قال: أخبرنا أبو يوسف عن الأشعث بن سوار عن الحكم عن إبراهيم عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول في الحرام: إن نوى به يمينًا فيمين وإن نوى طلاقا فطلاق وهو ما نوى من ذلك. وإذا قال الرجل:
[ ١٨٦ ]
كل حل على حرام، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: القول قول الزوج، فإن لم يعن طلاقا فليس بطلاق وإنما هي يمين يكفرها، وإن عنى الطلاق ونوى ثلاثا فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى طلاقا ولم ينو عددا فهي واحدة بائنة. وكذا إذا قال لامرأته: هي على
[ ١٨٧ ]
حرام. وكذلك إذا قال لامرأته: خلية أو برية أو بائن أو بتة فالقول
[ ١٨٨ ]
قول الزوج وهو ما نوى، إن نوى واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث بلغنا ذلك عن شريح وإن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة، وإن
[ ١٨٩ ]
لم ينو طلاقا فليس بطلاق غير أن عليه اليمين ما نوى طلاقا. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول في جميع ما ذكرت: هي ثلاث تطليقات لاندينه في شيء منها ولا نجعل القول قوله في شيء من ذلك.
قال: وإذا قال الرجل لامرأته: أمرك في يدك فقالت: قد طلقت نفسي ثلاثا، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: إذا كان الزوج نوى ثلاثا فهي ثلاث، وإن كان نوى واحدة فهي واحدة بائنة. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هي ثلاث ولا يسأل الزوج عن شيء.
[ ١٩٠ ]
قال: وكان أبو حنيفة ﵁ يقول في الخيار: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فلا شيء. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إن اختارت نفسها فواحدة يملك بها الرجعة، وإن اختارت زوجها فلا شيء.
[ ١٩١ ]
قال: وإذا قال الرجل لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، طلقت بالتطليقة الأولى ولم يقع عليها التطليقتان الباقيتان. وهذا قول أبي حنيفة ﵁. بلغنا عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وإبراهيم ﵁ بذلك، لأن امرأته ليست عليها
[ ١٩٢ ]
عدة فقد بانت منه بالتطليقة الأولى وحلت للرجال، ألا ترى أنها لو تزوجت بعد التطليقة الأولى قبل أن يتكلم بالثنية زوجا كان نكاحها جائزًا؟ فكيف يقع عليها الطلاق وهي ليست بامرأته وهي امرأة غيره؟ وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: عليها الثلاث التطليقات إذا كانت من الرجل في مجلس واحد على ما وصفت لك.
وإذا شهد شاهد على رجل أنه طلق امرأته واحدة وشهد آخر أنه طلقها اثنين، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: شهادتهما باطلة لأنهما قد اختلفا، وكان ابن أبي ليلى يقول: يقع عليها من ذلك تطليقة نهما قد اجتمعا عليها. وبهذا نأخذ.
[ ١٩٣ ]
قال: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا وقد دخل بها، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول في ذلك: لها السكنى والنفقة حتى تنقضي عدتها، وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول: لها السكنى وليس لها النفقة. وقال أبو حنيفة
[ ١٩٥ ]
﵁: لم وقد قال الله ﷿ في كتابه: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؟ وبلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه جعل للمطلقة ثثا السكنى والنفقة.
قال: وإذا آلى الرجل من امرأته فحلف لا يقربها شهرًا أو شهرين أو ثلاثا، لم يقع عليه بذلك إيلاء ولا طلاق، لأن يمينه كانت على أقل من أربعة أشهر. حدثنا بذلك سعيد بن أبي عروبة عن عامر
[ ١٩٦ ]
الأحول عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵄ وهو قول أبي حنيفة. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: هو مول منها إن تركها أربعة أشهر بانت بالايلاء، والايلاء: تطليقة بائنة.
[ ١٩٧ ]
وإذا حلف الرجل لا يقرب امرأته في هذا البيت أربعة أشهر فتركها أربعة أشهر فلم يقربها فيه نولا في غيره، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: ليس عليه في هذا إيلاء، ألا ترى أن له أن يقربها في غير ذلك البيت ولا تجب عليه الكفارة؟ وإنما الإيلاء كل يمين تمنع الجماع أربعة أشهر لا يستطيع أن يقربها إلا أن يكفر يمينه. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول في هذا: هو مول إن تركها أربعة أشهر بانت بالايلاء والإيلاء تطليقة بائنة.
قال: وإذا ظاهر الرجل من امرأته فقال: أنت على كظهر أمي يوما أو وقت وقا أكثر من ذلك، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هو مظاهر منها لا يقربها في ذلك الوقت حتى يكفر كفارة الظهار، فإذا مضى ذلك الوقت سقطت عنه الكفارة وكان له أن يقربها بغير كفارة. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو مظاهر منها أبدا، وإن مضى ذلك الوقت فهو مظاهر لا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار.
