قال أبو يوسف: وإذا اشترى الرجل ثمرًا قبل أن يبلغ من أصناف الغلة كلها، فإن أبا حنفة ﵁ قال: إذا لم يشترط ترك ذلك الثمر إلى أن يبلغ فإن البيع جائز، ألا ترى أنه لو اشترى قصيلا يقصله على دوابه قبل أن يبلغ كان ذلك جائزًا؟
قال: ولو اشترى شيئا من الطلع حين يخرج فقطعه كان جائزًا.
[ ٢٠ ]
وإذا اشتراه ولم يشترط تركه فعليه أن يقطعه، فإذا استأذن صاحبه في تركه فأذن له في ذلك فلا بأس بذلك. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: لا خير في بيع شيء من ذلك حتى يبلغ. ولا بأس إذا اشترى شيئا من ذلك قد بلغ أن يشترط على البائع تركه إلى أجل. وكان أبو حنيفة ﵁ يقول: لا خير في هذا الشرط.
قال: وإذا اشترى الرجل أرضا فيها نخل فيها حمل فلم يذكر النخل ولا الحمل، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: النخل للمشتري تبعًا للأرض والثمرة للبائع إلا أن يشترط المشترى. بلغنا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من اشترى نخلا مؤبرًا فثمرته للبائع إلا أن يستثنيه المشتري». وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: الثمرة للمشتري.
قال: وإذا اشترى الرجل مائة ذراع مكسرة من دار غير مقسومة أو عشرة أجربة من أرض غير مقسومة، فإن أبا حنيفة ﵁ كان
[ ٢١ ]
يقول في ذلك كله: البيع باطل، ولا يجوز لأنه لا يعلم ما اشترى كم هو من الدار، وكم هو من الأرض، وأين موضعه من الدار والأرض؟. وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: هو جائز في البيع. وبه نأخذ، وإن كانت الدار لا تكون مائة ذراع، فالمشتري بالخيار إن شاء ردها، وإن شاء رجع بما نقصت الدار على البائع في قول ابن أبي ليلى.
قال: وإن كانت الآجام محظورة وقد حظر فيها سمك فاشتراه رجل
[ ٢٢ ]
فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يجوز ذلك. بلغنا عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر. وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ وإبراهيم النخعي. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول في هذا: شراؤه جائز لا بأس به. وكذلك بلغنا عن عمر ابن عبد العزيز.
قال: وإذا حبس الرجل في الدين وفلسه القاضي فباع في السجن واشترى وأعتق أو تصدق بصدقة أو وهب هبة، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هذا كله جائز، ولا يباع شيء من ماله في الدين، وليس بعد
[ ٢٣ ]
التفليس شيء، ألا ترى أن الرجل قد يفلس اليوم ويصيب غدًا مالا؟ وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: لا يجوز بيعه ولاش راؤه ولا عتقه ولا هبته ولا صدقته بعد التفليس، فيبيع ماله ويقضيه الغرماء. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى مثل قول ابن أبي ليلى ما خلا العتاقة في الحجر، وليس من قبيل التفليس ولا نجيز شيئا سوى العتاقة من ذلك أبدًا حتى يقضى دينه.
قال: وإذا أعطى الرجل الرجل متاعا يبيعه ولم يسم بالنقد ولا بالنسيئة فباعه بالنسيئة، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هو جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقل: البيع جائز والمأمور ضامن لقيمة المتاع حتى يدفعه لرب المتاع، فإذا خرج الثمن من عند المشترى وفيه فضل عن القيمة، فإنه يرد ذلك الفضل على رب المتاع، وإن كان أقل من القيمة لم يضمن غير القيمة الماضية، ولم يرجع البائع على رب المتاع بشيء، والله تعالى أعلم.
قال: وإذا اختلف البيعان فقال البائع: بعتك وأنا بالخيار، وقال المشتري: بعتني ولم يكن لك خيار، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: القول قول البائع مع يمينه. وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: القول قول المشتري. وبه نأخذ.
[ ٢٤ ]
قال: وإذا باع الرجل جارية بجارية وقبض كل واحد منهما ثم وجد أحدهما بالجارية التي قبض عيبا، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: يردها ويأخذ جاريته لأن البيع قد انتقض، وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: يردها ويأخذ قيمتها صحيحة، وكذلك قولهما في جميع الرقيق والحيوان والعروض.
