وإذا قال الرجل لله علي أن أعتكف شهرا ولم ينو شهرا
[ ٢ / ٢٩٦ ]
بعينه فله أن يعتكف أي شهر شاء ولكن لا بد له من أن يتابع بين اعتكافه ولا يفرق
فإن قال نويت أن أعتكف بالنهار دون الليل لم تكن نيته تلك شيئا لأن الشهر يدخل فيه الليل والنهار والاعتكاف يجب بالليل والنهار فلذلك كان عليه الشهر متتابعا
وإن قال لله علي أن أصوم شهرا ولم ينو شهرا بعينه ولا متتابعا ولا نية له فإن شاء فرق بين صومه وإن شاء وصل لأن الصوم يكون بالنهار دون الليل فلذلك كان له أن يفرق إن شاء
وإذا قال لله علي اعتكاف شهر فعليه اعتكاف بصومه لا بد منه لأن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم والليل لا يكون فيه صوم
وإذا قال لله علي أن أعكف يوما وجب عليه أن يعتكف يوما يصوم فيه يدخل المسجد قبل طلوع الفجر فيقيم فيه صائما إلى أن تغيب الشمس ولا يخرج منه إلا لغائط أو بول أو جمعة
وإذا قال لله علي أن أعتكف ليلتين فعليه أن يعتكف ليلتين
[ ٢ / ٢٩٧ ]
بيوميهما يدخل المسجد قبل أن تغيب الشمس فيقيم فيه تلك الليلة ويصبح صائما ويقيم فيه الليلة الأخرى ويصبح صائما معتكفا إلى الليل
ولا يشبه قوله لله علي اعتكاف ليلة قوله لله علي اعتكاف ليلتين لأن الليلتين يكونان بيوميهما والليلة لا تكون بيوميهما ألا ترى أنه لو قال لله علي أن أعتكف ثلاثين ليلة دخل في ذلك الليل والنهار وكان بمنزلة لله علي أن اعتكف شهرا
ولو قال لله علي أن أعتكف يومين كان عليه اعتكاف يومين بليلتيهما فينبغي له إذا أراد ذلك أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس فيمكث فيه ليلته ويومه والليلة الأخرى ويومها
وإذا قال لله على أن أعتكف ثلاثين ليلة وقال نويت الليل دون النهار فليس عليه شيء لأن الصيام لا يكون إلا بالليل ولا يكون اعتكاف إلا بصوم
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وإن قال لله علي أن أعتكف ثلاثين يوما وقال نويت النهار دون الليل فهو كما قال وإن شاء فرق اعتكافه وإن شاء جمع لأن هذا بمنزلة الصوم
وإذا قال لله على أن أعتكف شهر رمضان فعليه أن يعتكف بالليل والنهار فإن صامه ولم يعتكفه كان عليه قضاء اعتكافه فيعتكف شهرا مكانه متتابعا ويصوم فيه لأن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم فلما لم يعتكف في شهر رمضان وجب عليه قضاء الاعتكاف فلما وجب عليه ذلك وجب عليه مع ذلك الصوم فإن كان لم يعتكف حتى دخل شهر رمضان من قابل فصامه واعتكفه قضاء من اعتكاف الشهر الأول لم يجزه ذلك الشهر وعليه أن يعتكف شهرا يصوم فيه مكان الشهر الأول لأن الشهر الأول حين مضى وجب عليه قضاء اعتكافه بصوم فلا يجزيه من ذلك صوم وجب عليه من غير ذلك ولو أنه أفطر شهر رمضان الأول من عذر وجب عليه قضاؤه باعتكاف متتابع فإن قضاه باعتكاف متتابع أجزاه ذلك لأن الشهر وجب عليه صومه واعتكافه فقضى
[ ٢ / ٢٩٩ ]
ذلك ألا ترى أن رجلا لو قال لله علي أن اعتكف رجب وجب عليه صومه واعتكافه فإن أفطره كله ثم قضاه باعتكاف أجزاه فإن اعتكف مكانه شهر رمضان لم يجزه من الاعتكاف الذي وجب عليه
ولو قال لله علي أن أعتكف رجب فاعتكف مكانه شهر ربيع وذلك قبل أن يدخل شهر رجب أجزاه إن كان صامه مع اعتكافه لأنه شيء أوجبه على نفسه لله فإذا عجل قبل وقته أجزاه ألا ترى أن رجلا لو قال لله علي صوم يوم الخميس فصام يوم الأربعاء قضاء من يوم الخميس أجزاه ذلك وهو قول أبي يوسف وقال محمد أما في قولي فلست أرى ذلك يجزيه حتى يصومه بعد دخوله ألا ترى رجلا لو صام شهر رمضان قبل أن يدخل لم يجزه فكذلك هذا
وقال أبو يوسف لو أن رجلا قال لله علي أن أتصدق بدرهم غدا فتصدق به اليوم أجزاه ذلك فكذلك الصوم الذي أوجبه على نفسه يجزيه إذا عجله قال محمد وأما أنا فأرى الصدقة يجزيه تعجيلها ولا أرى تعجيل الصوم يجزيه وإنما أقيس ما أوجب على نفسه من
[ ٢ / ٣٠٠ ]
