ولا بد لي أن أذكر ترجمة وجيزة للإمام محمد أنقلها من تاريخ بغداد للخطيب فأقول: هو محمد بن الحسن بن فرقد أبو عبد الله الشيباني مولاهم. صاحب أبي حنيفة، وإمام أهل الرأي، أصله دمشقى من أهل قرية تسمى "حَرّسُتا" قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط، ونشأ بالكوفة وسمع العلم بها من أبي حنيفة ومسعر بن كدام وسفيان الثوري وعمر بن ذر ومالك بن مغول، وكتب أيضا عن مالك بن أنس وأبي عمرو الأوزاعي وزمعة بن صالح وبكير بن عامر وأبي يوسف القاضي، وسكن بغداد وحدث بها، فروى عنه محمد بن إدريس الشافعي. أبو سليمان الجوزجاني
[ المقدمة / ١٤ ]
قال نبأنا محمد بن عثمان بن الحسن القاضي قال نبأنا محمد بن يوسف الهروي بدمشق قال أنبأنا محمد بن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول قال محمد بن الحسن: أقمت على باب مالك ثلاث سنين وكسرا، وكان يقول: إنه سمع منه لفظا أكثر من سبعمائة حديث. قال: وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس عليه حتى يضيق عليهم الموضع، وإذا حدثهم عن غير مألك لم يجبه إلا [القليل] من الناس، فقال: ما أعلم أحدا أسوأ نثا على أصحابه منكم، إذا حدثكم عن مالك ملأتم عليّ الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابكم إنما تأتوني متكارهين.
أخبرنا علي بن أبي علي قال أنبأنا طلحة بن محمد بن جعفر قال حدثني مكرم القاضي قال حدثني أحمد بن عطية قال سمعت أبا عبيد يقول: كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم، وكان الحسن بن زياد ثقيل القلب [ممتلئ البطن] على محمد بن الحسن، فقام ودخل الناس من أصحاب الخليفة، فأمهل الرشيد يسيرا ثم خرج الآذن فقال: محمد بن الحسن! فجزع أصحابه له، فأدخل فأمهل، ثم خرج طيب النفس مسرورا، فقال: قال لي: ما لَكَ لم تقم مع الناس؟ قلت: كرهت أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم فكرهت أن أخرج منه إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة منه، وإن ابن عمك ﷺ قال: من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار، وإنه إنما أراد بذلك العلماء، فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتبع السنة
[ المقدمة / ١٥ ]
التي عنكم أخذت. فهو زين لكم. قال: صدقت يا محمد! ثم قال: إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على أن لا ينصروا أبناءهم، وقد نصروا أبناءهم وحلّت بذلك دماؤهم، فما ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك وقد نصروا أبناءهم بعد عمر، واحتمل ذلك عثمان وابن عمك، وكان من العلم ما لا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنن، فهذا صلح من الخلفاء بعده، ولا شيء يلحقك في ذلك؛ وقد كشفت لك العلم، ورأيك أعلا. قال: لكنا نجريه على ما أجره إن شاء الله، إن الله أمر نبيه بالمشورة، فكان يشاور في أمره، ثم يأتيه جبريل ﵇ بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاد الله أمرك ومر أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك. فخرج له مال كثير ففرقه.
أخبرني أبو الوليد الدربندي قال نا محمد بن أبي بكر الوراق ببخارى قال نا محمد بن أحمد بن حرب قال نا أحمد بن عبد الواحد بن رفيد قال سمعت أبا عصمة سعد بن معاذ يقول سمعت إسمعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول: كان محمد بن الحسن له بمجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة.
أخبرنا على بن المحسن التنوخي قال: وجدت في كتاب جدي: حدثنا الحرمي بن أبي العلاء المكي قال نبأنا إسحاق بن محمد بن أبان النخعي قال حدثني هاني بن صيفي قال حدثني مجاشع بن يوسف قال: كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتي بالناس فدخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو حدث فقال: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟ فقال مالك: لا يدخل الجنب المسجد. قال: فكيف يصنع وقد حضرت
[ المقدمة / ١٦ ]
الصلاة وهو يرى الماء؟ قال: فجعل مالك يكرر: لا يدخل الجنب المسجد، فلما أكثر عليه قال له مالك: فما تقول أنت في هذا؟ قال: يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد ويخرج فيغتسل: قال: من أين أنت؟ قال: من أهل هذه!. وأشار إلى الأرض، فقال: ما من أهل المدينة أحد لا أعرفه، فقال: ما أكثر من لا تعرف! ثم نهض. قالوا لمالك: هذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة. قال مالك: محمد بن الحسن كيف يكذب؟ وقد ذكر أنه من أهل المدينة! قالوا: إنما قال: من أهل هذه - وأشار إلى الأرض. قال: هذا أشد علي من ذاك.