قال: وإذا اشترى الرجل بيعًا لغيره بأمره فوجد به عيبا، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: يخاصم المشتري ولا نبالي أحضر الأمر أم لا، ولا نكلف المشتري أن يحضر المر، ولا نرى على المشتري يمينًا إن قال البائع [إن] الآمر قد رضى بالعيب، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يستطيع المشتري أن يرد السلعة التي بها العيب حتى يحضر الآمر فيحلف ما رضي بالعيب، ولو كان غائبا بغير ذلك البلد. وكذلك الرجل معه مال مضاربة أتى بلادًا يتجر فيها بذلك المال، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: ما اشترى من ذلك فوجد به عيبا فله أن يرده ولا يستحلف على رضا الآمر بالعيب، وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: لا يستطيع المشتري المضارب أن يرد شيئا من ذلك حتى يحضر رب المال
[ ٢٥ ]
فيحلف بالله ما رضي بالعيب وإن لم ير المتاع وإن كان غائبًا، أرأيت رجلا أمر رجلا فباع له متاعا أو سلعة فوجد المشتري به عيبا أيخاصم البائع في ذلك أو نكلفه أن يحضر الآمر رب المتاع؟ ألا ترى أن خصمه في هذا البائع ولا نكلفه أن يحضر الآمر ولا خصومة بينه وبينه، فكذلك إذا أمره فاشترى له فهو مثل أمره بالبيع، أرأيت لو اشترى متاعا ولم يره أكان للمشترى الخيار إذا رآه أم لا يكون له خيار حتى يحضر الآمر؟ أرأيت لو اشتر عبدًا فوجده أعمى قبل أن يقبضه فقال: لا حاجة لي فيه، أما كان له أن يرده بهذا حتى يحضر الآمر؟ بلى له أن يرده ولا يحضر الآمر.
قال: وإذا باع الرجل ثوبا مرابحة على شيء مسمى فباع المشتري الثوب ثم وجد البائع قد خانه في المرابحة وزاد عليه في المرابحة، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: البيع جائز لأنه قد باع الثوب، ولو كان عنده الثوب كان له أن يرده ويأخذ ما نقد إن شاء ولا يحطه شيئا. وكان ابن أبي ليلى يقول: تحط عنه تلك الخيانة وحصتها من الربح. وبه نأخذ.
قال: وإذا اشترى الرجل للرجل سلعة فظهر فيها عيب قبل أن ينقد الثمن، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: له أن يردها إن أقام البينة
[ ٢٦ ]
على العيب، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: لا أقبل شهودًا على العيب حتى ينقد الثمن.
قال: وإذا باع الرجل على ابنه وهو كبير دارًا أو متاعا من غير حاجة ولا عذر، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يجوز ذلك على ابنه. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: بيعه عليه جائز.
قال: وإذا باع الرجل متاعا لرجل والرجل حاضر ساكت، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يجوز ذلك عليه، وليس سكوته إقرارًا بالبيع، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: سكوته إقرار بالبيع.
قال: وإذا باع الرجل نصيبًا من داره ولم يسم ثلثًا أو ربعًا أو نحو ذلك أو كذا وكذا سهما، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يجوز البيع على هذا الوجه. وقال أبو يوسف ﵀: له الخيار إذا علم إن شاء أخذو إن شاء ترك. وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: إذا كانت الدار
[ ٢٧ ]
بين اثنين أو ثلاثة أجزت بيع النصيب وإن لم يسم، وإن كانت أسهما كثيرة لم يجز حتى يسمى.
قال: وإذا ختم الرجل على شراء. فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: ليس ذلك بتسليم للبيع حتى يقول: سلمت. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: ذلك تسليم للبيع.
قال: وإذا بيع الرقيق والمتاع في عسكر الخوارج وهو متاع من متاع المسلمين أو رقيق من رقيقهم قد غلبوهم عليه، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يجوز ويرد على أهله وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: هو جائز. وإن كان المتاع قائما بعينه والرقيق قائما بعينه وقتل الخوارج قبل أن يبيعوه رد على أهله في قولهم جميعًا.
قال: وإذا باع الرجل المسلم الدابة من النصراني فادعاها نصراني آخر وأقام عليها بينة من النصارى، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا تجوز شهادتهم، من قبل أن يرجع بذلك على المسلم وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: شهادتهم جائزة على النصراني ولا يرجع على المسلم بشيء. وبه نأخذ.
[ ٢٨ ]
قال: وإذا باع الرجل بيعًا من بعض ورثته وهو مريض، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يجوز بيعه ذلك إذا مات من مرضه. وكان ابن أبي ليلى يقول: بيعه جائز بالقيمة. وبه نأخذ.
قال: وإذا استهلك الرجل مالا لولده وولده كبير والرجل غنى، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هو دين على الأب، وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يكون له دين على ابيه، وما استهلك أبوه من شيء لابنه فلا ضمان عليه فيه.
قال: وإذا اشترى رجل جارية بعبد وزاد معها مائة درهم ثم وجد بالعبد عيبًا وقد ماتت الجارية عند المشترى، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: يرد العبد ويأخذ منه مائة درهم وقيمة الجارية صحيحة، فإن كانت الجارية هي التي وجد بها العيب وقد مات العبد، ردت الجارية وقسم قيمة العبد على المائة الدرهم وعلى قيمة الجارية فيكون له ما أصاب المائة الدرهم ويرد ما أصاب قيمة الجارية من قيمة العبد. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول في هذا: إن وجد بالعبد عيبا رده وأخذ قيمته صحيحًا. وكذلك الدراهم التي هي في يديه.
قال: وإذا اشترى الرجل ثوبين من رجل وقبضهما فهلك أحدهما ووجد بالثوب الآخر عيبًا فأراد رده فاختلفا في قيمة الهالك، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: القول قول البائع مع يمينه. وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول: القول قول المشترى.
[ ٢٩ ]