قال أبو يوسف ﵁: وإذا كان على الرجل دين وكان عنده وديعة غير معلومة بعينها، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: ما ترك الرجل فهو بين الغرماء وأصحاب الوديعة بالحصص، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقل: ليس لصاحب الوديعة شيء إلا أن يعرف وديعته
[ ٦١ ]
بعينها، فتكون له خاصة. وقال أبو حنيفة ﵁: هي دين في ماله ما لم يقل قبل الموت: قد هلكت. ألا ترى أنه لم يعلم لها سبيل ذهبت فيه؟ وكذلك كل مال أصله أمانة. وبه نأخذ.
قال: وإذا أقر الرجل في مرضه الذي مات فيه بدين وعليه دين بشهود في صحته وليس له وفاء، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: يبدأ بالدين المعروف الذي في صحته، فإن فضل عنهم شيء كان للذين أقر لهم في المرض بالحصص، ألا ترى أنه حين مرض أنه ليس يملك من ماله شيئًا، ولا تجوز وصيته فيه لما عليه من الدين؟ فكذلك إقراره له. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: هو مدق فيما أقر به، والذي أقر له في الصحة والمرض سواء.
قال: وإذا استدانت امرأة وزوجها غائب، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: أفرض لها على زوجها نفقة مثلها في غيبته. ثم رجع عن ذلك فقال: لا شيء لها وهي متطوعة فيما أنفقت والدين عليها خاصة. وكان
[ ٦٢ ]
ابن أبي ليلى لا يفرض لها نفقة إلا فيما يستقبل. وكذلك بلغنا عن شريح وبهذا نأخذ.
قال: وإذا كان لرجل على رجل مال وله عليه مثله، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هو قصاص. وبه نأخذ، وكان ابن ابي ليلى يقول: لا يكون قصاصًا إلا أن يتراضيا به. فإن كان لأحدهما على صاحبه مال مخالف لذلك لم يكن ذلك قصاصًا في قولهما جميعًا
[ ٦٣ ]
قال: وإذا أقر وارث بدين وفي نصيبه وفاء بذلك الدين، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: يستوفى الغريم من ذلك الوارث المقر جميع ماله من نصيبه، لأنه لا ميراث له حتى يقضي الدين. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إنما يدخل عليه من الدين بقدر نصيبه من الميراث، فإن كان هو وأخ له دخل عليه النصف، وإن كانوا ثلاثة دخل عليه الثلث، والشاهد عنده منهم وحده بمنزلة المقر، وإن كانا اثنين جازت شهادتهما في جميع الميراث في قولهما جميعًا إذا كانا عدلين، فإن لم يكونا عدلين كان ذلك في أنصابهما على ما فسرنا من قول أبي حنيفة وابن أبي ليلى.
قال: وإذا كتب الرجل بقرض في ذكر حق ثم أقام بينة أن أصله كان مضاربة. فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: آخذه به وإقراره على نفسه بالقرض أصدق من دعواه. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول: أبطله عنه وأجعله عليه مضاربة وهو فيه أمين. وإذا أقام الرجل على الرجل البينة بمال في ذكر حق من شيء جائز فأقام الذي عليه الدين البينة أنه من ربا، وأنه قد أقر أنه قد كتب ذكر حق من شيء جائز، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا أقبل منه المخرج ويلزمه المال بإقراره أنه ثمن شيء جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقبل منه البينة على ذلك ويرده إلى رأس المال.
[ ٦٤ ]
قال: وإذا أقر الرجل بمال في ذكر حق من بيع ثم قال بعد ذلك: لم أقبض المبيع ولم تشهد عليه بينة بقبضه، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: المال له لازم ولا ألتفت إلى قوله. وكان ابن ابي ليلى يقول: لا يلزمه شيء من المال حتى يأتي الطالب بالبينة أنه قد قبض المتاع الذي به عليه ذكر الحق. وقال أبو يوسف ﵀: أسأل الذي له الحق أبعت هذا؟ فإن قال: نعم. قلت: فأقم البينة على أنك قد وفيته متاعه، فإن قال الطالب: لم أبعه شيئًا لزمه المال.
قال: وإذا ادعى الرجل على الرجل ألف درهم وجاء عليه بالبينة فشهد أحد شاهديه بالألف وشهد الآخر بألفين، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا شهادة لهما لأنهما قد اختلفا. وكان ابن أبي ليلى يجيز من ذلك ألف درهم ويقضى بها للطالب. وبه نأخذ. ولو شهد أحدهما بألف وشهد
[ ٦٥ ]
الآخر بألف وخمسمائة كانت شهادة الألف جائزة في قولهما جميعًا، وإنما أجاز هذا أبو حنيفة لأنه كان يقول: قد سمى الشاهدان جميعًا ألفًا وقال الآخر خمسمائة فصارت هذه مفصولة من الألف.