[ ١٩٨ ]
قال: وإذا ارتد الزوج عن الإسلام وكفر، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: بانت منه امرأته إذا ارتد، لا تكون مسلمة تحت كافر. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: هي امرأته على حالها حتى يستتاب، فإن تاب فهي امرأته، وإن أبى قتل وكان لها ميراثها منه.
قال: وإذا رجعت المرأة من أهل الإسلام إلى الشرك، كان هذا والباب الأول سواء في قولهما جميعا، غير أن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: يعرض على المرأة الإسلام، فإن أسلمت خلى سبيلها، وإن أبت حبست في السجن حتى تنوب ولا تقتل. بلغنا ذلك عن ابن عباس ﵄.
[ ١٩٩ ]
وكان ابن أبي ليلى يقول: إن لم تتب قتلت، وبه نأخذ. ثم رجع إلى قول أبي حنيفة ﵁، وكيف تقتل وقد نهى رسول الله - ﷺ -
[ ٢٠٠ ]
عن قتل النساء في الحروب من أهل الشرك؟ فهذه مثلهم.
[ ٢٠١ ]
قال: وإذا قال الرجل: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هو كما قال، وأي امرأة تزوجها فهي طالق واحدة. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يقع عليه الطلاق،
[ ٢٠٢ ]
لأنه عمم فقال: كل امرأة أتزوجها، فإذا سمى امرأة مسماة أو مصرا بعينه أو جعل ذلك إلى أجل، فقولهما فيه سواه، ويقع به الطلاق.
قال: وإذا قال الرجل لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق أو قال: إذا تزوجت إلى كذا وكذا من الأجل امرأة فهي طالق، أو قال: كل امرأة أتزوجها من قرية كذا وكذا فهي طالق، أو من بني فلان فهي طالق، فهما جميعًا كانا يقولان: إذا تزوج تلك فهي طالق، وإن دخل بها فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لها مهر ونصف مهر بالدخول ونصف مهر بالطلاق الذي وقع عليها قبل الدخول، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لها نصف مهر، ويفرق بينهما في قولهما جميعًا.
[ ٢٠٣ ]
قال: وإذا قذف الرجل امرأته وقد وطئت وطئًا حراما قبل ذلك، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا حد عليه ولا لعان. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه الحد. ولو قذفها غير زوجها لم يكن عليه حد
[ ٢٠٤ ]
في قول أبي حنيفة، وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه الحد ينبغي في قول ابن أبي ليلى أن يكون مكان الحد اللعان.
قال: وإذا قال الرجل لامرأته: لا حاجة لي فيك، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: ليس هذا بطلاق وإن أراد به الطلاق. وبه نأخذ.
[ ٢٠٥ ]
[وكان ابن أبي ليلى يقول: هي تطلق ثلاثًا] وقال أبو حنيفة ﵁: وكيف يكون هذا طلاقا وهو بمنزلة: لا أشتهيك ولا أريدك ولا أهواك ولا أحبك؟ فليس في شيء من هذا طلاق.
قال: وإذا قذف الرجل وهو عبد امرأته وهي حرة وقد أعتق نصف العبد أحد الشريكين وهو يسعى للآخر في نصف قيمته، فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: هو عبد ما بقى عليه شيء من السعاية وعليه حد العبد. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو حر وعليه اللعان، وبه نأخذ. وكذلك ل شهد شهادة أبطلها أبو حنيفة وأجازها ابن أبي ليلى، ولو قذف رجل هذا العبد الذي يسعى في نصف قيمته لم يكن عليه حد في قول أبي حنيفة ﵁، لأنه بمنزلة العبد، وكان على قاذفه الحد في قول ابن أبي ليلى، وبه نأخذ. ولو قطع هذا العبد يد رجل متعمدا لم يكن عليه
[ ٢٠٦ ]
القصاص في قول أبي حنيفة ﵁. وبه نأخذ، وهو بمنزلة العبد، وكان عليه القصاص في قول ابن أبي ليلى، وهو بمنزلة الحر في كل قليل أو كثير أو حد أو شهادة أو غير ذلك، وهو في قول أبي حنيفة ﵁ بمنزلة العبد ما دام عليه درهم من قيمته. وكذلك هو في قولهما جميعًا لو أعتق جزءًا من مائة جزء أو بقى عليه جزء من مائة جزء من كتابته إن شاء الله تعالى، وإن كان أمة بين اثنين ولها زوج عبد أعتقها أحد موليها وقضى عليها بالسعاية للآخر، لم يكن لها خيار في النكاح في قول أبي حنيفة حتى تفرغ من السعاية وتعتق، وكان لها الخيار في قول ابن أبي ليلى يوم يقع العتق عليها. وبه نأخذ. ولو طلقت يومئذ كانت عدتها وطلاقها في قول أبي حنيفة
[ ٢٠٧ ]
﵁ عدة أمة وطلاق أمة، وكانت عدتها وطلاقها في قول ابن أبي ليلى عدة حرة وطلاق حرة. ولو لم يكن لها زوج وأرادت أن تتزوج لم يكن لها ذلك حتى يأذن الذي له عليها السعاية. فهي في قول أبي حنيفة بمنزلة الأمة، وفي قول ابن أبي ليلى بمنزلة الحرة.