ذلك بما أوجب الله تعالى عليه فكما أن الزكاة يجزيه تعجيلها قبل وقتها فكذلك إذا أوجب على نفسه صدقة فعجلها قبل وقتها أجزاه وأما الصوم فلا يجزيه تعجيله كما لا يجزيه تعجيل ما أوجب الله عليه من الصوم
وقال أبو يوسف إذا قال لله علي أن أصلي ركعتين غدا فصلاهما اليوم أجزاه وقال محمد وأما أنا فلا أرى ذلك يجزيه أقيسه بما افترض الله عليه من الصلاة
وقال أبو يوسف ولو أن رجلا قال إذا جاء فلان فلله علي أن أصوم يوما فعجل صيام ذلك اليوم قبل أن يقدم فلان ثم قدم فلان بعد فعليه أن يصوم يوما ولا يجزيه صيام ذلك اليوم ولا يشبه هذا الوجه الأول لأن الأول أوجبه على نفسه بغير يمين وهذا إنما أوجبه على نفسه إذا قدم فلان وإنما يجب عليه بعد قدومه فلا يجزيه تعجيله وكذلك إذا قال إذا قدم فلان فلله علي أن أصلي ركعتين فعجل صلاتهما قبل قدوم فلان ثم قدم فلان فعليه قضاؤهما ولا يجزيه الأوليان وكذلك إذا قال إذا قدم فلان فلله علي أن أتصدق بدرهم فعجل صدقة الدرهم ثم قدم فلان إن ذلك لا يجزيه وعليه أن يتصدق بدرهم آخر
[ ٢ / ٣٠١ ]
وإذا قال لله علي صوم شهر متتابع ولا ينوي شهرا بعينه فعليه أن يصوم شهرا متتابعا فإن أفطر منه يوما استقبل الشهر من أوله فإن كان قال لله علي أن أصوم شهرا متتابعا يعني رجب بعينه أو شهرا من الشهور بعينه فعليه صوم ذلك الشهر وإن أفطر يوما قضى ذلك اليوم وحده وليس عليه أن يستقبل صوم شهر ولكن إذا أراد بقوله لله علي يمينا كفر يمينه مع قضاء ذلك اليوم
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وإذا قال لله علي صوم يوم فأصبح من الغد لا ينوي صوما فلم تزل الشمس حتى نوى أن يصومه من قضاء ذلك اليوم الذي أوجبه على نفسه فإن ذلك لا يجزيه من قضاء ذلك اليوم حتى يعزم عليه من الليل ولكن أحب إلي أن يتم صومه فيجعله تطوعا ولا يفطر وإن أفطر فلا قضاء عليه
وإذا قال لله علي صوم غد فأصبح من الغد لا ينوي ما ثم نوى صومه من قضاء ما عليه قبل الزوال أجزاه ذلك لأنه أوجب هذا اليوم بعينه عليه ألا ترى أن رجلا لو أصبح في يوم من شهر رمضان لا ينوي صومه ثم نوى صومه قبل الزوال أجزاه ذلك ولو أفطر يوما من شهر رمضان فوجب عليه قضاؤه فأصبح في يوم لا ينوي صومه ثم نوى صومه قضاء من الذي وجب عليه لم يجزه ذلك فكذلك هذا
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وإذا قال لله علي أن أصوم غدا ثم أصبح ينوي أن يصومه تطوعا ولا يصومه مما أوجبه على نفسه فصومه ذلك مما أوجبه على نفسه ولا يكون تطوعا
ولو أن رجلا قال لله علي أن أصوم رجب بعينه ثم أنه ظاهر من امرأته فصام شهرين متتابعين أحدهما رجب أجزاه من الظهار وعليه أن يقضي رجب كما أوجب على نفسه وإن أراد يمينا لم يكن عليه كفارة يمين لأنه صام رجب كما حلف
ولو أن رجلا وجب عليه صوم شهرين متتابعين من ظهار فصام شهرين متتابعين أحدهما رمضان لم يجزه ذلك وكان صومه من رمضان خاصة وعليه أن يستقبل صوم شهرين متتابعين ولا يشبه شهر رمضان في هذا الوجه ما أوجب على نفسه لأن الرجل إذا أوجب على نفسه أن يصوم فكان الإيجاب من قبله كان ذلك والصوم الذي وجب بالظهار سواء ولم يكن أحدهما أوجب من صاحبه فمن أيهما صام ذلك الشهر أجزاه فأما شهر رمضان فإنه لا يكون أبدا إلا من شهر رمضان
ألا ترى لو أن رجلا صامه تطوعا كان من شهر رمضان
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وما أوجبه على نفسه مما لم يجب عليه إلا بإيجابه على نفسه فكذلك بمنزلة الشهرين المتتابعين اللذين وجبا بالظهار
ألا ترى أن رجلا لو قال لله علي صوم الأبد كان ذلك واجبا عليه فإن ظاهر من امرأته ولم يجد ما يعتق أجزاه أن يصوم شهرين متتابعين
ألا ترى لو أن رجلا وجب عليه قضاء أيام من شهر رمضان فقضاها في شهر أوجبه على نفسه أجزاه ذلك وكان عليه أن يقضي مكان تلك الأيام من ذلك الشهر فكذلك هذا أو لا ترى أن شهر رمضان لا يشبه ما أوجبه على نفسه من هذا لأنه لو صام ذلك في شهر رمضان لم يجزه