كتب إليّ محمد أبو عبد الرحمن بن عثمان الدمشقي يذكر أن خيثمة بن سليمان القرشي أخبرهم قال نا سليمان بن عبد الحميد البهراني قال سمعت يحيى بن صالح يقول قال لى ابن أكثم: قد رأيت مالكا وسمعت منه ورافقت محمد بن الحسن فأيهما كان أفقه؟ فقلتُ: محمد بن الحسن [فيما يأخذه لنفسه] أفقه من مالك.
أخبرنا على بن أبي علي قال أنبأنا طلحة بن محمد قال حدثني مكرم بن أحمد قال نا أحمد بن عطية قال سمعت أبا عبيد يقول: ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن.
حدثنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب العجلى بحلوان قال أنبأنا أبو بكر بن المقريء بأصبهان قال نبأنا أبو عمارة حمزة بن علي المصرى قال سمعت الربيع بن سلمان يقول سمعت الشافعي يقول: لو أشاء أن أقول: إن القرآن نزل بلغة محمد، لقلته لفصاحته.
[ المقدمة / ١٧ ]
أخبرنا رضوان بن محمد الدينوري قال سمعت الحسين بن جعفر، العنزي بالري يقول سمعت أبا بكر بن المنذر يقول سمعت المزني يقول سمعت الشافعي يقول: ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصح منه، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته.
حدثني الحسن بن محمد بن الحسن الخلال قال أنبأنا على بن عمرو الجريري أن أبا القاسم علي بن محمد بن كأس النخعي حدثهم قال نبأنا أحمد بن حماد بن سفيان قال سمعت الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن. وقال النخعي: حدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي قال نبأنا عباس الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول: كتبت الجامع الصغير عن محمد بن الحسن.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال أنبأنا محمد بن إسمعيل التمار الرقي قال حدثني الربيع قال سمعت الشافعي يقول: حملت عن محمد بن الحسن وقر بختي كتبا.
أخبرنا أبو بشر محمد بن عمر الوكيل قال نبأنا عمر بن أحمد الواعظ وأخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن يوسف الواعظ قال أنبأنا عبيد الله بن عثمان الدقاق قالا نبأنا إبراهيم بن محمد بن أحمد البخاري قال حدثني عباس بن عزيز أبو الفضل - زاد عبيد الله "القطان" ثم اتفقا - قال نبأنا حرملة بن يحيى قال نبأنا محمد بن إدريس الشافعي قال: كان محمد بن الحسن الشيباني إذا أخذ في المسألة كأنه قرآن ينزل عليه، لا يقدم حرفا ولا يؤخر.
[ المقدمة / ١٨ ]
أخبرنا علي بن أبي علي قال أنبأنا طلحة بن محمد بن جعفر قال حدثني أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن حبيش البغوي قال حدثني جعفر بن ياسين قال سمعت الربيع بن سلمان يقول: وقف رجل على الشافعي فسأله عن مسألة فأجابه، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله! خالفك الفقهاء، فقال له الشافعي: وهل رأيت فقيها قط؟ اللهم إلا أن تكون رأيتَ محمد بن الحسن، فإنه كان يملأ العين والقلب، وما رأيت مبدنا قط أذكى من محمد بن الحسن. وقال ابن حبيش حدثني جعفر بن ياسين قال: كنت عند المزني فوقف عليه رجل فسأله عن أهل العراق فقال له: ما تقول في أبي حنيفة؟ قال: سيدهم. قال: فأبو يوسف؟ قال: أتبعهم للحديث. قال: فمحمد بن الحسن؟ قال: أكثرهم تفريعا. قال: فزفر؟ قال: أحدهم قياسا.
حدثني الحسن بن محمد الخلال قال أنبأنا علي بن عمرو الجريري أن علي بن محمد النخعي حدثهم قال نا أحمد بن حماد بن سفيان قال سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: أمَنُّ الناس عليّ في الفقه محمد بن الحسن. وقال النخعي نبأنا البختري بن محمد قال سمعت محمد بن سماعة يقول قال محمد بن الحسن لأهله: لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي، فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي.
أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطى قال نا محمد بن جعفر الكوفي التميمي قال قال لنا أبو علي الحسن بن داود: فخر أهل البصرة
[ المقدمة / ١٩ ]
بأربعة كتب، منها كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الحيوان له، وكتاب سيبويه، وكتاب الخليل في العين؛ ونحن نفتخر بسبعة وعشرين ألف مسألة في الحلال والحرام عملها رجل من أهل الكوفة يقال له محمد بن الحسن قياسية عقلية لا يسع الناس جهلها، وكتاب الفراء في المعاني، وكتاب المصادر في القرآن، وكتاب الوقف والابتداء فيه، وكتاب الواحد والجميع فيه، سوى باقي الحدود - الخ.
حدثني الخلال نا علي بن عمرو أن علي بن محمد النخعي حدثهم قال نا أبو بكر القراطيسي قال نا إبراهيم الحربي قال سألت أحمد بن حنبل قلت: هذه المسائل الدقائق من أين لك؟ قال: من كتب محمد بن الحسن.
قال الخطيب (ص ١٨١): أخبرنا على بن محمد بن الحسن المالكي قال أنبأنا عبد الله بن عثمان الصفار قال أنبأنا محمد بن عمران بن موسى الصيرفي قال نبأنا عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه قال: وسألته عن أسد بن عمرو والحسن بن زياد اللؤلؤي ومحمد بن الحسن، فضعف أسدا والحسن بن زياد، وقال: محمد بن الحسن صدوق.
أخبرنا أبو سعيد الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسنويه الأصبهاني قال أنبأنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان قال أنبأنا عمر بن أحمد الأهوازي قال نبأنا خليفة بن خياط قال: محمد بن الحسن القاضي يكنى أبا عبد الله، مولى بني شيبان، مات بالريّ سنة تسع وثمانين ومائة.
أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين التوزي قال أنبأنا القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن موسى بن محمد المعروف بابن العلاف قال نبأنا أبو عمر
[ المقدمة / ٢٠ ]
الزاهد، قال سمعت أحمد بن يحيى يقول: توفي الكسائي ومحمد بن الحسن في يوم واحد، قال الرشيد: دفنت اليوم اللغة والفقه.
أخبرنا أبو نعيم الأصبهاني الحافظ قال نبأنا أبو طلحة تمام بن محمد بن علي الأزدي بالبصرة قال أنشدنا القاضي محمد بن أحمد بن أبي حازم قال أنشدنا الرياشي قال: أنشدنا اليزيدي لنفسه يرثي محمد بن الحسن والكسائي وكانا خرجا مع الرشيد إلى الري فماتا بها في يوم واحد:
أتيت على قاضي القضاة محمد … فأذْوَيْتُ دمعي والعيون هجودُ
وقلتُ إذا ما الخطب أشكل من لنا … بايضاحه يومًا وأنت فقيدُ
وأقلقني موت الكسائي بعده … وكادت بي الأرض الفضاء تميدُ
هما عالمانا أوديا وتُخُرِّما … فما لهما في العالمين نديد
أخبرنا على بن أبى على قال نا طلحة بن محمد قال حدثني مكرم بن أحمد القاضي قال نا أحمد بن محمد بن المغلس قال نا سليمان بن أبي شيخ قال حدثني ابن أبي رجاء القاضي قال: سمعت محمويه - وكنا نعده من الأبدال - قال: رأيت محمد بن الحسن في المنام فقلت: يا أبا عبد الله! إلى ما صرت؟ قال قال لي: إني لم أجعلك وعاء للعلم وأنا أريد أن أعذبك. قلت: فما فعل أبو يوسف؟ قال: فوق. قلت: فما فعل أبو حنيفة؟ قال: فوق أبي يوسف بطبقات - انتهى ما قاله الخطيب في تاريخه بلفظه ج ٢ ص ١٧٢ منتخبا منه ما ناسب المقام وصح عند المنصفين من العلماء. ومناقب هذا الإمام كثيرة، فإن شئت التفصيل فعليك بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني - فرضي الله عنه وأغدق جدثه.
[ المقدمة / ٢١ ]
وأما ترجمة الإمام أبي يوسف وترجمة إمامنا الأعظم أبي حنيفة فتركتهما روما للاختصار، وترجمة راوية أبي سليمان قد ذكرتها في أول صحيفة من تعليق الكتاب.
قلت: وفرغت من المقدمة يوم الخميس الثالث عشر من شهر الله المحرم من شهور سنة ١٣٨٦ هـ في مكان اللجنة، بجلال كوجه، بحيدرآباد الدكن من الهند.
والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الهادين المهتدين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أبو الوفاء الأفغاني
رئيس لجنة إحياء المعارف النعمانية
[ المقدمة / ٢٢ ]