قال: وإذا شهد الرجل على شهادة رجل وشهد آخر على شهادة نفسه في دين أو شراء أو بيع، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا تجوز شهادة شاهد على شهادة شاهد ولا يقبل عليه إلا شاهدان. وكذلك بلغنا عن علي بن أبي طالب ﵁. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى
[ ٦٦ ]
يقول: أقبل شهادة شاهد على شهادة شاهد. وكذلك بلغنا عن شريح وإبراهيم.
قال: وإذا شهد الشهود على دار أنها لفلان مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: إن شهدوا أنهم لا يعلمون له وراثا غير هؤلاء جازت الشهادة. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا تجوز شهادتهم إذا قالوا: لا نعلم له وارثًا غير هؤلاء حتى يثبتوا ذلك فيقولوا: لا وارث له غيرهم، وإذا جاء وارث غيرهم ببينة أدخله معهم في الميراث. ولم تبطل شهادة الأولين في قولهما.
قال: وإذا شهد الشهود على زنا قديم أو سرقة قديمة، فإن أبا حنيفة
[ ٦٧ ]
﵁ كان يقول: يدرأ الحد في ذلك، ويقضى بالمال وينظر في المهر لأنه قد وطئ فإذا لم يقم الحد بالوطء فلابد من مهر، وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرة ذلك فإنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: أقبل شهادتهم وأمضى الحد. فأما السركان فإن أتى به وهو غير سكران فلا حد عليه، وإن كان أخذ وهو سكران فلم يرتفع إلى الوالي حتى ذهب السكر عنه إلا أنه في يدي الشرط أو عامل الوالي فإنه يحد.
قال: وإذا شهد الشهود عند القاضي بشهادة فادعى المشهود عليه أنهم شهدوا بزور وقال: أنا أجرحهم وأقيم البينة أنهم استؤجروا وأنهم قوم فساق، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا أقبل الجرح على مثل هذا. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقبله. فأما غير ذلك من محدود في قذف أو شريك أو عبد فهما يقبلان في هذا الجرح جميعًا، وحفظى عن أبي يوسف أنه قال بعد: يقبل الجرح إذا شهد من أعرفه وأثق به
[ ٦٨ ]
قال: وإذا شهد الوصي للوارث الكبير على الميت بدين أو صدقة في دار أو هبة أو شراء، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يجوز ذلك، وكان ابن ابي ليلى يقول: هو جائز، وبه نأخذ. وإذا شهد الوصى على غير الميت للوارث الكبير بشيء له خاصة فشهادته جائزة في قولهما جميعًا.
قال: وإذا ادعى رجل دينًا على ميت فشهد له شاهدان على حقه وشهد هو وآخر على وصية ودين لرجل عليه، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: شهادتهم جائزة لأن الغريم يضر نفسه بشهادته. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا تجوز شهادته، وإذا شهد أصحاب الوصايا بعضهم لبعض لم تجز، لأنهم شركاء في الوصية الثلث بينهم. وقال أبو يوسف: أصحاب الوصايا والغرماء سواء، لا تجوز شهادة بعضهم لبعض.
قال: وإذا شهد الرجل لامرأته، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا تجوز شهادته لا، وكذلك بلغنا عن شريح. وبهذا
[ ٦٩ ]
نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: شهادته لها جائزة.
قال: وإذا شهد الرجل على شهادة وهو صحيح البصر ثم عمى فذهب بصره. فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا تجوز شهادته تلك إذا شهد بها. بلغنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه رد شهادة أعمى شهد عنده. وكان ابن أبي ليلى يقول: شهادته جائزة. وبه نأخذ، إذا كان شيء لا يحتاج أن يقف عليه.
قال: وإذا أقر الرجل بالزنا أربع مرات في مقام واحد عند القاضي، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: هذا عندي بمنزلة مرة واحدة ولا حد عليه في هذا. وبه نأخذ. بلغنا عن رسول الله - ﷺ - أن
[ ٧٠ ]
ماعز بن مالك ﵁ أتاه فأقر عنده بالزنا فرده، ثم أتاه الثانية فأقر عنده فرده، ثم أتاه الثالثة فأقر عنده فرده، ثم أتاه الرابعة فأقر عنده فسأل قومه هل تنكرون من عقله شيئا؟ قالوا: لا، فأمر به فرجم.
وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقيم الحد إذا أقر أربع مرات في مقام واحد.
قال: وإذا اقر الرجل بالزنا عند غير قاض أربع مرات، فإن أبا حنيفة ﵁ كان لا يرى ذلك شيئا ولا يحده. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا قامت عليه الشهود بذلك أحده.
قال: وإذا رجع الرجل عن شهادته بالزنا وقد رجم صاحبه بها، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: يضرب الحد ويغرم ربع الدية، وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: أقتله، فإن رجعوا أربعتهم قتلتهم ولا
[ ٧١ ]
لغرمهم الدية، فإن رجع ثلاثة في قول أبي حنيفة ﵁ ضربوا الحد وغرم كل واحد منهم ربع الدية.
