له شيء لم يكن في ملك الواهب؟ أرأيت إن ولدت الجارية ولدا
[ ٤٥ ]
كان للواهب أن يرجع فيه ولم يهبه له ولم يملكه قط؟ وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يرجع في ذلك كله وفي الولد.
قال: وإذا وهب الرجل جارية لابنه، وابنه كبير وهو في عياله، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا تجوز إلا أن يقبض. وبه نأخذ.
وكان ابن ابي ليلى يقول: إذا كان الولد في عيال أبيه وإن كان قد أدرك فهذه الهبة جائزة. وكذلك الرجل إذا وهب لامرأته.
قال: وإذا وهب الرجل دارًا لرجلين أو متاعا وذلك المتاع مما يقسم فقبضاه جميعًا، فإن ابا حنيفة ﵁ كان يقول: لا تجوز تلك الهبة إلا أن يقسم لك لواحد منهما منها حصته. وكان ابن أبي ليلى يقول: الهبة جائزة. وبه نأخذ. وإذا وهب اثنان لواحد وقبض فهو جائز. وقال أبو يوسف: هما سواء.
[ ٤٦ ]
قال: وإذا كانت الدار لرجلين فوهب أحدهما حصته لصاحبه ولم يقسمه له، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: الهبة في هذا باطلة ولا تجوز، وبه نأخذ. ومن حجته في ذلك أنه قال: لا تجوز الهبة إلا مقسومة معلومة مقبوضة. بلغنا عن أبي بكر ﵁ أنه نحل عائشة أم المؤمنين ﵂ جذاذ عشرين وسقا من نخل له بالعالية فلما حضره الموت قال لعائشة: إنك لم تكونى قبضته وإنما هو مال الوارث
[ ٤٧ ]
فصار بين الورثة لأنها لم تكن قبضته. وكان إبراهيم يقول: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا كانت الدار بين رجلين فوهب أحدهما لصاحبه نصيبه فهذا قبض منه للهبة، وهذه معلومة وهذه جائزة. وإذا وهب الرجلان دارًا لرجل فقبضها فهو جائز في قول أبي حنيفة ﵁، ولا يفسد الهبة أنها كانت لاثنين. وبه نأخذ.
قال: وإذا وهب الرجل للرجل الهبة وقبضها دارًا أو أرضا ثم عوضه بعد ذلك منها عوضًا وقبض الواهب، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: ذلك جائز ولا يكون فيه شفعة. وبه نأخذ. وليس هذا بمنزلة الشراء. وكان ابن ابي ليلى يقول: هذا بمنزلة الشراء ويأخذ الشفيع بالشفعة بقيمة العوض. ولا يستطيع الواهب أن يرجع في الهبة بعد العوض في قولهما جميعًا.
قال: وإذا وهب الرجل للرجل هبة في مرضه فلم يقبضها الموهبة له حتى مات الواهب، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: الهبة في هذا باطلة لا تجوز. وبه نأخذ. قال: ولا تكون له وصية إلا أن يكون ذلك
[ ٤٨ ]
في ذكر وصيته. وكان ابن أبي ليلى يقول: هي جائزة من الثلث. حدثنا الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵄ قال: «لا تجوز الصدقة إلا مقبوضة» حدثنا الأعمش عن إبراهيم
[ ٤٩ ]
قال: «الصدقة إذا علمت جازت، والهبة لا تجوز إلا مقبوضة». وكان أبو حنيفة ﵁ يأخذ بقول ابن عباس ﵄ في الصدقة. وهو قول أبي يوسف ﵁.