قال: وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء فلان وفلان غائب لا يدري أحي هو أو ميت أو فلان ميت قد علم بذلك، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يقع عليها الطلاق، وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: يقع عليها الطلاق. قال أبو حنيفة: وكيف يقع عليها الطلاق ولم يشأ فلان؟
قال: وإذا قذف الرجل امرأته وقامت لها البينة وهو يجحد، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: يلاعن، وبه نأخذ، وان ابن أبي ليلى يقول: يلاعن ويضرب الحد.
[ ٢٠٨ ]
وإذا تزوج العبد بغير إذن مولاه فقال له مولاه: طلقها، فإن أبا حنيفة كان يقول: ليس هذا بإقرار بالنكاح إنما أمره بأن يفارقها فكيف يكون هذا إقرارًا بالنكاح؟ وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هذا إقرار بالنكاح.
قال: وإذا طلق الرجل امرأته تطليقة بائنة فأراد أن يتزوج في عدتها
[ ٢٠٩ ]
خامسة، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا أجيز ذلك وأكرهه له. وكان ابن ابي ليلى يقول: هو جائز. وبه نأخذ.
قال: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا وهو مريض، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: إن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها منه، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لها الميراث ما لم تتزوج.
قال: وإذا طلق الرجل امرأته في صحته ثلاثا فجحد ذلك الزوج وادعته
[ ٢١٠ ]
عليه المرأة ثم مات الرجل بعد أن استحلفه القاضي، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا ميراث لها. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لها الميراث إلا أن تقر بعد موته أنه كان طلقها ثلاثًا.
[ ٢١١ ]
قال: وإذا خلا الرجل بامرأته وهي حائض أو وهي مريضة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لها نصف المهر وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لها المهر كاملا.
وإذا قال الرجل لامرأته: إن ضممت إليك امرأة فأنت طالق واحدة فطلقها فبانت منه وانقضت العدة ثم تزوج امرأة أخرى ثم تزوج تلك المرأة التي حلف عليها، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يقع عليها الطلاق من قبل أنه لم يضمها إليها. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: يقع عليها الطلاق.
[ ٢١٢ ]
قال: وإذا قال الرجل: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها على مهر مسمى ودخل بها، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هي طالق واحدة بائنة وعليها العدة ولها مهر ونصف. نصف من ذلك بالطلاق، ومهر بالدخول. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لها نصف مهر بالطلاق وليس لها بالدخول شيء، ومن حجته في ذلك أن رجلا آلى من امرأته فقدم بعد أربعة أشهر فدخل بامرأته، ثم أتى ابن مسعود ﵁
[ ٢١٣ ]
فأمره أن يخطبها فخطبها وأصدقها صداقا مستقبلا، ولم يبلغنا أنه جعل في ذلك الوطء صداقا. ومن حجة أبي حنيفة ﵁ أنه قال: قد وقع الطلاق قبل الجماع فوجب لها نصف المهر، وجامعها بشبهة فعلية المهر، ولو لم أجعل عليه المهر جعلت عليه الحد. وقال أبو حنيفة: كل جماع يدرأ فيه الحد ففيه صداق لابد من الصداق، إذا درأت الحد وجب الصداق.
[ ٢١٤ ]
وإذا لم أجعل الصداق فلابد من الحد. قال أبو يوسف: حدثني محدث عن حماد عن إبراهيم أنه قال فيه: لها مهر ونصف مهر، مثل قول أبي حنيفة.
وإذا قال الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله فدخلت الدار، فإن أبا حنيفة وابن أبي ليلى ﵄ قالا: لا يقع الطلاق. ولو قال: أنت طالق إن شاء الله ولم يقل: إن دخلت الدار، فإن أب حنيفة ﵁ قال: لا يقع الطلاق. وقال: هذا والأول سواء، وبه نأخذ. حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال في ذلك: لا يقع الطلاق ولا العتاق وأخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: لا يقع الطلاق [وقال ابن أبي ليلى: يقع الطلاق هنا،
[ ٢١٥ ]
وكذلك العتاق]
قال: وإذا طلق الرجل امرأته واحدة فانقضت عدتها فتزوجت زوجا ودخل بها ثم طلقها ثم تزوجها الأول، فإن أبا حنيفة ﵁ قال: هي على الطلاق كله. وبه نأخذ. وقال ابن أبي ليلى: هي على ما بقى.
[ ٢١٦ ]