قال: وإذا شهد الشهود عند القاضي على عبد وحلوه ووصفوه وهو في بلدة أخرى فكتب القاضي شهادتهم على ذلك، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا أقبل ذلك ولا أدفع إليه العبد، لأن الحلية قد توافق الحلية وهو ينتفع بالعبد حتى يأتي به إلى القاضي الذي كتب له، أرأيت لو كانت جارية جميلة والرجل غير أمين أكنت أبعث بها معه؟ وكان ابن أبي ليلى يقول: يختم في عنق العبد ويأخذ من الذي جاء بالكتاب كفيلا ثم يبعث به إلى القاضي، فإذا جاءه العبد والكتاب الثاني دعا الشهود، فإن شهدوا أنه عبده أبرأ كفيله وقضى بالعبد أنه له وكتب له بذلك كتابا إلى القاضي الذي أخذ منه الكفيل حتى يبرئ كفيله. وبه نأخذ.
قال: وإذا شهد الرجل من أهل الكوفة شهادة فعدل بمكة وكتب بها قاضي مكة إلى قاضي مصر في مصر غير مصره بالشهادة وزكى هناك وكتب بذلك إلى قاضي الكوفة فشهد قوم من أهل الكوفة أن هذا الشاهد فاسق، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: شهادتهم لا تقبل عليه أنه فساق. وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى ﵀ يقول: نرد شهادته ويقبل قولهم.
[ ٧٢ ]
وقال أبو حنيفة ﵁: لا ينبغي للقاضي أن يفعل ذلك، لأنه قد غاب عن الكوفة سنين فلا يدري ما أحدث ولعله قد تاب.
قال: وإذا شهد الشاهدان من اليهود على رجل من النصارى وشهد شاهدان من النصارى على رجل من اليهود، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: ذلك جائز، لأن الكفر كله ملة واحدة. وبه نأخذ. وكان
[ ٧٣ ]
ابن أبي ليلى لا يجيز ذلك ويقول: لأنهما ملتان مختلفتان. وكان أبو حنيفة يورث اليهودي من النصراني والنصراني من اليهودي ويقول: أهل الكفر بعضهم من بعض وإن اختلفت مللهم. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى لا يورث بعضهم من بعض.
قال: وإذا شهد الشهود عند قاضي الكوفة على عبد وحلوه ووصفوه أنه لرجل، فإن أبا حنيفة ﵁ قال: لا أكتب له. وقال ابن أبي ليلى: أكتب له شهادتهم إلى قاضي البلد الذي فيه العبد، فيجمع القاضي الذي العبد في بلده بين الذي جاء بالكتاب وبين الذي عنده العبد، فإن كان للذي عنده العبد حجة وإلا بعث بالعبد مع الرجل الذي جاء بالكتاب مختوما في عنقه وأخذ منه كفيلا بقيمته ويكتب إلى القاضي بجواب كتابه بذلك، فيجمع قاضي الكوفة بين البينة وبين العبد حتى يشهدوا عليه بعينه ثم يرده مع الذي جاء به إلى قاضي البلد الذي كان فيه العبد حتى يجمع بينه وبين خصمه ثم يمضي عليه القضاء ويبرأ كفيله. وبه نأخذ. قال أبو يوسف: ما لم تجيء تهمة أو أمر يستريبه من العلام.
[ ٧٤ ]
وإذا سافر الرجل المسلم فحضره الموت فأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا تجوز شهادتهما، وبه نأخذ لقول الله ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وكان ابن أبي ليلى يقول: ذلك جائز.
وكان أبو حنيفة ﵁ لا يرى على شاهد الزور تعزيرًا غير أنه يبعث به إلى سوقه إن كان سوقيا، وإلى مسجد قومه إن كان من العرب فيقول: القاضي يقرئكم السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس. وذكر ذلك أبو حنيفة عن
[ ٧٥ ]
القاسم عن شريح وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه التعزير ولا يبعث به ويضربه خمسة وسبعين سوطا. قال أبو يوسف: أعزره ولا أبلغ به أربعين سوطا، ويطاف به. وقال أبو يوسف: بعد ذلك: أبلغ به خمسة وسبعين سوطًا.
[ ٧٦ ]
قال: وإذا اختلف الشاهدان في الموطن الذي شهدا فيه فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا نعزرهما، ويقول: لأني لا أدري أيهما الصادق من الكاذب إذا كانا شهدا على فعل؟ فإن كانا شهدا على إقرار فإنه كان يقول: لا أدري لعلهما صادقان جميعًا وإن اختلفا في الإقرار. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يرد الشاهدين وربما ضربهما وعاقبهما. وكذلك لو خالف المدعى الشاهدين في قول أبي حنيفة ﵁ فشهدا بأكثر مما ادعى، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا نضربهما ونتهم المدعى عليهما. وكان ابن ابي ليلى ربما عزرهما وضربما وربما لم يفعل.
قال: وإذا لم يطعن الخصم في الشهد، فإن أبا حنيفة ﵁ كان يقول: لا يسأل القاضي عن الشاهد. وكان ابن أبي ليلى يقول: يسأل عنه.
[ ٧٧ ]
وبهذا نأخذ. وكان أبو حنيفة ﵁ لا يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض.